الأحد، 24 سبتمبر، 2017

فلسفة نيتشه
للأستاذ زكي نجيب محمود

لسنا نحسب أن داروين، حينما أذاع رأيه في تنازع البقاء وبقاء الأصلح، كان يدور في خلده أن ذلك الرأي سيكون له من العمق والسيطرة الفكرية ما له اليوم، وأنه لن يقتصر على الأحياء من نبات وحيوان، بل سيتعداها إلى كل لون من ألوان النشاط الإنساني؛ فأساليب الحكم، والدين، والأدب، والفن، والفلسفة، كل هذا وما هو أدق من هذا وأجل، يحاول الكتاب الآن أن يخضعوه إخضاعاً لقانون تنازع البقاء. فعسانا لا نسرف في القول إذا زعمنا أن داروين هو رب الفكر الحديث، يتأثر خطاه آلاف المفكرين والكتاب، وأصبح بقاء الأصلح غرض الرمي في الكثير الغالب من أبحاث العلم والفلسفة والفن جميعاً.

وفلسفة نيتشه هي واحدة من تلك الفلسفات العديدة التي يرجع نسبها إلى قانون داروين، فقد استولد نيتشه ذلك القانون واتخذ منه مقدمة، ثم استخرج فلسفته كنتيجة لازمة لتلك المقدمة، ولم يجد التردد إلى نفسه سبيلا في إذاعتها في الناس على خطورتها، واقعة ما وقعت من نفوسهم.

ما دام قانون تنازع البقاء وبقاء الأصلح يسيطر على كل مظاهر الحياة، فلابد للواهن أن يخور ويتلاشى، ولابد للقوة في كل شيء أن تظفر آخر الأمر، وإذا فالمثل الأعلى للفضيلة هي القوة دون سواها، والضعف هو علة العلل وآفة التقدم. فأيا كانت الأخلاق التي تثبت قدمها في معترك البقاء، فهي الفضيلة وهي الخير، وأيا كانت الأخلاق التي تخور قواها فتسقط صريعة في الميدان لتخلي الطريق لسواها فهي الرذيلة وهي الشر.

هكذا يبدأ نيتشه منطقه ثم يتابع هذا المنطق إلى نهايته، حتى يصل آخر الأمر إلى نتيجة خطيرة كل الخطر: إلى نبذ المسيحية بل إلى نبذ الأديان جميعا ما دامت تنتشر مبادئ العطف والإيثار والاستسلام؛ ثم ينادي بدوره بوجوب القسوة والقوة والعنف لأنها قوية، ولأنها أقدر على البقاء.

الإنسانية في حياتها وفي تقدمها تحتاج إلى القسوة دون الرحمة، وإلى الكبرياء دون التواضع، وإلى الذكاء والسيطرة دون الإيثار. أما هذه المساواة والديمقراطية التي اتجهت إليها الشعوب في التاريخ الحديث، فإنما تقف عقبة كؤوداً في سبيل الانتخاب الطبيعي للبقاء، فليس في الكثرة العددية والجموع البشرية كمال الإنسانية المنشود. ولكن في الصفوة القوية العبقرية وحدها. إذا فليس من المنطق في شيء أن تكون المساواة أساس الأجتماع، تلك المساواة التي تحد من قوة القوي، وتضيف إلى الضعيف قوة مصطنعة أبتها عليه الطبيعة. فلننبذ الديمقراطية نبذ النواة، ولنخل الطريق أمام القوة لكي تستطيع أن تتبوأ مكانها وتتحكم في أعناق الجماهير، وليكن المثل الأعلى في الحكم هو بسمارك وأشباهه الذين يسوسون الشعوب بالنار والحديد.

الأخلاق

أراد نيتشه أن يقوض بناء الأخلاق السائدة من أساسه، ليقيم على أنقاضه بناء خلقياً جديداً. أراد أن يبيد هذا النوع الإنساني ليخلق ضرباً آخر من الإنسان قوياً عنيفاً ذكياً كما يريد: هو السوبرمان (الإنسان الأعلى).

فقد شهد التاريخ نوعين مختلفين من الأخلاق: أخلاق نبيلة سامية، كانت شعار الشعوب القديمة، وبخاصة الرومان. إذ كانت الفضيلة تعني الرجولة والجرأة والشجاعة، وأخرى وضيعة دنيئة ظهرت في الشرق، اصطنعها اليهود اصطناعاً أيام ضعفهم. حيث الفضيلة عبارة عن مجموعة من صفات ترجع في أصولها إلى الخوَّر والاستكانة والذل. فالخضوع قد خلق التواضع خلقا، والعجز كون الإيثار تكويناً، وهكذا نسج القوم حولهم نسيجا من الأخلاق الهزيلة الخائرة يدرعون بها حيث لا مقدرة لهم ولا سلطان، ونزعت النفوس إلى السلم والتماس لنجاة، بعد أن كانت تلتمس مواضع القوة والخطر؛ فحل الخداع والمكر محل القوة، والإشفاق والعطف مكان الصلابة والعنف، وجاء التقليد دون الابتكار والإنشاء، وقام الضمير حكماً يلتجأ إليه مقام التفاخر بالشرف. . فالشرف وثني، روماني، أرستقراطي؛ أما الضمير فأثر من آثار اليهودية فالمسيحية فالديمقراطية.

ويقول نيتشه إن الأنبياء استطاعوا بما أوتوا من قوة الشخصية. وسحر البيان أن يزينوا للناس ذلك النوع الهزيل من الأخلاق، حتى رسخت في نفوسهم وأصبحت عقيدة ليس إلى نبذها من سبيل، فإتقلبت الأوضاع، وأصبح الفقر والضعف هما جوهر الفضيلة، والقوة والثراء عنوان الرذيلة.

وقد بلغ هذا التقدير الخلقي أقصى حدود التقديس أيام المسيح الذي جعل الناس جميعا سواسية، ومن هنا أشتق العصر الحديث مبادئ الديمقراطية والاشتراكية، التي يعتقد نيتشه أنها الطريق المؤدية إلى الدمار والخراب.

ولكن الطبيعة تأبى الا أن تهدي الإنسانية سواء السبيل، فزودتها بإرادة غريزية لا تخطئ ولا تطيش لها سهام، فأنت إذا أمعنت النظر في الطبائع البشرية، أيقنت أن هذه الأخلاق السائدة من عطف ورحمة وإيثار وتضحية وما إلى ذلك، ليست الا ستاراً رقيقاً يخفي وراءه دافعاً غريزياً يمتلك من الإنسان قياده، نعم ذا أنت أمعنت في تحليل النفس الإنسانية، وجدت (إرادة لقوة) مستقرة في صميم الأعماق، تسير بالإنسان حيث تشاء. أعني أن الإنسان يلتمس القوة والسيطرة في كل ما ينزع إليه من أعمال وما يجيش في نفسه من مشاعر، وهذا الحب الذي يتخذه كثيرون دليلا على الإيثار بحجة أن التضحية فيه واضحة لا تحتاج إلى دليل هو في أعماقه رغبة في التملك، فما يبذله المحب في سبيل حبيبه يدفعه ثمنا للسيطرة على مخلوق آخر!! بل يزعم نيتشه أكثر من هذا فيقول إن من يتفانى في البحث عن الحقائق، لا يصرف مجهوده في سبيل الله من دونه. بل هو في الواقع يحاول أن يمتلك الحقائق قبل الآخرين.

وإرادة القوة هذه تملي على الإنسان ألوان الفلسفة وشتى ضروب الفكر، فمخطئ واهم من يحسب أنها تمثل الحقائق الواقعة، وإنما هي صورة منعكسة لرغباتنا، فالفيلسوف لا يضع المقدمات الصحيحة ثم يستنبط منه حكمته، ولكن الفكرة تنشأ وتتكون في ذهنه أولاً ثم يجيء بعد ذلك المنطق الذي يبررها.

فهذه الرغبات الغريزية المستترة وراء تلك الحجب الكثيفة من الأخلاق الظاهرة، هذه (إرادة القوة) هي التي توجه ميولنا وتكون آراءنا.

فالمنطق إذا ثوب رياء نخدع به أنفسنا، أو بعبارة خرى، تتخذ إرادة القوة من المنطق مبررا لأعمالها أمام العقل الإدراكي، ولكن الرجل القوى لا يحاول أن يستر إرادته وراء هذا الستار المنطقي الشفاف، الرجل القوي لا يعرف الا منطقا بسيطاً ينحصر في كلمتين، هما: (أنا أريد) ومتى أراد فلا حاجة إلى التماس المبررات. ولكن جاءت المسيحية فعكست الأوضاع الطبيعية. وأصبح الرجل القوي يستحي من قوته، ولابد له من البحث عن منطق لرغباته. وبذلك أخذت الأخلاق الأرستقراطية القوية الصالحة تذوي وتندثر، ونهضت قطعان الشعوب تقيم على أنقاضها صرحاً جديداً للأخلاق التي تلائم ضعفهم، وليس من سبيل إلى الشك في أنه إذا أرغمت أنوف الأقوياء، وأخذت السوقة تتبوأ مكان الزعامة من الإنسانية، فهي سائرة بخطى حثيثة إلى الدمار والفساد. ولسنا بحاجة إلى أن نقول إذا كانت الشفقة والرحمة والسلام خيراً، فليست الصراحة والعنف والحروب بأقل منها نفعا للمجتمع الإنساني: وبديهي أن هذه الأخلاق قد دافعت عن بقائها طوال العصور، ولم تبق الا لأنها نافعة وصالحة. ولولا أن (الشر) خير لاختفى من الوجود. فمن الحمق أن ننشد خيراً مطلقاً. بل لابد للأخلاق أن تتطور في الخير والشر على السواء، أي لابد للخير والشر أن يقفا جنبا إلى جنب، وأن يأخذ كل سبيله إلى الارتقاء.

السوبرمان

ما دامت الأخلاق تنزع إلى القوة في تطورها، فغرض الإنسانية لا يجوز أن يلتمس في السمو بالطبقات جميعا، وإنما يلتمس في تكوين نخبة صالحة؛ في تكوين السوبرمان، ومن العبث أن ينصرف المجهود البشري نحو إسعاد السوقة. بل يجب أن يتجه بكل قوته نحو إبادة هذا النوع من البشر، وإيجاد نوع أعلى مرتبة في الأخلاق؛ وانه لخير للإنسانية ألف مرة أن تتلاشى وتندثر من الوجود إذا لم تكن سائرة نحو تحسين النوع والارتفاع به. فليس المجتمع غرضا في ذاته، إنما هو أداة لزيادة قوة الفرد ونمو شخصيته، وهذا الفرد القوي السامي هو السوبرمان. الذي يؤمل نيتشه أن يخرج من أحضان الإنسان الحالي، وهو لا يعتمد في ذلك على الانتخاب الطبيعي، بل يريد أن يتعمد تكوينه بوسائل التربية، لأنه لاحظ أن تطور الحياة الطبيعي لا يعمل على إيجاد الفرد القوي الممتاز، وأن الطبيعة أقسى ما تكون على خيرة أبنائها، فلا سبيل إلى السوبرمان إلا بالانتخاب الصناعي والأخذ بوسائل (اليوجنية) والتربية الكاملة، وهو يقترح لتحقيق ذلك أن نعني بزواج الرجال الأقوياء من نساء ذوات قوة ممتازة، حتى لا يكون الزواج لمجرد التكرار، بل أداة للتسامي، فإذا ما أنتج ذلك الزواج نسلا، أعددنا له مدرسة خاصة تروضه على القسوة والعنف والجرأة والشجاعة، لا يتردد في تنفيذ أغراضه مهما اعترض سبيله من عقبات، غير عابئ بشر أو بخير، فليس الخير إلا ما يزيدنا شعورا بالقوة، وليس الشر الا ما تخور معه العزائم.

الأرستقراطية

الأرستقراطية وحدها هي الطريق إلى السوبرمان، فيجب أن نبحث الديمقراطية من أصولها، وأن نحطم في سبيل ذلك المبادئ المسيحية بأسرها لأنها والديمقراطية صنوان.

الديمقراطية معناها الدمار، معناها أن يتصرف كل جزء من الكل العضوي كيفما شاء، معناها التحلل والفوضى، معناها استخفاف بالعبقرية والنبوغ. معناها استحالة ظهور العظماء، إذ كيف يخضع العظيم لمهزلة الانتخابات، وهذه الشعوب تنبذ النفوس الكبيرة الحرة الجريئة نبذ الكلاب للذئب الجسور؟ نعم تنبذ النفوس الثائرة على القيود والعبادات، والتي لولاها لظلت الإنسانية حيث بدأت في ركود مميت. فكيف السبيل إلى استنبات السوبرمان في مثل هذه التربة الجدباء؟ كلا! لا سبيل إلى ذلك في مثل هذا المجتمع الذي يرفع على أكتافه رجل الأغلبية دون الرجل العبقري العظيم. في مثل هذا المجتمع الذي يحاول عبثا أن يسوي بين أفراد جعلتهم الطبيعة درجات بعضها فوق بعض.
وإذا كان نيتشه ينادي باقتلاع الديمقراطية وتحطيمها. فهو بالتالي يسخر من الاشتراكية لأنها وليدة الديمقراطية وربيبتها، فإذا كانت المساواة السياسية عدلاً، أفلا تكون المساواة الاقتصادية عدلا كذلك؟

لا! العدل أن لا مساواة بين الرجال، والطبيعة نفسها تأبى هذه المساواة وتسعى جهدها في تباين الأفراد والطبقات والأنواع.

الحوت الكبير يلتهم السمك الصغير، هذه سنة القوة وخلاصة الحياة؛ فلتكن كذلك سنة الإنسانية ومثلها الأعلى في الأخلاق بغير مواربة ولا رياء.

نقد

يدعو فردريك نيتشه الإنسان الحالي إلى الفناء والتضحية بنفسه في سبيل السوبرمان، ومن التناقض الظاهر أن يصدر عنه نداء بالتضحية في الوقت الذي يؤكد فيه أن الأخلاق القوية الصحيحة هي التي تدور حول الأنانية والاعتزاز بالنفس! كيف تريدني على إنكار نفسي وتمهيد الطريق لسواي، أستغفر الله بل تدعوني إلىإخلائها وتركها لمن هو خير مني، وفي هذا من الاستكانة والضعف ما يعود نيتشه فينكره أشد إنكار؛ ولم لا أثبت أنا في الميدان؟ ولم لا أكون أنا السوبرمان المنشود بعد إصلاح ما اعوج من طبيعتي؟ كذلك يريد نيتشه أن يقوض الأخلاق السائدة التي تعتمد على الرحمة والإيثار والعطف، ويقول أن ذلك خلقه الضعيف خلقا ليتقي به القوي وقسوته؛ وكم كنا نود أن نسأله كيف تغلب الضعيف حتى سادت آراؤه وأصبحت أخلاقا معترفا بها؟ وأين كانت الأرستقراطية القوية عندما شهرت صفوف الشعب في وجهها هذا السلاح الرهيب؟

الحق الذي لا شك فيه أن النزعات والأخلاق جميعا قد فرضها القوي على الضعيف فرضا، فان كان بها من الوهن شيء، فلا يقع تبعته إلا على عاتق القوي الذي يروج لحكمه نيتشه.

(*)المصدر: الرسالة العدد 4، 01-03-1933.

الجمعة، 15 سبتمبر، 2017

حول الدولة : دروس بيير بورديو في كوليج دو فرانس(1989 -1992)*

-تقديم الناشر-
ترجمة : سعيد بوخليط

  إن إعداد نص الدروس التي ألقاها بيير بورديو في كوليج دو فرانس تفترض عددا معينا من الاختيارات المتعلقة بالنشر.تشمل هذه الدروس سلسلة نصوص مكتوبة،وشروح شفوية،وكذا تأملات مرتجلة تقريبا ،حول مسعى وكذا الشروط التي اهتدى بورديو في إطارها  نحو تدريسها.
 تمزج مرتكزات هذه الدروس بين ملاحظات موثقة بخط اليد،أو مستخلصة من محاضرات وكذا تأويلات على هامش مؤلفات ونسخ مصورة.ملاحظات بيير بورديو حول شروط تلقي آرائه،أمام جمهور غفير ومتعدد جدا ملأ المدرج الكبير ل كوليج دو فرانس،تظهر بأن دروسه لا يمكن فقط اختزالها إلى النسخ المكتوبة التي تركها،في نطاق كون عرضها قد يأخذ صيغا غير متوقعة،حسب تفاعلات إصغاء المستمع.  
هناك حل يحظى بالجدارة الجلية للحياد وكذا الوفاء الشكلي للكاتب يتمثل في إصدار نسخة حرفية وخالصة لمجموع دروسه.لكن لا يكفي فقط إعادة إنتاج الشفهي كي يحافظ على سماته الشفوية،بل يعني جل العمل البيداغوجي المتبلور خلال كل درس.والدرس المنطوق ليس قطعا  بدرس النسخة ''الصادرة''مثلما تمكنا من فحص ذلك عبر بعض الدروس حيث تم الانكباب بشكل مستفيض على تسجيلها الجديد،وأحيانا نقحت كليا كي تتحول إلى مقالات صدرت في مجلات علمية.هكذا،فالشكل المنتقى جليا للدروس هو أقرب إلى منطق الاكتشاف العلمي من عرض مكتوب،رتب على الوجه الأكمل،نتائج بحث. 
بكل بداهة إذا لم يكن في وسع ناشري هذا العمل أخذ موقع المؤلف بعد رحيله ويؤلفوا بدلا عنه الكتاب الذي كان بوسعه انجازه انطلاقا من درسه، فبوسعهم السعي كي تتم على نحو أفضل مراعاة  السمات المتعلقة بشفاهية العرض مما يفترض أن تكون موسومة ويُشعر بها، ثم على العكس من ذلك،ينبغي التقليل قدر ما يمكن من التأثيرات الخاصة بالتدوين .على الناشرين كذلك أخذهم بعين الاعتبار،ضرورة  إعطاء  هذا الإصدار كل القوة والضرورة للعمل الذي يقتفى أثره،شريطة عدم  حلوله محل ما يريده المؤلف.كذلك هل توخى التدوين تجنب عقبتي الحرفية والأدبية.وإذا نصح بورديو على الدوام بالعودة إلى كتاباته قصد استيعاب مايقوله(1)،فقد استثمر أيضا المعطيات الشفوية وكذا حرية التعبير التي تسمح،أمام جمهور يعلم تعلق  جانب كبير منه ،بالتقاط التضمينات واستعادة ثانية للبرهان والاستدلال.  
في فقرة من كتابه ''بؤس العالم''،والمعنونة ب ''مجازفات الكتابة''،يعمل بورديو على تحليل الانتقال من الخطاب الشفوي إلى الكتابي،ك :"ترجمة حقيقية بل وتأويل''(2). والتذكير بأن : ''الترقيم البسيط،موقع فاصلة"يمكنه :''التحكم في كل معنى جملة''.
يجتهد نشر هذه النصوص للتوفيق بين ضرورتين متناقضتين لكن غير متعارضتين :الوفاء والمقروئية.إن ''الاختلالات''غير القابلة للتجاوز،ملازمة لكل تدوين(وبشكل عام،مع كل تغير للسند) ،يمثلان  بدون شك هنا،مثلما الأمر مع الحوارات التي حللها بورديو ''أساس وفاء حقيقي''،حسب تعبيره.
يحترم توثيق دروس كوليج دو فرانس التدابير التي تبناها بورديو حينما راجع بنفسه المحاضرات والحلقات الدراسية التي خولت هذا الإصدار :تصحيحات أسلوبية طفيفة،صقل لرواسب الخطاب الشفوي (استفهامات، تكرارات، إلخ). أُعيد النظر في  بعض مظاهر الإبهام أو التراكيب غير الدقيقة.حينما تنصب الاستطرادات حول التيمة المطروحة للبحث،توضع بين عارضتين،وعندما تنطوي على قطيعة ضمن مجرى الاستدلال،توضع بين قوسين،ولما تكون طويلة جدا،قد تصبح موضوع بتر تام.التقطيع إلى أجزاء وفقرات،وكذا العناوين الفرعية، والترقيم،والإشارات التي تحدد المراجع والإحالات هي من إخراج  الناشرين،وكذا المؤشر الموضوعاتي والمفهومي.أما المراجع البيبليوغرافية الموثقة أسفل الصفحة  فتنسب إلى بيير بورديو،وتم إتمامها حينما تبدو غير كافية .ثم  أضيف بعضها من أجل المساعدة على فهم الخطاب :شروحات، إحالات، إشارات ضمنية أو جلية لنصوص تستفيض في التأمل.بوسع القارئ الوصول إلى ملحق لائحة المقالات،والمؤلفات وكذا وثائق الاشتغال التي استند عليها بورديو خلال فترة دروسه،والتي وضبت ثانية انطلاقا من إشاراته داخل العمل وكذا جذاذاته القرائية المتعددة.
أعد بورديو قسما من محتوى هذه الدروس وأصدرها بعد ذلك في صيغة مقالات أو فصول ضمن مؤلفات.هذا الأمر أثير الانتباه إليه خلال كل مناسبة.مجموع الدروس تلتها ملخصات وردت في الدليل السنوي لكوليج دو فرانس.
السنوات الثلاث للدروس التي انصبت على موضوع الدولة اختيرت من أجل البدء في طباعة دروس كوليج دو فرانس لأنه،كما سنرى من خلال "وضعية الدروس"عند نهاية الجزء الحالي(3يتعلق الأمر بقطعة ضرورية لكنها نادرا ما تدرك كما هي بين طيات البناء السوسيولوجي عند بيير بورديو.الأجزاء اللاحقة تتمم الإصدار النهائي للدروس خلال السنوات المقبلة في صيغة مؤلفات تعالج إشكاليات مستقلة.
هوامش :
1-Pierre Bourdieu  «prologue » ;Questions de sociologie ;paris ;minuit ;1984 ;p.7.
2-Pierre Bourdieu ; « comprendre »in p.bourdieu ;(dir.)la misére du monde ;paris ; seuil ; «  points » ;1998.P.1418-1419.
3-voir infra, p.594 -601.           
                   
                    درس18 يناير1990 
موضوع غير مفكر فيه – الدولة كفضاء محايد – التقليد الماركسي –تقويم وبناء الزمانية –أصناف الدول – أفعال الدولة – سوق البيت الفردي والدولة – لجنة ''ريمون بار'' حول السكن.
1- موضوع غير مفكر فيه :
يتعلق الأمر بدراسة عن الدولة، بالتالي يلزمنا  أن نأخذ حذرنا أكثر من ذي قبل بخصوص ماهو متداول بالمعنى الذي  قصده دوركايم، ضد الأفكار الجاهزة، وكذا السوسيولوجيا الساذجة.من أجل، تلخيص التحليلات التي أنجزتها على امتداد السنوات السابقة،لاسيما التحليل التاريخي للعلاقات بين السوسيولوجيا والدولة،أشير إلى أننا نجازف بتطبيق فكر للدولة على الدولة وألح على كون فكرنا،بل وبناءات الوعي نفسها التي نؤسس من خلالها العالم الاجتماعي وهذا الموضوع الخاص الذي هو الدولة،تتسم بحظوظ وافرة كي تكون نتاجا للدولة.نتيجة انعكاس للمنهج،وكتأثير للمهنة،فكلما حاولت خلال كل مرة التطرق إلى موضوع جديد،يبدو لي كل  ما قمت به مبررا بشكل خاص،وأقول بقدر ما أتقدم في عملي حول الدولة،بقدر ما أقتنع بأنه إذا كانت هناك صعوبة خاصة للتفكير في هذا الموضوع،فلأنه تقريبا– أزن كلماتي- غير مفكر فيه.إذا كان من السهل جدا قول أشياء حول هذا الأمر،فبالضبط لأننا ولجنا إذا صح القول من هذا الموضوع نفسه الذي علينا دراسته.لقد حاولت تحليل المجال العمومي،عالم الوظيفة العمومية باعتباره فضاء حيث الاعتراف الرسمي بقيم اللامبالاة ،ثم في نطاق ما،ينتصر الفاعلون لهذه اللامبالاة (1).
هذان المفهومان – المجال العمومي واللامبالاة- هما مهمان جدا،لأني أعتقد بأنهما ينبغي استحضارهما قبل الوصول إلى فكر سديد – قدر الإمكان –فعلينا اقتحام سلسلة من الشاشات،والتمثلات ،للدولة باعتبارها– مع الإقرار بأنها موجودة - مبدأ للإنتاج، وكذا التمثيل المشروع للعالم المجتمعي.إذا اقتضى الأمر مني إعطاء تعريف مؤقت لما نسميه ب''الدولة"،أجيب بأن قطاع مجال السلطة،الذي يمكننا تسميته ب''مجال إداري''أو ''مجال الوظيفة العمومية''،هذا المجال الذي يتجه إليه تفكيرنا بشكل خاص عندما نتكلم عن الدولة دون مزيد من التوضيح،يتحدد بامتلاك احتكار العنف المادي والشرعية الرمزية.لقد وضعت، منذ سنوات عديدة تقريبا(2) ،إلى جانب التعريف الشهير لماكس فيبر الذي عرف الدولة ك :''احتكار للعنف المشروع''(3) ،تصحيحا بأن أضفت :"احتكار للعنف المادي والرمزي''،بل يمكننا القول :''احتكار للعنف الرمزي المشروع''، في نطاق كون احتكار العنف الرمزي يمثل شرط امتلاك ممارسة احتكار العنف المادي نفسه.بمعنى ثان،يبدو لي هذا التعريف مبررا لتعريف ماكس فيبر.لكن يبقى كذلك مجردا،خاصة إذا انتفى لديكم السياق الذي هيأته في إطاره.إنها تعريفات ظرفية كي أحاول على الأقل استثمار نوع من الاتفاق المؤقت بخصوص ما أتكلم عنه،لأنه من الصعب جدا مقاربة  شيء ما  دون تحديد على الأقل لما نحن بصدد الحديث عنه.إنها تعريفات مؤقتة موجهة لكي يتم إصلاحها وتقويمها.
*هوامش :
1-مفهوم اللامبالاة تم التطرق إليه خلال درس السنة الفارطة (1988- 1989)واستعيد ثانية في مقالة : ''هل ممكن موقف لامبال ؟"في :  مبررات عملية حول نظرية الفعل،باريس، سوي،1994 ،ص 147-.173انظر كذلك بيير بورديو في : ''قيمة السوسيولوجيا''.باريس، مينوي،1987 ص 124 131.  .
2 –بيير بورديو :"حول السلطة الرمزية"،ماي –يونيو 1977،ص 405- 411 .أيضا ''اللغة والسلطة الرمزية''، باريس، سوي،2001،ص 201- 211  .
–ماكس فيبر :اقتصاد ومجتمع.ترجمة جوليان فروند،باريس،بلون 1971 ،ص 57- 59. وطبعة ثانية "pocket "1995  ص 96- 100ثم " العالم والسياسي"،ترجمة جوليان فروند،باريس،ص 29 .  
 **هامش :
Pierre Bourdieu : sur l état  ,cours au collége de France (1989 1992),seuil ,2012.

http://saidboukhlet.com                                                  يتبع….