‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد عيد إبراهيم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد عيد إبراهيم. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 18 ديسمبر 2019


سبع قصائد
للشاعر الأمريكي: بول أوستر
ترجمة: محمد عيد إبراهيم

بعدما كتب بول أوستر، الروائيّ الأمريكيّ، أربعة دواوين شعرية لافتة، وجد نفسه في الرواية، وما هي إلا سنوات حتى صار ممن يُعدّ على الأصابع ضمن الروائيين الأمريكيين. اشتُهر بعد نشر روايته: ثلاثية نيويورك (مدينة من زجاج، أشباح، غرفة محكمة). يكتب أوستر بنمط من الواقعية الوحشية: وضوح في التفاصيل، أناقة أسلوبية، عناصر رمزية أسلوبية مع سوريالية ذات اهتمامات معرفية وميتافيزيقية، حساسية ما بعد حداثية، مصادفات سينمائية واختراعات روائية. 
ويعمل أوستر في قصائده تحت هيمنة عناصر واعية، حيث يدفع اللغة إلى حافة الانهيار مما يجعله يضع المنطوق بثوب الحقيقيّ المتغير، كاشفاً عن صوتٍ شعريّ يُخلص دائماً لنبضات رؤاه وأماني أحلامه الواعدة. لكن عالم بول أوستر الشعريّ، والروائيّ من بعده، يتميّز بالبحث في تفاصيل: المصادفة، الوصف المتكرّر لحياة متقشّفة، الإحساس بكارثة وشيكة، السارد المحوريّ لشخوصه، فقدان قدرة الفهم، فقدان قدرة اللغة، وصف الحياة اليومية، الفشل، غياب الأب، التناصّ، التاريخ الأمريكيّ.

سِريّ
تذكّرْ معي اليومَ ـ الكلمةَ
ونقيضَ كلمةِ 
الشهادةِ: الفَجرُ ملموسٌ، ينبعثُ 
من يدي المضمومةِ: قبضةُ 
شمسٍ مخرّمةٍ: في مدى الظلامِ
كتبتُ
على طاولةِ النومِ. 

حانَ وقتُ الرحيلِ  
الآنَ. كلّكم أتيتم
لتأخذوا مني، تأخذوا
مني الآنَ. لا
تنسَوا
لتنسَوا. احشُوا
جيوبكم بالترابِ،
واختموا بابَ كهفي.           

كانَ هناكَ 
حلُمتُ بحياتي
في حلمٍ
كلّهُ نيرانٌ.

مَحجَر
لم يعد غيرُ أن نغنّيها. كأن
الغناءَ وحدكَ
سيقودُنا للعودةِ إلى هذا المكانِ.

كنا هنا، ولم نكن هنا قَطّ.
كنا على الطريقِ حيثُ بدأنا،
ثم ضِعنا.

ليسَ ثمةَ حدودٌ
في النورِ. والأرضُ
لا تترك لنا كلمةً
لنغنّي. لأن الأرضَ تتفتّتُ
تحتَ أقدامنا.

هي موسيقى بحدّ ذاتها، وأن نسيرَ بينَ الصخورِ
معناهُ أن لا نسمعُ
غيرَ أنفسنا.

وإني أغنّي، هكذا، عن لا شيءَ،

كأني وصلتُ المكانَ
الذي لا أعودُ إليهِ ـــــــ

وإن عدتُ، سأحسبُ حياتي
بهذهِ الصخورِ: انسَ
أني كنتُ هنا. فالعالمُ
السائرُ داخلي

هو عالمٌ يصعُب بلوغهُ.

طويّة
لَحمٌ مشتبكٌ
بينَ الواحدِ والآخرِ المتكاملِ.  
وكلّ شيءٍ هنا، كأنهُ آخرُ شيءٍ 
يقالُ: صوتُ كِلمةٍ 
زُوِّجَت للموتِ، والحياةُ 
تلكَ ما بي من قوةٍ
تختفي.

الشُبّاكُ مغلَقٌ. والترابُ 
لذاتٍ سابقةٍ، يفرّغُ الحيّزَ  
ما لَم أشغَلهُ. هذا النورُ  
يتنامَى بركنِ الغرفةِ، 
حيثُ انتقلَت
بأجمعِها. 

الليلُ يتكرّرُ. صوتٌ يُكلّمني
عن صغائرِ الأشياءِ. 
وليسَ حتى الأشياءَ ـ بل أسماءَها. 
وعما لا اسمَ لهُ ـــــــ 
الصخورُ. ثُغاءُ الماعزِ 
وهو يصعَدُ القُرى 
عندَ الظهيرةِ. جُعرانٌ  
هالكٌ في فُلكِ
رَوَثهِ. وسِربٌ بنفسجيٌّ 
خلفَه من فراشاتٍ. 

بمستحيلِ الكلماتِ،
بالكلمةِ الصامتةِ
التي تختنقُ،
ألقَى نفسي. 


خفقة
الذي يتسحّبُ
سيدنو منا
عند الجانبِ الآخرِ من النهارِ.
خريفٌ: ورقةُ شجرٍ واحدةٌ،   
يأكلُها النورُ: والنظرةُ  
الخضراءُ، خضراءُ من فوقِنا. 
حينَ لا تتوقّفُ الأرضُ، 
سنصبحُ أيضاً النورَ، 
حتى لو انطفأَ
النورُ 
بهيئةِ ورقةِ شجرٍ. 
عينٌ تُحدّقُ   
في جوعِ النهارِ. 
حيثُ لم نكن
سنكونُ. شجرةٌ،   
تُنبتُ جِذرَها فينا 
ثم تشرقُ نحو النورِ 
من أفواهِنا.  
يقفُ النهارُ أمامنا.
ويتبعُنا النهارُ
إلى النهارِ. 

الرعويّ
في المناطقِ النائيةِ من الطحالبِ ننتظرُ،
قليلاً كالكلمةِ
التي أيضاً تنتظرُ،
كلّ ما كانَ غير ما هو
كائنٌ، الطحالبُ
لا تزالُ تنتظركَ، والكلمةُ
مِصباحٌ
تحملهُ إلى أعماقِ
الأخضرِ، حتى الجذورُ
قد تحملُ النورَ، وهو الآنَ
صوتكَ
راحلٌ عبرَ الجذورِ، حيثُ
تقعُ الفأسُ
أنتَ، أيضاً، ستعرفُ أنكَ تعيشُ.


الهيراقليطيّ[1]
الأرضُ كلها، مسؤولةٌ
عن الخُضرةِ، الهواءُ
بثقلِ الفحمِ، والشتاءُ
يُشعلُ نارَ الأرضِ، والهواءُ كلهُ يسعى
متّصلاً إلى لحظتنا الخضراء.
نعرفُ أننا نتحدّث عنها. ونعرفُ أن الأرضَ
لن تتنازلَ إلينا
عن كلمةٍ
صغيرةٍ حدّ أن تحضننا. لأن الكلمةَ
هي الهواءُ فحسبُ، وفي الخضرةِ جمرةٌ
لتماثلنا السفليّ، فلا يستجلبُ خوفاً
بل حياةً. هكذا
يمنحنا اسماً
كلّ من ليسَ له اسمٌ. ومَن يرَ نفسَه
في ما لم يُنطق بعد،
سيعرف ما يجب
أن يُخيفَ الأرضَ
بمقياسِ نفسِه.

سيرة العين
أشياءٌ خَفِيةٌ، مَحفورةٌ في البردِ،
وتنمو نحو هذا النورِ 
الذي يتلاشَى
في كلّ شيءٍ 
ينيرهُ. لا شيءَ ينقَضي. الساعةُ
ترجعُ لبدايةِ 
الساعةِ حيثُ نتنفّسُ: كأنهُ
لم يكُن شيءٌ هناكَ. كأني لا أرى
شيئاً
على ما كانَ.

في تُخومِ الصيفِ 
ودفئهِ: سماءٌ زرقاءُ، رابيةٌ أرجوانيةٌ. 
والمسافةُ تبقَى. 
ساعةٌ، بُنيَت من هواءٍ، وفيضُ  
هواءٍ في الهواءِ. 

كهذهِ الصخورِ
التي تتفتّتُ عائدةً إلى الأرضِ. 
كأنهُ وَقْعُ صوتي
في فمك. 
.........................................
ترجمة: محمد عيد إبراهيم




[1]ينتسب إلى فلسفة هيراقليطس، قال إن النار هي منشأ الكون، والكون في صيرورة دائماً "أنت لا تنزل النهر نفسه مرتين. (م)

الأربعاء، 27 نوفمبر 2019



حكاية قصيدة!

قصة، للكاتبة الهندية: شاندريكا بي
ترجمة: محمد عيد إبراهيم



تكتبُ سوشاما قصيدة. يتشكّل أول بيتين من تلقاء نفسَيهما بسهولة تامة على فرْخ ورق.
من جفنَيّ، تترنّحُ قطرةُ دمعٍ. 
وأنا أفكّر فيكَ ـ حتى الآنَ.  
بيتان عاديان يكتبهما أيّ شاعر رومانسيّ أو حتى ما بعد حداثيّ. يسترعيان الانتباه فقط لأن من كتبتهما امرأة. كما تعرف، فمجتمعنا الذي يضمّ كذلك بالمصادفة ريغورامان زوج سوشاما، يحيد دائماً عن الطريق ليكتشف تشابهات كامنة تتعلّق بالسيرة في كتابات النساء. لو قرأ ريغورامان هذين البيتين فلن يُعاين سوشاما بأية ريبة، لأنه على نحو خاصّ يرى زوجته، كزوجة القيصر، فوق الشبهات. 
تتولّد قصائد سوشاما في عالم عدائيّ مرتاب. فانظر إليها، وهي تكتب القصيدة على طاولة المطبخ وسطَ أشياء مبعثرةٍ: أفرخ ورق بيضاء، قلم رصاص مكسور، سكّين، شرائح خضار مقطّعة وغير مقطّعة، وصحون. بامية طويلة للقلي أو رزّ بعدس. موز نيئ، أفخاذ دجاج، طماطم إلخ، تتكهّن بإمكان طبخ "آفيال". انظر إلى سوشاما. تترك الخضار نصف المقطّع شرائح على الطاولة لتكتب البيتَين الأولَين من القصيدة، ثم تترك القصيدة لتعود إلى الخضار. لقد قطّعت البامية الطويلة الآن حلقاتٍ جميلةً. تدندن شفتاها بشيء غير مسموع، فتُنحّي البامية جانباً وتستدير إلى الموز النيئ. نراها تقشّره في يُسر برأس سكّينها. تتوقّف فجأةً لالتقاط القلم الرصاص، فنرى أربعة أبيات من القصيدة قد ولدت من دون جهد:
أتذكّر ـ كيفَ سِرنا منضَمّين تحتَ مِظلّةٍ، 
كيف نقعَ المطرُ الغزيرُ الشارعَ الموحِشَ، 
كيف وضعتَ يدكَ على كِتفي الأيسرِ،
كيفَ ارتجفَ جسمي كلّهُ عند لمستكَ، 
لمعت عينا سوشاما في رويّةٍ. تتراخى حركة يديها كمن سيروح في النوم. تنصرف، إلى عالم آخر حيث المطرُ، إيقاعُ المطر وقُطبان مكهربان. فلنخلّها ولنذهب للقاء ريغورامان. 
يقف ريغورامان على محطّة ينتظر الباص ليقلّه إلى المكتب. يذهب على درّاجته عادةً، لكن اليوم أبت الدرّاجة ألاّ تتحرّك. فأنزل الأولاد عند المدرسة بعربة الركشو الآلية، وينتظر الآن على المحطّة. سيأتي الباص لاحقاً، حيث يتوجّب على ريغورامان الوصول لمكتبه قبل ظهور علامة استفهام حمراء على اسمه بسجِلّ الحضور. 
مقعد ريغورامان بالمكتب لِصقَ مقعد شريرانجيني. ريغورامان يحبّ شريرانجيني. يتخيّل أجزاء جسمها على غير شكل أجزاء جسم سوشاما؛ لكنه، يا للغرابة، لم يتمنّ أن يتّخذ شريرانجيني زوجة. يفضّل من النساء الزوجة مثل سوشاما: الهادئة، فهي لا تتكلّم كثيراً، وتؤدّي الأعمال المنزلية إجمالاً من دون نأمة شكوى، وممتازة في فنون الطهي. شريرانجيني طيبة، لكن كصديقة. صديقة جيدة للكلام معها حين تحسّ بعقلك وقد جفّ. جيدة لدرجة تكفي أن تأخذها إلى بيت القهوة الهنديّ لتتناقش معها عبر كوب شاي وقطعة سمبوسة حول بورخيس أو المخرج آرافندان أو التفكيكية. إن لم تعارض، فقد يعزم أن يستكشف أكثر قليلاً، لكن حتى النقطة التي منها يستدير ليمشي عائداً. لا، لا يتمنّى أن يتّخذ شريرانجيني زوجة؛ فلنخلّ المتحرّرات يكنّ زوجات الآخرين.  
وبينما كان ريغورامان يتذكّر شريرانجيني، وقف أمامه باص. صعد الأولاد بزيّ مدارسهم، ثم غادر الباص الذي كان فارغاً تقريباً. يجلس ريغورامان مرتاحاً قرب نافذة، ويواصل التفكير في شريرانجيني. يتمنّى أن تأتي للمكتب اليوم في حرير أحمر. وبينما كان يتسلّى بهذه الأفكار البسيطة، تسقّط حواراً بين ناقدين واثقين بنفسيهما كانا وراءه:
أ: قرأتَ قصة إي الأخيرة في المجلة؟
ب: آه. أظنّ الزوجة الساخطة بالقصة هي المؤلّفة نفسها. 
أ: أظنّ هذا أيضاً. لكن كيف تتأكّد؟ 
ب: انظر، يعيش زميل لي قرب منزلها. بلّغني أن... هيه... تعاني من متاعب مع زوجها. ألم تلحظ بطلاتها ينخرطن في علاقات خارج نطاق الزواج. يبغضن الزواج. 
أ: أنتَ على حقّ. فعلاقة الفتاة في القصة... 
ب: ... آه طبعاً، هي علاقة المؤلّفة.   
أ: ريغورامان يعرف إي... المؤلّفة، وحياتها السعيدة، لكنه ينصت بفضول إلى رواية الحكايات عنها. يحسّ براحة أن سوشاما ليست كاتبة. وإلا تلصّص المجتمع الفظّ على غرفة نومه. يقول الناس: ريغورامان رجل سعيد بزواجه. يشكر نجوم سعده على إنقاذه من أن يكون زوج كاتبة. 
شريرانجيني تكتب قصائد بالإنجليزية والناس تتكلّم عنها أيضاً. لماذا تتحفّز هؤلاء النسوة للكتابة؟ لقد قرأ قصيدة شريرانجيني التي فازت بجائزة من المجلس البريطانيّ. وتبدأ هكذا:
جرّدني لترى مني الحقيقية رؤيا العيان،   
عاريةً، ترعبكَ، تصدمكَ، تضعفكَ أخلاقياً. 
ومَن غيرُ شريرانجيني يكتب مثل هذه الأبيات البديعة؟ 
جرّدني... إلام سيقود هذا التفكيك الشيّق! مرّر ريغورامان لسانه على شفتَيه.
ولدت الآن ثلاثة أبيات أخرى من قصيدة سوشاما. هي:
كيف تستحيلُ كلّ قطرة مطر إلى زهرة،
كيف تشتعلُ النار من تيجانها، 
كيف تنشرُ الدفء والحُمرة عبر البدَن،   
ترتاح القصيدة الناقصة على طاولة العشاء. تأخذ سوشاما حمّامها، بعدما انتهت من الأعمال المنزلية. تدفُق المياه على جسمها لكن عقلها لم يزل مصاباً بدوار القصيدة نصف الوليدة. تسطع الظهيرة بالحرارة حول المنزل. فتُسقط النباتات أرؤسها عاجزة عن تحمّل الحرارة. لكن الدنيا تمطر حيثُ سوشاما. تمطر في عقل سوشاما. فيتولّد فجأة بيت جديد: 
كيف اختبأت عيناك في خُصلاتي المبعثرة،  
ونرى سوشاما عاريةً تركض إلى طاولة العشاء لتضيف هذا البيت آخر القصيدة، تلحق به في عجلة قبلما يتلاشى. كتبته خربشة دون أن تنزعج نفسها بملاحظة ما إن كانت الستائر منسدلة أو كانت عينا الجار الصيّادتان العاطلتان تفتّشان عن فريسة. تكتب، فتتشكّل بِركة صغيرة من الماء حول قدميها؛ فتركض عائدة إلى الدشّ لهزّ شعرها المنقّط. وهي تهزّه، تلمح نفسها بمرآة غرفة النوم.  
تحت الدشّ تقف من جديد، تذكُر الآن ملاحظات ريغورامان الوقحة عن جسمها. علّق لزملائه مرّة حين جاؤوا لبيته على الشاي: هناك فارق وحيد بين زوجتي وملكة الجمال. منعطفات ملكة الجمال في الوضعية الصحيحة، ومنعطفات زوجتي في الوضعية الخاطئة. ويضحك، مستمتعاً بمزاحه، بينما ينزعج زملاؤه بوضوح وهم يغصبون ابتسامة. سيدة واحدة، رانجيني، تعبّر بشدّة عن كراهيتها. تأتي للمطبخ بعدها لتهدئ من ثائرة سوشاما: تساهلي، يا سوشاما. ريغورامان يفتخر بكِ حقاً. فهو يتكلّم عنكِ بالمكتب على الأقلّ مئة مرة يومياً.  
سوشاما على معرفة جيدة بأنه لو تكلّم عنها فللمقارنة مع النساء الأخريات، فلا تسأل عن التفاصيل. لم تعجبها حقاً أن تتطفّل ذكرى تلك الظهيرة على عقلها وهو ذاهل بالشعر. ابعدي، قالت للذكرى. لا تقفي في سبيل قصيدتي. ضيعي! 
يأتي ريغورامان من المِقصَف، يداه وأنفاسه برائحة الدجاج المشويّ، فيسأل شريرانجيني: ألم تتناولي طعاماً؟ هل تصومين اليوم أيضاً؟  
تخبره، نعم. فاليوم خميس. أُقيم الشعائر للأمّ القدّيسة "جوبالا فراتا" من أجل أولادي.  
يا لاتّحاد المتناقضات فيكِ، يعلّق ريغورامان. تتمسّكين بآراء متحرّرة وجريئة، لكن تتصرّفين أحياناً بسلوك تقليديّ.
وحين ترفض شريرانجيني الردّ، يضيف: لكن عليّ أن أخبركِ أن طبيعتكِ المتناقضة تضيف المزيد إلى سحركِ. 
تسأله شريرانجيني، لتغريه كي يبتعد عن الموضوع: لمَ لا تُحضر غداءكَ من البيت؟ ستُحضّره لكَ سوشاما بكلّ سرور. 
يقول: لا أحبّ الطعام البارد. أستمتع فقط بالطعام الساخن أو الدافئ. لذلك تزوّجتُ على نحو خاص فتاة غير عاملة، غير طموحة. هل تعرفين أنه لا توجد عندي ثلاّجة في منزلي. بذلت سوشاما أقصى جهدها لأبتاع واحدة، لكني كنتُ حازماً بالرفض. فهل تفهمين، يا شريرانجيني، الآن سرّ جسمي العفيّ؟ 
تسترق عينا شريرانجيني النظر إلى يديه المتينتين وصدره العريض، ثم تسحب عينيها بحسّ من الذنب، تنهض لتبتعد وهي تدمدم بعذر ما.   
ترتاح القصيدة الآن في حِجر سوشاما. فقد أضافت أبياتاً إليها: 
كيف تشعّب دربنا نحو طريقين مختلفين،
تلطّخت ذكرياتُنا بيدين لا مرئيتين،
أذكُر هذا مرةً تلو مرات.   
تقرأ سوشاما القصيدة مرةً ومرتين ثم تُجري بضعة تغييرات. بدأ ضوء الشمس خارج المنزل يفقد حرارته. سوشاما سعيدة الآن. لا أثر للتعب مع أنها نهضت مع الشمس ثم تحرّكت مع الشمس. هنالك جَذَل سماويّ على وجهها كأن الربّة أبسارا وصلت إلى الغابة الخضراء لولادة طفلها سراً. ترفع عينيها من القصيدة وتهيم حول الغرفة، لا ترى قطع الدجاج والشاي على الطاولة أو وقت الساعة.   
ريغورامان يبلّغ شريرانجيني: سأرحل مبكّراً. لن أعود كالعادة بعد توصيل الأولاد للبيت. عليّ بالذهاب للورشة كي أرى ما صارت عليه درّاجتي.  
رفعت شريرانجيني بصرها عن ملفّ ومنحته ابتسامة.
أراكِ غداً. يتوقّف عند طاولتها ليهمس بنبرة واطئة: هل سترتدين الساري الأحمر غداً؟ أرجوكِ، هذا طلب. 
يمشي بسرعة من غير أن ينتظر رداً. تتطلّع شريرانجيني خلفه بعينين حائرتين وعقل مرتبك. يبدو أن خطواته تدوس على قلبها. 
تضرب يدا سوشاما المرتجفتان الآن رقم هاتف. تضع القصيدة في حِجرها كوليد. لم تضف أيّ بيت عليها؛ فلنستنتج بأمان أنها اكتملت. بعد ضرب الرقم، تعود سوشاما لتجلس منفعلة.
نسمع الرنين الخافت لهاتف من مكان بعيد. يتوقّف. التقط السمّاعةَ أحدٌ. نسمع صوتاً ذكورياً يقول: أهلاً؟ ينشدّ وجه سوشاما كقلب على وشك أن يتحطّم. بعد وقفة طفيفة، يسأل الصوت الذكوريّ ثانيةً: أهلاً؟ أخبريني أرجوكِ من أنتِ. كيف أعرف إن لم تخبريني؟     
وتغلق سوشاما السمّاعة فجأة. يهبط معدّل نبضها بطيئاً كالمعتاد، والوجه يستريح. فتضيف الآن أبياتاً على القصيدة: 
لم تعد تحتضنّي في بالي  
لكن قطرة الدمع لا تزال بجفنَيّ.  
وكلّ قطرة مطر تهلّ من السماء
تملأ أفكاري كموج البحر. 
وصل ريغورامان والأولاد بعربة الركشو الآلية. تسمع سوشاما الصوت، فتقفز من مقعدها وتمزّق القصيدة نُتفاً صغيرة. تلقي بها من النافذة وتندفع نحو الباب لتفتحه قبل رنّ الجرس، لأنها الزوجة المثالية، والأم المثالية! 
ولأن سوشاما دمّرت القصيدة، فعلى القرّاء الراغبين في قراءتها كاملة أن يلتقطوا الأبيات المبعثرة بين ثنايا الحكاية، يلحموها معاً لتصحّ القراءة.


ترجمة: محمد عيد إبراهيم
....................
(*) اللوحة للفنان الإيطالي: جورجو دي كيريكو



الاثنين، 4 نوفمبر 2019


 أربع قصائد
للشاعر الأمريكي:و. س. مروين
ترجمة: محمد عيد إبراهيم

W. S. Merwin: ولد في نيويورك عام 1927. عاش بين إسبانيا وإنجلترا وفرنسا والمكسيك. من كتبه: "التلميذ" 2001، وهو ترجمة "مطهر" دانتي، "خرير النهر" 1999. نشر ديوانَين من قصائد النثر: "منجم الأطفال الشاحبين" 1970، "بيوت ومرتحلون" 1977، أُعيد نشرهما في 1994. يعيش في هاواي.    
    


بداية متواضعة

عندما تعلّم كيفَ يقتل أخاه بحجرٍ، تعلّم كيف يستعملُ الحجر ليبدأ صنعَ السلالم. تبعاً لهذين السرّين شكَرَ الحجر.
اهتمّ بالحجرِ لاحقاً. وكان يحتفظ على الدوام بسرّ ما عليه أن يفعله. لم يُلمّح كثيراً إلى ما فعله تواً. عليه أن يحفظَ أسراره الأخرى. سقط على ركبتيه إزاءه ثم لمسه بجبهته، بعينَيه، بأنفه، بشفتيه، بلسانه، بأذنَيه.
ظنّ الحجرَ خالقَه. ظنّ ذلك.
(1970)



حذاء داخاو[1]

كان لابن عمي (له ابن عم ثانٍ فقط) حذاءٌ نالَه من داخاو. حذاءٌ جميلٌ بالٍ. لم يكن من نوعيةٍ ممتازة في المقام الأول، هكذا فَسّرَ. فالنعلُ مشقّقٌ منفصل سائباً عن الجزء الأعلى من الجانبين، والجزء الأعلى منشطرٌ عن كتلةِ القدم. وليسَ به رباط ولا كعب. 
يوضح أنه لم يسرقه فهو ليهوديٍّ ماتَ. يوضح أنه ودّ شيئاً بسيطاً. يوضح أن الروس قد نهبوا كلّ شيءٍ. أخذوا أيّ شيءٍ. يوضح أنه لم يكن من نوعيةٍ ممتازة ليبدأ به. يوضح أن الحرس أو الكابو[2] كانوا سيأخذونه لو به منفعة. يوضح أنه محظوظ أنه نال أيّ شيءٍ. يوضح أنه ليس خطأً فالألمان هُزموا. يوضح أن أيّ امرئ كان يلقط أيّ شيءٍ. الكثير من الإخوة كان يريد راياتٍ أو خناجرَ أو أوسمةً أو أشياءَ من هذا القبيل، لكن هذه النوعية لا تشدّ انتباهه كثيراً. احتفظ به على رفّ الموقد فترةً موضحاً أنه لم يكن غنيمةً.
يوضح أنه لا يجدي أن يكونَ انتقامياً. يوضح أنه لم يكن. لم يكن مثالياً لأيّ امرئ. كنا نشاركه أحدَ الأجدادِ الألمان فعلياً. لكنه يوضح أنه سببُ أن رحنا نقاتلُ في تلك الحرب. فما حدث في داخاو جريمةٌ لن نسمحَ لها بالعبور. لكنه يوضح أننا لم نكن نفعل شيئاً لنوقفَها والحربُ دائرةٌ، كان علينا أن نكسبَ الحربَ بدايةً. يوضح أننا لم نفعل ما نحبّ أن نفعله. يوضح أن الروس قتلوا أيضاً الكثير من اليهود. وبعد عامين أَبعدَ الحذاء في أحد الأدراج. يوضح أن الغبار تجمّعَ عليه. 
هو الآن في قبوٍ بصندوق. يوضح أن التدفئة المركزية شقّقَته أكثر. سيُظهره، مع ذلك، في أيّ وقتٍ تطلبه. يوضّح حالَته. يوضح أنه يصعُب أن يُريه له. يوضح كانت تمطر، ولم يكن هناك الكثيرُ حين أخذَه. يوضح أنه لم يجد شيئاً ذا قيمة ولا يريد أن يلمحوه وهو يأخذ أيّ شيء، إن كان ثمة شيء. يوضح أن كلّ ما بالداخل كان له رائحة. يوضح كم كان راقداً في الخارج بالطين، ربما كما كان وقت خلعه. يوضح أنه ودّ أن يحتفظ به. بشيء مثل هذا.
عليك أن تذهب حقاً لتراه. سيريك إياه. كل ما عليك أن تسأل. لم يكن حذاء جذاباً وأنتَ تنظر إليه، لكنك ستعرفُ الكثيرَ من تفسيراته.
(1970)



سَجّاننا

يعتادُ سجّاننا وضعَ مصيدةِ فئرانٍ في زنازين المحكومين بلياليهم الأخيرةِ. زنزانتُنا جيدةٌ؛ الفئرانُ نادرةٌ ولا تشرُد كثيراً في الزنازينِ المشغولةِ. والسجّانُ يراقبُ المساجين.  
وللدهشةِ، يقولُ، نرى قليلين غيرَ مبالين بحضورِ المصيدةِ طيلةَ الليلِ. قد ينغمسُ عددٌ أكبرُ فيجلسونَ إليها محدّقين، سواءً شغلَت أو لم تشغلْ أفكارَهم بانتظامٍ. سجّلَ نسبةً ستُحرّر المصيدةَ، سواءً للتوّ أو بعدَ فترةٍ طولُها متفاوتٌ. ولديهِ إحصاءاتٌ أخرى عمّن سيُهشّمُ قصداً المصيدةَ، عمّن سيحرّكُها (نحو بقعةٍ مفتَرَضةٍ، أقربَ احتمالاً)، عمّن سيضعُ علامةً بالحائطِ لو اصطيدَ بالمصيدةِ فأرٌ، وعمّن سيضعُ علامةً إن لم يؤسَر أحدٌ، إما لتبيانِ الحقيقةِ أو ليُسلّموهُ تُراثاً، كانتصارٍ صغيرٍ، أو كذبةٍ.     
وشهراً بعدَ شهرٍ، سنةً بعدَ سنةٍ، يراقبهُم. كما نراقبهُ. ونراقبُ الآخرين.     
(1970)



الطفل الوحيد

يرتّبُ الطفلُ الوحيدُ أمامَهُ ألعابَهُ.
"تعالَ، معي العَب"، يقولُ لكلّ مَن يدنو منهُ. "تعالَ لترَي كلّ ما عندي من ألعابٍ".
لكنهم ينصرفون عنهُ. 
فيهشّم أُولَى هذهِ الألعابِ. 
ثم يجيءُ أطفالٌ آخرونَ للمعاينةِ والعَونِ، وقتالِ من يُحطّمُ ألعابَهُ. 
إن لم يكُن للطفلِ الوحيدِ ألعابٌ، لصَنَعَها. 
(1977)
ترجمة: محمد عيد إبراهيم
اللوحات للفنان الإيطالي: جورجو دي كيريكو




[1]Dachau:مدينة ألمانية في بافاريا، كانت مقر معسكرات الاعتقال النازية، الفترة من 1933/ 1945. (م)
[2]Kapo: سجين معسكرات الاعتقال النازية. (م)

السبت، 14 سبتمبر 2019


خمس قصائد
للمخرج الإيطاليّ: بيير  باولو  بازوليني
ترجمة: محمد عيد إبراهيم


بيير باولو بازوليني، شاعر ومخرج وقاص ومسرحيّ وروائيّ ورسّام إيطاليّ (1922/ 1975)، شارك في تحرير مجلة أدبية سيتاتشو (الغربال) لكنه اختلف مع مديرها لميوله الفاشية، ثم سافر إلى ألمانيا، ولبغضه الفاشية استحال شيوعياً، فسجنه النازيون، لكنه هرب عائداً إلى بلدته كاسارسا عام 1942، كتب روايته الأولى (الشريد)، لكنها صودرت لما بها من إيروسية فاضحة، كذلك أخرج عدة أفلام لكنها أيضاً مليئة بالإيروسية، خاصة المثلية، وآخرها فيلم (120 يوماً في سدوم) المعتمد على رواية الماركيز دو ساد بالاسم نفسه، وقد قُتل في حادثة سيارة، قتله مراهقون بدعوى أنه (شيوعيّ قذر).


يوم وفاتي
في مدينةِتريستي[1] أو أودين[2]،
على طولِ طريقِ الزيزفون،
وفي الربيعِ
حين يتبدّلُ لونُ أوراقِ الشجرِ،
سأسقطُ ميتاً
أشقرَ وطويلاً،
تحتَ الشمسِ اللاهبةِ،
وأُغمضُ عينَيّ،
مخلفاً السماءَ برونقها.

تحتَ الزيزفون الأخضرِ الدافئ
سأسقطُ في ظلمةِ موتي،
مشتتاً الزيزفون والشمسَ.
سيركضُ الأولادُ
الوسماءُ ناحيةَ النورِ
حيثُ أضيعُ للتوّ،
طائرين من المدرسةِ
بشعورهم المجعّدةِ على حواجبهم.


أغنية الأجراس
حينما يفقدُ المساءُ نفسَهُ في الينابيعِ
تبقى قريتي لوناً حائراً.
وإني لبعيدٌ، أذكُر ضفادعَها،
القمرَ، وهِزّةَ صراصيرها الحزينةِ،
صوتَ نجومِ المساءِ وهي تشحُب في الحقولِ.
أموتُ على أغنيةِ الأجراسِ،
غريباً، غيرَ هيّابٍ،
في طيراني العذبِ فوقَ السهولِ،
إنني روحُ الغرامِ
العائدِ إلى موطنهِ من بعيدٍ. 


أمٌ وابن
أبي على مَبعدةٍ
في رَحمِ السماءِ،
نرنّمُ إليكَ كأنهُ حلمٌ
من قلبِ الأرضِ.

تباركَ اسمكَ،
المتساقطُ من شفاهِنا
نحوَ شفاهِ إخوتنا
ليسامحونا.

أعطِنا خبزَنا كلّ يومٍ
حتى يومِ وفاتنا
حينَ ننضَمّ إلى السماءِ
ولا نحيا من جديدٍ.


لصوص
عائداً معَ أمكَ،
ألا تزالُ تحسّ بالقُبلاتِ
التي نسيتُها على شفتَيكَ
كاللصّ؟

آهٍ، كلّنا لصوصُ!
أليسَت الدنيا ظلاماً في الحقولِ؟
ألَم نسرقُ
ظلالَ شجرِ الحورِ في أكياسنا؟

ستركضُ الأرانبُ
من دونِ عُشبٍ الليلةَ،
كشفاهِنا المسروقةِ
فقبّلْ أولَ نجمٍ للمساءِ.


إلى بلادي
ليسَت شعباً عربياً، لا شعبَ بلقانٍ، ولا شعباً غابراً
بل أمةٌ حيةٌ، أمةٌ أوربيةٌ،
وماذا نحنُ؟ هي أرضُ المواليدِ، الجياعُ، الفاسدون،
يعملُ الساسةُ كمُلاّكٍ للأرضِ، كحكّامٍ رجعيين،
كمحامين حقراءَ بشُعورٍ منسابةٍ للخلفِ وأقدامٍ كريهةِ الرائحةِ،
بيروقراطيو السوقِ الحرةِ مثلَ عمّاتكَ وأعمامكَ المتعصّبين،
الثكناتُ، الملتقياتُ، الشاطئُ العموميّ، كلها فوضى دنيئةٌ!
الملايينُ من صِغارِ البورجوازيةِ كملايينِ الخنازيرِ
يدفعُ بعضهم بعضاً وهُم يرعونَ قربَ المباني المنظّمةِ
بينَ بيوتِ مزارعهم المتهدّمةِ الآنَ كالكنائسِ.
لأنكَ كنتَ موجوداً لكنكَ الآنَ لم تعد؛
لأنكَ كنتَ واعياً وصرتَ الآنَ لا واعياً.
ولأنكَ كنتَ كاثوليكياً ولم تعد تفهم
أن شرّكَ هو الشرّ كله: خطيئةُ كلّ شرٍّ.
فاغطسْ في بحركَ الجميلِ ودعِ العالمَ حراً.

ترجمة: محمد عيد إبراهيم



[1]تريستي: ميناء شمال شرقيّ إيطاليا، على البحر الأدرياتيكي. (م)
[2]أودين: مدينة تقع شمال شرقيّ إيطاليا، على حدود النمسا. (م)
(*) الرسوم الخمسة لبازوليني نفسه