السبت، 20 يناير 2018

جورج ويا : أيها الرائع،ابق مثلما أنت!
بقلم: سعيد بوخليط
أخرجت أدغال إفريقيا الناعسة، من جوفها، وأنجبت أزقة مدائنها المنهكة فقرا وتعبا وتسلطا واستنزافا؛ دون استشراف وفي غفلة عن كل ممكنات الوقائع مجموعة من مهرة كرة القدم،الذين رسموا  بأقدامهم  أجمل اللوحات؛ فأسعدوا بكل سخاء وعفوية،الإنسان الإفريقي المنهك، المقهور بوقائع يوميات بربرية العسكر، وشراسة عنف شرذمة المستغلين الذي لايضاهى جشعه؛ وما يستتبع ذلك من مختلف تجليات الإذلال والاستعباد والحرمان.
وبقدر ما شكلت كرة القدم،بالنسبة للاعب الإفريقي بداية ،مجرد متعة عابرة،هروبا من شقاء طفولة غير رحيمة بتاتا؛ ثم سبيلا لا مناص منه ثانيا،فتصبح مسالك الكرة اختيارا واعيا تحكمه طموحات بعيدة؛فإنها تصير بعد ذلك نموذجا إنسانيا، ملهما القادمين مستقبلا.ربما اهتدوا،فوجدوا قبسا من نور شعلة، وسط تيه حلكة مدائن وصحارى  قارة؛تكالب عليها أعداء الأمل والحياة على الدوام،فاغتالوا ما شاءوا، وقتلوا ما قتلوا،واجتثوا ينابيع ما أرادوا .  
بالتأكيد،تاريخ الذاكرة الكروية الإفريقية؛مفتوحا باستمرار،قدر الثراء الجغرافي للقارة السمراء.بالتالي،يكفي من باب التمثيل الإجرائي لا غير،استحضار أهم الأسماء النموذجية: العربي بن مبارك (المغرب) ،طارق ذياب(تونس) ، رابح ماجر(الجزائر) ،روجيه ميلا(الكامرون)،عبيدي بيليه(غانا) ،محمود الخطيب(مصر)،حسام حسن(مصر) ،محمد التيمومي(المغرب) ،عبد المجيد الظلمي(المغرب)،كالوشا بواليا(زامبيا).كي نستوعب في المجمل،الإطار الاتيقي والخريطة الجينية للاعب الإفريقي :الموهبة الفطرية،المهارات الذاتية المذهلة،القدرة على التحمل،العصامية،البساطة والتواضع،الروح الرياضية،العمق والامتداد الشعبيين.
جورج ويا،موضوع حديثي هذا،يتأصل ضمن نسق لتلك الزمرة اللامعة،لكنه سيتميز عنهم حقيقة أكثر في مساره؛مما أهله سنة 1995للفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم ،فاستحق عن جدارة الكرة الذهبية؛ثم تتويجه لثلاث مرات بمرتبة أحسن لاعب إفريقي.أيضا،من جهة أخرى،يعتبر الكروي الوحيد الذي استطاع الارتقاء إلى أعلى منصب قيادي في هرم الدولة؛بحيث سيقود هذه المرة بلده ليبيريا سياسيا،بعد انتخابه مؤخرا من طرف الشعب،بمناسبة الاستحقاق الرئاسي،بنسبة 61.50% ،مقابل 38% حصل عليها منافسه بواكاي.
انتخابات تبقى استثناء نادرا جدا،قياسا لإفريقيا استأنست فقط على بشاعة دوامة الانقلابات الدموية ،ومرتكزات أنماط حكم توتاليتارية ذات شرعية قروسطية :أسرية وقبلية وعشائرية وأوليغارشية وتيولوجية ،مما حكم على قارة الرؤى الحكيمة ل: بن بركة ومانديلا  وعبد الناصر وبن بلة و ليوبولد سيدار سنغور وجوليوس نيريري و نيكروما و لومومبا ،كي تتخلف للأسف تاريخيا بآلاف السنين،عن أفق الوضع الذي بلغته راهنا،الأنساق المجتمعية للديمقراطيات المعاصرة.
رقمان معقولان،احترما ذكاء المواطن الليبيري،المتعطش للحرية والحياة بمفهومها المتكامل؛مما يؤكد بأن الانتخابات مرت وفق أجواء سليمة ونزيهة،راهنت كليا على الشرعية الدستورية والتناظر والمنافسة والاستحقاق المشروع.بمعنى،تلك القيم التي استلهمها وكرسها جورج ويا،منذ شبابه المبكر بكيفية أخرى فوق أرضية أرقى الملاعب الأوروبية،متباريا بكل ثقة مع منافسين أقوياء،امتلكوا كل المقومات الفيزيائية والنفسية والمادية.هكذا، جاءت أولى برقيات الثناء، من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ثم رئيس بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي.
إذن ابتداء من يوم  22 يناير،سيتقلد جورج ويا(51سنة)،رسميا مهمته الجديدة. سيمكث في القصر الرئاسي لمدة ست سنوات،خلفا للسيدة إدلين جونسون سيرليف،الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011 ،والمرأة الوحيدة التي أشرفت على إدارة شؤون بلد إفريقي.للتذكير فقط،سبق لمهاجمنا الرائع،الترشح لأول مرة عام 2005 ،لكنه أخفق. ثم لاحقه ذات الإخفاق سنة 2011 ،حينما تنافس على منصب نائب الرئيس.  
ابن الفقراء الفذ،المنتسب إلى أسرة تألفت من اثنتي عشرة طفلا،صقل أولى مواهبه بين دروب مدينة مونروفيا العاصمة الليبرالية،ثم صار بكده وعمله الدؤوب،فخرا لإفريقيا مثلما وصفه الأيقونة نيلسون مانديلا.فهل يواصل عطاءه وإشعاعه،وقد تحول إلى ميدان السياسة بكل ما تطويه الكلمة عموما حسب دلالاتها في إفريقيا والعالم المتخلف،من جرائم في حق الشعوب؟أم يحافظ لا محالة على منظومة القيم الكبرى،التي استشرفها منذ الصغر بالعرق والسعي الطموح.طبعا،لن تكون المهمة سهلة في حدودها اليسيرة أو القصوى نظرا لعوامل عدة،لا داعي للخوض فيها.لكن، ما يشكل ربما حصنا حصنا،لجورج ويا،يكمن في السمعة الرمزية التي راكمها نوعيا داخليا وخارجيا.    
أولى كلمات السيناتور جورج،بعد فوزه،مخاطبا مواطنيه،جاءت كما يلي : ((بعاطفة كبيرة أريد أن أشكر الشعب الليبيري على اختيارهم لي،يا له من أمل كبير…. يمكنكم أن تثقوا بي لأنني أعرفكم وأنتم تعرفونني،علينا أن نشيد من جديد بنيتنا التحتية،وعلينا إعادة أطفالنا إلى المدارس،شعبنا يحتاج للخروج من الظلاميمكنني القول علنا أن الطريقة الفضلى للاحتفال بالليبيريين هي بتحسين حياتهم.واليوم أعلن أن تحسين حياة الليبراليين تعتبر مهمة استثنائية إن الذين سيختارون في الحكومة سيكونون مكرسين لفكرة العمل من أجل الفقراء والتحول الاجتماعي)).
مما لاشك فيه،أن سيرة جورج ويا،أكدت سلفا تمتعه بنزعة إنسانية عميقة،فكان يتبرع بأمواله لمساعدة اللاعبين الفقراء،ويتكفل بمصاريف رحلات منتخب بلاده،كما ظل من الشخصيات الفاعلة في مجال الأعمال المجتمعية وتعاونه مع صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة.
لأجل ديمومة ذلك،أتمنى حقا، أن لا يحترف جورج ويا،هذه المرة اللعب داخل مضمار مكائد دهاليز السياسة؛كي لا ينحرف عن مثال ويا،المحترف لرياضة كرة القدم،فأبهج قلوبنا سنوات أواخر الثمانينات وطيلة التسعينات.
بالتالي،أيها الرائع جورج ويا وفخر إفريقيا؛كما نعتك ''ماديبا''أي مانديلا الرجل الكبير والمحترم : ابق مثلما أنت،كبيرا ومحترما.  
 http://saidboukhlet.com/     

الأحد، 14 يناير 2018

 حوار مع كاترين كامو*
ترجمة : سعيد بوخليط
saidboukhlet.com

تقديم :من أجل قياس مدى إشعاع خطاب ألبير كامو،فلا أحد بوسعه أن يكون مرجعية مثلى أفضل من الموقع الذي تشغله ابنته كاترين.المؤتمنة على آثاره وذاكرته،وهي التي تتلقى كل شهر عشرات الرسائل من قراء ينتمون لجنسيات مختلفة،كي يخبروها بأهمية كامو بالنسبة لحياتهم.داخل المنزل الذي اشتراه كامو في عمق قرية"لورمارين''،عند قدم السلسلة الجبلية"لوبرون"،كي يعثر ثانية على أجواء البحر الأبيض المتوسط،التي حظي بها فترة شبابه،تعيش كاترين محاطة بزمرة من الكلاب والقطط.ثم ألكسندر الذي يساعدها في مكتبهما المشترك المتواجد في طابق أرضي لبيت ريفي مضياف ودون تباه،من أجل تفعيل آثار والدها. منذ سنة1980 وعقب موت والدتها فرانسين،صارت كاترين ذات التكوين المعرفي في مجال المحاماة المالكة الفعلية لحقوق ألبير كامو.مهمة مرهقة،مثلما تصفها،سواء نتيجة مجمل العمل الذي ينبغي إنجازه وكذا قيمة هذا الأب الشهير :((لقد خشيت دائما أن لا أكون عند المستوى المطلوب،حتى لا يقال بان ابنة كامو بلهاء،والخوف من تخييب ظن قرائه الذين يحبونه)).لكن حينما تستعيد كاترين شريط : ((سبع وثلاثين سنة في محلها هذا)) ،مجندة لخدمة ما خلفه والدها من متون ،نراها سريعا ،تشرع في  الكشف عن التماسات عديدة تبرز السمعة العالمية لألبير كامو،وكذا سعادتها بالانكباب على بعث نصوص تمنح : ((الشخص الشجاعة والأمل)). 
س- ماهي نوعية الطلبات التي يلزم صاحب حقوق إرث ألبير كامو الإجابة عنها؟
ج-وددت لو أتمكن من أن اشرح لكم ببساطة ما يرتكز عليه عمليلكن عندما أتواجد في مكتبي،صباحا،يكون من المستحيل تصور وتيرة يومي.ضمن عشرين طلبا أتلقاها كمعدل يومي،يَرِدُني كل شيء متصل مباشرة بالإشراف على مؤلفات أبي،الترجمات،عرض مسرحياته،الاقتباس السمعي البصري،استعمال الأرشيفات،إلخ.لكن أيضا تصلني التماسات غير منتظرة وأحيانا مؤثرة إلى أقصى حد.أستحضر مثلا رسالة أستاذة روسية تدعى "أولان-أود'' من منطقة سيبيريا الشرقية،تخبرني من خلالها بأن مسرحية سوء تفاهم ستعرض على ضفاف بحيرة بايكال بمناسبة ذكرى مئوية ولادة أبي. أجبتها بخطاب،قرئ احتفالا بتلك المناسبة.
س-ماهي المعايير التي تستندون عليها للإقرار بموافقتكم أو عدم تفاعلكم معها؟
ج-أحاول التحلي بالموضوعية، لكني أعلم جيدا بأني لن أكون كذلك مادام الأمر يتعلق بأبي،وأحبه.يعتبر حق تفويض التصرف في الإرث،قسرا اعتباطيا.أقوم بواجب التصدي والحيلولة دون أي توظيف تعسفي لنتاج وكذا صورة أبي.قبل ثلاث سنوات،التجأت شركة سويدية تصنع اللٌّعب الجنسية،إلى استلهام إحدى مقولات ألبير كامو،وهي تود الإعلان عن إشهار لإحدى منتجاتها،لكني اعترضت على بثهامثلما أن الاستشهاد كان خاطئا !غير هذا،لا أتردد في منح ثقتي،ما إن يبدو لي الملتمس صادقا.حينما يطلب ممثلون هواة الترخيص كي يؤدوا عرضا مسرحيا لإحدى مسرحيات أبي أمام الجمهور،أجيب دائما بالموافقة. ربما كنت كل شيء سوى أن أقوم بدور كاهنة الإلهة فيستاvesta،أوحارسة معبد،مادام أبي نفسه،جسَّد نموذجا معارضا مطلقا لزعامة طائفة ما،وأستاذا بخصوص اعتقاده على هذا المستوى.بعيدا على أن يكون سعيي بديهيا،مع ذلك أبذل قصارى جهدي كي أستحق قيم الإنسانية والأخوة،التي يقدمها عمل كامو إلى العالم قاطبة.
س-يتجلى هذا الصدى الكوني في الطلبات التي توجه إليكم؟
ج- منذ أربعين سنة تقريبا مدة امتلاكي حق التصرف في حقوق أعمال أبي،وأنا أتبين كل يوم،حضور ذلك،كما أن صفحة الفيسبوك المخصصة لألبير كامو التي أشرف عليها بصحبة مساعدي،صارت تمنحنا فيما بعد مقياسا لمدى هذا الإشعاع العالمي.بالتالي،مندهشة ومتأثرة،وأنا ألاحظ عمل وشخصية أبي يخاطبان جل الحضارات.من الولايات المتحدة الأمريكية،لكن أيضا أمريكا الجنوبية،وإفريقيا،والهند، واليابان،أتلقى كثيرا من رسائل القراء،شبابا أو أصغر سنا،كي يخبروني بأن كامو غير مجرى حيواتهم.لو استجبت سنة2013،بمناسبة الذكرى المئوية لولادة أبي،لكل الدعوات التي تلقيتها من أجل حضور تظاهرات مخلدة،لزرت وقتها كل أنحاء العالم !لكن يبقى الاستثناء بالنسبة لإحدى الدول الكبرى والتي لم تنظم داخلها أية تظاهرة رسمية احتفالية،ذات أهمية وطنية،أقصد تحديدا فرنسايواصل أبي إزعاج البعض عندنا،وهو معطى يسعدني بالأحرى.
س-لقد ساهمتم بأنفسكم في رعاية هذا الحضور لمؤلفات ألبير كامو بالعمل على نشر نصوص لأول مرة.مسؤولية جسيمة  
ج-في الواقع، جامعيون ومختصون آخرون في عمل أبي لا يترددون من جهة أخرى على إشعاري بذلك.لكن، من جانبي، أفكر أولا في القراء.لذا توخيت خلال فصل الخريف المبادرة إلى إصدار المراسلات العاشقة بين ألبير كامو والممثلة ماريا كاساريس، فقد وجدتها نصوصا رائعة، وكذلك أن لاينتهي الجمهور الكبير إلى نسيان ماريا، المرأة المذهلة بموهبتها وكذا نبلها.قرار اتخذته، مثل دائما، بالقلب والبطن أكثر من الرأس.حينما  أردت سنة 1990، إصدار كتاب  : le premier homme ،الذي اشتغل عليه أبي خلال فترة اقتراب رحيله عن هذا العالم،قاومت تحفظات العديد من الشخصيات، القريبة مني،التي اعتبرت بأن إخراج مسودة غير تامة سيعمل على تشويه صورة ألبير كامو.اهتمت أولا غاليمار بطبع ألفي نسخة،لكن لم يمر أسبوع واحد على نشر العمل خلال فصل ربيع سنة 1994،حتى اقتضى الأمر طبعة جديدة. منذ ذلك الحين،استحوذ مضمون هذا الكتاب على قراء من العالم قاطبة،فقد انكب كامو بين طياته عبر تخيل مزدوج،على استعادة شبابه ومساره.فأن يبذل الجمهور الكبير كل ما في وسعه بهدف اقتحام نص غير مكتمل،مما يفترضه ذلك حرمانا من حق،هذا إشارة بالنسبة إلي على أن الأفراد يحبون بعمق نصوص أبي.
س- ما الذي يفسر بحسبكم، جوهريا،اقتحام هذه النصوص ليس فقط للحدود،لكن كذلك الزمان؟
ج-يبدو إلي،كي أشرح الأمر بكل بساطة،أنه مهما كانت اللغة والسياق التاريخي اللذين نقرأ  في إطارهما،نصوص أبي،فهي تخلق الجيد. تقدم صيغة تسلية معنوية، وتمنح الأمل ثانية إلى الإنسان.تكلم كامو من الكائن الإنساني مخاطبا الكائن الإنساني.والحال أن الإنسان،لم يتغير وجوده في العمق تماما، منذ حقبة الصيد والقطف لما قبل التاريخ.أيضا، تتجاوز رسالة أبي مختلف الثقافات، وكذا تعاقب التكنولوجيات والإيديولوجيات.يظل فكره مترسخا جوهريا في الحقبة الاجتماعية والسياسية :من المؤثر ملاحظة أن مواقفه المتخذة ضد الظلم والقهر شكلت،في ظل الأنظمة الاستبدادية اليوم كالأمس،إلهاما أساسيا بالنسبة للعديد من المعارضين المناضلين في سبيل استتباب الديمقراطية.هي وضعية فترة الحرب الباردة في بلدان المعسكر الشيوعي،كنت متأثرة حينما شارك هنغاريون في الثورة المناهضة للاتحاد السوفياتي في بودابست سنة 1956 ثم قدموا إلى ''لورمارين''سنة 2006،بعد مضي خمسين سنة على الحدث كي يضعوا على قبره باقة تقول :((إلى ألبير كامو،تعترف هنغاريا بالجميل)).راهنا، وفي بلدان الشرق تلك،يستشهد باسم كامو المعارضون للطبقة الحاكمة الذين تحولوا إلى الشعبوية، بعد نضالهم السابق ضد الشيوعية.أوصاف وعبارات لكامو كانت أيضا حاضرة تلوح بها أعلام صغيرة رفعها المتظاهرون فترة "ثورة المظلات"في هونغ كونغ سنة 2014،التي فضحت تصلب الوصاية الصينية.وعلى صفحتنا في الفيسبوك،تنهال علينا منذ شهرين مئات الرسائل من تركيا،بعث بها مدونون على الأنترنيت بالإشارة إلى كامو بخصوص مقاومتهم للسلطة المطلقة التي يتوخى أردوغان توطيدها.أحيانا أشعر وأنا أتيه بين تفاصيل عمل يقتضي اشتغالا مثابرا،سيبقى بالرغم من كل حبي لأبي، نتاجا ليس لي.لكن حينما أقرأ هذه الرسائل المتأتية من تركيا أو أمكنة أخرى،أتذكر بأن مقولات الأخوة التي أساهم في تعميمها تتجاوز أهميتي الفردية كثيرا.
* المرجع :
Charles Giol : les hors-serie de l obs 
Numéro 97 ;pp :73 -75.  

الثلاثاء، 9 يناير 2018


جان دانييل : ذاكرة ألبير كامو*
ترجمة : سعيد بوخليط


تقديم :كان جان دانييل يبلغ من العمر سبعة وعشرين سنة حينما قدم له ألبير كامو"أروع هدية" والمتمثلة في صداقته. بعد انقضاء سبعين سنة،هاهو جان دانييل صاحب مجلة ''لوبس "وكاتب افتتاحياتها،يتذكر من جديد بتأثر، ذاك"المريد للرفض والشك"،ومدى سعيه للبحث عن كيفية مقاومة أجواء حقبته، ثم التوفيق بين العدالة والأخوة وكذا إنقاذ السعادة من فخ القدر.
س- كان ألبير كامو صديقا لكم،وفكره مرجعية ثابتة لديكم.ينبغي أن تشعرون بالرضا حيال عودته إلى الواجهة التي تمتعت بحظوة منذ عشرين سنة تقريبا.  لكن كيف تفسرون مفارقات حضوره المابعدي،ثم المَطْهر الذي ولجه خلال حياته غاية نجاحه المعاصر؟
ج-لاينبغي تجاهل بأن الجمهور الواسع، من جهته، لم ينفصل قط عن روايات كامو منذ سنوات الخمسينات.بالتأكيد روايته''الغريب''،لكن أيضا ''الطاعون'' و"السقوط".نصوص متينة وذات كتابة متفردة جدا،حلقت طبعاتها سواء في فرنسا وخارجها.لكن هذا النجاح العالمي انطوى في المقابل على افتقاد كامو شيئا ما أكثر حظوته عند الطبقات المثقفة الفرنسية،والتي لا تطنب أصلا في مدحه. بالنسبة للطليعة الأدبية والفلسفية،خلال سنوات 1950 إلى غاية سنة1990،ظل  كامو كاتبا توافقيا و"شابا معجبا بذاته''مثلما تدعي جماعة جنود الهوسارHussards .يُعترف له بموهبة الكتابة،لكن في المقابل،لم يُنظر إليه بأي شكل من الأشكال ككاتب كبير. لم يتم الإقرار لكامو أنه مفكر يستحق هذا اللقب. نعلم الصيغ القاتلة : "كامو فيلسوف الصف النهائي"،و"ضمير الصليب الأحمر".بالنسبة للمثقفين المهيمنين بعد الحرب،الذين آمنوا بالتاريخ أكثر من الأخلاق،فقد أثارت سخريتهم مسألة وعظه بالخير،متحولين بالتهمة إلى  كامو بكل سهولة.لم ينطبق ذلك بالتأكيد على روني شار أو مالرو،ولا أيضا سارتر.تجلى كذلك ضمن هذا الازدراء الصادر عن الطليعة، بعد مجتمعي قوي،تمثل في كون أغلبية هؤلاء المثقفين المنتمين إلى اليسار تقريبا،انحدروا من الطبقة البورجوازية الكبيرة،رافضين دائما اعتبار ابن خادمة البيوت هذا – أي كامو- منتميا إلى صفوفهم.لم ينتسب إلى مدرسة الأساتذة العليا،بل فقط مر من جامعة الجزائر،وتوقفوا عند تذكيره بحدود ثقافته الفلسفية.حنين إلى الجزائر التي غادرها خلال الحرب العالمية الثانية،وعدم شعوره قط بالارتياح نحو ماسماه ب :"الجليد الباريسي" و"العدوانية التحقيرية للمجتمع الباريسي "مثلما نعت أوساط المثقفين،الذي أثار حنقه.بهذا الخصوص،عانى كثيرا،لاسيما بعد صدور عمله : الإنسان المتمرد سنة 1951،حينما انتفض ضده سارتر وجماعته.تحدث البعض عن تفكيره في التوقف عن الكتابة.فيما يخصني،اعتقدت بأني سأراه مطأطأ الرأس.لكن كامو امتلك طموحا كبيرا،وكبرياء،ثم الثقة في الذات.وبشكل سريع جدا،تجلى ثانية النزوع الذي حرضه منذ سنوات مراهقته، كما كتب في مذكراته :((يلزمني أن أكتب مثلما أحتاج إلى السباحة،لأن جسدي يتطلب ذلك)).
س-ماهي اللحظة التي تموقعون في إطارها نهاية حقبة الازدراء تلك؟
ج-ليس فرنسا من أعادت الاعتبار إلى كامو،بل الخارج. اقتبس هذا الاهتداء أولا مسالك سياسية.حينما اندلعت أحداث ماي1968 ،وقد انقضت ثمان سنوات على وفاته،سيطر علي هاجس مفاده أن كامو صار أيقونة لها.ألم يكتب في أسطورة سيزيف مايلي: ((نعم،الإنسان محض مصيره.هو مصيره الوحيد.فإذا أراد أن يكون شيئا،فخلال حياته؟)).شعار حلم به هؤلاء الطلبة الذين أرادوا :((كل شيء على نحو فوري)). لكن في نهاية المطاف،آل دور بطل السوربون إلى سارتر.بعد أشهر،استعدت الأمل عندما أخبرني أستاذ تشيكي للأدب الفرنسي، التجأ هاربا إلى فرنسا بعد إخفاق ربيع براغ،أن كامو يُتداول سرا داخل تشيكوسلوفاكيا،بحيث يمثل كتابه الإنسان المتمرد،نصا يحتوي جل المتعارضين. بعد ذلك،تحدث كونديرا، ساخاروف، بوكوفسكي،وآخرون،عن البعد التحريري لكامو بالنسبة للمنشقين عن الشرق.هكذا، ترسخ فكر كامو في إطار السرية.ثم خلال سنوات 1970،عندما اكتشف الغرب أخيرا رعب سجن غولاغ،فقد أمكنه بدوره تقدير مدى وثاقة صلة كامو بالجهة المناهضة للاتحاد السوفياتي،التي توطدت في وعيه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.هكذا استعاد مكانته في العالم الأدبي،وقد انصبت بداية الاهتمام على الأسلوب.كامو أغضبته دائما مقارنته بهمنغواي،لكن عندما نلاحظ بالفعل،رصانة كتابته، ميله إلى الجمل المقتضبة، إلحاحه على العبث الوجودي،عبرته من الحاضر.سمات تجعله أكثر قربا من المدرسة الأمريكية والرواية البوليسية قياسا إلى التقليد الفرنسي.وحينما صارت هذه الطريقة في الكتابة رائجة ،فقد أفاد السياق كامو.بقي أخيرا ظفره بوضعية فيلسوف. تجليات الاستهزاء  التي سمعتها حولي وأنا بصدد الثناء على فكر كامو،واستحضار ازدرائه من طرف الطليعة الفلسفية التي قدمته باستمرار كابن طبيعي ل ألان ويلسون و برجسون- أمر يبقى في حد ذاته إيجابيا جدا- سيتلاشى كل ذلك سنوات 1990 .اكتشف الفلاسفة كامو ثانية، وقبلوا به، بل صاروا بعد ذلك يحيلون عليه،ثم أدمجوه ضمن تأملهم.هناك شيء عجيب،ومدهش :منذ موته،لم تتوقف الأشكال الأدبية والفلسفية،ومعارف العلوم الإنسانية عن التطور.سارتر،باعتباره أصلا أول فيلسوف خلال عصره،يغمره حاليا النسيان كثيرا.لكن فكر كامو يتواجد،مقاوما بينما كل شيء بصدد المراجعة.
س-أليست هذه العودة إلى كامو مرتبطة أولا،بأن التاريخ أنصفه فيما يتعلق بموضوع الانحرافات التوتاليتارية للشيوعية؟
ج-لاينبغي الاكتفاء بهذا التفسير.من جهة،سيكون خطأ اختزال التزامات كامو عند موقفه المناهض للبولشفية.على مستوى السياسة،كان متعددا ومتفردا،فوضويا ونصيرا مطلقا للحرية غير عنيف"إصلاحي جذري"،لكنه ليس ثوريا.لاسيما،وأن كامو يسخر فعلا أن يصير خلال يوم من الأيام،متوجا تاريخيا.لقد تأسس فكره تحديدا ضد التاريخ،وضد المسيحية التاريخية التي شكلت ديانة لليسار الفكري إبان حقبته.لم يتوقف عن مناهضة جل الذين تمسكوا بإعطاء معنى للوقائع، وتقديسهم عبر ذلك ل''الحتمي'' وكذا "الذي يأخذ بعدا واحدا".كامو، ومثلما عاتب عليه سارتر كثيرا،غير متمكِّن بالتأكيد على نحو جيد من هيغل، لكنه فهمه كفاية كي يرفض فكرته القائلة بأن :(( التاريخ بمثابة فتاة غير شرعية للعنف))،والذي يضاف بحسبه إلى مأساة الوضع البشري. سيمدح كامو التوافق بين العدالة والأخوة، ضد حتميات "معنى التاريخ''،والذي باسمه برر معاصروه كل تجليات العنف مادامت أنها " تقدمية''.بالتالي،أعتقد تحديدا بأن هذا الرفض للذهاب وفق معنى التاريخ هو مايشرح استمرارية فكر كامو. قبل أن أتعرف عليه،اندهشت لما ورد في إحدى افتتاحيته بجريدة ''combat" غداة إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما : حينما ابتهج الجميع بإعلان نهاية الحرب،كان كامو الوحيد الذي أرهبته فكرة أنه بوسع الإنسان منذئذ،القضاء ليس فقط على عدوه بل نوعه.حينما أصبحنا صديقين،استفسرته عن كيفية عثوره على الشجاعة كي يفصح عن رأيه الشاذ جدا.أجابني :((أعتقد بأني وقفت خلال ذاك اليوم على تعريف المثقف :شخص ما استوعب كيفية مقاومة معطيات عصره)).بمعنى ليس فقط الايديولوجيا المهيمنة،لكن المحيط الذي يشكله الأصدقاء والأساتذة،بل أحيانا المرجعيات الداخلية.استوعبت على الفور هذه العبرة،وأرغمتني بأن أكون دائما في وضعية يقظة،بل ومقاوِمة. لأن كامو ربما جَسَّد أولا حالة.لا يقوم فكره على بنية متعالِمَة،أو يأخذ شكل كاتدرائية نتلقى نورا داخلها.لم يؤسس نسقا شاملا،وظل قبل كل شيء نصيرا للرفض والشك.والحال أن حقبتنا في حاجة فعلا لمثل هذا الموقف المتطلِّب ، وكذا الفزع من المطلق،وهذه البطولة المتزنة،أكثر من حاجتها لعقيدة جديدة.بالتأكيد،لم يتوقع كامو عودة التعصب الديني،ولاعولمة الإرهاب أو الثورة الرقمية.لكنه يدعونا إلى النضال ضد المطلق،ونتمرد على المستوى الإنساني،والإقرار بأن الإنسان عليه ممارسة وظيفته كانسان دون يقينه بالنجاح ولا تعهد بالخلاص.هل نحتاج راهنا إلى أكثر من هذا؟.  
س-حين وفاة كامو،كتب سارتر مايلي : ((لقد كان التقاء باهرا للفرد،والفعل وكذا الأثر)).فهل تجلى الشخص إذن في مثل جلال أثره؟
ج- بالنسبة إلي،كان بديهيا.لقد أضاء لقائي به حياتي.عموما، كم هو حظ متغطرس ! .عن سن السابعة والعشرين، في باريس ما بعد الحرب،كنت أشرف على مجلة أدبية صغيرة تسمى :''caliban''، ذات يوم رن هاتف مكتبي:"يتحدث إليك كامو".لم أصدق الصوت،فجاء جوابي :"وأنا نابليون".لكن الأمر تعلق حقا بكامو.توخى أن يعرض علي مقترحا مفاده نشر المجلة لفقرات من رواية : منزل الشعب. التي ألفها صديقه لوي غيو.ضربة حظ أخرى، فأنا أعرف غيو وأحبه.بعد مرور ساعة، انتقلت لرؤيته في مكتبه بغاليمار.أصولنا الجزائرية المشتركة لعبت حتما دورا فيما يتعلق بهذه المعجزة :فالكاتب الذي كنت أقدره منحني أخيرا هدية رائعة تتمثل في صداقته.ومن سخائه :فقد فتح إلي كراس عناوينه،مما سمح  لمجلة ''caliban''كي يستمر وجودها طيلة سنوات بعد ذلك،ثم تصدر روايتي المعنونة ب''الخطأ''ضمن السلسلة التي كان يشرف عليها في غاليمار،فأرسى باتصاله الهاتفي ذاك دعائم ثقافتي الأدبية والفلسفية.لا يقدم كامو أبدا دروسا لأحد،ولا يعظ،ولا يقول :"عليك أن تقرأ فلانا وفلانا"،بل ببساطة يجعلك تستفيد من معرفته، وأفكاره. وبهجة سعادته أن يعيش :مع الذين يعتبرهم خاصَّته،كان يحب الضحك،ولأنه جذاب تماما،يرقص متوخيا الرقص أفضل من الآخرين،لكنه يفعل ذلك أساسا بكيفية أكثر ابتهاجا وحرية. 
س-عاينتم كذلك لحظات غضبه؟
ج-أو لنسميها لحظات نفاذ صبره. فكامو الذي قلت عنه بأنه اتصف بالكبرياء،يمكنه في الواقع أن يغير بغتة لهجته حينما يُعترض عليه باعتراض.يغير أيضا أسلوب خطابه،ويعثر على ارتفاع للصوت إسباني شيئا ما،ويصير بشكل خاص بليغا،تستطرد وفقه''عبارات بلاغة السكون"حسب المعنى اللاتيني.يحدث له هذا حينما يرد على سيرة المثقفين الستالينيين.لكن حقيقة أنا بدوري عانيت من غضب كامو، بسبب حيثيات حرب الجزائر،مما أنهى صداقة سعيدة ،استمرت ما يقارب عشر سنوات،وشعور كبير باليأس يلفني.تعود البدايات الأولى للواقعة إلى سنة 1956،وقد أصبحت صحفيا في "ليكسبريس"،وكامو متعاونا،بحيث يأتي عند هيئة التحرير مرتين في الأسبوع كي يكتب مقالا.يشاركني نفس المكتب،مما أشعرني بالفخر والبهجة.بيد أنه، ذات يوم،وبعد عدد لايحصى من مظاهر العنف في الجزائر،أفصح لي عن موقفه، الذي بدا له حاسما بخصوص القضية،وهو كالتالي :البحث عن سبيل وسط بين "تطرفية الأقدام السوداء" و"العقيدة الثنائية للمثقفين الباريسيين"المؤيدين للاستقلال،  معلنا عن "هدنة بالنسبة للمدنيين"، ووقف العنف،يسبق إجراء حوار بين المجموعتين ثم إقامة دولة فيدرالية.فيما يخصني،حسبت اقتراحه هذا متوازنا لكنه جاء متأخرا،وقد اعتبرت بأن استقلال الجزائر نتيجة "حتمية".وصف استدعى لدى كامو بشكل مستفيض فلسفة للتاريخ ناهضها،فلم يغفر لي قط ذلك.لم نلتق أبدا.حينما حصل على جائزة نوبل،خلال السنة الموالية،راسلته كي أعبر له عن تقديري ومودتي.فأجابني بكلمة مقتضبة انتهت بما يلي :((المهم،أن كل واحد منا أبان عن تمزق)).منذئذ تأملت هذه الجملة طويلا،ويظهر لي حاليا أن كامو توخى القول من خلالها،بأننا تجاذبتنا أطراف حقيقتين متضاربتين،ولا واحد منا بوسعه ادعاء امتلاك الحقيقة.
س-إذا ادعى كامو حقا استحالة إدراكه الحقيقة،فما هو هدفه المنشود في نظركم؟
ج-يبدو لي صعوبة فهم كامو دون معرفة بمرجعتيه الكبيرتين أقصد دوستويفسكي ونيتشه.لقد حفزه، أساسا ،هذا التناقض القائم على القاعدة التالية :((إذا لم يوجد أي شيء،إذن كل شيء مسموح به)) ،بحيث أجاب على سؤال مفاده إذا فقدت الحياة المعنى،فيلزم  منحها واحدا.لقد انبثق مجمل فكر كامو من هذا التوتر.بدأت الحياة بأن واجهته بعوائق قوية،موت أبيه،فقر محيطه، مرضه بسل مزمن قد يؤدي بحياته خلال أية لحظة.يمثل انتماؤه المتجذر إلى الشعب ركيزة ضميره .لكن في ذات الآن،فقد كانت ولادته في ساحل البحر،تحت أشعة الشمس،مما أنقده ربما من اللعنة.لقد أحسست دائما بأن هذا اللعين كان محظوظا.دفعه البؤس وترقبه الرحيل عن العالم إلى التركيز على تقديس اللحظة.امتلك نعمة أن يكون سعيدا رغم مختلف سياقات التعاسة الممكنة.وقد تخيل سيزيف سعيدا مثله،سيحاول الكشف عن عُقد الوضع البشري،بمنحه الإنسان منظور خلاص ملحد. 
*المرجع :
Ursula Gauthier et charles Giol :les hors-serie de l obs 
Numéro 97 ;pp :8-10.