الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018


 رسائل ألبير كامو إلى ماريا كاساريس:تقديم كاترين كامو *
                                      ترجمة: سعيد بوخليط                                                       

التقى ألبير كامو وماري كاساريس في مدينة باريس يوم 6 نونبر 1944،أي يوم نزول قوات الحلفاء على سواحل نورماندي.كانت تبلغ عشرين سنة،وكامو أدرك عقده الثالث.
ولدت ماريا،في لاكورونيا الإسبانية،ثم وصلت إلى باريس سنة 1936،عن عمر الرابعة عشرة، مثل أغلبية الجمهوريين الإسبان.شغل أبوها، سانتياغو كاساريس كيغورا،غير ما مرة منصب وزير وكذا رئيس للحكومة خلال حقبة الجمهورية الإسبانية الثانية،وقد أُجبر على المنفى حينما تسلم فرانكو مقاليد الحكم.بعد مرور فترة طويلة،ستقول ماريا كاساريس،أنها:((ولدت شهر نوفمبر 1942 في مسرح"Des Mathurins")).
خلال تلك الحقبة،ابتعد كامو عن زوجته فرانسين فور Faure تحت دواعي الاحتلال الألماني،وقد انضم إلى صفوف المقاومة.ينتمي بدوره من جهة أمه إلى سلالة إسبانية، ثم أصيب بالسل مثل سانتياغو كاساريس كيغورا،ويعيش كذلك المنفى بحكم انحداره من الجزائر.شهر أكتوبر 1944،حينما تمكنت أخيرا فرانسين فور Faure ،من معاودة الالتقاء بزوجها ثانية،ابتعد ألبير كامو عن كاساريس.لكن يوم 6 نونبر 1948،تصادفا في شارع سان جيرمان،ومنذئذ لم ينفصلا قط.
 هذه الرسائل،المتواصلة لمدة خمسة عشرة سنة،تظهر حقا سمة بداهة حبهما الذي لايهزم :(لقد التقينا، تعرَّف بعضنا على الآخر،واستسلم أحدنا للثاني،ثم نجحنا في تحقيق عشق يلتهب صفاء خالصا،فهل أنت مدرك لسعادتنا وكذا مختلف ما تأتى لنا؟))(ماريا كاساريس،4يونيو 1950).
((أيضا صاحبا فكر ثاقب،ثم متيقظان،وقادران على فهم كل شيء،بالتالي تذليلهما كل العقبات،قويان بما يكفي كي يعيشا دون أوهام،مرتبطان بأواصر الأرض،والذكاء،والقلب والجسد،فلاشيء يمكنه،أعلم ذلك،أن يباغتنا،أو يفرق بيننا))(ألبير كامو،23 فبراير 1950). 
سنة يناير 1960،حال بينهما الموت،لكنهما عاشا قبل ذلك اثني عشرة سنة :((شفَّاف أحدهما بالنسبة للثاني))،متوحدان،هائمان،بعيدان غالبا جدا عن بعضهما البعض،بيد أنهما يعيشان معا يوميا بلا تحفظ،بل خلال كل ساعة في إطار حقيقة لايمكن سوى لأقلية من الأشخاص تحملها.
تجعلنا رسائل ماريا كاساريس نكتشف سبيل حياة فنانة عظيمة جدا، نتبيَّن مجازفاتها وانكساراتها،وتوظيفها للزمان الجنوني،وتسجيلاتها على المذياع،وتمارين عروضها المسرحية،وأدوارها بكل حيثيات مخاطرها،ثم تصوير أفلام سينمائية.أيضا،تظهر تلك الرسائل،حياة ممثلين في المسرح الفرنسي وكذا المسرح الوطني الشعبي.لقد جسدت كاساريس أدوارا إلى جانب ميشيل بوكي،جيرار فيليب،مارسيل إيرون،سيرج ريغياني،جان فيلار،وأضمرت لهم جميعا مشاعر الود.
كاساريس الفنانة المنحدرة من غيليسيا الإسبانية، جعلت من المحيط عنصرا : على غرار كامو، تتدفق، تنكسر،تتماسك ثانية،ثم تنطلق من جديد وفق حيوية مذهلة.إنها تعيش نفس السعادة والشقاء بنفس الزخم،منقادة بعمق خلفهما.  
تتجلى ثانية طريقتها تلك في الحياة عبر طيات كتابتها الخطية،والتي عملنا على تنقيحها حتى نتمكن من إخراج هذه الرسائل في حلة مقروءة.فلأنها إسبانية،كتبت دائما "pour  que''(لكي)بهذه الكيفية''pourque''.وتضع حرفي ''t''لكلمة '' plate" (مسطَّح)بدل واحدة مما يشوش أكثر على المعنى.وكلمة ''Hommage ''(إشادة) تقتصر لديها على''m''واحدة،أما إشارة المد الذي وضعته على ''u ''في كلمة '' rude''(شاق)،فقد أوضح بشكل أفضل الخاصية الوازنة لكلمة من هذا القبيل.بينما جاءت لديها كلمة''confortable ''(مريح)،هكذا''comfortable ''،كما لو أن دلالة المفهوم،لاتعني سوى سكان الشمال والذين يعوزهم سواء النور والدفء،مثلما يتمتع به أفراد الجنوب،بحيث يسمح لهم ذلك العيش أكثر قربا من الضروري.
رسائل كامو جد مختصرة،لكنها تترجم نفس الحب نحو الحياة،شغفه بالمسرح،اهتمامه الدائم بالممثلين وكذا لحظات انكسارهم.أيضا،تستحضر الموضوعات العزيزة عليه،مهنة الكاتب،شكوكه،الانكباب الدؤوب على الكتابة،رغم معاناته مع مرض السل.
يتحدث إلى ماريا بخصوص منجزه : مقدمة "الظهر والوجه''،"الإنسان المتمرد''،"الراهن''،"المنفى والمملكة''،السقوط"،ثم "الرجل الأول''،مع ذلك لايشعر أبدا بكونه"حقق المستوى المطلوب".لكنها تطمئنه دون سأم،انطلاقا من إيمانها به ومشروعه،ليس هكذا بغير هدى،لكن انطلاقا من كونها امرأة،تدرك أن الإبداع يبقى الأقوى.وتعرف كيفية قول ذلك،بصدق وقناعة حقيقية.
خاطبها كامو يوم 23 فبراير1950  ((جل ما أنجزه كل واحد منا على مستوى عمله، وحياته،إلخ.لم يقم به وحده.حضور وحده يُشْعِر بالصحبة)).وهذا ماتحقق أبديا.
كيف بوسع هذين الكائنين عبور سنوات عدة،وفق توتر مرهق اقتضى حياة حرة يعدِّلها احترام الآخرين،تحتِّم في إطارها:((تعلم السير إلى الأمام فوق الخط الممتد لعشق يتجرد عن كل كبرياء))،دون أن يفترقا أبدا،أو يرتاب أحدهما من الثاني،مع نفس مطلب الوضوح ؟الجواب عن ذلك،يكمن إذن في مضمون هذه الرسائل.
مات أبي يوم 4 يناير 1960 .شهر غشت 1959،بدا أنهما قد نجحا في السير على هدى ذاك الخط،دون خطأ،إلى أقصى حد ممكن.
كتبت كاساريس إلى كامو مايلي :((لا يبدو لي أنه من غير المجدي إلقاء نظرات على الاضطراب الرديء لمشهدي الداخلي.فقط يحزنني،أني لم أعثر دائما على ماهو ضروري من تسلية،وذكاء،وكذا قوة الشخصية قصد ترتيب هذا الحيز الباطني ولو قليلا،كما تؤرقني فكرة أني سأرحل نهائيا عن هذا العالم مثلما ولدت،بلا شكل محدد الملامح)).
جاء جواب كامو :((إن كان بلا شكل واضح المعالم،فينبغي أن تموت غامضا في ذاتك، مبعثرا…. لكن ربما أيضا لأن الوحدة المتحققة، والتجلي الرصين للحقيقة، يعتبر الموت نفسه.ثم كي تشعري بقلبه،يلزمكِ غموض،وعتمة الكائن،والنداء المستمر،للصراع ضد نفسكِ والآخرين.ينبغي إذن معرفة ذلك، وتعشقي بصمت الغموض والتعارض،مع شرط وحيد يتمثل في عدم توقف هذا النضال والسعي وراء الالتماس)).
شكرا لهذا الثنائي.لقد جعلت رسائلهما الأرض أكثر رحابة، والفضاء أكثر ضياء،والهواء أكثر خفة، كل ذلك لأنهما تواجدا هنا.
*المصدر :
  Albert Camus/MariaCasarés :correspondance (1944-1959) ;Gallimard ;2017  .
                         
   
               

           
        
      

الجمعة، 28 سبتمبر 2018


«التحليل النفسي للنار» لباشلار: تعديلات حتى الرمق الأخير
ابراهيم العريس



في الحقيقة أن المرء لن يمكنه أن يدرك الأسباب الحقيقية التي جعلت من كتاب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار «التحليل النفسي للنار» واحداً من الكتب الفلسفية الأكثر حظوة لدى الشعراء وكل المهتمين بالشعر في العالم، إلا بعد الاطلاع بعمق على هذا الكتاب الذي تُرجم إلى العديد من لغات العالم وقُرئ على نطاق واسع خلال الثمانين عاماً التي مرّت على صدور طبعته الأولى في العام 1938. صحيح أن موضوع الكتاب وتوجهه العلمي فلسفيّ، لكن من الأهمية بمكان هنا الإشارة إلى أنه إنما أتى في الأصل مستوحى من مكتسبات التحليل النفسي الذي كان سيّد كل أنواع التحليل في الحقبة التي اشتغل فيها باشلار على الكتاب. غير أن اللافت في الأمر هو ان مرجعية باشلار هنا لم تكن فرويدية بل يونغية. لكن قراء الكتاب لم يتوقفوا بالتفصيل عند هذه الجزئية بالطبع. كان ما يهمهم هو المنطلق الذي اشتغل عليه الكاتب وفحواه أن «الإنسان يتخيّل أولاً ثم يرى بعد ذلك» وما ينطبق على الإنسان هنا ينطبق بالأحرى على الشعراء. ومن هنا عمد باشلار إلى تصنيف كل ما يشتغل على المخيلة من أحلام وأساطير انطلاقاً من تلك العناصر الأربعة الشهيرة: الهواء، الماء، النار والتراب. ولئن كان باشلار قد وفى بوعوده واشتغل على كل من العناصر على حدة، فإن اشتغاله على النار في هذا الكتاب كان الأكمل والأوضح، وبالتالي الأشدّ جاذبية. وربما لأن للنار رمزينها وسحرها ودلالاتها بما يفوق أياً من العناصر الثلاثة الأخرى.


> في هذا النص البديع والذي يمكن أن يُقرأ كنص شعري، وزّع باشلار موضوع كتابه على ثمانية أقسام رئيسية تضافر كل قسم منها مع شاعر أو رمز شعري ينتمي إلى تاريخ هذا الإبداع بل يلتحم معه. وهكذا مثلاً نراه في القسم الأول يتوقف، وبعد مقدمة تعمّد أن يدعو فيها إلى اتباع الصرامة العلمية في بحث هذا الموضوع، عند موضوعة احترام النار بالإنطلاق مما سماه مركّب برومثيوس (سارق النار المقدسة)، ليلاحظ أن ما يجب أن نعرفه عن النار قبل أي شيء آخر هو أن ليس علينا لمسها! وذلك قبل أن يفيدنا بأن مركّب برومثيوس ليس سوى عقدة أوديب التي تخص العالم الذهني.

> وفي القسم الثاني ينتقل المؤلف من مركّب برومثيوس إلى ذاك المتعلق بإمبدوقلس الذي يذكّرنا بأنه قد رمى نفسه، وفق الأسطورة في فوهة بركان إتنا المشتعل... ما ينقله إلى البحث في سيكولوجية مُشعل النار بعدما درس سيكولوجية سارقها. وهذا ما يتيح له في القسم الثالث أن ينتقل إلى ما يسميه مركّب نوفاليس الذي ارتبطت النار في أشعاره بالحلم والخصوبة. ومنه إلى النار المُجَنْسَنة في علاقتها مع الرغبات غير المستجاب لها باعتبار تلك العلاقة أول ما لاحظه الإنسان الواعي في تاريخه. وإذ يتحول الكاتب في فصل تال إلى دراسة كيمياء النار دراسة علمية خالصة، نجده بعد ذلك يعود إلى علاقتها بالإبداع، وهذه المرة من خلال هوفمان وحكاياته التي تقول لنا ذات لحظة إن «ماء الحياة ليست سوى ماء النار»، كما ينتقل في الفصل السابع، انطلاقاً من هذه الفكرة تحديداً إلى علاقة النار بالطهارة، مايوصله في استنتاجه الأخير إلى القول إن «حلم اليقظة المتعلق بالنار هو الذي يسمح لنا بإبراز أن كل التباسات هذا العنصر، ومنها الوعي بالاحتراق والإحساس بكثافة النار، تتعلق جميعاً بمسألة الألم»، خالصاً إلى أن حلم اليقظة هو وحده القادر حين يكون خلاقاً على تحطيم تلك الآلام الملتبسة، وذلك بالتحديد «لأن المخيّلة هي القوة التي تؤمّن الإنتاج النفسي، للحرية الإيجابية الولود».

> انطلاقاً من مثل هذا النص الذي يمزج بين العلم والشعر، ربما كان الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، من أحق المفكرين بأن نستعير له الصفة التي كانت تطلق على فيلسوفنا الإسلامي الكبير أبي حيان التوحيدي، وهي أنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء». فهو في الحقيقة يكاد أن يكون أكثر الفلاسفة شعبية في صفوف الأدباء. ومن المعروف أن نظرياته الفلسفية التي تناولت الطبيعة والإبداع الأدبي والفني والتحليل النفسي قد أثرت في العديد منهم. ومن هنا نجد أن ما يمنعنا من القول إنه كان الأكبر بين الفلاسفة الفرنسيين في النصف الأول من القرن العشرين ليس سوى وجود هنري برغسون في ذلك القرن. فلم يكن غريباً إذن أن تختاره أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية لعضويتها، وأن يُمنح الجائزة الكبرى القومية للآداب قبل عام من رحيله.

> لقد حقق باشلار خلال حياته، ثم بعد موته بخاصة، مجداً فكرياً كبيراً، وأربى تراثه الفلسفي والفكري بصورة عامة على عشرات الكتب التي قرئت وترجمت على نطاق واسع. ومع هذا كان باشلار عصامياً، تحدّر من أسرة مكافحة، حيث كان أبوه إسكافياً معدماً.

> ولد غاستون باشلار في العام 1884 وتلقى دراسة ابتدائية عادية قبل أن يلتحق بالجامعة منتسباً، حيث راح يقوم بشتى الأعمال والوظائف خلال النهار ويثقف نفسه عند المساء. ولقد مكّنه هذا النشاط الاستثنائي من أن يحوز الإجازة في الرياضيات في العام 1922. وهو بعد ذلك انصرف إلى دراسة الفلسفة وحصل على الدكتوراه في الآداب في 1927، وهو العام نفسه الذي أصدر فيه كتابه «دراسة في المعرفة المقاربة»، الكتاب الذي درس فيه مسألة المعرفة، بوصفها ذات مهمة محددة تكمن في «الاختيار والتدقيق والاستبصار». وعلى الفور تنبّه الباحثون إلى أهمية هذا المفكر الذي يسير على عكس التيار الأكاديمي السائد. لذلك حين عُيّن في العام 1930 أستاذاً للفلسفة كبداية لعمله الجامعي، كان قد أضحى معروفاً لدى الأوساط الفكرية، وكانت أفكاره قد بدأت تلقى رواجاً واهتماماً.

> طبعاً بعد ذلك بكثير كتب عنه لوي ألتوسير قائلاً: «لا يريد باشلار لفلسفة العلوم أن تكون مجرد تدخّل فلسفي في العلم. وهو في هذا يعارض جميع الفلسفات التقليدية التي كانت سائدة وكانت تجعل الهدف من تأملها في العلم احتواء النتائج العلمية لمصلحة المذاهب الفلسفية، واستغلال النتائج العملية، بالتالي، لمصلحة أهداف تبريرية تخرج عن إطار الممارسة العلمية».

> قبل ذلك، وقبل أن يُعتَرَف لباشلار بهذه المكانة، كان عليه أن يصدر المزيد من الكتب وأن يثير المزيد من المناقشات، وأن ينوّع اهتماماته، من الدراسة الأركيولوجية والتحليلية النفسية للفكر العلمي في تطوره (في كتابه «محاولة في التصنيف») إلى كتابته حول فلسفة العلوم وتاريخها في «تكوين الروح العلمي: محاولة في التحليل النفسي للروح الموضوعية»، ثم في «الروح العلمية الجديدة» و «الإيجابية العقلانية في الطبيعيات المعاصرة».

> على رغم أهمية بحوث باشلار في تاريخ العلوم وفلسفتها كما في قضايا الإبستمولوجيا، فإن الأشهر بين كتبه تظل تلك الكتب «الخفيفة» التي تحمل عناوين مثل «التحليل النفسي للنار» الكتاب الذي نقدمه هنا واعتبر دائماً من أكثر كتب هذا الفيلسوف شعبية ولا سيما في أوساط الشعراء من الذين اعتمده بعضهم «إنجيلاً» له؛ و «الماء والأحلام» و «الهواء والأحلام» و «الأرض وأحلام الإرادة» و «الأرض وأحلام السكون»، وهي كلها وضعها بين 1938 و1948، ونالت شعبية كبيرة ومارست، بالإضافة إلى المحاضرات التي كان يلقيها في السوربون خلال تلك الفترة نفسها، تأثيراً كبيراً تعدى إطار الحلقات الجامعية والأكاديمية.

> مهما يكن فإن بإمكاننا أن نقول عن باشلار إنه بعلمه الواسع والعميق، وموضوعيته الصارمة، وعمق تحليله، وإخلاصه في البحث الدائم عن الحقيقة، تمكن من أن يجعل لنفسه مكانة شبه مجمع عليها في الفكر الفرنسي الحديث. وهذا ما جعل مفكراً مثل روجيه غارودي يكتب عنه قائلاً: «في زمن كان فيه التيار الأقوى بين تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة لا يكف عن المطالبة برفض العلم، كان الفضل الأكبر لغاستون باشلار يكمن في استمراره بالتمسك من دون هوادة بالمأثور العقلاني، متابعاً تطور العلم عن كثب، ولسان حاله الدائم يقول: إن تاريخ العلوم هو تاريخ هزيمة كل مفكر لا عقلاني».

> نذكر أن باشلار ترك كرسيه في السوربون في العام 1955، وكان في أواسط الأربعينات قد عرف كيف يجتذب إلى محاضراته هناك كتّاباً من أمثال إيلوار وكوينو وغيلفيك. وكان من المعروف عنه أنه كان يستيقظ عند الخامسة من صباح كل يوم ليبدأ العمل من فوره. وهو كان يعيد النظر في كتبه على الدوام ويعدلها في الطبعات اللاحقة، كما هي حال كتابه «التحليل النفسي للنار» الذي وضع له صياغة نهائية عام موته.

.......
 (*) الحياة اللندنية 14 سبتمبر 2018

الأحد، 16 سبتمبر 2018


 سارتر وكامو : معطيات عن صداقة وعداوة *
ترجمة: سعيد بوخليط
تقديم : باعدت مسألة العنف السوفياتي بين المفكرين الرئيسيين لحقبة مابعد الحرب،ومعهما كل اليسار الفرنسي.مع ذلك،سبق لسارتر وكامو أن نسجا خيوط صداقة هائمة، مثلما يوضح لنا في هذا الحوار الجامعي الأمريكي رونالد أرونسون،الذي انكب على دراسة تفاصيل علاقتهما. 
س- أنتم باحث متخصص في سارتر. لكن،بالنسبة الكتاب الذي هيأتموه للحديث عن تفاصيل علاقاته مع كامو،لم تمنحوه دائما الدور الجيد.ألم يزعج هذا الأمر بعض زملائكم السارتريين؟
ج-اطمئنوا،إن سارتريا اليوم يمتلك تماما الحق كي ينتقد سارتر،بل وتثمين كامو،إلى درجة،أنه فيما يتعلق بي،يمكن أن أصبح نسبيا مناصرا لكامو! فالسياق السياسي خلال الحرب الباردة،الذي انتهى بهما إلى وضعيتين متناقضتين كليا،أضحى اليوم مجرد تاريخ،ولسنا مضطرين لحسن الحظ كي ننحاز أكثر إلى جانب أحدهما على حساب الثاني.عندما قررت،قبل أكثر من عشر سنوات تقريبا،أن أدرس بكيفية أعمق علاقة سارتر/كامو،وهو ما لم يحدث سابقا، فلأني اعتبرت قد حان الوقت للحديث عن ذلك بكيفية متوازنة.لقد حمَّل أنصار سارتر لمدة طويلة كامو مسؤولية القطيعة :تعتقد مثلا سيمون دي بوفوار،بأن كامو أضحى بطلا ل''القيم البورجوازية"وعاجزا عن التوفيق بسبب مناهضته الشديدة للشيوعية.أما المدافعون عنه فقد أرجعوا سبب ذلك إلى تعمد معاقبة كامو نتيجة رفضه الانضمام إلى الأنتلجنسيا الستالينة التي تحالفت مع قتلة.كان لهذين التهمتين توافقا معينا مع سياق الحقبة،لكن ينبغي اليوم النظر إليهما بنسبية.لقد انتقد كامو  بشجاعة العنف، لاسيما المقترف من طرف الثوار والإرهابيين بدعوى سعيهم إلى جعل العالم أفضل،لكنه في ذات الآن لم يفضح قط عنف الرأسمالية الممنهج سواء سنوات الخمسينات أو خلال الحقبة الاستعمارية.في المقابل،أدرك سارتر كيفية رصد عنف الدولة المنظم في كل مكان،مدافعا عن الأفراد والحركات التي تناضل ضده،غير أنه عانق بلا تحفظ مسألة الالتجاء إلى العنف الثوري.لذلك،تميز كل واحد منهما في الوقت ذاته، بثقابة رؤاه الفكرية ثم عدم تبصره أيضا.وأنا بصدد إنجاز عملي،أردت كذلك إعادة ترميم حيثيات تعقّد علاقتهما،والتي قبل أن تصير نزاعية،فقد بدأت كصداقة عميقة لما يقارب عشر سنوات.بعد القطيعة بين سارتر وكامو،قلَّل المعلقون،وبعد ذلك المؤرخون،حين استعادتهم الماضي من شأن تلك الصداقة الأولى،وقدموها باعتبارها سطحية،محكوما عليها منذ البداية بالوصول إلى الباب المسدود.تفسيرات من هذا القبيل،تعني التغافل على أنه لحظة تحرير فرنسا كان التوافق بين كامو وسارتر شبه مطلق،ويشعران بانجذاب وِدِّي قوي بينهما،بل تكلما آنذاك بشكل أقل في موضوعات الفلسفة، والأدب والسياسة،وفضَّلا أساسا التسلية معا والدردشة في أمور الحياة،والنساء.لكن، مباشرة بعد الحرب،برزت إلى السطح سريعا خلافات سياسية بينهما،وإن حاولا بذل قصارى جهدهما قصد المحافظة على صداقتهما،إلى أن حدث بينهما الانفصال العنيف والنهائي، سنة 1952 . 
س-متى التقيا لأول مرة؟
ج-كان لقاؤهما الأول في باريس أثناء الاحتلال،شهر يونيو 1943 ،خلال أول تقديم لمسرحية الذباب لسارتر.يعرف كل واحد منهما سلفا أعمال الثاني ويتبادلان التقدير.اكتشف كامو سارتر سنة 1938،في الجزائر حينما قرأ مسرحية الغثيان،وكتب عنها بحماس في جريدته :''الجزائر الجمهورية''.بدوره أبدى سارتر إعجابه برواية الغريب،الصادرة سنة1942،نص كتبه شاب غير معروف لكنه سرعان ما حظي بدعاية واسعة بين أوساط الدوائر الثقافية الباريسية.يكمن اهتمامهما المشترك بموضوع العبث،في قلب منظومة أفكارهما الخاصة،وعشقهما لكل أجناس الكتابة،من الرواية إلى الدراسة البحثية وكذا المسرحية،جوانب تفسر اهتمامهما المتبادل.أيضا،حينما استقر كامو في باريس سنة 1943 ،وأصبح منتميا إلى غاليمار مكلفا بقراءة المشاريع المتوخى إصدارها،فقد تطلع الاثنان للقاء يجمعهما.سعي تحقق فعلا،وتحولا على إثره إلى صديقين منذ الوهلة الأولى.استند انجذابهما خصوصا على تبايناتهما :انبهر سارتر بهذا الشاب – يصغره كامو بفارق ثمان سنوات – الوسيم، المسلِّي، الجذاب، الماجن أحيانا إلى حد ما،بحيث رثاه سارتر عن حب عقب موته،واصفا إياه ب :'' زُقَاقِيّ الجزائر الصغير".بينما استمالت كامو،دقة سارتر وعمقه،ثم قدرته في خضم ذلك على أن يكون وُدِّيّا ومسليا.التقيا كثيرا،إلى حد أن سيمون دي بوفوار،أبانت تقريبا عن غيرتها خلال تلك الحقبة.إذن بشكل سريع جدا،توافقا على أن سارتر أكثر ذكاء،وكامو أقوى إبداعيا وفنيا.أيضا، يعتبر كل واحد منهما،أن الثاني حَمَلَ له الكثير.
س-هل بوسعنا القول أن سارتر،الذي كان يجسد أصلا رمز الواجهة الأولى بالنسبة للمشهد الثقافي الباريسي، قد احتضن كامو فعلا؟
ج-بالتأكيد لعب سارتر دورا مهما بخصوص بلوغ هذا الشاب الفرنسي المنحدر من وسط جزائري متواضع،الشهرة وكذا الاعتراف داخل باريس الثقافية.لكن لا ينبغي النظر إلى أمر كهذا،من زاوية أحادية الجانب،أي سارتر الذي يعتبر بمثابة أخ أكبر لكامو، ثم بشكل أقل أيضا مرشد له.بحيث أثر كامو بدوره على نحو حاسم،في مسار سارتر،فترة نهاية الاحتلال، بأن ساعده كي يقتحم أولى خطوات الالتزام السياسي.وقد تكلم الأخير عن ذلك باستمرار،دون انفعال. محاولات انضمامه إلى صفوف المقاومة، إبان بداية الحرب،صحبة بوفوار،وميرلوبونتي وآخرين،سرعان ما فشلت،نتيجة غياب الاحترافية وانعدام الاتصالات.بينما ناضل  كامو، ضمن صفوف الحزب الشيوعي الجزائري بين سنتي 1935و 1937 .خلال نهاية سنة 1943 في باريس،أصبح عضوا في هيئة تحرير جريدة ''كفاح" التي تصدرها حركة المقاومة تحت نفس التسمية،بفضل تدخل باسكال بيا Pia ،المدير السابق لصحيفة ''الجزائر الجمهورية''.خلال حقبة تحرير باريس،بادر سارتر وبوفوار غير ما مرة إلى زيارة كامو داخل المخابئ السرية للجريدة،المنتشي بأن وجد نفسه للمرة الأولى في حياته،ضمن دوامة الممارسة الفاعلة،بل كامو سيدعو سارتر للنشر على صفحات جريدة كفاح سلسلة تحقيقات صحفية حول الثورة المسلحة،مانحا بذلك شهادة مقاومة غير منتظرة بالنسبة لرجل قضى فترة الحرب منكبا على الكتابة. في أعقاب ذلك،وإلى جانب أصدقاء يشتغلون بالمسرح،سيحتل سارتر مبنى المسرح الوطني الفرنسي،بهدف حمايته من كل أنواع التخريب التي يمكن أن تقترفها الحشود الألمانية المتراجعة.كامو،الذي التحق به، صادفه نائما على كرسي في ردهة المسرح.حينما أيقظه،قال له ساخرا بلطف :"لقد أدرت كرسيك وفق اتجاه التاريخ".وهي الصيغة التي استعادها ثانية سنة 1952،لكن هذه المرة بطريقة صارمة جدا،بين سطور رسالة القطيعة التي بعث بها إلى سارتر.
س- متى تجلت أولى بواكير خلافاتهما؟
ج-حين فترة التحرير،كانا متقاربان جدا سياسيا.كامو على رأس جريدة كفاح،بينما يشرف سارتر على مجلة الأزمنة الحديثة التي أسسها سنة 1945،يدافعان عن قيم المقاومة ويدعوان إلى إعادة صياغة الحياة السياسية لصالح ديمقراطية حقيقية،ويفضحان الرأسمالية،ويترافعان من أجل تقليص اللامساواة المجتمعية.بيد أن مرحلة هذا التفاؤل العام سرعان ما انقضت مع بداية أجواء الحرب الباردة،ثم معاناة التوافق الجميل السالف بين كامو وسارتر.شهر نونبر 1946،وإبان أمسية عند بورس فيان vian،هاجم كامو بشدة الفيلسوف موريس ميرلوبونتي،مؤاخذا عليه دفاعه عن عنف الدولة السوفياتية عبر بوابة صفحات مجلة الأزمنة الحديثة. ارتبط كامو حتى فترة حديثة من ذلك الموعد، بالروائي أرثر كوستلر،الذي تُرجمت روايته :صفر واللانهائي،إلى الفرنسية سنة 1945،وأثرت فيه كثيرا بأحاديثها عن حالات التطهير الستالينية. أما ميرلوبونتي،فقد كان مرشدا سياسيا بالنسبة لسارتر.إذن بين الأخير،المدافع عن الثورة وكذا ''العنف التدريجي" الذي نَظَّر له ميرلوبونتي،ثم كامو الداعي إلى التمرد لكنه يستنكر في نفس الوقت العنف الثوري،بدأ التاريخ يحفر ثغرة شيئا فشيئا بينهما. خلال سنوات عدة،وعلى الرغم من اتخاذ مواقف دائما أكثر تنافرا،فقد واصل سارتر وكامو الالتقاء،وفاء لصداقتهما.لكن القلب شرع يتكلم لغة مختلفة عن الظاهر.شهر يونيو1951،وأثناء تناول وجبة احتفالا بعرض مسرحية سارتر : الشيطان والإله الطيب، كان كامو حاضرا،لكنه امتنع عن الكلام،لأنه لم يستحسن المسرحية كثيرا،ورأى فيها تبريرا للعنف السياسي.أمسية وصفتها بوفوار قائلة:" كئيبة بما يكفي : ثم بيننا وكامو،اشتعلت النيران ثانية ".بعض مرور أشهر،أصدر كامو دراسته الفلسفية المعنونة ب:الإنسان المتمرد.وهي بمثابة حرب أعلنت ضدا على الستالينية وكذا جميع المثقفين المدافعين عنها.بعدها بقليل، أكد سارتر انضمامه الرسمي إلى صفوف الحزب الشيوعي.هكذا،أجبرهما السياق السياسي جزئيا وعلى الرغم منهما،كي يتحولا إلى ناطقين رسميين عن توجهين متعارضين. 
س-إذن تأكدت القطيعة على مستوى الفضاء العمومي،عبر أعمدة،مجلة الأزمنة الحديثة؟
ج-خريف 1951، صدر كتاب الإنسان المتمرد،الذي استبعد الثورة،محاولا مساءلة سارتر ثانية دون ذكره بالاسم.تضايق الأخير كثيرا،لكنه تحاشى الرد ،متمسكا دائما بالحفاظ قدر المستطاع على صداقته مع كامو،ورافضا في نفس الوقت كل إشارة للكتاب من طرف مجلة الأزمنة الحديثة.لكن بعد انقضاء فترة،وتحديدا شهر ماي 1952 ،سمح أخيرا لمساعده الفيلسوف فرانسيس جانسون المبادرة إلى الكتابة على صفحات المجلة تقويضا مُحْكما لأطروحات كتاب الإنسان المتمرد ومؤلفه.بغض النظر عن حدة مقالة جونسون،لم يستسغ كبرياء كامو الإساءة إليه من طرف أحد معاوني سارتر ويباشر مهمة المواجهة عوض سارتر نفسه.ثم احتج برسالة طويلة موجهة ببرودة إلى :"السيد مدير الأزمنة الحديثة"،أجبرت سارتر على تناول القلم.فجاء جوابه على غرار مضمون مقالة جونسون،مفعما بنبرة الهجوم السياسي وأيضا الشخصي،مؤاخذا أساسا على كامو خيانته لعلاقته بالتاريخ،وكذا هذا الحث على التزام المثقف  مثلما تعلمه من أخيه الأصغر(كامو)فترة الحرب. أسرع القراء إلى اقتناء العدد الصادر شهر غشت 1952 من مجلة الأزمنة الحديثة الذي تضمن رسالة كامو وكذا جواب سارتر،بل أعيد طبعه لمرات عديدة،وتحولت الصحافة العامة إلى مجرد صدى لسجال كامو/سارتر،والتي بحسب كلمات ريمون آرون :"اتخذ على الفور مسار سجال وطني''.لذلك،أصبح سارتر وكامو بالنسبة إلى المخيال الجماعي،رمزين متنافرين على الرغم من تقاربهما في حقيقة الأمر.
س-بعد ثمان سنوات على المواجهة توفي كامو. هل التقى سارتر خلال تلك المدة؟
ج-لا،لم يجتمعا أبدا،بل لم يتلفظ أحدهما قط باسم الثاني أمام العموم،وتابعا مع ذلك جدالهما خلف صيغ مرموزة :"القاضي- النادم" في رواية السقوط تحيل في المقام الأول على سارتر،ثم حينما يتجه هذا الأخير مخاطبا كامو قبل الجميع بانتقاده ل''النفوس الجميلة''إبان خطاب بمناسبة حرب الجزائر،وهو موضوع شكل أيضا محور تعارض بينهما،بحيث ساند سارتر جبهة التحرير الوطني وكذا استقلال الجزائر.لقد اعتبر كل واحد منهما أنه تعرض للخيانة.مع ذلك،وبالمقارنة مع سارتر،لم يتحمل كامو بكيفية هيّنة انفصالهما. بسبب انزعاجه،اجتر  كامو دائما على صفحات مذكراته،مبررات سارتر وأنصاره،هكذا أصبحت باريس تثير غثيانه،وتجنب أي ذهاب إلى حي سان جيرمان دي بري.وحينما ازداد انذهاله من عنف مقالات مجلة الأزمنة الحديثة،اعترف في نهاية المطاف بأن سارتر لم يكن أبدا صديقا حقيقيا.أما سارتر فلم يلمح بأي إشارة  قريبة أو بعيدة إلى كامو سواء في مذكراته أو حواراته الخاصة،غاية موت الأخير يوم 4 يناير 1960،نتيجة حادثة السير القاتلة.واقعة حزينة دفعت سارتر كي يكتب عنه في مجلة"فرانس أوبسرفاتور''مقالة رائعة في غاية الإطراء.لكن بعد مرور سنوات وعبر حوارات عدة،تدارك سارتر موقفه هذا،مدعيا أنه قدم تضحية إلى حد ما،حتى تغويه كتابة ذلك''النثر الجميل''.لكن،أنا مؤمن بصدق كلمات تأبينه. فرغم خلافاتهما،ظل سارتر يضمر تقديرا عميقا إلى كامو،واستقامة ضميره،ثم ما سماه في رثائه ب :"إنسانية كامو المٌلِحَّة،الحميمة والنقية،البسيطة والحسية''. امتدحه وأثنى عليه، لكونه تمكن على العكس منه،حسب قوله الصمود أمام : " صنم الواقعية''،فقد أقر سارتر أيضا بأخطائه كمفكر ورفيق.بعد مرور ثمان وعشرين سنة،سيعترف بصدد كامو :"كان بالنسبة إلي آخر صديق كبير". 
*هامش :
 l’ obs : les hors-série ; numéro97.pp :22- 25.   
http://saidboukhlet.com