الأحد، 27 مارس 2016

مقدمة كتاب "لوتريامون" لغاستون باشلار/ سعار الحقيقة بقلم المترجم: حسين عجة


"الأخوة ليست أسطورة"

لوتريامون، قصائد1

"يا امرأة، لدي نفس انطباعاتك، وأنا أرتعش خشية أنّ تُلحق بنا تعاسة ما"
-أفكر في السماء.
-ليس من الضروري أنّ تفكر في السماء، إذ يكفي سلفاً التفكير في الأرض.
  هل أنت متعبُ من العيش، أنت الذي بالكاد قد ولدَ؟"

لوتريامون، قصائد2.


عندما أقترح عليَّ الصديق زعيم نصّار، الذي من دون حثَّه المتواصل ليَّ، الكرم والمحبة الذي أحاطني بهما، لما كنتُ قد تقدمت كثيراً في طريق الترجمة هذه، وما كان للكتاب أن يرى "النور"؛ حينما أقترح نصّار عليَّ إذاً القيام بكتابة مقدمة، مدخلاً، كلمة عن باشلار وكتابه، شعرت بنوع من الحياء والإرتباك، أو بدقةٍ أكبر، بصعوبة المقترح واستحالة تنفيذه. إذ كيف يمكن "تقدّيم" باشلار مع أي من كتبه الأخرى، فما بالك حينما يكتب عن كتابة "لوتريامون"؟

عن عمل وحياة شاعر، تكادُ تكونُ أسطورة اسمه غير الكافية (اسمه الشعريّ، الكونت لوتريامون، الذي لم يستخدمه إلاّ مرةً واحدةً، والذي يقول عنه البعض إنّه قد يكون مُحاكاة لاسم "لاترمون يوجين دو سو"، فيما يؤكد غيرهم على أنّ ذلك الاسم المستعار يشير إلى "حنينه" للأرغواي، مسقط رأسه، وهو متكّون، أي الاسم، من مقطعين صوتيّين باللاتينية إلاّ وهما l’autre  ويعني بالعربية الآخر، ومقطع mont، ويعني بالعربية "تلّة"، ويحيل إلى اسم Montevideo، المدينة التي ولد فيها)؛ أسطورة، كما يبدو للإحاطة بعبقرية إبداعه، أو على الأقل، استيعاب تمزقاته وصراخه، والآثار العصبية-الإبداعيّة العظمى التي تركها على طول وعرض جسد القرن العشرين، الذي لم يكن بالدقّة قرنه ولا عصره، مع أنّ القرنَ المنصرمَ أستقبله تارةً بنوع من الحفاوة و"الصخب" الساحر، والذي سرعان ما سيتبدّد أو يتلاشى، ببساطه لأنه يتعلق بالسحر والساحر، وتارة أخرى بتسليم حياته، سلوكه و"سايكولوجيته"، أكثر من عمله، لمقصَّ ورقابة المقولات المُحنّطة والسامة أيضاً للموضوعية- الذاتية، الأخلاقية-السلوكية، الإجتماعية-النفسية، وغيرها من الثنائيات المبهمة والمُعطَّلة للحدس الشعريّ الأوليّ، أو الإبداعيّ عموماً؛ تلك المقولات التي كان البعضُ يهرعُ نحوها، حينما تنْضبُ لغته وتهرب منه العبارات بعيدا؛ يهرعُ نَحوها كبقايا شاحبة لكنز المقتنيات الميتافيزيقة الغربية المحنطةِ، عسى ولعلّ أنْ ترمَّمَ تلك القطع المحنطة ولو جانباً واحداً من جوانب غفلته.

 بدأ اسم لوتريامون المغمور بالظهور تدريجياً، في القرن التاسع عشر، الذي شرعَ أولاً مع الرومانسيين، ومن ثم مع بودلير؛ آنذاك، كان التمرّد على الآداب العامة والأخلاقية للمرحلة قد وصل ذروته تقريباً. يدفع لوتريامون بذلك التمرّد إلى أبعد ما يمكن: على الصعيد الأخلاقي، تهاجم "أناشيد مالردور" تقاليد التيار "الإنسانيّ" الأوروبيّ، كما تهاجم الله ذاته، كما كانت المشاهد الساديّة، التي تظهر في العمل، تحملُ عنفاً متطرفاً، وذلك بصرف النظر عن الهجوم على "المحرّمات" الجنسية، لاسيما "حب الأولاد" الذي يستخدمه لوتريامون كذريعةٍ أو سلاح شعريّ مباشرٍ لكي يمزقَ أوشحة، أقنعة، وطقوس ثقافة "برجوازية"، كانت تعاني من لحظات نزاعها مع الموت!

 لكن، وبالرغم من كل شيء، لا يمكننا القولُ إنّ القرن العشرين كان الميدانَ أو الساحة التي لم يشارك أو يتنازع عليها لوتريامون مع عددٍ من أسماء كبار شعراء القرن التاسع عشر، الذين سبقوه، أو من معاصريه، وبالتاليّ ظل غائباً عنها، هو، لوتريامون! على العكس من ذلك تماماً، وكما يقول باشلار، على هذا الصعيد: "لا أعرف سوى ثلاثة اسماء من شعراء القرن التاسع عشر الكبار، الذين أسّسوا مدارس شعرية، دون علمهم بذلك: بودلير، رامبو، لوتريامون". نحن نعتقد أن لوتريامون سيظل، في قبره، أكثر جهلاً من بودلير ورامبو، حيال "المدرسة" بالمعنى المزدوج للمفردة: المدرسة كدراسة والمدرسة كمدرسة أدبية، وذلك بالرغم من أن الدادئيين والسيرياليين قد جعلوه أحد أكبر معلميهم. لنسمع ما يقوله أندريه جيد عن ذلك: "أعتقد بأن اللقب الأكثر جمالاً الذي يمكن خص المجموعة التي شكلها أندريه بريتون، أراغون وفيليب سابو تأتّي من أكتشافهم وإعلانهم عن الأهمية الأدبية وما فوق الأدبية للرائع لوتريامون".

ضمن لعبة الفارق ما بين الأجيال، لن يكون صوتُ كاتبٍ معاصرٍ، ما زال يعيش وسطنا بتوقد وزخم إنتاجيّ أدبيّ أكثر من ملفت للنظر شيئاً زائداً عن اللزوم ، أعني  فيليب سوليرس، الذي فرض نفسه بقوة علينا، لكي يقول لنا، بالدقة، كيف أستقبل ما قاله جيد عن لوتريامون؟ "في عام 1905، كتب أندريه جيد، في "يومياته" بأنه كان يقرأ النشيد السادس من أناشيد مالدرور بصوت عالٍ. لا شك أنه قد تأثر بالطقس الكلاميّ عن "الميل نحو الفتية"، الذي يغمر العمل، لكنه لم يذهب أبعد من ذلك". من الضروري تماماً قرأة ما كتبه سوليرس عن لوتريامون، بعد بريتون، أرتو، باشلار وموريس بلانشو. لماذا؟ لأنه "على الرغم من حربين عالميتين، المجازر الجنونية، والأطنان العديدة من الأدب، يظلل أسيدور دوكاس أكثر حضوراً وتوقداً، ومطلسماً إلى الأبد". نُشدد على عبار مطلسم إلى الأبد، التي ترجعنا بدفعة واحدة إلى نقطة أنطلاقتنا الأولية: كيف يمكن الكتابة عن لوتريامون، بعد كلّ ما قيل وكتب عنه، وكيف يمكن استثمار ما كتبه باشلار عنه وعن عمله؟ لنذكر بعض المعلومات الناقصة: وُلدَ "أسسيدور دوكاس"، الذي نسب لنفسه اسم الكونت لوتريامون، في 4 أبريل في "مونتفيديو" في الأرغواي. ألف أو ولَّد عملين شعريَّين، ما زال الحوار وسوء الفهم قائماً حيالهما، إلاّ وهما "أناشيد مالدرور"، التي ألفها في عام 69-1868، و"قصائد" أو "أشعار"، التي تمّ نشرها في عام 1870، العام الذي توفى فيه الشاعر، ورسائله التي أصبحت تعرف باسم "الرسائل". في 1874. كان مخزن النسخة الأصلية لـ "أناشيد مالدرور" قد أشتراها "جان بابتست روزز" Jean Baptiste Rozez، وهو صاحب مكتبة-دار نشر من مدينة "تارب"، المدينة التي عاش فيها أسيدور دوكاس ردحاً من حياته؛ أصدر إذاً جان بابتس النسخة الأصلية لـ "أناشيد"، لكن بغلاف جديد. كان لا بدّ من أنتظار عام 1885، حتى يأخذ "ماكس والتر" Max Walter، مدير تحرير مجلة "بلجيكا الفتية"، وينشر بشكل أوسع نوعاً ما مقاطعاً (أجزاء) من الـ "أناشيد" ومن ثم جعل العمل يُعرف بشكل أفضل.

 يقع العمل بين يدي هويسمان و"رمي غرمونت". يتساءل هوسيمان حينذاك "يا للشيطان، ما الذي كانت عليه حياة ذلك الرجل الذي كتبَ أحلاماً كهذه"؟. أمّا "ليون بلوي"، الذي كرس له كتاباً نقدياً، تحت عنوان: Cabanon de Prométhée (الكوخ الفقير لبرومثيوس)، والذي لن أتعرض له هنا، ذلك لأن باشلار قد ألقى ضوءً باهرً على أحكام "ليون" الطائشة حقاً. لماذا؟ لأنه كان أول من تعامل معه، في أفضل الأحوال، كعبقرية "مجنونة"، بل ويرثي له ولحالته النفسية. انطلاقاً من تلك اللحظة وهذه الأحكام، طرحت تيمة، موضوع "الجنون" بقوة، والتي "دامت طويلاً"، كما يقول، مرة أخرى سوليرس: "وذلك ما يبرهن عليه تصريح "البرت توبو": لا شك أنّ لوتريامون لا يدخل ضمن قائمة كتّابي المفضلين، كما أنيّ أصرّ على أنه ينطوي على عنصر جنونيّ".

وها إنّ النقد الأدبيّ الفرنسي ينخرط في قاعة أو حلبة الرقص من فوق أشلاء أحد أكبر مؤسسي مجده "الثقافي"، وربما حتى حساسيته "الجمالية". هل يمكن، بعد ذلك، الإلتفات نحو كتاب وفلاسفة فرنسيين ما زال تراثهم الفكري والروحي ماثلاً، بهذه الطريقة أو تلك، على الطقس "الثقافي" و"الروحيّ" في فرنسا؟ وبشكل خاص اثنين منهم، من الكبار، إلاّ وهما سارتر والبيير كامو.

 شخصياً، لا أعرف الشيء الكثير عن رأي سارتر بلوتريامون، بيد أنيّ أعرف أكثر، نوعاً ما عن رأي كامو عنه؛ لكن قبل تثبيت هذه المعلومة عن كامو، يهمني ذكر وتأكيد ما قاله أنطونين أرتو عنه، والذي يقرب ما بينه ونيتشة: "شاعر مسعور بالحقيقة"، وذلك ما جعلني أختار "سعار الحقيقة" عنواناً لم أكتبه الآن عن لوتريامون، عبر باشلار. ذلك لأن تيمة "الحقيقية" أساسيةٌ عند لوتريامون، ولكن ليس بمعنى الحقيقة العلمية، الرياضية أو الشعرية، لكن، كما يقول باشلار ثانية حقيقة "الدوافع الأولى، بدائية الحدس الشعريّ، كونه تجلي وتجوهر باسم: "الحياة". وها أني أصل إلى لحظة ذكر ما كتبه البيير كامو عن "أناشيد"، في "الإنسان المتمرد": لقد وقع لوتريامون في "إغواء العدمية"، وعن "قصائد" "مجانيات مُتعبة"، و"عدم امتثالية مُملة" وحتى "عبودية ثقافية"! تلك هي وجهة نظر كامو "المرهف" و"العادل"، كامو "إذا خُيرت ما بين الحقيقة وأمي، سأختار أمي"! ذلك لأن كامو، مهما كان نبله، حرقته، ومواقفه الحساسة حيال الأحكام المسبقة، يظل، في مطلق الأحوال، بعيداً عن الأصابة بنفس "سعار" لوتريامون. غير أن ردّ بريتون الصاعق على كامو وعلى كتاب سارتر "بودلير" لم يتأخر كثيراً: "لا يمكن للمرء المبالغة بسخطه من أولئك الكتاب، الذين يتمتعون بشهرة شعبية، والذين يحطون من أولئك الكتاب الأكبر منهم بألف مرة". في النهاية، لا بدّ لي من القول بأن موريس بلانشو كان أول منْ أكد بوضوح تام على أنّ: "الشخصية الرئيسية لـ "أناشيد" لوتريامون هو القارىء، وتصبح القراءة لوتريامون ذاته، وهو يروي قصة مغامرته الصاعقة. هناك "منطق صارم" في دياجير الشر "Mal.

الآن وقد أنهيتُ ترجمة كتاب باشلار "لوتريامون"، وفي الوقت الذي آمل فيه أن يطّلع عليه القراء العرب، لن تبقى أية أهمية لما يقوله مترجمهُ عنه، إنْ كان ذلك يتعلق بقرب أو بعد وجهات نظره من وجهات النظر المطروحة في الكتاب، أو عن الصعوبات التي صادفته اثناء الترجمة!
ومع ذلك، ينبغي عليّ إضافة كلمة أخيرة: كتب غوستان باشلار كتابه "لوتريمان" بعد كتابه "التحليل النفسيّ للنار" بفترةٍ قصيرة، وهنا ليغفر لي القارىء العربي، إذا ما حاولت أن أسرُّ له بأهمية التخلص والتحرر من تلك التصورات القديمة والتي ما زالت حيّة في وجدان الكثير من قرائه بالفرنسية: الإعتقاد بأننا نعرف جيداً المرتكزات الفلسفية والإبستمولوجية لبشلار: هناك، من جانب، الفنومنولوجيا، ومن الجانب الآخر، التحليل النفسي الكلاسيكيّ! قد يكون الحديث عن "منهجية" باشلار هذه صحيحاً، حينما يكتب عن الظواهر الطبيعية (النار، الهواء، الأرض، الأحلام، الشمعة)، لكنه لن يكون بمثل هذا الحصر والصحة، عندما يكتب عن مبدع، بقامة، عبقرية وصعوبة لوتريامون.


 من الواضح أنّ أمرَ تخلص القارىء من تلك التصورات أو الأحكام المسبقة عن باشلار لن يُفسد عليه قراءته ولن يثقل عليها بأي ثقل، لكنه، على العكس من ذلك تماماً، سيفتح له الباب واسعاً للتمتع برؤية وتدفق لغة باشلار "الشعرية"، إلى جانب تحاليله الثاقبة والمرهفة، إنّ كان على صعيد السايكولوجيا، البيولوجيا، السيسيولوجيا، التحليل النفسيّ وغيرها، أو فيما يتعلق بالنقد الأدبيّ. تلك هي الملامح التي منَحت المترجم متعة خاصة أثناء عمله، والتي يأمل أن تكون قريبة من متعة القارىء العربي... المطّلع!


الجمعة، 18 مارس 2016

الصحراء : بقلم عالم النفس كارل يونج / ترجمة متيم الضايع ـ رنا بشّور



عالم النفس كارل يونج (1875-1961)
الليلة السادسة. تقودني روحي إلي الصحراء، إلي الصحراء الموجودة في ذاتي . لم أكن أعتقد أن روحي عبارة عن صحراء، صحراء قاحلة حارة، مليئة بالغبار ولا ماء فيها . تقودني الرحلة عبر رمال حارة، أخوضها ببطء دون هدف واضح آمل برؤيته . كم هي مخيفة هذه الأرض القاحلة . تبدو لي أن الطريق يقود بعيداً جداً عن البشرية . سرتُ في طريقي خطوة تلو أخري، ولا أعرف كم ستدوم رحلتي . 


لماذا تكون ذاتي عبارة عن صحراء ؟ هل عشتُ كثيراً خارج ذاتي بين البشر والأحداث؟ لماذا تجنبتُ ذاتي؟ ألم أكن عزيزاً علي ذاتي ؟ لكني كنت اتجنبُ مكان روحي . كنتُ أفكاري، بعد أن توقفتُ عن كوني أحداثاً وبشراً آخرين . لكني لم أكن ذاتي في مواجهة أفكاري . عليّ أيضاً أن أرتقي فوق آخرين . تمضي رحلتي إلي هناك ، ولهذا تبعدني عن البشر والأحداث إلي العزلة . هل هي عزلة أن يكون المرء مع ذاته ؟ تكون العزلة صحيحة فقط عندما تكون الذات صحراء . هل عليّ أن أكون حديقة من خلال الصحراء ؟ هل عليّ أن أجعل أرضاً قاحلة ، مأهولة ؟ هل أفتحُ حديقة البرية السحرية الواسعة ؟ ما الذي يقودني إلي الصحراء ، وماذا سأفعل هناك ؟ هل هو خداع لم أعد بسببه ، أستطيع الثقة بأفكاري ؟ الحياة وحدها الصحيحة ، والحياة وحدها تقودني إلي الصحراء ، بالفعل ليس تفكيري من يرغب بالعودة إلي الأفكار ، إلي البشر والأحداث ، بما أنه يشعر بالغربة في الصحراء. ماذا يجب أن أفعل هنا يا روحي ؟ لكن روحي تحدثت معي وقالت : "انتظر" . سمعت كلمة قاسية . ينتمي العذاب للصحراء . 

عبرَ منحِ كل ما أستطيع منحه لروحي، وصلتُ إلي مكان الروح ووجدتُ أنَ هذا المكان كان صحراء حارة مهجورة وقاحلة . ليس هناك من ثقافة كافية في العقل لصنع حديقة من روحك. لقد قمتُ بحراثة روح هذا الزمن في داخلي، وليس روح الأعماق الذي يهتم بالأمور المتعلقة بالروح، بعالم الروح . للروح عالمها الخاص الغريب . والذات وحدها تدخل هناك ، أو الإنسان الذي أصبح ذاته بالكامل ، الذي لا يكون في البشر ولا في الأحداث ولا في أفكاره ز من خلال إبعاد رغبتي عن الأشياء والبشر، أبعدتُ عن الأشياء والبشر، وهكذا بالضبط أصبحتُ فريسة لأفكاري، نعم، أصبحتُ أفكاري بالكامل.





كان عليّ أيضاً فصل ذاتي عن أفكاري عبر إبعاد رغبتي عنها . وفي الحال، لاحظت أن ذاتي أصبحت صحراء، حيث اتقدت شمس الرغبة القلقة وحدها . كنت مرتبكاً بالقحط الذي لا نهاية له لهذه الصحراء. حتي لو استطاع شيء ما الازدهار هنا ، فإن القوة الإبداعية للرغبة كانت لا تزال غائبة . أينما وُجدتْ القوة الإبداعية للرغبة ، تنبت بذور التربة ذاتها . لكن لا تنس الانتظار . ألم تر أنه عندما تحولت قوة الإبداع لديك نحو العالم، كم من الأشياء الميتة تحركت تحته أو من خلاله ، كيف نمت وازدهرت، وكيف تدفقت كأنهار غامرة؟ إن تحولت قوتك الإبداعية إلي مكان الروح، فسوف تري كيف تصبح روحك خضراء، وكيف تحمل حقولها ثماراً رائعة. 
لا أحد يمكنه تجنب الانتظار، ويكون معظم الناس غير قادرين علي تحمل هذا العذاب، بل سوف يعيدون ذواتهم بجشع إلي البشر والأشياء والأفكار، وسيكونون عبيدهم من تلك اللحظة فصاعداً . منذ تلك اللحظة ، سيكون مؤكداً بشكل واضح أن هذا الشخص غير قادر علي تحمل ما وراء  الأشياء والأفكار، وسيصبحون من هنا أسياده وسيكون هو تابعهم، بما أنه لا يستطيع التخلي عنهم، ولا حتي بعد أن تصبح روحه حقلاً مثمراً . أيضاً ، من تكون روحه حديقة ، يحتاج الأشياء والبشر والأفكار، لكنه يكون صديقاً لهم وليس عبدهم وتابعهم. 

كل ما هو آت، كان في الصور مسبقاً: سار القدماء في الصحراء لإيجاد أرواحهم . هذه صورة . عاش القدماء رموزهم، بما أن العالم لم يكن قد أصبح واقعاً بالنسبة لهم . وهكذا دخلوا في عزلة في الصحراء ليُعلِمونا أن مكان النفس هو صحراء وحيدة . وجدوا هناك فائضاً من الرؤي، ثمار الصحراء، أزهار الروح الرائعة. فكر بجهد بالصور التي تركها القدماء خلفهم . لقد أوضحوا لنا الطريق لما هو آت . انظر خلفك إلي انهيارالإمبراطوريات، إلي النمو والموت ، إلي الصحراء والمعتزلات ، إنها صور لما هو آت . كل شيء تم التكهن به . لكن من يعرف كيفية تفسيره؟ 

عندما تقول إن مكان الروح غير موجود ، فهو إذن غير موجود. لكن إن قلت إنه موجود ، فسوف يصبح موجوداً . لاحظ ما قاله القدماء في الصور : الكلمة هي تصرف خلاق . قال القدماء : في البدء كانت الكلمة (*). تأمل بهذا وفكّر به . 
الكلمات التي تتذبذب ما بين الهراء والمعني الفائق، هي الأقدم والأكثر صحّة . 

التجربة في الصحراء

بعد صراع مرير، وصلتُ إلي جزء من الطريق الأقرب إليك. كم كان ذلك الصراع قاسياً ! وقعتُ تحت شجيرات الشك والتشوش والاحتقار. أدركتُ أن علي أن أكون وحدي مع روحي. أتيت إليك يا روحي بأيد فارغة. ماذا تريدين أن تسمعي؟ لكن روحي تحدثت إلي وقالت : "إن أتيت لصديق فهل تأتي لتأخذ ؟" عرفت أنه لا يفترض أن يكون الأمر بهذا الشكل، لكن يبدو لي أني فقير وفارغ. أرغب بالجلوس قربك والشعور علي الأقل بأنفاس حضورك المنعش. طريقي رمال حارة. طوال اليوم، طرقات مغبرة. يتضاءل صبري أحياناً، يئستُ من ذاتي كما تعلمين. 

أجابت روحي وقالت: "أنت تتحدث معي كما لو أنك طفل يشتكي لوالدته. أنا لست والدتك ". أنا لا أرغب بالشكوي، لكن دعيني أقل لك إن طريقي كان طويلاً ومغبراً. أنت بالنسبة لي كشجرة وارفة الظلال في البرية . أود أن أستمع بظلك. لكن روحي أجابت: "أنت تسعي للمتعة. أين صبرك ؟ لم يحن وقتك بعد. هل نسيت لماذا دخلت إلي الصحراء ؟" 

إيماني ضعيف، وجهي لا يُبصر بسبب الوميض الساطع الناتج عن شمس الصحراء. قلبي يُثقل علي كالرصاص. العطش يعذبني، لا أجرؤ علي التفكير كم كان طريقي طويلاً ولا نهاية له، وقبل كل شيء، لم أر شيئاً أمامي. لكن الروح أجابتني: " أنت تتحدثُ كما لو أنك ما تعلمت شيئاً. ألا يمكنك الانتظار ؟ هل يجب أن يقع كل شيء في حضنك ناضجاً وجاهزاً ؟ أنت ممتلئ، نعم، أنت تعج بالأهداف والرغبات! ألا زلت غير عارف بأن الطريق إلي الحقيقة يكون مفتوحاً فقط لأولئك الذين لا هدف لديهم ؟" 

أعرف كل ما تقولينه يا روحي، هو تفكيري أيضاً. لكني لا أعيش وفقاً له. قالت الروح: "قل لي كيف تعتقد إذن أن أفكارك ستساعدك ؟" أرغبُ دائماً بالإشارة إلي حقيقة أني إنسان، مجرد إنسان ضعيف، ولا يقدم أفضل ما لديه في بعض الأحيان. لكن الروح قالت: " هل هذا ما تعتقد ما يعنيه أنك أنسان ؟" أنتِ قاسية يا روحي، لكنك علي حق. كم مازلنا نلتزم بعيش القليل من الحياة . يجب أن نكبر مثل الشجرة التي لا تعرف قانونها. نقيد ذواتنا بالأهداف، غير منتبهين لحقيقة أن الهدف عبارة عن حدود، نعم، استبعاد للحياة. نحن نؤمن أن باستطاعتنا إضاءة الظلمة من خلال هدف، وبتلك الطريقة يسبق الهدف الضوء. كيف لنا أن نفترض بأننا نعرف مسبقاً من أين سيأتي  الضوء إلينا ؟

دعيني أقدّم لك شكوي واحدة: أنا أعاني من الاحتقار، احتقاري لذاتي . لكن روحي: "اسمع إذن، هل تقلل من قيمتي ؟ هل لازلت لا تعرف أنك لا تكتب كتاباً لتغذية غرورك، بل تتحدث معي ؟ كيف لك أن تعاني من الاحتقار إن كنت توجه لي تلك الكلمات التي أعطيها لك ؟ هل تعرف إذن، من أنا ؟ هل استوعبتني، هل عرفتني وجعلت مني صيغة ميتة ؟ هل قستَ أعماق هاوياتي، واستكشفت جميع الطرقات التي لازلتُ أقودك فيها ؟ لا يمكن للاحتقار أن يتحداك إن لم تكن فارغاً حتي النخاع" . صراحتك قاسية. أريد أن ألقي بغروري أمامك بما أنه يعميني. أترين، لهذا اعتقدت أن يديّ فارغتان عندما جئتُ إليك اليوم. لم أعتبر أنك أنت من تملأين الأيدي الفارغة إن أرادت أن تمتد مع أنها لا تريدُ بذلك. لم أعرف أنني وعاؤك، فارغ من دونكِ، لكنه يطفح بك. 

كانت ليلتي الخامسة والعشرين في الصحراء. احتاجت روحي إلي كل هذا الوقت، للاستيقاظ من حالة كينونة مظلمة إلي حياة خاصة بها، إلي أن استطاعت مقاربتي ككيان حرّ منفصل عني. تلقيتُ منها كلمات قاسية لكنها مفيدة احتجتُ لأن تمسك بيدي بما أنني لم أستطع التغلب علي الاحتقار في داخلي. 

يعتبر روح هذا الزمن نفسه ذكياً بإفراط، مثل كل روح لزمن. لكن الحكمة ساذجة وليست بسيطة وحسب. لهذا يسخر الإنسان الذكي من الحكمة بما أن السخرية سلاحه. يستخدم سلاحاً ساماً مدبباً، لأنه يُصدم بالحكمة الساذجة. إن لم يُصدم، فلن يحتاج إلي السلاح. في الصحراء فقط، نصبح مدركين لسذاجتنا المرعبة، لكننا نخاف الاعتراف بها. "لهذا نكون مُحتقرين. لكن السخرية لا تحقق السذاجة . تقع السخرية علي الساخر، وفي الصحراء، حيث لا أحد يسمع ويجيب، يختنقُ باحتقاره الخاص.

كلما كنت أكثر ذكاء، تكون سذاجتك أكثر غباءً. الأذكياء تماماً هم الأغبياء بالكامل في سذاجتهم. لا نستطيع حماية أنفسنا من ذكاء روح هذا الزمن من خلال زيادة ذكائنا، بل من خلال قبول أكثر ما يكرهه ذكاؤنا، أي السذاجة. ومع ذلك، نحن لا نريد أن نكون أغبياء مزيفين لأننا نسقط في السذاجة، بدل من أن نكون أغبياء أذكياء. هذا يؤدي إلي المعني الفائق. يضاعف الذكاء ذاته بالهدف. السذاجة لا تعرف هدفاً. يحتل الذكاء العالم، لكن السذاجة تحتل الروح. لذلك تبني فقر روح هذا الزمن بغية المشاركة في الروح. 
مقابل هذا ظهر احتقار الذكاء. سيهزأ العديدون بغبائي. لكن ما من أحد سيهزأ بي أكثر مما هزئت بنفسي. 

هكذا تغلبتُ علي الازدراء. لكن عندما تغلبتُ عليه، كنتُ قريباً من روحي، واستطاعت التحدث إلي، وكنت قريباً من رؤية الصحراء وهي تتحول إلي اللون خضراء.
...................
(*) من إنجيل يوحنا: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ."

(المرجع) الكتاب الأحمر ، كارل غوستاف يونغ، ترجمة متيّم الضايع ـ رنا بشّور، دار الحوار ، الطبعة الأولي 2015. 

الخميس، 4 فبراير 2016

البحر : مارسيل بروست / ترجمة : جمال شحيّد


سيَسحر البحر دائماً أولئك الذين سبقَ تقززُهم من الحياة وانجذابُهم بالأسرار الأحزان الأولي لديهم، كمثلِ استشعار بقصور الواقع عن إرضائهم. هؤلاء الذين يحتاجون إلي الراحة قبل أن يشعروا بأيّ تعب، سيعزيهم البحر ويجعلهم إلي حدّ ما يغتَبطون. فهو لا يحمل، كالأرض، آثار أعمال البشر والحياة البشرية. لاشيء فيه يبرح، ولاشيء فيه يمرّ إلّا هارباً، وسرعان ما تتلاشي آثار الزوراق التي تمخُره، ونري من هنا النقاء الكبير للبحر الذي تفتقر إليه العناصرُ الأرضية. وهذه المياه البكر هي أرق من اليابسة القاسية التي لابد من فأس كي نشقها. خطو طفل في الماء يحفر فيه أخدوداً عميقاً يُحدث صوتاً واضحاً، وتتكسّر الظلال الموحّدة فيه ولو للحظة، ثمّ يتلاشي كلّ أثر، ويعود البحر إلي هدوئه كما في الأيام الأولي للخليقة. فالذي يملّ من دروب الأرض والذي يخمن كم هي وعرة ومبتذلة، قبل أن يسلكها، ستغويه الطرق الباهتة للبحر، الطرق الأخطر والأعذب، الطرق المحيّرة والمقفرة. كلّ شيء في البحر غامض، بما فيه تلك الظلال الكبيرة التي تطفو أحياناً بهدوء علي سهوب البحر العارية التي لا منازل فيها ولا أشجار، والتي تنتشر فوقها السحب، تلك الدساكر السماوية، وتلك الفروع المبهمة.


                            اللوحة للفنان ايفان ايفازوفسكي aivazovsky

للبحر سحر الأشياء التي لا تسكت آناء اللّيل، والتي تمكّن حياتنا القلقة من النوم وتَعِد بأن كلّ شيء لن يتقوض، كتلك النوّاسة التي توضع في غرف الأولاد الصغار الذين يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم عندما تضاء. لا ينفصل البحر عن السماء كالأرض، وينسجم دائماً مع ألوانه ويندهش من تدرجاتها الناعمة. يُشرق البحر تحت الشمس ويبدو في كلّ مساء وكأنه يموت معها. وعندما تغيب، يتحسّر عليها طويلاً ويحتفظ بشيء من ذكراها الساطعة، أمام الأرض التي أرخت العتمةُ سدولها عليها. ويحين وقت الانعكاسات الاكتئابية والشديدة الرقة بحيث يشعر المرء بأن قلبه ينفطر عندما ينظر إليها. وقُبيل حلول اللّيل، وعندما تدكن السماء فوق الأرض المسودة، يلتمع البحر قليلاً، دون أن نعلم السّر في ذلك، يلتمع بذخيرة النهار المشرقة المدفونة تحت العباب.
البحر ينعش خيالنا لأنه لا يجعلنا نفكر في حياة البشر، بل يُبهج روحنا، لأنه، علي غرارها، توق لا محدود وقاصر وزخم تهشّمه السقطات، وشكوي دائمة ورقيقة. إنه يسحرنا كالموسيقي، التي لا تحمل أثر الأشياء كاللغة، ولا تقول لنا شيئاً عن البشر، ولكنها تقلّد تموجات روحنا. عندما يتوثّب قلبنا مع أمواج الموسيقي ويتهاوي معها ينسي بالتالي قواه الخائرة، ويتعزي بانسجام حميم يراوح بين حزنه وبين حزن البحر، ويمزج بين قدَره وقدَر الأشياء.
....................
(*) المسرات والأيام، قصص واشعار، مارسيل بروست، ترجمة جمال شحيّد ، مشروع كلمة، هيئة أبو ظبي ،ط1، 2014.
(*) اللوحة للفنان ايفان ايفازوفسكي aivazovsky .



الأربعاء، 20 يناير 2016

مذكرات من العالم السفلي : ف. دوستويفسكي ، ترجمة / زغلول فهمي

الفصل الأول 


ف. دوستويفسكي
دأنا رجل مريض .. رجل حقود. رجل بليد المظهر غير جذاب. وأعتقد أن كبدي عليل . وأنا مع هذا لا أعلم شيئا عن مرضي. ولا أدري ماذ يؤلمني علي وجه التحقيق . فأنا لا أستشير طبيبا في ذلك. ولم يحدث أن استشرت طبيبا رغم احترامي الطب والأطباء . وفضلا عن هذا فاني مؤمن بالخرافات ايمانا راسخا. ايمانا يجعلني أحترام الطب علي أية حال ( فعلي الرغم من أن ثقافتي العالية تكفي لانكار الخرافات فانني أومن بها ). كلا، اني أرفض استشارة الطبيب بسبب حقدي .قد لا تفهمون هذا ومع ذلك فاني أفهمه . ولا ريب أنني أستطيع أن أبيّن علي وجه التحديد من ذا الذي أوذيه بحقده في هذه الحال . فأنا أعلم علم اليقين أنني لا أنتقم من الأطباء بعدم استشارتهم كما أعلم أكثر من غيري أنني بكل هذا لا أوذي الا نفسي . ومع ذلك فاذا كنت لا أستشير طبيبا فذلك بسبب حقدي . ان كبدي عليل . فلتشتد به العلة!

هكذا ظللت أعيش فترة طويلة تبلغ عشرين عاما . فأنا الآن في الأربعين من عمري . وكنت موظفا في الحكومة ولكنني الآن لم أعد في خدمتها . كنت موظفا حقوداً فظاً وكان يطيب لي أن أكون كذلك. لم أكن مرتشياً فكان لابد لي من أن أجد ما يعوضني عن ذلك علي الأقل . ( نكتة سخيفة ولكنني لن أحذفها . فلقد كتبتها ظنا مني أنها غاية في الفكاهة . ومع أني قد أدركت الآن اني لم أرد بها الا الاستعراض فطنتي استعراضاً مبتذلاً فسأبقيها عن عمد ) . 

وعندما كان يأتي أصحاب الحاجات الي المنضدة التي كنت أجلس اليها يسألون عن مطالبهم كنت أظهر لهم غضبي وأشعر بلذة غامرة عندما أنجح في تكدير صفو أحدهم. وغالبا ما كنت أنجح في ذلك. فقد كان معظمهم ممن يغلب عليهم الخوف والخجل ولا عجب في ذلك فهم أصحاب حاجات. أما المتغطرسون فقد كان من بينهم ضابط بالذات كنت لا أطيق وجوده. كان يأبي التواضع ويظل يضرب بسيفه علي ساقه بطريقة منفّرة. فظللت أحمل له في نفسي حقدا وعدواة مدة ثمانية عشر شهرا بسبب هذا السيف. وأخيرا انتصرت عليه. اذ أقلع عن عادته في ضرب السيف علي ساقه. علي أن كل هذا قد حدث في صباي.

ولكن أتعلمون يا سادة ماذا كانت النقطة الجوهرية في هذا الحقد ؟ ان الحافز هو انني كنت أدرك دائما بيني وبين نفسي حتي وانا في أشد حالات الحقد والغضب ـ انني لست حقودا ولا حتي رجلاً ممروراً وأن ما أفعله لا يزيد علي تسلية نفسي بتخويف العصافير دون غاية أو هدف ـ فقد أرغي وأزبد ولكنني قد أهدأ ويزول غضبي عندما تأتون لي بدمية أعبث بها أو قدح من الشاي المحليّ بالسكر. وقد يبلغ شعوري حينئذ حد التأثر الصادق مع أنني قد أثور علي نفسي بعد ذلك بسبب هذا الضعف فأقضي الليالي يقظان مؤرقا لخجلي من نفسي. هكذا كانت طريقة حياتي . 

لقد كذبت عليكم اذن عندما قلت لكم انني كنت موظفا حقودا. كذبت عليكم بدافع من حقدي. فان ما كنت أفعله لا يعدو أن يكون تسلية مع أصحاب الحاجات ومع ذلك الضابط الذي حدثتكم عنه والحقيقة انني ما كنت لأستطيع أن أكون حقودا . فقد كنت دائما أحس في نفسي بعوامل كثيرة وكثيرة جداً تتنافي تماماً مع هذا الشعور. كنت أحس بها احساساً لا ريب فيه وهي تتزاحم في نفسي. كما كنت أعلم أن تلك العوامل كانت تتزاحم في نفسي طوال حياتي متلهفة علي منفذ. ولكنني لم أكن أسمح لها بذلك. لم أكن أسمح لها بالظهور في عمد واصرار، فكانت تعذبني حتي اشعر بالخزي. بل كانت تدفع بي أحيانا الي تشنجات عصبية ـ وأخيرا تسقمني ـ نعم لشد ما أسقمتني! ـ ألا يخطر ببالكم أيها السادة انني أعبرعن الندم علي شيء ما وأنني أستغفركم لشيء ما ؟ اني واثق من أنكم تتخيلون هذا .. ولكنني أوكد لكم انني لا أبالي بذلك. 

لم يقتصر الحال علي أنني لم استطيع أن أكون حقودا فحسب بل انني لم أدر كيف أكون شيئاً علي الاطلاق لا حقوداً ولا شفوقاً ولا نذلاً ولا أميناً ولا بطلاً ولا حشرة، والآن أقضي ما بقي من عمري في عقر داري ساخرا من نفسي بهذا العزاء التافه الحاقد وهو أن الرجل الذكي لا يمكن أن يكون شيئا بحق وأن الرجل الأحمق وحده هو الذي يستطيع أن يكون شيئا ما. نعم ففي القرن التاسع عشر لابد أن يكون الرجل ـ بل ينبغي أخلاقياً أن يكون ـ الي حد كبير مخلوقاً لا طابع له . فالرجل الايجابي ذو الشخصية القوية هو قبل كل شيء إنسان محدود الي درجة كبيرة . هذا هو اعتقادي مدة أربعين سنة. فأنا الآن في الأربعين من عمري. وأربعون عاماً كما تعلمون حياة كاملة. انها أقصي مراحل الشيخوخة . فالحياة بعد الأربعين ضرب من سوء السلوك والابتذال والفساد. ومن ذا الذي يعيش بعد الأربعين ؟ أجيبوا عن هذا السؤال في اخلاص وأمانة . سأخبركم بمن يفعل ذلك. انهم الحمقي والتافهون . أقول هذا في وجه جميع الشيوخ ـ جميع الشيوخ المبجلين ذوي الرءوس البيضاء بل اني أقول هذا في وجه العالم أجمع. فمن حقي ان أقول هذا في وجه العالم أجمع. من حقي أن أقول هذا لأنني سأعيش أنا نفسي حتي أبلغ الستين،فالسبعين،ثم الثمانين، انتظروا حتي ألتقط أنفاسي .

لا ريب أنكم تتخيلون يا سادتي أنني أبغي أن أرفه عنكم، ولكنكم مخطئون في هذا أيضا . فأنا لست مطلقاً شخصاً مرحاً كما تتخيلون أو كما قد تتخيلون. ومع ذلك فأنتم ترون أنه يليق بكم قد ضقتم ذرعا بكل هذه الثرثرة ( كما انني أشعر أنكم ضيقون بي ) أن تسألوني عمن أكون . فأجيبكم بأنني مثمن قانوني . ولقد عملت في خدمة الحكومة حتي أحصل علي قوتي ( ولم أعمل الا لهذا السبب ) . وفي العام الماضي عندما ترك لي أحد أقربائي الذين تربطني بهم قرابة بعيدة في وصية ستة آلاف روبل اعتزلت العمل في الحال واستقر بي المقام في عقر داري. كنت أعيش في هذا الجحر من قبل ولكنني الآن قد تم استقراري فيه . انه غرفة قذرة ريفية بشعة في احدي ضواحي المدينة، وتقوم علي خدمتي فيها عجوز ريفية حادة الطبع بسبب حماقتها وفوق ذلك تنبعث منها رائحة عفنة. ولا يفتأ الناس يقولون لي ان الجو في بطرسبورج له أثر سيء علي صحتي وان الحياة فيها بالنسبة لدخلي الضيئل باهظة التكاليف. اني أعلم كل هذا أكثر مما يعلمه جميع هؤلاء الناصحين العقلاء المحنكين .. ولكني باق في بطرسبوج، ولن أرحل عن بطرسبورج! اني لست راحلاً عنها لأنني ....أه! ولكن سواء رحلت عنها أو لم أرحل فهذا أمر لا يهم علي الاطلاق. 

ولكن عمّ يستطيع الرجل المهذب أن يتحدث في سرور عظيم ؟ أجيبوا : عن نفسه .
اذن فسأتكلم عن نفسي . 


..........
(المرجع) مذكرات من العالم السفلي، فيودور دوستويفسكي، ترجمة زغلول فهمي ، مراجعة د. عبد القادر القط ، وزارة الثقافة والارشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، مطبعة مصر ديسمبر 1964. 

الجمعة، 1 يناير 2016

قصيدة: (ترسيمُ قبلة) للشاعر الاسباني: ليوبولدو ماريا بانيرو I ترجمة الشاعر محمد عيد إبراهيم

للشاعر الإسبانيّ: ليوبولدو ماريا بانيرو (1948-2014)

ترجمة الشاعر محمد عيد إبراهيم 

....................




سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ

حينَ يهمسُ لي أولُ الطيرِ المهاجرِ بكلمتهِ

سأقتلكِ غداً قُبيلَ الفجرِ

حينَ نرقدُ بالفِراشِ، ضائعينَ في الأحلامِ

ويبدو أن الجِماعَ أو المنيّ على شفتَيكِ

كأنهُ قُبلةٌ أو عناقٌ، أو عِرفانٌ

سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ

حينَ يهمسُ لي أولُ الطيرِ المهاجرِ بكلمتهِ

مستَحضراً لي موتَكِ مُسوَّغاً بمنقارهِ،

كأنهُ قُبلةٌ أو عِرفانٌ

أو صلاةٌ لن يقطعَها الليلُ

سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ

حينَ يعوي الكلبُ الثالثُ بالساعةِ التاسعةِ

جنبَ الشجرةِ العاشرةِ جرداءِ الورقِ والنُّسغِ

لا يعلمُ أحدٌ كيفَ لا تزالُ منتصبةً

سأقتلكِ غداً حينَ تسقطُ

الورقةُ الثالثةُ عشرة على الأرضِ الشقيّةِ

وتنقلبينَ أنتِ ذاتَكِ الورقةً أو الطائرَ الغِرِّيدَ الشاحبَ

وهو يعودُ إلى سِرّهِ الليليّ البعيدِ

سأقتلكِ غداً، وقد تطلبينَ السّماحَ

لأجلِ لُحمتكِ الفاحشةِ، جنسكِ الداكنِ

فنتوءكِ سيكونُ حديدةً لامعةُ

وفي القبرِ سيهلّ السُّلوانُ بديلاً عن القُبلةِ

سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ

سترينَ كم أنتِ جميلةٌ بعدَ موتكِ

والأزهارُ تُغطّيكِ، ذارعاكِ معقودتانِ

شفتاكِ مُحكَمتانِ كأنكِ في صلاةٍ

أو تضرعينَ إليّ بكِلمةٍ

سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ،

ومن الجِنانِ، كما تمضي الأسطورةُ،

تتوسّلينَ نيابةً عنّي وعن خلاصي

سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ

حينَ ترينَ ملاكاً يتدبّرُ خِنجراً

كلّهُ عارٍ وصامتٌ عندَ فِراشِكِ المُصفَرّ

سأقتلكِ غداً، سترينَ أنكِ تقذفينَ

حينَ يدخلُ ذلكَ الباردُ بينَ فَخِذَيكِ

سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ

غداً سأقتلكِ لأحبّ طيفَكِ

وأجري إلى قبركِ كلّ ليلةٍ حيثُ

سُعارُ الجنسِ وأُحجِياتُ المنيّ

تشتعلُ من جديدٍ في قَضيبيّ الرَّجَّاجِ،

فتستحيلُ شاهدةُ قبركِ إلى فِراشٍ بدائيٍّ

حيثُ يحلمُ المرءُ بالأربابِ والأشجارِ والأمهاتِ

حيثُ يلعبُ المرءُ بالنَّردِ ليلاً

سأقتلكِ غداً عندَ بزوغِ القمرِ

حينَ يهمسُ لي أولُ الطيرِ المهاجرِ بكلمتهِ. 

................ 

(*) اللوحة، للفنان الإسبانيّ: خوليو روميرو دي توريس

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

الخيال والحركية : غاستون باشلار

 ترجمة الرحوتي عبد الرحيم (الجزائر) .



يسود الأبحاث في موضوع الخيال ، كما هو الحال في كثير من المشاكل السيكولوجية الأخري ، الاضطراب الناتج عن زيف نور الأصل الإشتقاقي . نريد دائما للخيال أن يكون ملكة تشكيل الصور ، في حين أنه ، بالأولي، ملكة تحريف الصور التي يزوده بها الإدراك الحسي . إن الخيال هو ، بشكل خاص، ملكة تحريرنا من الصور الأولي ، ملكة تغيير الصور . إذا لم يكن هناك تغيير في الصور ، اتحاد غير متوقع بين الصور ، ليس هناك خيال ، ليس هناك فعل تخييلي . إذا لم تقُد صورة حضارة إلي التفكير في صورة غائبة ، إذا لم يترتب عن صورة عارضة عدد هائل من الصور الفريدة ، إنفجار من الصور ، ليس هناك خيال ، هناك إدراك حسي ، ذكري إدراك حسي ، ذاكرة مألوفة ، صور وأشكال متُعَودُ عليها . اللفظة الأساسية التي تقابل الخيال ، ليس الصورة وإنما المُتخيل . قيمة صورة ما تقاس بحجم هالتها المتخيلة . بفضل المتخيل يصير الخيال مفتوحا، هاربا . توجد في النفس الإنسانية ذاتها تجربة الإنفتاح ، تجريد الجديد . يمييز الخيال أكثر من أي قوة أخري النفس الإنسانية ، كما يعلن ذلك بلاك : " ليس الخيال حالة فقط ، إنه الوجود الإنساني ذاته " . سنقتنع بسهولة بصدق هذا المبدأ الأساسي إذا نحن درسنا الخيال الأدبي ، المتداول شفوياً ، ذلك الذي بارتباطه باللغة ، يشكل النسيج الزمني للتجربة الروحية ويتحرر تبعا لذلك من ثقل الواقع .

علي العكس من ذلك ، الصورة التي تبرح مبدأها المتخيل وتستقر في شكل نهائي تأخذ شيئا فشيئاً طابع الإدراك الحسي الراهن ، عما قريب عوض أن تجعلنا نحلم ونتكلم ، تجعلنا نفعل ، أي أن الصورة الثابتة والمتكاملة تقطع أجنحة الخيال ، تجعلنا نهبط من هذا الخيال الحالم الذي لا يسجن نفسه في أية صورة والذي يمكن أن نسميه تبعا لذلك الخيال بدون صور علي نمط إعترافنا بفكر بلا صور . بدون شك يفرخ المتخيل في حياته الخارقة صورا ، ولكنه يطرح نفسه دائما كمَا وَراَء لهذه الصور ، إنه دائما أكثر شيئا ما من الصور . 

القصيدة الشعرية هي في جوهرها تطلع إلي صور جديدة وهي بذلك تناظر النفس والإنسانية في حاجتها الأساسية للتجديد . 

هكذا ، فالجانب المُهمَل من قبل سيكولوجيا الخيال لا تهتم إلا بتكوين الصور ، هو جانب أساسي ، جلي ، يعرفه الجميع : هو حركية الصور . هناك تعارض ـ في مجال الخيال ، كما هو الشأن في مجالات أخري عديدة ـ بين التكوين والحركة ، ربما لأن وصف الأشكال أسهل من وصف الحركات ، يفُسر ذلك بقصر السيكولوجيات اهتمامها علي النشاط الأولي ، في حين أن الثاني هو الأهم . الخيال بالنسبة لسيكولوجيا كلية هو قبل كل شيء نوع من الحركة الروحية الأشد كبراً ، الأشد حدة ، الأشد حياة . يجب أن يضاف بشكل منظم الي دراسة صورة خاصة دراسة حركتها ، خصوبتها ، حياتها . 
هذه الدراسة ممكنة لأن حركة الصور ليست غامضة ولا مبهمة ، حركة صورة معينة هي في غالب الأحيان حركة لها خصوصيتها . سيكولوجيا خيال الحركة عليها ، في هذه الحالة ، أن تقوم مباشرة بتحديد حركة الصور ، يجب عليها أن تقوم بوضع رسم تخطيطي حقيقي يلخص حركية كل صورة . 


سنترك جانبا إذن الصور الساكنة، الصور المكونَة ، تلك التي صارت كلمات ثابتة بشكل تام ، سنترك جانباً أيضا كل الصور التقليدية ـ كصور الأزهار المتوفرة بكثرة عند الشعراء التي تأتي لتلون بمسحة تقليدية الأوصاف الأدبية ، إلا أنها فقدت ، مع كل ذلك ، سلطتها التخلييلية . هناك صور أخري جديدة بالكامل ، تحيا بحياة اللغة الحية ، ندركها بغنائيتها التي توجد في حالة نشاط ، هذه العلامة الحميمية للجدة للنفس والقلب . تعطي ـ هذه الصور الأدبية ـ أملا لإحساسنا ، قوة خاصة لقرارنا ، زخما خاصاً لحياتنا النفسية . الكتاب الذي يشتمل علي هذه الصور الأدبية يصير فجأة رسالة حميمية بالنسبة لنا ، رسالة تلعب دورا أساسيا في حياتنا ، تعيد إلينا الحيوية . عن طريقها يرقي القول ، الكلمة ، الأدب إلي صنف الخيال المبدع . بلجوء الفكر إلي صور جديدة للتعبير يثري نفسه ويثري اللغة ، يصير الكائن قولا ، ويظهر القول في قمة نفسية الكائن ، يتضح بأن اللغة هي الصيرورة المباشرة للنفس الإنسانية .


كيف يمكننا إيجاد نظير لهذه الدعوة الحثيثة للعيش والتكلم ؟ لا يمكن الحصول علي ذلك إلا بمضاعفة تجارب الأشكال الأدبية والصور المتحركة ، إلا بإعادتنا ـ تبعا لنصيحة نيتشه ـ لكل شيء حركته الخاصة به ، إلا بترتيبنا ومقارنتنا مختلف حركات الصور ، إلا بإحصاتنا لكل ثروات الأوجه البلاغية التي تلتف حول لفظة ما . يجب علينا أن نتساءل بصدد كل صورة من الصور التي تصدمنا : ما طبيعة هذا التوقد اللساني الذي تحرره فينا ؟ كيف يمكننا فك حبالها من العمق الثابت لذكرياتنا المألوفة ؟ لكي يمكننا أن نشعر بالدور المخيّل للكلام ، يجب علينا أن نبحث بأناة في جميع الكلمات ، عن تحرقات الغيرية ، عن تحرقات المعني الازدواجي ، عن تحرقات المجاز ، بصفة عامة يجب احصاء جميع التحرقات التي تتطلع إلي مغادرة ما نراه وما نقوله لصالح ما نتخيله . ستتوفر لنا بهذه الطريقة الفرصة لكي نعيد إلي الخيال دوره الإغرائي . عن طريق الخيال نغادر السير العادي للأشياء . الإدراك والخيال متناقضان كتناقض الحضور والغياب ، التخيل هو الغياب ، هو الوثوب في إتجاه حياة جديدة .



[2]


غالبا ما يكون هذا الغياب بلا قانون وهذا الوثوب بلا مثابرة . حلم اليقظة يكتفي بنقلنا إلي مكان آخر من دون أن يكون في إمكاننا عيش كل صور المسار حقا . الحالم يسير علي غير هدي ، اما الشاعر الحقيقي فلا يكتفي بهذا الخيال السلبي ، يريد للخيال ان يكون سفراً ، من حقنا علي كل شاعر ان يستدعينا للسفر . نتلقي بهذه الدعوة ، في اعماقنا ، دفعة ناعمة ، دفعة نهزنا ، دفعة تجعل التداعي الملائم ، التداعي الدينامي بحق . إذا كانت الصورة الأولي منتقاة بشكل جيد ، فإنها تكشف كدافع لحلم شعري دقيق ، لحياة متخيلة لها قوانين حقيقية للصور المتوالية ، معني حيوي حقيقي . تملأ الصور المندرجة في متوالية عن طريق الدعوة الي السفر، في نظامها المختار بدقة ، حيوية خاصة هي التي تمكننا من تحديد حركة الخيال . لن تكون هذه الحركة استعارة فحسب ، بل سنكابدها بالفعل في ذواتنا ، غالبا ، كتلطيف ، كتسهيل لتخيل صور ملحقة ، كرغبة عارمة في مواصلة الحلم الساحر . القصيدة الشعرية الجميلة هي أفيون أو كحول ، هي غذاء مسكن للاعصاب ، توُلدُ فينا اثراً ديناميا . سنحاول ان نعطي لقول بول فاليري العميق : " الشاعر هو الذي يُلهم " معناه المتعدد المنصف . شاعر النار وشاعر الماء وشاعر الأرض لا يصدرون عن نفس إلهام شاعر الهواء . لهذا فإن معني السفر الخيالي يختلف باختلاف الشعراء . بعض الشعراء يقتصرون علي اقتياد قرائهم الي البلد الطريف ، يريدون إيجاد البلد الآخر فيما نراه حولنا كل يوم . يُحمّلوهن ويسرفون في تحميل جمال الحياة العادية أكثر مما يلزم . علينا ألا نستخف من هذا السفر الي بلد الواقع الذي يسلي الكائن بأزهد الاسعار . تنوير واقع من قبل الشاعر له علي الأقل جدة إضاءة جديدة ، لأنه يمكننا من اكتشاف لمسة هاربة ، نتعلم كيف نتخيل كل لمسة كتغيير . الخيال هو وحده الذي في إمكانه رؤية اللمسات الخفيفة ، التقاطها في مروره من لون الي آخر . يوجد إذن في هذا العالم القديم أزهارلم نكن قد رأيناها جيداً ! لأننا لم نر لمسات الوانها وهي تتغير . الإزهار هو نقل للمسات الخفيفة ، هو دائما حركة متدرجة . من يتابع في حديقته كل الأزهار التي تتفتح وتتلون له منذ تلك اللحظة ألف نموذج لدينامية الصور . 

لكن الحركية الحقيقة ، الحركية في ذاتها التي هي حركية متخيلة اساسا لا يستنفرها وصف الواقع ، ولو تعلق الامر بوصف صيرورة هذا الواقع . 

السفر الحقيقي للخيال هو السفر الي بلد المتخيل ، الي مجال المتخيل ذاته ، لا تقصد بقولنا هذا واحدة من هذه الطوباويات التي تقدم نفسها دفعة واحدة كجنة أو كجحيم ، أطلامتيد أو ثياَيّيد ، مع انه الطريق الذي كان من الممكن ان يُثير اهتمامنا والمثويَ الذي يُوصف لنا . ما نرمي الي فحصه هنا هو في الحقيقة مثولية المتخيل بالنسبة للواقع ، الطريق المتواصل الذي ينطلق من الواقع ليفضي الي المتخيل . قلما عشنا التغير الخيالي البطيء الذي يزود به الخيال الادراكات الحسية . لم نتحقق جيداً من حالة الميوعة التي توجد عليها النفسية المتخيلة ، لو كان في إمكاننا مضاعفة تجارب تغيير الصور لفهمنا كم هي عميقة ملاحظة ( بنجامان فوندان ) : " أولاً ، المدة ليست شيئا واقعيا ، ولكنها ناقل جيد للواقع ". المادة الشعرية وقد نُشّطت كما ينبغي باسم ممتليء بالاصداء ، ستكون ، علي رأينا ، ناقلاً جيداً للنفسية المتخيلة . لحصول هذا النقل ، يجب تسمية المادة الشعرية باسمها ، باسمها القديم ، بإعطائها عدد مصوتاتها اللازم ، بإحاطتها بالمرنانات التي ستجعلها تتكلم ، بالاوصاف التي ستغمر إيقاعها ، حياتها في العالم السفلي . الم يقل ( ريلكه ) : " الكتابة بيت واحد يجب ان نكون قد رأينا مدُنُا عديدة ، أناساً وأشياء ، يجب ان نكون قد عرفنا الحيوانات ، الكيفية التي تطير بها الطيور وحركات الازهار الصغيرة وهي تتفتح عند الصباح ". كل مادة تم تأملها ، كل اسم كبير تم الهمس به هو منطلق حًلم وبيت شعري ، هو حركة لسانية مبدعة . كم هي عديدة المرات التي كنت فيها علي جانب البئر ، علي الحجر القديم المثقل بالحُمّيض والسرخس ، فهمت باسم المياه البعيدة ، باسم العالم المتواري ... كم هي عديدة المرات التي اجابني فيها الكون فجأة ... يا أشيائي ! ما أمتع حديثنا . 

أخيرا ، السفر في عوالم المتخيل البعيدة لا ينقل بشكل جيد نفسية دينامية ، إلا عندما يأخذ شكل سفر الي بلد اللانهائي . في مملكة الخيال ، ينصم التعالي الي كل مثولية ، إنه قانون التعبير الشعري الذي عليه ان يتجاوز الفكر . يبدو هذا التعالي بدون شك ، وفي غالب الاحيان كشيء فظ ، زائف ، مهشم ، في احيان اخري يرقي بسرعة كبيرة جداً ، إنه وهمي ، متبخر ، متبدد ، إنه سراب بالنسبة لمن يفكر ، ولكنه سراب يسحر يوُلد دينامية خاصة ، دينامية تشكل نفسية حقيقية ، نفسية لا يمكن إنكارها . يمكننا انطلاقاً من هذا ترتيب الشعراء بطلبنا منهم الإجابة عن السؤال التالي : قل لي ما هو اللانهائي عندك ، أعرفُ عالملك ، هل هو لانهائي البحر او لانهائي السماء أو لانهائي الأرض العميقة أو لانهائي المحرقة ؟ اللانهائي في مملكة الخيال هو الناحية التي يتأكد فيها الخيال كخيال خالص ، يوجد فيها حراً ووحيداً ، مهزوماً ومنتصراً ، متغطرساً ومرتجفاً . تندفع آنذاك الصور وتتلاشي ، ترتفع وتتحطم ، عند ذاك تفرض نفسها واقعية اللاواقع . نفهم الاشكال بتغيرها ، القول نبوءة ، هذا هو حال الخيال كمَا ورَاَء نفسي ، يأخذ شكل نفسية رائدة تًلقي ذاتها علي الوجود . جمعنا في كتابنا " الماء والأحلام " عددا هاما من الصور يلقي فيها الخيال صوراً شديدة الحميمية علي الواقع الخارجي . بدراستنا هنا النفسية الهوائية ستتوفر لنا أمثلة يلقي فيها الخيال ذاته علي الوجود بكامله . عندما نذهب بعيداً ونرتفع في الفضاء نعرف أنفسنا جيداً . في حالة الخيال المفتوح ، الخيال التواق في كليته للحقائق الهوائية حيث يضُاعف كل انطباع بصورة جديدة ، يشعر الكائن بنفسه عشية كتابته ، كما يقول ( ريلكه ) : " في هذه المرة سأكتب ، إني الإنطباع الذي سيُنقَل " . في هذا النقل يعمل الخيال علي إبراز واحدة من هذه الزهور المانوية التي تخلط ألوان الخير والشر ، التي تنتهلك قوانين القيم الإنسانية الاكثر ثباتاً . نقطف مثل هذه الزهور في أعمال نوفاليس ، شيللي ، إدغار بو ، بودلير ، رامبو ، نيتشه . بتعلقنا بها نكابد الإحساس بأن الخيال هو شكل من أشكال الجرأة الإنسانية ، جرأة تملأنا بدينامية جديدة . 



[3]


سنحاول بعد هذا، تقديم محاولة إيجابية لسيكولوجيا نوعي التسامي التاليين : التسامي الاستدالي في بحثه عن ما وراء ، والتسامي الجدلي في بحثه عن مكان محاذي . هذا النوع من الدراسات ممكن ، لأن الأسفار المتخيلة واللانهائية لها في الحقيقة مسارات منتظمة أكثر مما يكمن تصوره . سهلت الأركيولوجيا الحديثة كثيراً ، كما يلاحظ ذلك ( فرناند شابوتي ) ، تكوين سلسلات مضبوطة من الوثائق . الحياة البطيئة للأشياء عبر القرون تمكن من تقدير أصلها . نفس الشيء عندما نقوم بفحص سلسلات من الوثائق السيكولوجية منتقاة بشكل جيد ، فإننا نفاجيء بانتظام تسلسلها ونفهم بشكل أفضل ديناميتها اللاوعية . نفس الشيء يحصل أيضا في ميدان الخيال ، وذلك أن استعمالا مجازيا جديدا في إمكانه إضاءة أركيولوجيا اللغة . سندرس في المحاولة الراهنة الأسفار الخالية الأكثر هروبا ، المحطات الأقل ثباتا ، الصور المتقلبة وسنري ، مع ذلك ، بأن هذا الهروب وهذا الطفو وهذا التقلب لا تعرقل الحياة المتخيلة المنتظمة حقا . في الحقيقة ، الطريقة التي نهرب بها من الواقع تحدد بشكل بين حقيقتنا العميقة . الكائن المحروم من وظيفة اللاواقع هو كائن عصابي ، كما هو الحال بالنسبة للمحروم من وظيفة الواقع . يمكننا القول بأن حصول اضطراب في وظيفة اللاواقع ينعكس أثره علي وظيفة الواقع . إذا كانت وظيفة الانفتاح التي هي بالضبط وظيفة الخيال ، تشتعل بشكل رديء فإن الإدراك الحسي نفسه يظل بليدا . يجب علينا إذن إيجاد تدرج منتظم من الواقع الي المتخيل . يكفي لتحقيق ذلك ترتيب سلسلة الوثائق السيكولوجية بشكل جيد . 

يعود هذا الإنتظام الي أننا في البحث الخيالي نجد أنفسنا في حالة انتشال من قبل مواد أساسية ، من قبل عناصر متخيلة لها قوانين خيالية ثابتة ثبات القوانين التجريبية . سنسمح لأنفسنا بالتذكير في هذا السياق ببعض الكتب الصغيرة الحديثة التي درسنا فيها تحت اسم الخيال المادي هذه الحاجة المدهشة في الاختراق التي ، الي جانب إغراءات خيال الأشكال ، تتجه نحو التفكير في المادة ، حلم المادة ، العيش في المادة أو تجسيم المتخيل . نعتقد بأن لدينا القدرة للحديث عن قانون الخيالات المادية الأربع ، القانون الذي يعزو بالضرورة للخيال الإبداعي واحدا من العناصر الأربعة : النار ، الارض ، الماء ، الهواء . بلا شك يمكن أن تتدخل عدة عناصر لتشكل صورة معينة ، هناك صور مركبة ، ولكن تسلسل حياة الصور هو تسلسل ذو صفاء شديد الي أبعد حدود الصفاء . منذ اللحظة التي تَعْرض فيها الصور نفسها علي شكل سلسلة ، فإنها تحدد مادة أولية ، عنصرا أساسيا . فيزيولوجيا الخيال تخضع أكثر من تركيباتها لقانون العناصر الأربعة . 

ألا يمكننا التخوف ، ونحن نقول هذا ، من تناقض محتمل بين دراساتنا السابقة والمحاولة الراهنة ؟ إذا كان قانون الخيالات المادية الأربع يفرض علي الخيال ان يتثبت في مادة واحدة ، ألن يجد الخيال في هذا سببا للثبات والرتابة ؟ سيكون من غير المجدي آنذاك دراسة حركية الخيال . 

الحال ليست كذلك ، لا أحد من العناصر الأربعة يتُخيل في سكونه ، بل علي العكس ، كل عنصر يُتخيل في ديناميته الخاصة ، إنه رأس سلسلة يترتب عنها نوع من التسلسل للصور الممثلة له ، أو كما يقول ( فوندان ) في عبارة رائعة : كل عنصر مادي هو مبدأ سائق جيد يعطي الاستمرارية للنفس المتخيلة . أخيرا ، كل عنصر تُبني بحماس من قبل الخيال المادي يهيء، للخيال الدينامي ، إعلاء خاصا ، تعال مميز . سنعطي الديليل علي ذلك خلال هذه الدراسة بكاملها ، بتتبعنا لحياة الصور الهوائية ، وسنري بأن التعالي الهوائي هو التعالي الإستدالي الأكثر نوعية ، التعالي ذو المتازل الأشد وضوحا والأشد انتظاما ، يرتبط به تعال جدلي بسيط ، بسيط جداً. 

يبدو أن الكائن الطائر يتجاوز حتي المحيط الهوائي الذي يطير فيه وأن أثيرا ما يقدم نفسه دائما كمجال للتعالي فوق الهواء ، وأن مطلقا ما يأتي ليتمم شعورنا بحريتنا . هل من الواجب النص علي ان الصفة الأشد قربا من اسم الهواء في مجال الخيال هي صفة حرُ ؟ الهواء الطبيعي هو هواء حر ، يجب علينا أن نضاعف من احتياطاتنا أمام تَحَرر مُعاش بشكل سيء ، أما انخراط شديد التلقائية في دروس الهواء الطلق ، دروس الحركة الهوائية المحررة . إذا حاولنا الدخول في تفاصيل سيكولوجيا الهواء ، كما فعلنا ذلك بالنسبة لسيكولوجيا النار وسيكولوجيا الماء ، من وجهة نظر الخيال المادي ، فإن بحثنا سيكون موجزا لأن الهواء هو مادة فقيرة ، لكن علي العكس من ذلك ، سيكون لنا مع الهواء فائدة كبري فيما يتعلق بالخيال الدينامي ، لأنه مع هذا العنصر تتفوق الحركة علي المادة . هكذا لا وجود لمادة بلا حركة ، النفس الهوائية تفتح أمامنا المجال لتحقيق مراحل التعالي



[4]


لكي نفهم جيداً المسحات المختلفة لهذا التعالي النشيط ، وبشكل خاص الفرق الجذري بين التعالي السينيمائي والتعالي الدينامي حقاً ، يجب علينا الإنتباه الي أن الحركة المنقولة عن طريق البصر ليست مُنشَطة . الحركية البصرية هي حركية سينيماتية خالصة ، البصر يتبع مجانا الحركة حتي يمكنه ان يعلمنا كيف نعيشها بشكل تام ، داخليا .ألعاب الخيال الشكلي ، الحدوس التي تتمم الصور المرئية توجهنا في اتجاه معاكس للمشاركة الضروية ، المشاركة الوجدانية لمادة هي وحدها التي يمكنها ان تحدد مشاركة نشيطة فعلاً من الممكن تسميتها استقراء لو لم تكن هذه الكلمة قد أخذت في وقت سابق من قبل السيكولوجيا الاستدلالية . وحده هذا الاستقراء المادي الدينامي ... يمكنه ان يرفع كياننا العميق . سنعرف ذلك عندما نقيم بيننا وبين الأشياء تطابقاً حقيقياً ، وللوصول الي ذلك يجب اختراق هذه المنطقة التي يسميها ( راَوُل أوبُاك ) : الفضاء المضاد : " تقابل الغائية المعيارية للحواس التي توجبها ضرورة الحاجيات الفورية القهرية ، غائية شعرية يحتفظ بها الجسم في حال القوة ... يجب ان نقتنع بأن شيئا ما يمكنه بالتناوب تغيير معناه ومظهره حسب ما إذا مسه اللهب الشعري او محقه او تركه علي حاله " . بجعلنَا هذا القلب للموضوع والمادة في حالة حركة ، فإن ( راَوُل أوبُاك ) يقدم لنا في تمرين الصفاء " جهة الواجهة الخلفية " ، يُظهر بهذه الطريقة وجود تطابق بين الفضاء دي الابعاد الثلاثة وهذا الفضاء الحميمي الذي يسميه جوُ بوُسكي " الفضاء الذي لا بُعْد له " . عندما نُمارس سيكولوجيا الهواء اللانهائي ، سنفهم بشكل أفضل بأن الهواء اللانهائي تنمحي فيه الابعاد وهو بذلك يمكننا من وضع يدنا علي هذه المادة الي لا أبعاد لها والتي تعطينا الإنطباع بتعالي حميمي مطلق . 

نري إذن أهمية حدس متخصص والفائدة التي يمكن أن نجنيها بانصهارنا في مادة خاصة بدل تشتتنا في عالم مُميز . سنطلب في نفس الوقت من اللأشياء والمواد المختلفة والعناصر كثافة وجودها الخاصة وطاقة صيرورتها الدقيقة . من العناصر ، سنطلب نصائح للتحول ، دروسا في الحركية الجوهرية ، بإختصار ، فيزياء مفصلة للخيال الدينامي . ستقدم لنا الظواهر الهوائية بشكل خاص دروسا شديدة العمومية وشديدة الأهمية حول الصعود والعروج والتعالي . يجب أن توضع هذه الدروس في صف المباديء الأساسية لسيكولوجيا سنسميها عن طيب خاطر " السيكولوجيا العروجية " . الدعوة الي السفر الهوائي ، اذا كان له ، كما يستحب ذلك فيه ، معني الصعود ، فهو دائما علي ارتباط بإنطباع عروج خفيف . 

يتأكد لنا آنذاك وجود حركية الصور . بقدر ما تشارك وجدانيا الظواهر الهوائية عن طريق الخيال الدينامي ، بقدر ما نشعر بخفة وحبور ورشاقة . تصبح الحياة العروجية آنذاك حقيقة حميمية ، تظهر العمودية الحقيقية في أعماق الظواهر النفسية ذاتها . ليست هذه العمودية استعارة لا طائل تحتها ، إنها مبدأ ناظم ، قانون تسلسلية ، سلُم نكابد عبره درجات إحساس خاص . بالتالي ، فإن حياة النفس وكل المشاعر الرقيقة والمحبوسة وكل اللآمال وكل التخوفات وكل القوي المعنوية التي تتعهد مستقبلاً ما ، لها تفاضلية عمودية بالمعني الرياضي الكامل لهذه الكلمة ، يقول ( بيرغسون ) في كتابه " الفكر والمتحرك " (ص37) بأن فكرة التفاضلية الليبنتيزية أو بالأولي فكرة التفاضل النيوتونية هي من وحي حدس فلسفي للتغيير والحركة .... 

لكي نعرف الانفعالات الرهيفة في صيرورتها ، فإن مهمة البحث الأولي تتمثل ، علي رأينا ، في تحديد الي أي حد تخففنا وإلي أي حد تثقلنا . إن تفاضليتها العمودية الإيجابية أو السلبية هي التي تحدد بشكل أفضل فعاليتها ، قدرها النفسي . نصوغ هذا المبدأ الاول للخيال العروجي : من بين الإستعارات ، استعارات الإرتفاع والإعلاء والعمق والانحطاط والسقوط هي أجود الإستعارات البديهية . لاشيء يفسرها وتفسر كل شيء . عندما نريد ان نعيشها ، ان نتحسسها ان نقارن بينها ندرك بأنها تحمل علامة اساسية وهي طبيعية أكثر من غيرها . تأسرنا أكثر من الاستعارات المرئية ، أكثر من أي صورة باهرة ، مع ذلك ، فإن اللغة لا تحابيها . بما ان اللغة مثقَفَة بالأشكال ، فإنها تعرف كيف تُصير صور العلو والدينامية مثيرة للإعجاب . لهذه الصور قوة فريدة من نوعها : تتحكم في جدلية الفرح والقلق . التثمين العمودي أساسي بشدة ويقيني بشدة أيضا . تفوقه لا يجادل الي حد أن العقل يستحيل عليه التحول عنه إذا حصل وأن عاينه مرة في معناه الفوري والمباشر . لا يمكننا الاستغناء عن المحور العمودي للتعبير عن القيم الأخلاقية ، عندما نصل الي فهم أفضل لأهمية فيزياء الشعر وفيزياء الاخلاق نضع يدنا علي هذه القناعة : كل شيء إعلاء . 

بطبيعة الحال ، هناك سفر نحو الاسفل ، السقوط . قبل تدخل اي استعارة أخلاقية ، فإن السقوط النفسي كفصل للفيزياء الشعرية والأخلاقية . الارتفاع النفسي يتحول باستمرار ، القوة الحيوية العامة ـ هذا المعطي الدينامي المباشر لكل شعور ـ هي علي الفور ارتفاع ، إذا ارتفعت القوة الحيوية ، يستقيم الإنسان لساعته . في السفر نحو الأعلي حيث يصير الوثوب الحيوي وثوباً "مؤُنسناً ، بعبارة اخري ، في مهمة التعالي الاستدالي وحدها تتشكل يقينا مسالك السمو . الإنسان ، كما يقول ( رامون غوميز دي لاسيرنا ) ، كله مسالك . يجب ان يضاف : كل مسالك من هذه المسالك يَنصحُ بالعروج . الدينامية الإيجابية واضحة الي حد يمكننا معه الاستشهاد بهذا القول المأثور : من لا يرتقي يسقط . الانسان بإعتباره إنسانا لا يمكنه ان يعيش أفقيا . استراحته ، نومه هي في غالب الاحيان انواع من السقوط ، قلة هُم أولئك الذين ينامون ويصعدون . هؤلاء ينامون نوماً هوائياً ، نوماً شيلليا (نسبة الي شيللي) ، في نشوة القصيدة . نظرية المادية كما هي مبسوطة في الفلسفة البيرغسونية توضح بسهولة هذا القول المأثور لأسبقية العروج . من جهته جاء ( إدوار لوروا ) بالعديد من التطويرات لنظرية المادة عند بيرغسون ، وأظهر بأن العادة هي في الواقع إخماد لصيروة النفس . من جهتنا الصورة المُطلع عليها في الكتب ، الصورة المحروسة والمنتقدة من قبل الاساتذة تُجمد الخيال . الصورة التي صيُرت الي شكلها هي مفهوم شعري يرتبط بصورة اخري من الخارج ، كإرتباط مفهوم بآخر . هذه الاتصالية للصور التي يعيرها استاذ البلاغة اهتماما بالغا ، ينقصها في غالب الأحيان هذا الاتصال العميق الذي لا يوفره إلا الخيال المادي والخيال الدينامي وحدهما . 

لن نكون مخالفين الصواب ، علي ما نعتقد ، بإعتبارنا العناصر الاربعة هورمونات الخيال ، فهي تُفعَل مجموعات من الصور ، تساعد علي استيعاب حميمي للواقع المشتت في الأشكال . عن طريقها تنجز التأليفات الكبري التي تعطي ميزات منظمة بعض الشيء للمتخيل . الهواء المتخيل هو بشكل خاص الهورمون الذي ينمينا نفسيا .



 .........
(*) النص للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار ، من كتابه (L'air et les songes)، الصادر سنة (1943) .