الجمعة، 28 سبتمبر 2018


«التحليل النفسي للنار» لباشلار: تعديلات حتى الرمق الأخير
ابراهيم العريس



في الحقيقة أن المرء لن يمكنه أن يدرك الأسباب الحقيقية التي جعلت من كتاب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار «التحليل النفسي للنار» واحداً من الكتب الفلسفية الأكثر حظوة لدى الشعراء وكل المهتمين بالشعر في العالم، إلا بعد الاطلاع بعمق على هذا الكتاب الذي تُرجم إلى العديد من لغات العالم وقُرئ على نطاق واسع خلال الثمانين عاماً التي مرّت على صدور طبعته الأولى في العام 1938. صحيح أن موضوع الكتاب وتوجهه العلمي فلسفيّ، لكن من الأهمية بمكان هنا الإشارة إلى أنه إنما أتى في الأصل مستوحى من مكتسبات التحليل النفسي الذي كان سيّد كل أنواع التحليل في الحقبة التي اشتغل فيها باشلار على الكتاب. غير أن اللافت في الأمر هو ان مرجعية باشلار هنا لم تكن فرويدية بل يونغية. لكن قراء الكتاب لم يتوقفوا بالتفصيل عند هذه الجزئية بالطبع. كان ما يهمهم هو المنطلق الذي اشتغل عليه الكاتب وفحواه أن «الإنسان يتخيّل أولاً ثم يرى بعد ذلك» وما ينطبق على الإنسان هنا ينطبق بالأحرى على الشعراء. ومن هنا عمد باشلار إلى تصنيف كل ما يشتغل على المخيلة من أحلام وأساطير انطلاقاً من تلك العناصر الأربعة الشهيرة: الهواء، الماء، النار والتراب. ولئن كان باشلار قد وفى بوعوده واشتغل على كل من العناصر على حدة، فإن اشتغاله على النار في هذا الكتاب كان الأكمل والأوضح، وبالتالي الأشدّ جاذبية. وربما لأن للنار رمزينها وسحرها ودلالاتها بما يفوق أياً من العناصر الثلاثة الأخرى.


> في هذا النص البديع والذي يمكن أن يُقرأ كنص شعري، وزّع باشلار موضوع كتابه على ثمانية أقسام رئيسية تضافر كل قسم منها مع شاعر أو رمز شعري ينتمي إلى تاريخ هذا الإبداع بل يلتحم معه. وهكذا مثلاً نراه في القسم الأول يتوقف، وبعد مقدمة تعمّد أن يدعو فيها إلى اتباع الصرامة العلمية في بحث هذا الموضوع، عند موضوعة احترام النار بالإنطلاق مما سماه مركّب برومثيوس (سارق النار المقدسة)، ليلاحظ أن ما يجب أن نعرفه عن النار قبل أي شيء آخر هو أن ليس علينا لمسها! وذلك قبل أن يفيدنا بأن مركّب برومثيوس ليس سوى عقدة أوديب التي تخص العالم الذهني.

> وفي القسم الثاني ينتقل المؤلف من مركّب برومثيوس إلى ذاك المتعلق بإمبدوقلس الذي يذكّرنا بأنه قد رمى نفسه، وفق الأسطورة في فوهة بركان إتنا المشتعل... ما ينقله إلى البحث في سيكولوجية مُشعل النار بعدما درس سيكولوجية سارقها. وهذا ما يتيح له في القسم الثالث أن ينتقل إلى ما يسميه مركّب نوفاليس الذي ارتبطت النار في أشعاره بالحلم والخصوبة. ومنه إلى النار المُجَنْسَنة في علاقتها مع الرغبات غير المستجاب لها باعتبار تلك العلاقة أول ما لاحظه الإنسان الواعي في تاريخه. وإذ يتحول الكاتب في فصل تال إلى دراسة كيمياء النار دراسة علمية خالصة، نجده بعد ذلك يعود إلى علاقتها بالإبداع، وهذه المرة من خلال هوفمان وحكاياته التي تقول لنا ذات لحظة إن «ماء الحياة ليست سوى ماء النار»، كما ينتقل في الفصل السابع، انطلاقاً من هذه الفكرة تحديداً إلى علاقة النار بالطهارة، مايوصله في استنتاجه الأخير إلى القول إن «حلم اليقظة المتعلق بالنار هو الذي يسمح لنا بإبراز أن كل التباسات هذا العنصر، ومنها الوعي بالاحتراق والإحساس بكثافة النار، تتعلق جميعاً بمسألة الألم»، خالصاً إلى أن حلم اليقظة هو وحده القادر حين يكون خلاقاً على تحطيم تلك الآلام الملتبسة، وذلك بالتحديد «لأن المخيّلة هي القوة التي تؤمّن الإنتاج النفسي، للحرية الإيجابية الولود».

> انطلاقاً من مثل هذا النص الذي يمزج بين العلم والشعر، ربما كان الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، من أحق المفكرين بأن نستعير له الصفة التي كانت تطلق على فيلسوفنا الإسلامي الكبير أبي حيان التوحيدي، وهي أنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء». فهو في الحقيقة يكاد أن يكون أكثر الفلاسفة شعبية في صفوف الأدباء. ومن المعروف أن نظرياته الفلسفية التي تناولت الطبيعة والإبداع الأدبي والفني والتحليل النفسي قد أثرت في العديد منهم. ومن هنا نجد أن ما يمنعنا من القول إنه كان الأكبر بين الفلاسفة الفرنسيين في النصف الأول من القرن العشرين ليس سوى وجود هنري برغسون في ذلك القرن. فلم يكن غريباً إذن أن تختاره أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية لعضويتها، وأن يُمنح الجائزة الكبرى القومية للآداب قبل عام من رحيله.

> لقد حقق باشلار خلال حياته، ثم بعد موته بخاصة، مجداً فكرياً كبيراً، وأربى تراثه الفلسفي والفكري بصورة عامة على عشرات الكتب التي قرئت وترجمت على نطاق واسع. ومع هذا كان باشلار عصامياً، تحدّر من أسرة مكافحة، حيث كان أبوه إسكافياً معدماً.

> ولد غاستون باشلار في العام 1884 وتلقى دراسة ابتدائية عادية قبل أن يلتحق بالجامعة منتسباً، حيث راح يقوم بشتى الأعمال والوظائف خلال النهار ويثقف نفسه عند المساء. ولقد مكّنه هذا النشاط الاستثنائي من أن يحوز الإجازة في الرياضيات في العام 1922. وهو بعد ذلك انصرف إلى دراسة الفلسفة وحصل على الدكتوراه في الآداب في 1927، وهو العام نفسه الذي أصدر فيه كتابه «دراسة في المعرفة المقاربة»، الكتاب الذي درس فيه مسألة المعرفة، بوصفها ذات مهمة محددة تكمن في «الاختيار والتدقيق والاستبصار». وعلى الفور تنبّه الباحثون إلى أهمية هذا المفكر الذي يسير على عكس التيار الأكاديمي السائد. لذلك حين عُيّن في العام 1930 أستاذاً للفلسفة كبداية لعمله الجامعي، كان قد أضحى معروفاً لدى الأوساط الفكرية، وكانت أفكاره قد بدأت تلقى رواجاً واهتماماً.

> طبعاً بعد ذلك بكثير كتب عنه لوي ألتوسير قائلاً: «لا يريد باشلار لفلسفة العلوم أن تكون مجرد تدخّل فلسفي في العلم. وهو في هذا يعارض جميع الفلسفات التقليدية التي كانت سائدة وكانت تجعل الهدف من تأملها في العلم احتواء النتائج العلمية لمصلحة المذاهب الفلسفية، واستغلال النتائج العملية، بالتالي، لمصلحة أهداف تبريرية تخرج عن إطار الممارسة العلمية».

> قبل ذلك، وقبل أن يُعتَرَف لباشلار بهذه المكانة، كان عليه أن يصدر المزيد من الكتب وأن يثير المزيد من المناقشات، وأن ينوّع اهتماماته، من الدراسة الأركيولوجية والتحليلية النفسية للفكر العلمي في تطوره (في كتابه «محاولة في التصنيف») إلى كتابته حول فلسفة العلوم وتاريخها في «تكوين الروح العلمي: محاولة في التحليل النفسي للروح الموضوعية»، ثم في «الروح العلمية الجديدة» و «الإيجابية العقلانية في الطبيعيات المعاصرة».

> على رغم أهمية بحوث باشلار في تاريخ العلوم وفلسفتها كما في قضايا الإبستمولوجيا، فإن الأشهر بين كتبه تظل تلك الكتب «الخفيفة» التي تحمل عناوين مثل «التحليل النفسي للنار» الكتاب الذي نقدمه هنا واعتبر دائماً من أكثر كتب هذا الفيلسوف شعبية ولا سيما في أوساط الشعراء من الذين اعتمده بعضهم «إنجيلاً» له؛ و «الماء والأحلام» و «الهواء والأحلام» و «الأرض وأحلام الإرادة» و «الأرض وأحلام السكون»، وهي كلها وضعها بين 1938 و1948، ونالت شعبية كبيرة ومارست، بالإضافة إلى المحاضرات التي كان يلقيها في السوربون خلال تلك الفترة نفسها، تأثيراً كبيراً تعدى إطار الحلقات الجامعية والأكاديمية.

> مهما يكن فإن بإمكاننا أن نقول عن باشلار إنه بعلمه الواسع والعميق، وموضوعيته الصارمة، وعمق تحليله، وإخلاصه في البحث الدائم عن الحقيقة، تمكن من أن يجعل لنفسه مكانة شبه مجمع عليها في الفكر الفرنسي الحديث. وهذا ما جعل مفكراً مثل روجيه غارودي يكتب عنه قائلاً: «في زمن كان فيه التيار الأقوى بين تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة لا يكف عن المطالبة برفض العلم، كان الفضل الأكبر لغاستون باشلار يكمن في استمراره بالتمسك من دون هوادة بالمأثور العقلاني، متابعاً تطور العلم عن كثب، ولسان حاله الدائم يقول: إن تاريخ العلوم هو تاريخ هزيمة كل مفكر لا عقلاني».

> نذكر أن باشلار ترك كرسيه في السوربون في العام 1955، وكان في أواسط الأربعينات قد عرف كيف يجتذب إلى محاضراته هناك كتّاباً من أمثال إيلوار وكوينو وغيلفيك. وكان من المعروف عنه أنه كان يستيقظ عند الخامسة من صباح كل يوم ليبدأ العمل من فوره. وهو كان يعيد النظر في كتبه على الدوام ويعدلها في الطبعات اللاحقة، كما هي حال كتابه «التحليل النفسي للنار» الذي وضع له صياغة نهائية عام موته.

.......
 (*) الحياة اللندنية 14 سبتمبر 2018

الأحد، 16 سبتمبر 2018


 سارتر وكامو : معطيات عن صداقة وعداوة *
ترجمة: سعيد بوخليط
تقديم : باعدت مسألة العنف السوفياتي بين المفكرين الرئيسيين لحقبة مابعد الحرب،ومعهما كل اليسار الفرنسي.مع ذلك،سبق لسارتر وكامو أن نسجا خيوط صداقة هائمة، مثلما يوضح لنا في هذا الحوار الجامعي الأمريكي رونالد أرونسون،الذي انكب على دراسة تفاصيل علاقتهما. 
س- أنتم باحث متخصص في سارتر. لكن،بالنسبة الكتاب الذي هيأتموه للحديث عن تفاصيل علاقاته مع كامو،لم تمنحوه دائما الدور الجيد.ألم يزعج هذا الأمر بعض زملائكم السارتريين؟
ج-اطمئنوا،إن سارتريا اليوم يمتلك تماما الحق كي ينتقد سارتر،بل وتثمين كامو،إلى درجة،أنه فيما يتعلق بي،يمكن أن أصبح نسبيا مناصرا لكامو! فالسياق السياسي خلال الحرب الباردة،الذي انتهى بهما إلى وضعيتين متناقضتين كليا،أضحى اليوم مجرد تاريخ،ولسنا مضطرين لحسن الحظ كي ننحاز أكثر إلى جانب أحدهما على حساب الثاني.عندما قررت،قبل أكثر من عشر سنوات تقريبا،أن أدرس بكيفية أعمق علاقة سارتر/كامو،وهو ما لم يحدث سابقا، فلأني اعتبرت قد حان الوقت للحديث عن ذلك بكيفية متوازنة.لقد حمَّل أنصار سارتر لمدة طويلة كامو مسؤولية القطيعة :تعتقد مثلا سيمون دي بوفوار،بأن كامو أضحى بطلا ل''القيم البورجوازية"وعاجزا عن التوفيق بسبب مناهضته الشديدة للشيوعية.أما المدافعون عنه فقد أرجعوا سبب ذلك إلى تعمد معاقبة كامو نتيجة رفضه الانضمام إلى الأنتلجنسيا الستالينة التي تحالفت مع قتلة.كان لهذين التهمتين توافقا معينا مع سياق الحقبة،لكن ينبغي اليوم النظر إليهما بنسبية.لقد انتقد كامو  بشجاعة العنف، لاسيما المقترف من طرف الثوار والإرهابيين بدعوى سعيهم إلى جعل العالم أفضل،لكنه في ذات الآن لم يفضح قط عنف الرأسمالية الممنهج سواء سنوات الخمسينات أو خلال الحقبة الاستعمارية.في المقابل،أدرك سارتر كيفية رصد عنف الدولة المنظم في كل مكان،مدافعا عن الأفراد والحركات التي تناضل ضده،غير أنه عانق بلا تحفظ مسألة الالتجاء إلى العنف الثوري.لذلك،تميز كل واحد منهما في الوقت ذاته، بثقابة رؤاه الفكرية ثم عدم تبصره أيضا.وأنا بصدد إنجاز عملي،أردت كذلك إعادة ترميم حيثيات تعقّد علاقتهما،والتي قبل أن تصير نزاعية،فقد بدأت كصداقة عميقة لما يقارب عشر سنوات.بعد القطيعة بين سارتر وكامو،قلَّل المعلقون،وبعد ذلك المؤرخون،حين استعادتهم الماضي من شأن تلك الصداقة الأولى،وقدموها باعتبارها سطحية،محكوما عليها منذ البداية بالوصول إلى الباب المسدود.تفسيرات من هذا القبيل،تعني التغافل على أنه لحظة تحرير فرنسا كان التوافق بين كامو وسارتر شبه مطلق،ويشعران بانجذاب وِدِّي قوي بينهما،بل تكلما آنذاك بشكل أقل في موضوعات الفلسفة، والأدب والسياسة،وفضَّلا أساسا التسلية معا والدردشة في أمور الحياة،والنساء.لكن، مباشرة بعد الحرب،برزت إلى السطح سريعا خلافات سياسية بينهما،وإن حاولا بذل قصارى جهدهما قصد المحافظة على صداقتهما،إلى أن حدث بينهما الانفصال العنيف والنهائي، سنة 1952 . 
س-متى التقيا لأول مرة؟
ج-كان لقاؤهما الأول في باريس أثناء الاحتلال،شهر يونيو 1943 ،خلال أول تقديم لمسرحية الذباب لسارتر.يعرف كل واحد منهما سلفا أعمال الثاني ويتبادلان التقدير.اكتشف كامو سارتر سنة 1938،في الجزائر حينما قرأ مسرحية الغثيان،وكتب عنها بحماس في جريدته :''الجزائر الجمهورية''.بدوره أبدى سارتر إعجابه برواية الغريب،الصادرة سنة1942،نص كتبه شاب غير معروف لكنه سرعان ما حظي بدعاية واسعة بين أوساط الدوائر الثقافية الباريسية.يكمن اهتمامهما المشترك بموضوع العبث،في قلب منظومة أفكارهما الخاصة،وعشقهما لكل أجناس الكتابة،من الرواية إلى الدراسة البحثية وكذا المسرحية،جوانب تفسر اهتمامهما المتبادل.أيضا،حينما استقر كامو في باريس سنة 1943 ،وأصبح منتميا إلى غاليمار مكلفا بقراءة المشاريع المتوخى إصدارها،فقد تطلع الاثنان للقاء يجمعهما.سعي تحقق فعلا،وتحولا على إثره إلى صديقين منذ الوهلة الأولى.استند انجذابهما خصوصا على تبايناتهما :انبهر سارتر بهذا الشاب – يصغره كامو بفارق ثمان سنوات – الوسيم، المسلِّي، الجذاب، الماجن أحيانا إلى حد ما،بحيث رثاه سارتر عن حب عقب موته،واصفا إياه ب :'' زُقَاقِيّ الجزائر الصغير".بينما استمالت كامو،دقة سارتر وعمقه،ثم قدرته في خضم ذلك على أن يكون وُدِّيّا ومسليا.التقيا كثيرا،إلى حد أن سيمون دي بوفوار،أبانت تقريبا عن غيرتها خلال تلك الحقبة.إذن بشكل سريع جدا،توافقا على أن سارتر أكثر ذكاء،وكامو أقوى إبداعيا وفنيا.أيضا، يعتبر كل واحد منهما،أن الثاني حَمَلَ له الكثير.
س-هل بوسعنا القول أن سارتر،الذي كان يجسد أصلا رمز الواجهة الأولى بالنسبة للمشهد الثقافي الباريسي، قد احتضن كامو فعلا؟
ج-بالتأكيد لعب سارتر دورا مهما بخصوص بلوغ هذا الشاب الفرنسي المنحدر من وسط جزائري متواضع،الشهرة وكذا الاعتراف داخل باريس الثقافية.لكن لا ينبغي النظر إلى أمر كهذا،من زاوية أحادية الجانب،أي سارتر الذي يعتبر بمثابة أخ أكبر لكامو، ثم بشكل أقل أيضا مرشد له.بحيث أثر كامو بدوره على نحو حاسم،في مسار سارتر،فترة نهاية الاحتلال، بأن ساعده كي يقتحم أولى خطوات الالتزام السياسي.وقد تكلم الأخير عن ذلك باستمرار،دون انفعال. محاولات انضمامه إلى صفوف المقاومة، إبان بداية الحرب،صحبة بوفوار،وميرلوبونتي وآخرين،سرعان ما فشلت،نتيجة غياب الاحترافية وانعدام الاتصالات.بينما ناضل  كامو، ضمن صفوف الحزب الشيوعي الجزائري بين سنتي 1935و 1937 .خلال نهاية سنة 1943 في باريس،أصبح عضوا في هيئة تحرير جريدة ''كفاح" التي تصدرها حركة المقاومة تحت نفس التسمية،بفضل تدخل باسكال بيا Pia ،المدير السابق لصحيفة ''الجزائر الجمهورية''.خلال حقبة تحرير باريس،بادر سارتر وبوفوار غير ما مرة إلى زيارة كامو داخل المخابئ السرية للجريدة،المنتشي بأن وجد نفسه للمرة الأولى في حياته،ضمن دوامة الممارسة الفاعلة،بل كامو سيدعو سارتر للنشر على صفحات جريدة كفاح سلسلة تحقيقات صحفية حول الثورة المسلحة،مانحا بذلك شهادة مقاومة غير منتظرة بالنسبة لرجل قضى فترة الحرب منكبا على الكتابة. في أعقاب ذلك،وإلى جانب أصدقاء يشتغلون بالمسرح،سيحتل سارتر مبنى المسرح الوطني الفرنسي،بهدف حمايته من كل أنواع التخريب التي يمكن أن تقترفها الحشود الألمانية المتراجعة.كامو،الذي التحق به، صادفه نائما على كرسي في ردهة المسرح.حينما أيقظه،قال له ساخرا بلطف :"لقد أدرت كرسيك وفق اتجاه التاريخ".وهي الصيغة التي استعادها ثانية سنة 1952،لكن هذه المرة بطريقة صارمة جدا،بين سطور رسالة القطيعة التي بعث بها إلى سارتر.
س- متى تجلت أولى بواكير خلافاتهما؟
ج-حين فترة التحرير،كانا متقاربان جدا سياسيا.كامو على رأس جريدة كفاح،بينما يشرف سارتر على مجلة الأزمنة الحديثة التي أسسها سنة 1945،يدافعان عن قيم المقاومة ويدعوان إلى إعادة صياغة الحياة السياسية لصالح ديمقراطية حقيقية،ويفضحان الرأسمالية،ويترافعان من أجل تقليص اللامساواة المجتمعية.بيد أن مرحلة هذا التفاؤل العام سرعان ما انقضت مع بداية أجواء الحرب الباردة،ثم معاناة التوافق الجميل السالف بين كامو وسارتر.شهر نونبر 1946،وإبان أمسية عند بورس فيان vian،هاجم كامو بشدة الفيلسوف موريس ميرلوبونتي،مؤاخذا عليه دفاعه عن عنف الدولة السوفياتية عبر بوابة صفحات مجلة الأزمنة الحديثة. ارتبط كامو حتى فترة حديثة من ذلك الموعد، بالروائي أرثر كوستلر،الذي تُرجمت روايته :صفر واللانهائي،إلى الفرنسية سنة 1945،وأثرت فيه كثيرا بأحاديثها عن حالات التطهير الستالينية. أما ميرلوبونتي،فقد كان مرشدا سياسيا بالنسبة لسارتر.إذن بين الأخير،المدافع عن الثورة وكذا ''العنف التدريجي" الذي نَظَّر له ميرلوبونتي،ثم كامو الداعي إلى التمرد لكنه يستنكر في نفس الوقت العنف الثوري،بدأ التاريخ يحفر ثغرة شيئا فشيئا بينهما. خلال سنوات عدة،وعلى الرغم من اتخاذ مواقف دائما أكثر تنافرا،فقد واصل سارتر وكامو الالتقاء،وفاء لصداقتهما.لكن القلب شرع يتكلم لغة مختلفة عن الظاهر.شهر يونيو1951،وأثناء تناول وجبة احتفالا بعرض مسرحية سارتر : الشيطان والإله الطيب، كان كامو حاضرا،لكنه امتنع عن الكلام،لأنه لم يستحسن المسرحية كثيرا،ورأى فيها تبريرا للعنف السياسي.أمسية وصفتها بوفوار قائلة:" كئيبة بما يكفي : ثم بيننا وكامو،اشتعلت النيران ثانية ".بعض مرور أشهر،أصدر كامو دراسته الفلسفية المعنونة ب:الإنسان المتمرد.وهي بمثابة حرب أعلنت ضدا على الستالينية وكذا جميع المثقفين المدافعين عنها.بعدها بقليل، أكد سارتر انضمامه الرسمي إلى صفوف الحزب الشيوعي.هكذا،أجبرهما السياق السياسي جزئيا وعلى الرغم منهما،كي يتحولا إلى ناطقين رسميين عن توجهين متعارضين. 
س-إذن تأكدت القطيعة على مستوى الفضاء العمومي،عبر أعمدة،مجلة الأزمنة الحديثة؟
ج-خريف 1951، صدر كتاب الإنسان المتمرد،الذي استبعد الثورة،محاولا مساءلة سارتر ثانية دون ذكره بالاسم.تضايق الأخير كثيرا،لكنه تحاشى الرد ،متمسكا دائما بالحفاظ قدر المستطاع على صداقته مع كامو،ورافضا في نفس الوقت كل إشارة للكتاب من طرف مجلة الأزمنة الحديثة.لكن بعد انقضاء فترة،وتحديدا شهر ماي 1952 ،سمح أخيرا لمساعده الفيلسوف فرانسيس جانسون المبادرة إلى الكتابة على صفحات المجلة تقويضا مُحْكما لأطروحات كتاب الإنسان المتمرد ومؤلفه.بغض النظر عن حدة مقالة جونسون،لم يستسغ كبرياء كامو الإساءة إليه من طرف أحد معاوني سارتر ويباشر مهمة المواجهة عوض سارتر نفسه.ثم احتج برسالة طويلة موجهة ببرودة إلى :"السيد مدير الأزمنة الحديثة"،أجبرت سارتر على تناول القلم.فجاء جوابه على غرار مضمون مقالة جونسون،مفعما بنبرة الهجوم السياسي وأيضا الشخصي،مؤاخذا أساسا على كامو خيانته لعلاقته بالتاريخ،وكذا هذا الحث على التزام المثقف  مثلما تعلمه من أخيه الأصغر(كامو)فترة الحرب. أسرع القراء إلى اقتناء العدد الصادر شهر غشت 1952 من مجلة الأزمنة الحديثة الذي تضمن رسالة كامو وكذا جواب سارتر،بل أعيد طبعه لمرات عديدة،وتحولت الصحافة العامة إلى مجرد صدى لسجال كامو/سارتر،والتي بحسب كلمات ريمون آرون :"اتخذ على الفور مسار سجال وطني''.لذلك،أصبح سارتر وكامو بالنسبة إلى المخيال الجماعي،رمزين متنافرين على الرغم من تقاربهما في حقيقة الأمر.
س-بعد ثمان سنوات على المواجهة توفي كامو. هل التقى سارتر خلال تلك المدة؟
ج-لا،لم يجتمعا أبدا،بل لم يتلفظ أحدهما قط باسم الثاني أمام العموم،وتابعا مع ذلك جدالهما خلف صيغ مرموزة :"القاضي- النادم" في رواية السقوط تحيل في المقام الأول على سارتر،ثم حينما يتجه هذا الأخير مخاطبا كامو قبل الجميع بانتقاده ل''النفوس الجميلة''إبان خطاب بمناسبة حرب الجزائر،وهو موضوع شكل أيضا محور تعارض بينهما،بحيث ساند سارتر جبهة التحرير الوطني وكذا استقلال الجزائر.لقد اعتبر كل واحد منهما أنه تعرض للخيانة.مع ذلك،وبالمقارنة مع سارتر،لم يتحمل كامو بكيفية هيّنة انفصالهما. بسبب انزعاجه،اجتر  كامو دائما على صفحات مذكراته،مبررات سارتر وأنصاره،هكذا أصبحت باريس تثير غثيانه،وتجنب أي ذهاب إلى حي سان جيرمان دي بري.وحينما ازداد انذهاله من عنف مقالات مجلة الأزمنة الحديثة،اعترف في نهاية المطاف بأن سارتر لم يكن أبدا صديقا حقيقيا.أما سارتر فلم يلمح بأي إشارة  قريبة أو بعيدة إلى كامو سواء في مذكراته أو حواراته الخاصة،غاية موت الأخير يوم 4 يناير 1960،نتيجة حادثة السير القاتلة.واقعة حزينة دفعت سارتر كي يكتب عنه في مجلة"فرانس أوبسرفاتور''مقالة رائعة في غاية الإطراء.لكن بعد مرور سنوات وعبر حوارات عدة،تدارك سارتر موقفه هذا،مدعيا أنه قدم تضحية إلى حد ما،حتى تغويه كتابة ذلك''النثر الجميل''.لكن،أنا مؤمن بصدق كلمات تأبينه. فرغم خلافاتهما،ظل سارتر يضمر تقديرا عميقا إلى كامو،واستقامة ضميره،ثم ما سماه في رثائه ب :"إنسانية كامو المٌلِحَّة،الحميمة والنقية،البسيطة والحسية''. امتدحه وأثنى عليه، لكونه تمكن على العكس منه،حسب قوله الصمود أمام : " صنم الواقعية''،فقد أقر سارتر أيضا بأخطائه كمفكر ورفيق.بعد مرور ثمان وعشرين سنة،سيعترف بصدد كامو :"كان بالنسبة إلي آخر صديق كبير". 
*هامش :
 l’ obs : les hors-série ; numéro97.pp :22- 25.   
http://saidboukhlet.com

الخميس، 13 سبتمبر 2018


آخر أحاديث ميشيل فوكو

ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم :لقد مرت الآن ثلاثون سنة،على وفاة ميشيل فوكو،كان ذلك يوم25 يونيو1984،كم مدهش عدد المباريات والدراسات وكذا المجلات المتخصصة والمؤلفات، التي خلدت الذكرى.طبعا،يندرج الفيلسوف ضمن مؤلف المقرر المدرسي لأقسام الباكلوريا،بنفس درجة سبينوزا وكانط وكيركجورد،ثم حسب بعض نتائج تجمعات التصنيفات الثقافية،يعتبر فوكو المفكر الفرنسي الأكثر حضورا ودراسة.مع تمتعه بامتياز،فعوض أن يخفت صوته مع مرور الوقت،يمضي الآن فوكو،أبعد مما كان عليه الحال قبل ثلاثين سنة.يكمن، السبب بلا شك،في دروسه بكوليج دو فرانس، الصادرة بعد وفاته،التي وسعت كثيرا مشروعه،منتقلا بين الحقول الأكثر تنوعا: الطب، الأدب،القانون،الدراسات السوسيولوجية للاختلاف الجنسي ثم الهندسة.
لكن بكل تأكيد،من خلال كون فكر فوكو يفرض نفسه، كمفتاح لقراءة الزمن الحاضر.فإذا كان الأخير، فسيفساء  ضخمة  بتنظيماته السياسية والقانونية والاقتصادية ومؤسساته،المتعلقة بالسلطة والعلوم والمعارف وبناه العقلية الماسكة بالأشخاص،ثم يتناولون بواسطتها ذواتهم، فسيكون فوكو الصانع الذي لا يتعب، مشتغلا خلفها، مفككا، ومعيدا تأليف خيوطها، مبينا"جينيالوجيتها"،بالتالي، جعلها مرئية.
هل فوكو أمريكي؟ثلاثون سنة مرت على وفاة المفكر،صاحب الاسم الأكثر انتشارا في العالم.الفيلسوف،الذي تلاءمت عنده الدراسات الثقافية و المزعجة،فانصهرت، وعبر المصفاة التي يعود فكره إلينا،استطاع  المرور إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.
غير أن المكتبة الوطنية الفرنسية،بمساعدة خواص أغنياء، يهتمون بالفنون والآداب،تمكنت من إتمام عملية شراء أرشيفات استثنائية، بمبلغ 3,8  مليون :من بين أشياء أخرى،سنقف على3700ورقة  لمجموعة مسودات(حيث الجزء الأخير من تاريخ الجنسانية: اعترافات الجسد) ،ثم 29 مذكرة ، ليوميات فوكو الفكرية.جملة وثائق،وجدت في بيته لحظة وفاته : فهل يمكننا المداعبة بتعجرف،قائلين، بأنه تراث، لن يكون قط في حوزة جامعة كاليفورنيا في بركلي !!.
عاد ميشيل فوكو من أمريكا،مواصلا مساءلة القضايا المهيكلة ل"الليبرالية المتقدمة''،بمعنى حينما تدعي الأخيرة إبطالها، أو تحريرنا :نظام، مراقبة، جنسانية، هوية،المبرر الذي من أجله يظل درسه جوهريا كي نستوعب عالمنا.
منذ أيام فقط،وكأن الأمر بمثابة هدية للاحتفال بذكرى ميلاده،فقد منح أقرباء فوكو لهذا المنبر الإعلامي(المقصود  لبيراسيون) ،بعض الأشرطة التي تحوي آخر حوار للفيلسوف.
لقاء أجري مع فوكو يوم 29ماي 1984،من طرف "أندريه سكالا"و"جيل باربيديت"،أياما قليلة قبل دخوله المستشفى،حيث توفي يوم25يونيو، نتيجة مضاعفات إصابته بداء السيدا.
استجابته لإجراء هذا الحوار الأخير،رغم حالة الإنهاك التي كان يعانيها،تمثل حتما،عربونا للصداقة التي يكنها لجيل دولوز،لأن أندريه سكالا أحد محاوريه، كان من  أقرباء دولوز.لم، تتأتى  لفوكو، إعادة قراءة الحوار،بل عهد به إلى رفيقه "دانييل ديفيز"،كي يسهر على تنقيحه وإخراجه في صيغة مقبولة .الأخير،أورد فقرات منه بين طيات عمله المعنون ب :(أقوال وكتابات).الصادر عشر سنوات بعد ذلك.أيضا،مقاطع منه نشرتها صفحات المجلات الأدبية يوم 28 يونيو1984،تحية لذاكرة الفيلسوف.
تحدث فوكو في هذا الحوار،عن قضايا الذات والجنسانية وأسلوب الوجود.بعض فقرات الشريط المسموع، لا نلتقطها جيدا،مقارنة مع ثانية،نسمع معها الفيلسوف ضاحكا وأحيانا يسعل.
1-س-مع عملكم : "ممارسة الملذات".ألا يمكن القول،بأنكم تؤكدون للمرة الأولى ربما،أشياء ينبغي قراءتها بين الكلمات في أعمالكم السابقة؟
ج-كثير من الأمور،التي توجد مستترة، يصعب أن تصير جلية، بسبب الطريقة ذاتها التي تطرح بها القضية.يظهر إلي،أني حاولت موضعة ثلاث أنماط كبرى من القضايا :الحقيقة والسلطة وكذا التصرف الفردي.مجالات ثلاث،هي الميادين الثلاثة للتجربة،أعتقد بأنه لايمكن فهم الواحدة إلا قياسا للأخرى،ويستحيل فهم الواحدة دون الأخرى.هذا ما أزعجني في المؤلفات السابقة،بدا لي، وجود نوع من التوجه الناظم،بالتالي، في غير حاجة لتبرير الالتجاء إلى هاته المناهج،البلاغية قليلا،التي نقارب بواسطتها ميادين التجربة الجوهرية.
2-س-كيف يمكننا أن نجعل من الأسلوب إشكالية فلسفية وليس قضية جمالية؟
ج-أعتقد، بالفعل أن إشكالية الأسلوب،مركزية كليا في تجربتي :أسلوب الفعل،ثم أسلوب قياسا للآخرين. …خلال العصر القديم،لم يتوقفوا عن طرح قضية المعرفة،إذا كان من الممكن تحديد أسلوب مشترك،وحيال اكتشاف هذا الأسلوب،لن تتأتى إمكانية الوصول إلى تعريف جديد للذات نفسها.أشعر، أن العصر القديم،لم يصف عمليا هاته القضية.لقد بدأ،تعريف وحدة مغزى الأسلوب، انطلاقا من القرن الثاني أو الثالث في ظل الإمبراطورية الرومانية،إيتيقا تحدد الظروف أو التصرفات الداخلية للإنسان .الاستخدام الذي أجعله للأسلوب،استعرته في جانبه الكبير من بيتر براونBrown، لكن ما أتوخى الإشارة إليه هنا، مما ينزاح عن تصور براون،هو من نسجي الخالص ،لذا ،كل الحماقات التي قد أدلي بها،متعلقة بي وغير منسوبة إلى براون(يضحك).هذا المفهوم للأسلوب،أظنه مهما جدا في تاريخ أخلاق العصر القديم.منذ لحظة،لم أتكلم جيدا عن ذاك العصر،لذلك سأحاول تغيير النبرة نحو الأفضل،بهذا المعنى،تطوي إيتيقا العصر القديم،عددا مؤكدا من المعطيات المهمة جدا بهدف فهم الماضي.أولا، الأخلاق القديمة لا تتوجه إلى الجميع، بل لعدد محدود من الأشخاص، كي تتحقق مسألة إتباع ذلك الجميع لنفس الطريقة. لكنها، أخلاق تهم أقلية صغيرة من بين الأفراد عموما،بل وضمن الرجال،بحيث أنها أخلاق تهم بعض الشخصيات الجديدة داخل الحاضرة اليونانية.أيضا،ما يثير الاهتمام حينما نتابع،تاريخ تلك الأخلاق ثم تحوله شيئا فشيئا،متغذيا بالقيم التي ارتبطت بعدد معتبر من الأشخاص. مثلا،خلال حقبة سينيك Sénèque،أو مارك أوريل Aurèle،فهذه الإيتيقا، يلزمها عند الاقتضاء أن تكون مقبولة لدى الجميع.أخيرا،حتى حين استساغتها من طرف الجميع،فلم تكن قط، قضية أن نجعل منها التزاما عاما،بل، مسألة اختيارية بالنسبة لكل الأفراد.بوسع الجميع،اقتسام العبرة واستلهام مقترحاتها الأساسية،بيد أنه اختيار شخصي،بحيث يصعب على أية حال،داخل الإمبراطورية، معرفة من يساهم في هذه الأخلاق.ستلاحظون، لدى الرواقيين الأوائل،مفهوما للفلسفة يوازن على نحو رائع بين مفهوم للمعرفة والسياسة و التصرف الشخصي،سيظهر لكم ذلك في حالة توازن،ثم شيئا فشيئا،وبالضبط من القرن الثالث قبل الميلاد إلى الثاني الميلادي،توقف الأفراد على طرح هذه الأسئلة المتعلقة بالفلسفة عامة،لقد أسقطوا الاهتمام بالتساؤلات حول السلطة السياسية وتحولوا نحو قضايا الأخلاق.           
3س-يبدو، أن الكتابة  كممارسة للذات،تميزت بشكل خاص عند الإغريق؟
ج-صحيح، أن قضية كتابة الذات،كانت بالمطلق مركزية، ومهمة جدا على مستوى تشكيل الذات.لنترك جانبا سقراط،مادمنا لا نعرفه، سوى عبر أفلاطون،بالتالي، لتناول الأخير.أقل ما يمكننا قوله،أن أفلاطون لم يطور كثيرا،ممارسة الذات باعتبارها تمرينا مكتوبا للذاكرة،وكتابة الذات انطلاقا من ذكرياتها.في المقابل،سيكتب باستفاضة حول قضايا معينة،سياسية وميتافيزيقية،ونصوصه تلك، تشهد على حضور العلاقة بالذات بين طيات السجال الأفلاطوني.لكن انطلاقا،من القرن الأول الميلادي،ستلاحظون كتابات كثيرة جدا، يبدو بأنها جميعا تخضع لنموذج معين من كتابتنا، تجعل من الكتابة نمطا جوهريا للعلاقة بالذات.نتوفر، على توصيات وكتابات لعدد من الكتّاب، تتضمن نصائح وآراء قدموها لتلاميذهم،بحيث يظهر جيدا أنهم يعلمون الشباب الصغار،الانضباط  كما ينبغي أمام درس يقدمه كبار القوم.بعد ذلك فقط،سيعلمونهم صياغة الأسئلة ثم الإدلاء برأيهم،ثم صياغة هاته الآراء،بناء على تيمات الدرس،وأخيرا صياغتها في صيغة ديداكتيكية.لنا ما يكفي من الدليل بهذا الخصوص،بالرجوع إلى  مختلف نصوص،سينيك Sénèque وإيبيكتيت Epictéte ثم مارك أوريل Auréle . إذن،لن أكون بالمطلق إلى جانب الرأي القائل،بأن أخلاق العصر القديم كانت أخلاقا للاهتمام بالذات على امتداد تاريخها،بل صارت كذلك خلال لحظة معينة.لقد ضمنت المسيحية تلك اللحظة، انحرافات أو تغيرات جد معتبرة ،عندما سنت وظائف عقابية،واسعة جدا تستتبع أخذا في الاعتبار الذات، وبأن تحكي ذاتها للآخر،بدون كتابات….فالمنشور المسيحي للقرن السادس عشر،لم يكن حتما ذاته، الذي قد نعثر عليه في القرن الرابع أو الخامس،بحيث لا يجيب على نفس السؤال،ولا يتعلق الأمر بمعرفة الأشياء عينها،أو معالجة ذات القضية.
4-س- شيء مثل اعترافات القديس أوغسطين؟
ج-نعم،شيء غريب جدا.كتب، "بيتر براون" كتابا حول القضية.ينبغي التذكير،بأن القديس أوغسطين،استعاد ثانية المسيحية الغربية،مثلما كانت في بداية القرن الخامس ونهاية الرابع،وبأن المسيحية الغربية لم توجد عمليا خلال تلك الفترة.على أية حال،تواجد  مسيحيون، بهذا المعنى،لكن بغير ثقافة مسيحية.يجب التذكير، أخيرا،أن القديس أوغسطين،أقام حرفيا المسيحية مثلما كانت موجودة، وكما تأتى لها التوطد داخل فرنسا، خلال القرنين16و17عشر.
5س-في كتابكم "الكلمات والأشياء"،طرحتم سؤالا يهم معرفة ماهو الأدب.قلتم"ماهي هاته اللغة، التي لا تقول شيئا،ثم لا تصمت أبدا، المسماة أدبا؟"،ألا يكون الأدب طريقة،وتقنية للذات؟
ج-نعم، أعتقد بأن الأدب لعب هذا الدور،خلال فترة معينة مابين القرنين 16و 17عشر ثم 19عشر،وبأن الأدب هو بصدد تضييع، بإيقاع سريع،لدوره الذي أخذ صورة الوعي بالذات.
6-س-في الواقع،هذه الأشياء التي نتكلم عنها اليوم،التي يمكننا تعريفها كثقافات للذات،لاصلة لها مع الذي تتكلمون عنه في مؤلفاتكم؟
ج-لا صلة، نعم ثم لا في نفس الوقت ،بالفعل عندما نتناول الأشياء في شكلها الفلسفي الصارم بين إيتيقا العصر القديم الروماني أو اليوناني،وكذا الإيتيقا المعاصرة،فلا توجد قواسم بينهما.على النقيض،حين نأخذ الأخلاق في إطار ما اتسمت به من معيارية،وما تنزع نحوه وتشير إليه،سندرك بأنها قريبة بشكل مدهش،من تعاليم الأخلاق القديمة،إن لم تكن متماثلة، لكنها نسبيا أقل قربا من الأخلاق التي يتم تثمينها حاليا.هذا بالضبط،ماينبغي العمل على إظهاره :القرب والاختلاف،وعبر هذه اللعبة بينهما،نبين كيف أن نفس النصائح التي تقدمها الأخلاق القديمة،يمكنها الاشتغال بكيفية مختلفة بين طيات أسلوب للأخلاق المعاصرة.
7- س-هناك أيضا الإشكالية المرتبطة، بعلاقة الذات بالذات،ثم تشكيل الذات بالذات،الذي يتجلى لحظة الجنسانية كتجربة،هل توجد لدى الإغريق،تلك التيمة المتعلقة باللذة والهذيان العاشق وتلاشي الذات وكذا الصلة بالغريب؟
ج-يبدو إلي فعلا،أنه في نصوص الفلسفة اليونانية للقرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد، حتى الثالث بعد الميلاد،لم يوجد مفهوم ثابت للحب ،لأنه يجسد هاته التجربة التي تكلمتم عنها،تجربة معروفة سلفا،تجربة شغف العشق الكبير. 
8- س- حتى في "فيدر"Phèdreعند أفلاطون؟
ج-لا أعتقد ذلك.ربما سيبعدنا هذا حاليا عن موضوعنا،لكن يظهر لي،أنه مع "فيدر"،تتجلى على العكس تجربة الذين عثروا أخيرا،بعد تجربة عاشقة،على ما سيشكل النقطة النهائية،أي التجربة،ويهملون ما قد يظهر ربما بمثابة الممارسة الجارية والدائمة خلال حقبتهم، كي يصلوا إلى نمط من المعارف،تمكنهم  من جهة،كي يحب بعضهم بعضا. ومن جهة ثانية،أن يقوم بناء على القانون وواجبات المواطن،وضع يتطابق مع تصرف  الأفراد.لا أظن، بأنه سبق تمثل هذه التجربة ،التي بدأنا نراها مثلا عند أوفيدOvide .هنا بالضبط،لديكم إمكانية الانفتاح على تجربة،يفقد معها الشخص من بعض النواحي،رأسه كليا،لايعرف مطلقا،من هو، جاهلا هويته. بذلك، يعيش تجربته العاشقة، كنسيان سرمدي لذاته.لكني،أظن بأنه توجد هنا تجربة للحب،لا تتطابق بالمطلق مع وضعية تجربة الحب أثناء القرن الرابع،مع أفلاطون وأرسطو.
9- س- بخصوص الإغريق ،عندما قال هيدغر،بأن الفلاسفة ليسوا أبدا من يعشقون المعرفة،لكن من أدركوها من خلال الحب،هل سيكون بهذا المعنى؟
ج-نعم، بالتأكيد،أولئك من مارسوا المعرفة عبر الحب.هكذا ،لا أرى حقا ،في التجربة الفلسفية اليونانية،التي نعرفها(فلسفة القرن الرابع في خطابات أفلاطون) ،مايضع تجربتهم للحب خارج تجربتهم عن المعرفة.
10-س-ألا يمكننا القول بأن إعادة قراءة الإغريق،هي دائما علامة على تصدع في الفكر؟ألا يمثل هذا إرادة للعودة إلى الأصول؟
ج-يبدو إلي،بأنه في هذه العملية لإعادة قراءة الإغريق،المستمرة بانتظام،يتبلور على وجه اليقين نوع من الحنين، والسعي لاستعادة شكل فكري أصيل،ومحاولة مفهمة الحقل اليوناني خارج كل الظواهر المسيحية.سعي، اكتسى أشكالا مختلفة.أولا في القرن السابع عشرة،اتخذ صيغة ثانية للعثور،عبر المسيحية مع الإبقاء عليها،شكلا فلسفيا سيكون إن صح القول يونانيا-مسيحيا.لقد، تبنى صيغة تحاول استعادة الإغريق، في ذاتهم خارج المسيحية،نتحدث عن هيغل، الذي سنعثر عنه ثانية، عند نيتشه.يظهر لي حاليا،بأن محاولة معاودة التفكير في الإغريق، لايرتكز أبدا على السعي لإظهار الإيتيقا اليونانية،باعتبارها حقلا أخلاقيا بامتياز،نحتاج إليه من أجل التفكير،لكنه أمر يتعلق بالعمل كي يكون بوسع الفكر الأوروبي استئناف انطلاقته، من الفكر الإغريقي،كتجربة معطاة خلال فترة،يمكننا بالقياس إليها أن نكون بالمطلق أحرارا.
11س- قلتم حول عملكم :"لقد غيرت"،"لم أنجز ما أعلنت عنه"،هل كنتم متغافلين،أو تظنون بأن الأشياء تغيرت كليا بالنسبة للمثقفين والباحثين،بالتالي يجدر تبني هاته الاحتياطات؟
ج-حينما كتبت الجزء الأول،وقد مضت الآن سبع أو ثمان سنوات،كان يسكنني بالمطلق هاجس كتابة تاريخ للجنسانية،وكذا هاته الدراسات التاريخية المتمحورة حوله ،ابتداء من القرن السادس عشر تقريبا.لقد هيأت قِسما من ذلك،لكن وأنا بين ثنايا السياق،أدركت بأن المسار ليس ملائما،نظرا لوجود عدد من الإشكاليات المهمة،لاسيما المتعلقة منها بالتجربة الأخلاقية للجنسانية.هنا،قلت مع نفسي :"أريد أن أعرف بأي شيء يتعلق الأمر".هكذا، تركت جانبا،الأعمال التي أنجزتها حول القرنين 16و17 عشر،ثم شرعت في الصعود ثانية،فبدأت بالعودة تقريبا إلى بداية القرن الخامس ونهاية الرابع،لكي أرى ما الذي  سأضعه في الاعتبار خلال تلك الحقبة، التي تشكل بدايات للتجربة المسيحية.بعدها،بدأت بتأمل ماحدث إبان الفترة التي صارت على الفور سالفة،ثم اهتديت منذ ثلاث سنوات إلى دراسة الجنسانية في القرنين الخامس والرابع.إنها إذن،ضرورة تفسير الأشياء التي قادتني كي أغير بالمطلق مخططي، مقارنة مع ماكان عليه الأمر بداية.لذلك، ستبادرون إلى طرح السؤال،إن كان محض عدم انتباه من طرفي بداية،أو رغبة سرية توارت قليلا،ثم تجلت أخيرا.لا أدري كثيرا،بهذا الخصوص،بل أعترف لكم بأني لا أريد أن أعرف.تجربتي،مثلما تتبلور حاليا،هي التالية.بالتأكيد،لا يمكنني إنجاز هذا التاريخ للجنسانية، بلياقة،إلا شريطة أن أتناول ثانية،ماوقع خلال القرون السابقة حتى أستوعب كيفية تحقق عالم الجنسانية و تداوله  وتغيره المستمر.لم تكن لدي،بناء على المعطيات التي توفرت لدي،إمكانية القيام حقا بدراسة للقرن التاسع عشر،لأن هذا سيأخذ مني زمنا طويلا. بوسعي إلى حد ما، الانكباب على القرنين السابع والثامن عشر.في المقابل،أشعر بأنه مع الكلاسيكيات،بوسعي أن أتسلى بامتياز.
*مرجع النص :     Libération : 22juin2014 pp : 2. 4. 6
 http://saidboukhlet.com