السبت، 29 أبريل، 2017

بيير كلوسوفسكي: الماركيز دو ساد والثورة

للمترجمة السعودية: أسماء القناص
مراجعة: محمد عيد إبراهيم


موجز المترجمة:

يعرض الكثير عن تناول الماركيز دو ساد بالرغم من أنه منعطف، شخصية محورية و نقطة ارتكازية مهمة في الفكر الغربي. و على مر السنين، حُرِّمت كتبه، حُظِرَت، و أُتلِفَت و تم دفنه حتى قام السورياليون ببعثه و تنصيبه محررا لهم. توجه ساد بكل حواسه للطبيعة التي لا تعبأ بالأخلاق، تماهى مع كل صور الهتك والعنف، و أكثر السلوكيات انحطاطا وتفسخا. هذا المقال هو احتفاء ومحاولة للكشف عن ساد و الوقوف بوجه كل من حاول طمره و حجبه. ساد لابد أن يخرج، أن يتفجّر كما تفجرت روحه الثائرة. إنه ليس أديبا فقط بل مؤسس لنزعة و صرح فلسفي لا يمكن أن ينهار تحت كل الضغوط لخزله و تشويهه. لقد قلب ساد كل شيء هنا، فضح الثورة وأظهر وجهها الحقيقي.

الإحالة إلى المقالة الأصلية:
Klossowski, Pierre. “Sade My Neighbor” (1991), Northwestern University Press. Sade and the Revolution, 47-66, Translated and with an introduction by Alphonso Lingis.


ساد والثورة

من الجلي أن تندلع الثورة بسبب مجموعة هائلة من المطالب المتناقضة، و إذا تم تحديد القوى النفسية القائمة فبالطبع لن يتحقق احتشادها. إن كل ما حصل كان بسبب نوع من الخلط بين فئتين متباينتين من المطالب التي اتسمت بالطابع التخريبي. هناك، في الواقع، مجموعتان في تواطؤ، فمن جهة هناك الحشد الذي طالب بنظام اجتماعي تكون فكرة العودة إلى الطبيعة والإنسان الغريزي الأول هي جل لبها، و تواجد هؤلاء بشكل واضح لكن لم يتم استقطاب و تمجيد -من قبل جزء كبير من الشعب- إلا “العاديون” هذا الشعب الذي يقبع فعليًّا دون مستوى الإنسان العادي. و هناك فئة أخرى تقوم على مستوى أعلى من الحياة، فئة الطبقات الحاكمة الذين تمكنوا بسبب جُرم هذا المستوى من الظهور بشفافية. هذه الفئة البرجوازية أو التنويريون الأرستقراطيون، الحالمون، أصحاب العقول المنهجية و المتحررون سواء في طريقة تفكيرهم أو حتى في ممارساتهم، قد كانوا قادرين على تشييئ ضمائرهم السيئة. لطالما علم هؤلاء إشكالية أن الأخلاق لم تكن إلا صنيعة أيديهم وأنها إن وجدت فقد وُجدت داخل أنفسهم فقط. و إذا رغِب المُنتمون لأحد الفئات السابقة بإعادة خلق أنفسهم في سياق الاضطرابات الاجتماعية  و محاولة إيجاد حلولهم الخاصة وسط هذه المعمعة ( كما هو الحال مع شامفور) فإن الأخرى، على العكس من ذلك، تطالب قبل كل شيء أن يتم الاعتراف بإشكالياتها كضرورة كونية، هؤلاء ترقبوا الثورة كشيء من الممكن أن يجلب معه إعادة هيكلة شاملة للإنسان. على أية حال هذا هو الوضع مع ساد، ساد الذي كان مهووساً بصورة الفرد الكُلاني، الذي يمتلك حسًا مُختلفًا، حسًا متعدد الأشكال.

هناك في سياق الثورة فترة تسمى بالتجاوزات الأولى للجماهير و خلالها يؤمن المرء بفوقيته و انفتاحه لجميع أنواع المغامرات. هذه المرحلة المؤقتة من الانحدار النفسي تؤدي لانغماس المتحررين بشيء ما، شيء أشبه بالنشوة.

و هناك فرصة لتحليل الأفكار الفردية لهولاء و وضعها موضع التنفيذ، يبدو أن ما نضج في عقولهم يُعزى إلى وجود درجة عالية من الانحلال و التفسخ. و قد توصلوا بشكل فردي على أنهم قادرين على زرع هذا الفكر في أرض خصبة،

إنهم ثمار فاسدة تحاول فصل نفسها عن المجتمع، لكنهم لا يدركون بأنهم سوف يسقطون لأنهم النهاية فقط، نهاية التطور الطويل، نسوا أن الأرض تتلقى البذور فقط و هم ليسوا إلا جزءًا من الدرس الكوني الذي يُعقد للأجيال القادمة. إن حلمهم في ولادة الإنسانية من جديد لتصبح نسخةً مكررة عنهم في تناقض مع الأسس التي يقوم عليها نضجهم و شفافيتهم. مثل هؤلاء تسلقوا أكتاف الآخرين، و مثلهم كانوا فضلات من عملية جماعية سوف تكون بالنهاية قادرة على الوصول إلى مقدار الشفافية ذاتها و من ثم توطيد النسب فيما بينهما.

كما هو الحال الآن، تداخلت قرارات الجماهير الوحشية وغير المتوقعة و تم تجسيد الأقانيم من فصائل جديدة و من ثم الإيمان بها على أنها قوانين و بعد كل هذا تم إفراغ السلطة الدينية والأخلاقية من مضمونها. إن إشكالية هؤلاء الأفراد أنهم مشوشون بشكل واضح وقابعون خارج ذواتهم فقط. في الحقيقة، ارتبط هؤلاء بشكل وثيق مع القيم المقدسة سابقًا و لكن في النهاية بصقوا عليها، لم يكن لتحررهم من معنى إلا على المستوى الذي كان يشغلهم فقط.

والآن بعد أن انقلب العرش و انقلب كل شيء، تُداس رأس الملك المقطوعة في التراب، و تُقال  الكنائس من منصبها و يصبح تدنيس المقدسات هو شغل الجماهير الشاغل، هذه اللاأخلاقية التي نبعت من الجماهير بدت غرائبية بشكل مريب. لقد ظهروا على حقيقتهم فعلاً و من المفارقات أنهم نجوا من الاضمحلال لكنهم لم يستطيعوا الاندماج في عملية إعادة تشكيل أقانيم الشعب صاحب السيادة و الإرادة الكلية و ما إلى ذلك.

سيكون كافياً أن هؤلاء الأفراد خرجوا عن ضرورتهم الأساسية-أمام الناس و النظام- لتدنيس المقدسات و المجازر و الاغتصاب،  هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم و قاموا بتمزيق كل شيء للإنقلاب على الفلاسفة وإشباع رغباتهم المريضة.

يبدو للوهلة الأولى أن هناك مشكلة غير قابلة للحل، فالمرء الذي وصل إلى درجة عالية من الوعي بسبب الاضطرابات الاجتماعية غير قادر تمامًا على جعل هذه القوى تنتفع من شفافيته.

إنه غير قادر على جعل أفراد الجماهير غير المتبلورة و الغنية بالإمكانات تتطابق مع نفسه ولو للحظة واحدة، لذلك يبدو أنه يحتل موقعًا أخلاقيًا متقدمًا على حساب الجماهير الثورية.

من وجهة نظره، إن الجماهير هي الحق ففي كل مرة يأخذ العقل البشري جانبًا ثاقبًا من الفراسة ينطوي على خطر دفع الإنسانية بأكملها إلى النهاية و هذا ما كان ساد يجيده ويتقنه.

و مع ذلك فإن الجماهير على خطأ مُذ تكونت فقط من الأفراد و الفرد يمثل- جوهريًا- النوع البشري بأكمله. و لا يوجد ما يدعو هذا النوع البشري للهروب من المخاطر الكامنة لأجل نجاح فرد واحد.

كلما تفوق الفرد، ركز على الطاقات المنتشرة في عصره و أصبح أكثر خطورة. و لكن كلما ركز على نفسه كانت هذه الطاقات المؤثر الأول على مصيره و أصبح قادرًا على تحرير عصره من هذه الطاقات. جعل ساد من الإجرام الجلي لمعاصريه مصيره الشخصي و أعرب عن رغبته القوية في أن يكفر بنفسه عن القدر بما يتناسب مع الذنب الجماعي الذي استثمره ضميره.

على العكس من ذلك، فإن سان جوست و بونابارت كانا يعرفان كيفية الاضطلاع بكل ما قد راكمه العصر في نفوس أتباعهم. و من وجهة نظر الجماهير فقد كانا عقلانيّين و كانا يعرفان أن أفضل مؤشر لصحة الفرد الذي يتقدم الجماهير هو عزمه على التضحية بهم. و من وجهة النظر نفسها فإن ساد لم يكن إلا رجلًا مريضًا، بعيدًا عن كونه وجد نوعًا من الإشباع في العنف الثوري فإنه لم يكن بعيدًا عن خوض المجازر المقننة للترهيب كصورة كاريكاتورية لنظامه وعالمه. وصف الماركيز دو ساد إقامته خلال فترة سجنه في بيكبو بالكلمات التالية:
كل ما تحتويه الجنة الدنيوية ببساطة هو: منزل جميل، حديقة مُبهرة، مجتمع راق و”العديد من المعجبات، ثم فجأة يوضع هناك -بالضبط تحت نوافذنا- مكان للإعدام  و هنا… وسط هذه الحدائق تُوضع مقابر لكل المقصلات التي تراها حولك. علينا -يا صديقي العزيز- خلال خمسة أيام فقط.. التخلّص من ألف و ثمانمئة إنسان، بما في ذلك ثلث الأسر التعيسة
(29 Brumaire. Year lll)
و كتب لاحقًا:
أنا مريض، أنا معتقل مع هذه المِقصلة الساكنة أمام عيني، إنها تجعلني أعاني مئات المرات أكثر و أقوى من كل مرة رُميت فيها في الباستيل
(2 Pluviose, year lll)
شعر الماركيز دو ساد دائما بحاجة قوية للتقدم في كتاباته، ليس فقط بسبب أنه يمتلك الحق لقول كل شيء، لكن لكي يرتاح ضميره لأنه كذّب الحقائق التي أعلنتها الثورة و أنتج بعد ذلك النسخة الأكثر ضراوة، جوستين.

في الواقع، لا بد أن تُكشف حقيقة الدافع الخفي للجماهير الثورية، و لم يُفضح هذا الدافع في سياقه السياسي أبدًا، حتى عندما انتصرت الجماهير و اقتيدت للموت، غرِقت، شُنقت، أُحرقت، اغتصبت و تمت السخرية منها، لقد فعلت ذلك دائمًا باسم الشعب صاحب السيادة.

دأب ساد طوال حياته على دراسة الطبيعية الإنسانية البربرية ليثبت أن هناك شيئًا واحدًا فقط يهمه: ضرورة استخلاص كل ما يمكن للفرد تقديمه من شر. تزعم الدولة الجمهورية أنها وُجدت من أجل الصالح العام، لكن إذا كان من الواضح أن الدولة لم تٓسُد لأجل الخير؛ فلا أحد يشك في أعماقه أن كل ما قامت به هو تغذية جراثيم الشر تحت ذريعة منع هذه الجراثيم من التفقيس، و يدّعي النظام الإجتماعي الجديد أنه هو بذاته المُنتصر و الغالب على الشر. إن التهديد المستمر يكمن في أعماق هذا النظام، فالشر الساكن فيه لم يندلع لكنه سيفعل في أية لحظة، و هذا ما كان سبب قلق ساد المستمر، فلابد أن يندلع الشر دفعة واحدة و إلى الأبد، لا بد للحشائش الضارة أن تزدهر، حتى يتسنى لأطياف الشر أن تمزقهم وتدمرهم تمامًا. من الضروري حتى يتمكن العالم من تدمير نفسه أن يحكم الشر مرة واحدة و إلى الأبد، و أخيرًا سيجد عقل ساد السلام في ذلك ، لكن ليس هناك من شك في التفكير- ولو للحظة واحدة- في أن هذا السلام مُلطّخ بالشر. يعتبر ساد أن ثورة اليعاقبة ليست إلا منافسًا مَقيتًا يشوه أفكاره و يجبره على التنازل عن مشاريعه، في حين أراد ساد تأسيس ملكوت “الرجل الكلاني” فإن الثورة بالمقابل تود الإعلاء من شأن “الرجل الغريزي “. بسبب هذا الرجل الغريزي فالثورة تحشد كل قواها التي تنتمي للرجل الكلاني و ينبغي أن تساهم في تمدده.

لا يوجد عدو أسوأ للفرد الكلاني من الإله، و إذا اغتِيل الحاكم -المتحدث باسم الإله في أرضه- يُغتال الإله أيضًا، هذا القتل غير الملموس لا يمكن تحصيله إلا بعواقب غير ملموسة، هي: حلول الفرد الكلاني. و هكذا يحمل الفرد الكلاني ختم أفظع الجرائم بكلتا يديه “اغتيال الحاكم،
يكتب ساد هنا :

عند هذه النقطة، تتبادر الأفكار الأكثر غرابة إلى الذهن، لكن هذه الأفكار مسكونة بالجرأة مما يجعلها حقيقية وصحيحة تمامًا”.

إن الأمة التي تبدأ بحكم نفسها كجمهورية سوف تستمر فقط بالفضائل، و من أجل “تحقيق الأجّل، على الفرد أن يبدأ دائما بالأحقر. و لكن هناك أمة قديمة أدى بها اضمحلالها إلى السعي للتحرر من عبودية الحكومة الملكية لأجل تبنّي الحكومة الجمهورية، و لهذا لا يمكن للفرد الاستمرار إلا بالمزيد من الجرائم و الفظاعات؛ سيفعل هذا الفرد ذلك لأنه أولًا مجرم، وثانيًا لأنه يتمنى المرور من الجريمة إلى الفضيلة، من الوحشية إلى السلام. ينبغي عليه أن يسقط في الجمود الذي ستكون نتيجته الحتمية الخراب لا محالة”.
بالنسبة لساد، يمكن أن تكون الثورة التي يخوضها الشعب المنخور والمتهاوي فرصة كبيرة للتجديد، فحين يتم تطهير البلاد من الأرستقراطيين ليس ثمة سبيل للشك في استرداد براءة الطبيعة و تدشين العهد المبارك. و أيضا، من وجهة نظره، ينبغي أن تكون هناك منظومة للحرية و هي موجودة بالفعل، إنها لا شيء أكثر أو أقل من الفساد الملكي.

إن الدول المريضة، المتهاوية، التي وصلت بالفعل إلى مستوىً معين من الإجرام، “سوف تنبذُ بكل شجاعة عبودية الحكم الملكي”.

هذا هو، مستوى الانحلال و الإجرام الذي جلبه سادتها القدماء مما جعلهم قادرين على اغتيالهم بكل دم بارد من أجل تبني الحكم الجمهوري، و اغتيال هؤلاء السادة و الحكام سوف يؤدي إلى اندفاع مستوىً أكبر من الإجرام، سيكون المجتمع ثوريًا في سرِّه لكنه علانية عالق مع الانحلال الأخلاقي للمجتمع الملكي، و من خلال هذا الانحلال سيكتسب الشعب القوة و الطاقة الضرورية واللازمة لاتخاذ القرارات الدموية. و ماذا يعني الفساد إذا لم يكن المرحلة المتقدمة من الكفر -الخروج عن النصرانية- للمجتمع الذي عاصره ساد، لا يمكن كبح الرغبة بممارسة التعسف لهذا يتجذّر الإلحاد أو الشكوكية على الأقل في نفوسهم.

إلى هذا الحد انتشرت الشكوكية الأخلاقية و التحريض على الإلحاد في أرجاء المجتمع الملكي، ووصَل هذا المجتمع إلى مرحلة من الانحلال كالتي حدثت للعلاقات الإقطاعية المُكرسة من قبل التراتبية الثيوقراطية بين السيد و العبد. بالكاد تم كسر هذه التراتبية و بحكم الواقع لقد تم إعادة تأسيس هذه العلاقة الغابرة بين السيد و العبد.

منذ ذلك الحين لم يعد للسيد أي سلطة مطلقة و لكنه لا يزال يمتلك الغرائز لمثل هذه السلطة، ولأن السيد لم يعد لديه أي مقدس، فقد تبنى لغة الحشد و أثبت مجونه، ولأن الحشد اطّلع على أعمال الفلاسفة و قرأ هوبز، دو هولباخ و متريه، و بسبب هذه المغالطة المنطقية التي لا يقبلها العقل فلم يعد أحد يؤمن بالحق الإلهي الذي لطالما سعى إليه لإضفاء الشرعية على ولايته فقط. و إذا لم يكن السيد ملحدًا بصدق، فإن وجوده يكون بمثابة تحد موجه ضد الإله و ضد الشعب في نفس الوقت. أما لو كان ملحدًا فعليًا فسيتخلص من حياة خادمه متى شاء، سيجعله عبدًا، مجرد أداة لمتعته فقط.

لقد جعل السيد الشعب يُدرك أنه قد قتل الإله في عقله فقط، و لذلك لديه كل الصلاحيات لممارسة الجريمة دون أدنى عقاب، و الآن و بعدما مات الإله المرتكز في أعلى الهرم، أعلى مستوى في التراتبية، سيسقط الفرد –  الذي يقبع في المستوى الأدنى – في الرّق والعبودية، وطالما يعيش الإله في ذهنه، سيظل خادمًا، خادمًا بدون سيد، سيصير عبدًا فقط عندما يواجه موت الإله ذهنه، لذلك سيستمر هذا الفرد خاضعًا لشخص واحد “للسيد”.

و بعد أن صدّق الفرد- الذي يكون في المستوى الأدنى من التراتبية- على قتل الإله، فإنه لا يصبح سيدًا إلا بقدر ضئيل و بعدها سيرغب و بشدة في قتل سيده ليكون سيد نفسه.
إن الخادم الذي أصبح عبدًا نتيجة إلحاده أو دَنس سيده يثور في الواقع، ثم في النهاية يقبل فكرة موت الإله. و لكن حينما يواجه سيده في محاكمة، باسم ماذا سيفعل، إذا لم يكن باسم الجريمة؟ يمكنه أن يصبح فقط متواطئًا في ثورة سيّده ضد الإله و يغرق بدوره في الجريمة. من الواضح أنه لا يمكن أن تكون للمحاكمة نتيجة أخرى و العبيد سيشقون طريقهم لاغتصاب السلطة عن طريق قتل سادتهم. على ما يبدو هذه ليست إلا حلقة مفرغة من أطروحة خبيثة تدّعي أن الشعوب التي تخلت عن الحكم الملكي لن تستمر إلا بواسطة الجرائم لأنها بالفعل تقبع في الظلام و الجريمة. و هذا ما تمنى ساد أن يُرفقه في الثورة.

باختصار، لا يمكن أن تبدأ الجمهورية، لأن الثورة لا تكون ثورة إلا بقدر ما في النظام الملكي من تمرد دائم. يمكن للقيم المقدسة أن تداس بالأقدام حينما يكون المرء تحت أقدام فرد آخر. و على العكس من ذلك، لا شك أن المبدأ الثيوقراطي يُشرّح مصطلحات ساد و إلا فماذا تعني كلمة جريمة؟

إعدام الملك، محاكاة لإعدام الإله:

إن قرار إعدام الملك بواسطة الشعب هو المرحلة الأخيرة من عملية طويلة كانت مرحلتها الأولى إعدام الإله بواسطة السيد الفاجر. و بالتالي يصبح إعدام الملك محض محاكاة لموت الإله.

و بعد الحكم على الملك الذي كان إنسانًا حتى تم القضاء على الملكية ، دُعي رجال المعاهدة للنطق بالحكم الأخير ( هل هم مع أم ضد الإدانة بموته؟) ، إن الحكم الذي سيقوم بسحب معظم الأصوات لصالح الإدانة بالموت، لن يكون إلا حلًا وسطاً و تسوية بين وجهات النظر القضائية و السياسية، سيتم التصدي لأوروبا الملكية فقط من قبل بعض المساهمين المنبوذين، سيجرؤون على الصراخ مع دانتون: “نحن لا نريد إدانة الملك، بل نود قتله”.
حتى سان جوست في بادئ الأمر انشغل بغرس هذا الشعور الراسخ -في نفوس الشعب- ضمن حقوقهم، و يؤكد أن إدانة الملك أقل أهمية من مكافحته كعدو لأن المرء لا يستطيع أن يحكم ببراءته. لكن روبسبير أدرك ضرورة خلق مفهوم جديد للقانون العام لتأطير الإشكالية في خطاب مُفحم: ” لا محاكمة ستُجرى هنا، لويس ليس المذنب، و أنتم لستم قضاة، يمكنكم أن تكونوا فقط رجال دولة و ممثلين للوطن، لكن ليس لديكم الحق في إدانة أو تبرئة أي فرد؛ لديكم قدر من الصحة العامة لاتخاذه، عناية وطنية للعمل به. فلو بقي لويس موضوعًا للمحاكمة، قد يُغفر له، ويُبرأ. ما أقوله: إن لويس برىء حتى تتم إدانته. و لكن إذا عُفي عن لويس وبُرّئ فما الذي ستحمله الثورة عندئذ؟
إن كل المدافعين عن الحرية يصبحون مُفترين لو كان لويس بريئًا، و كان المتمردون أصدقاء للحقيقة و مدافعين عن براءة المظلوم… يختم روبسبير “يجب أن يموت لويس من أجل أن تعيش البلاد” عندها يبطل العقد الاجتماعي بين الملك و الشعب، لأنه باع شعبه للطغاة الأجانب.

و منذئذٍ، هناك حرب قائمة بين الناس و الطاغية؛ يجب أن يُدمر الطغاة كما يُدمر الأعداء. هذا هو ما تسعى له الثورة، أن ترجح الكفة لصالح النظام الجمهوري.
لكن هذه الاعتبارات لا تعني بأية حال الدخول في عوالم ساد المظلمة، فحينما يقطع النصل رأس لويس السادس عشر، لا يكون أوغو كابيه أو الخائن هو الذي يموت أمام عينيه، إن هذا الذي يموت أمامه جوزيف دو ميستريه، هذا الدم الذي يُسفك ينتمي لممثل الإله في أرضه ، وبمعنى أعمق، هذا هو دم الإله الذي يرتد على رؤوس الشعب.

أما بالنسبة للثورة المضادة لفلاسفة الكاثوليك أمثال: جوزيف دو مستري، بونالد، مين دو بيران، فقد اعتقد هؤلاء الفلاسفة بأن استشهاد المخلّص لويس السادس عشر هو للتكفير عن خطايا الشعب.

لكن بالنسبة لساد، ففي إعدام الملك انغماس للشعب في الوحشية و الفظاعات، ستنتشر الجريمة، الاغتيالات و سيُقدم الفرد على قتل حتى عائلته و أقربائه. بلا شك، يرى ساد أن هناك قوة قسرية في هذه الوحشية، إنه يود بعد ذلك أن يُستبدل إخاء الإنسان الغريزي بتضامنه مع الجريمة و مع المجتمع الذي لا يمكن أن ينتشر الإخاء فيه لأنه يتحدر من سلالة قابيل.

من مجتمع بلا إله إلى مجتمع بلا جلاد:

تهدف الثورة إلى إذاعة الإخاء و المساواة بين أبناء وطن الأجداد الأم . وطن الأجداد الأم! إنه لتعبير غريب، ينطوي على الألوهية ثنائية الجنس و التي تنقل بطبيعتها الغامضة تعقيد إعدام الملك. تأتى هذا التعبير من ازدواجية الثورة، الازدواجية التي لم يدركها رجال المعاهدة بوضوح، لكنهم أخذوها بعين الاعتبار و ذلك من خلال الاستعاضة عن الوطن الأم بصورة للآب المقدس.

إن العبيد في الثورة- الذين بثورتهم ضد الأسياد تواطؤ مع ثورةٍ ضد الإله ليكونوا سادة بدورهم- يزعمون بتأسيس مجتمع من الأبرياء.

و ليصبحوا أبرياء عليهم أن يكفّروا عن وحشية إعدامهم للملك، إن كل ما أمكنهم القيام به هو دفع الشر إلى حدوده القصوى، و يقول روبسبير في خطابه حول محاكمة الملك:

عندما اضطر الشعب للجوء إلى التمرد دخل في حالة طبيعية فيما يتعلق بالطاغية، فكيف يمكن لهذا الطاغية أن يتذرع بالعقد الاجتماعي بعد أن ألغاه؟

لا يزال للشعب الحفاظ على العقد الإجتماعي متى ما رأى أنه ساري المفعول في ما يقلقه،  لكن يتجلى تأثير التمرد في تحطيم العقد مع الطاغية و إقحامهما في حرب مع أحدهما الآخر. إن المحاكم و الإجراءات القضائية موجودة فقط من أجل أفراد المدينة، و هنا يمكن أن تُرى النقطة الحاسمة في اختلاف ساد و الثورة، ساد والإرهاب، ساد و روبسبير.
أيمكن أن يوجد العقد الاجتماعي من جانب واحد فقط بمجرد انمحاق الطاغية؟ و هل ستستمر المحاكم و الإجراءات القضائية في الوجود لأجل أفراد المدينة؟

يرد ساد: كيف بإمكانكم؟ و قد ثُرتم ضد الظلم؟

إن الظلم يكمن في استبعادكم عن ممارسته. و قد رددتم بظلم في ثورتكم هذه ضد الظلم، قتلتم سادتكم مذ قتلوا بدورهم الإله في أذهانهم، و إذا لم تعودوا للعبودية فإن العدالة بالنسبة لكم- و قد أعطيتم براهين دموية لذلك- تكمن فقط في الممارسة الشائعة للظلم الفردي، كيف تستغيثون، إذا لم يكن للإله على الأقل منظومة معرفية من شأنها أن تضمن لكم التمتع بمزايا التمرد؟ إن كل شيء تشرعون به سوف يحمل من الآن فصاعدًا سمة الاغتيال.

مسعى آخر أيها الفرنسيون لو أردتم أن تصبحوا جمهوريين

الماركيز دو ساد- الفلسفة في المخدع(*)

ولدينا أسباب وجيهة للاعتقاد أن كل ما انبثق من  أدبه و رواياته تجسيد حقيقي لما يقبع في قاع تفكيره (إذا كان لتفكيره قاع) لهذا يجب علينا الانشغال بغرائبية ما يكتبه بدلا من احتجاجات المدنية الجمهورية (التي تم التصديق عليها من قبل السلطات الثورية خلال سنته التاسعة من الحرية)

بالفعل إن الشعار الحماسي : ” مسعى آخر أيها الفرنسيون لو أردتم أن تصبحوا جمهوريين” يفضح المشتبه به و يعطينا لمحة كافية عن النوايا الحقيقية للكاتب.

هناك فصلان في الرواية؛ الأول مخصص للدين، و الثاني للأخلاق. في الفصل الاول، يستخدم ساد حججاً عقلانية إيجابية لتقويض أسس المجتمع المدني، و يسعى لإثبات أن الإيمان بالإله يناسب الحكومة الجمهورية، و يتم وضع القضية في المصطلحات التالية: “يجب أن تُنبذ المسيحية بسبب لاأخلاقية نتائجها، إن الإلحاد وحده يمكن أن يضمن أساساً أخلاقياً للتعليم الوطني.

بدلاً من إرهاق أعضاء أطفالك الصغيرة بالتفاهات الإلهية، يمكن استبدالها بمبادئ اجتماعية ممتازة، و بدلًا من تعليمهم صلوات عقيمة، ادفعهم لتعلم واجباتهم تجاه المجتمع، درّبهم على الاعتزاز بالفضائل التي كنت بالكاد تذكرها في أوقات سابقة، و التي ستكون كافية لإسعادهم دون خرافاتك الدينية. اجعلهم يستشعروا أن السعادة تتمثل في إسعاد الآخرين كما نتمنى لأنفسنا.

إذا أقمت هذه الحقائق على الأوهام المسيحية -كما كنت تفعل بحماقة – بالكاد سوف يكتشف تلاميذك عبثية أسسها و بعدها سيقومون بإسقاط الصرح بأكمله، ثم سيتحولون لقطاع طرق لسبب بسيط و هو أنهم يعتقدون أن الدين – الذي انقلبوا عليه- الذي حظر عليهم أن يكونوا قطاع طرق قد انسحق الآن. إذا جعلتهم يستشعروا ضرورة الفضيلة، لأن سعادتهم تعتمد على ذلك، فسوف يحولهم حب الذات إلى أناس شُرفاء، و هذا القانون الذي يملي عليهم سلوكياتهم سيكون هو الطريقة الأكثر ثباتًا والأسلم للجميع”.

الماركيز دو ساد- الفلسفة في المخدع

هذه هي مبادئ المادية التي تبدو-لأول وهلة – غير قابلة للدحض بعقلانية، و قادرة على توفير الأسس لمجتمع جديد، و بإمكانها إثارة ابتكارات جسورة: كإسقاط منظومة العائلة واعتماد النقابات الحرة و خصوصًا تجنيس الأطفال غير الشرعيين.
أثار ساد كل هذه القضايا ( يمكننا أن نرى هنا نذير بعض أفكار فورييه في الفلانستير أو الكتائبي “إحدى المستعمرات التعاونية) ” في الفصل الثاني المخصص للأخلاق يحرك ساد الجمهوريين بقوله:

بناء على حرية المعتقد و حرية الصحافة يقول المواطنون بعدم منح حرية الأفعال أيضا: “باستثناء الاشتباكات المباشرة مع المبادئ الأساسية للحكومة، فمن المستحيل القول بعدد الجرائم المحدودة التي تستحق العقاب، لأنه لا يكون هناك إلا القليل من الأعمال الإجرامية في المجتمع الذي أُسس على الحرية و المساواة”.

الماركيز دو ساد- الفلسفة في المخدع

و أخيرًا، هل يمكن للسعادة الفردية أن تتحقق في تقديم السعادة للآخرين كما نرغب لأنفسنا- كما ادعت الأخلاق الإلحادية؟

إن الموضوع ليس على الإطلاق أن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا” يجيب الفصل الثاني على الفور من خلال بلورة النتائج الأولى لأخلاق الملحد، “لأننا في تحد لكل قوانين الطبيعة، فالعلم هو الصوت الوحيد الذي ينبغي أن يُوجه كل سلوكياتنا” ف.م دو ساد

يجب علينا إقامة مجتمع للنساء من أجل الرجال و مجتمع للرجال من أجل النساء- والهدف من ذلك هو ملء الأماكن العامة بالدعارة الوطنية. إقامة مجتمع من الأطفال؟ للتأكد من إمكانية إتاحة اللواط. القضاء على منظومة العائلة؟ بالتأكيد و لكن مع الاستثناء الذي يقودنا لسفاح القربى. مجتمع الثروة؟ من خلال السرقات فقط،  “بأي حق يتم تكبيله – و هو الذي لا يمتلك شيئًا- بواسطة اتفاق يحمي فقط من يملكون كل شيء؟” ف.م دو ساد

عاقِب الفرد المهمل بما يكفي لسماحه بأن يُسرق، و لكن لا تنادي بأي عقوبة للسرقة، انظر فيما إذا ما كان التزامك لا يجيز هذا القانون، و عما إذا كان هو – الذي ارتكب السرقة – لم يفعل ذلك إلا لأنه يتناغم مع أقدس نزعات الطبيعة، و ذلك من خلال الحفاظ على وجوده الخاص بغض النظر عن الحساب” ف.م دو ساد

و لكن إذا لم تكن هناك عقوبة للافتراء، السرقة، الاغتصاب، سفاح القربى، الخيانة الزوجية، اللواط، في الحكم الجمهوري، فالجريمة الوحيدة التي لا تسوغها هذه الحكومة هي القتل.

و قد أُشير إلى أن هناك بعض الفضائل التي يستحيل ممارستها من قبل بعض الأشخاص، كما أن هناك بعض الإصلاحات التي لا تتفق مع بعض الدساتير. و الآن، ألن تدفع جورك إلى أقصى حدوده من خلال استخدامك القانون لضرب فرد غير قادر للركوع للقانون؟من هذه المبادئ الأولى تنطلق التالية، إن المرء ليشعر بضرورة المرونة و الخفة في القوانين، وخصوصًا من أجل التخلص – و للأبد – من فظاعة عقوبة الإعدام بما أن القانون، والموضوعية لا ينسجمان مع الشهوات التي تسوغ القتل. إن الفرد يتلقى انطباعاته من الطبيعة التي بمقدورها أن تغفر له هذه الأفعال، و على العكس من ذلك، فالقانون، يُعارض دائما باسم الطبيعة و هو الذي لا يتلقى شيئا منها. لا يمكن ان يُمنح القانون السلطة العليا ليسمح لنفسه بالتطرف والغلو، إن القانون ليس لديه الدوافع ذاتها، لذا لا يمكنه أن يحصل على نفس الحقوق” ف.م دو ساد

إن الحكومة التي انبثقت من موت الإله و استمرت بالوجود عن طريق القتل قد فقدت حق الإدانة بالموت و بالتالي لن تستطيع النطق بالحكم ضد أي جريمة أخرى؛ “الجمهورية مُهددة – من قبل الطغاة المحيطين بها- بشكل لانهائي من الخارج، و لن تحافظ على نفسها إلا بالحرب و ليس هناك ما هو أدنى أخلاقية من الحرب” ف.م دو ساد
هل القتل جريمة سياسية؟ على العكس من ذلك، يجب علينا أن نعترف أنه للأسف مجرد واحدة من السياسات و أعظم أدوات السياسة، أوَ ليس بفضل جرائم القتل فرنسا حرة اليوم؟

أي دراسة، أي علم، لديه احتياج كبير لدعم القتلة أكثر من ذلك الذي يميل فقط للخداع والذي ستكون نهايته الوحيدة: امتداد دولة على حساب الأخرى؟ إنه لجهل غريب، فالفرد الذي يُعلَّم علانية فنون القتل و يكافئ أبرع القتلة على أعمالهم، يعاقبهم فقط لسبب فعلوه بعيدًا عن أعدائهم”  ف.م دو ساد

أنا أمنحك العفو” قالها لويس الخامس عشر لشاروليه الذي قتل شخصًا ما لمحض التسلية ويكمل: “لكني أمنحك العفو أيضًا عن كل فرد ستقتله”، “إن كل الأسس التي قام عليها القانون ضد القتلة ربما كان متواجدًا في تعاليم السامية” ف.م دو ساد
و نحن نرى ساد هنا يسترجع المبادئ التي تحكم الحياة في الملكية القديمة، و التي بسبب فجورها فقط  قُدست الجمهورية:

كيف يمكن للفرد أن يكون قادرًا على شرح ذلك تحت ظرف لاأخلاقي؟ حسنًا.. من الضروري أن يكون الفرد أخلاقيًا، إنه شيء جيد جدًا لكنه ليس… تمردًا.. إنه ليس على الإطلاق حالة أخلاقية. و لذلك يجب أن يكون الفرد تحت ظل الجمهورية بشكل دائم، و بالتالي فإن هذا ليس أقل عبثية من خطورة أولئك الذين يهدفون و بشكل دائم للتقويض اللاأخلاقي للمنظومة القائمة، و السبب وراء ذلك هو من أجل أن يتساموا لمرتبة الكائنات الأخلاقية، ففي حالة الفرد الأخلاقي تكون الملكية واحدة من حالات الهدوء و السلام، أما بالنسبة للفرد اللاأخلاقي فهي إحدى هذه الاضطرابات التي تدفعه للتمرد”.
ف.م  دو ساد

جزع ساد في بداية عمله أن الفرد مع الإلحاد سيغرس في الاطفال مبادئ اجتماعية ممتازة، ثم فضح العواقب -واحدة تلو الأخرى – التي تتبع هذه المبادئ: سوف يكون المجتمع في حالة حركة دائمة، حالة من الفجور الدائم، و هذا ما يقوده حتميًا إلى الدمار التام.

و بعبارة أخرى، فإن رؤية المجتمع لحالة الفجور الدائم تقدم نفسها على أنها تجسيد للمدينة الفاضلة للشر، و تٓناقُض هذه المدينة الفاضلة يتوافق مع واقع مجتمعنا المعاصر،
و لكن في حين يساهم الحس الطوباوي – بالإمكانيات البشرية- في إحراز التقدم الظاهري، يساهم العقل السادي في الانحدار. خلافًا ليوتوبيا الخير التي تكون خطيئتها الوحيدة : ترك حقائق الشر خارج المساءلة، فإن يوتوبيا الشر بأكملها تُستبعد أيضًا من المساءلة، ليس بسبب إمكانياتها في الخير، و لكن بسبب عامل مهم ألا و هو الضجر،

لأنه غالبًا ما كان الضجر يولِّد الشر، و حين يندفع الشر يبقى الضجر في ازدياد كالاشمئزاز الذي يتبع الجريمة و خصوصًا عندما تكون قد ارتكبت لغرض ارتكاب الجريمة فقط.

يُبقي ساد فقط على حقائق الشر في حين يحرص على قمع طابعها الزمني، و بعد ذلك يملأ الشر وحده كل لحظة من لحظات الحياة الاجتماعية و يدمر كل أخرى مستقبلية.

إن يوتوبيا المجتمع الذي يكون في حالة جريمة دائمة قد انبثقت نتيجة ضجر ساد و اشمئزازه، و إذا أخذنا هذه المصطلحات حرفيًا، و وضعت ايديولوجيات الشر موضع التنفيذ، فقد ينغمس هذا المجتمع الطوباوي حتميًا في الضجر و الاشمئزاز، لا يمكن أن يكون هناك علاج ضد تضخم الاشمئزاز و الضجر سوى التعطش إلى مزيد من الجرائم اللانهائية.

و لنا أن نتخيل هنا، أن هناك نوعًا من المؤامرة الأخلاقية وراء الثورة، و كان الهدف منها تعطيل الإنسانية التي فقدت الإحساس بضرورتها الاجتماعية لتعي مقدار ذنبها. استخدمت هذه المؤامرة طريقتين: طريقة للعامة و قد استُخدمت بواسطة جوزيف دو ميتريه في علم اجتماع الخطيئة الأصلية، و طريقة معقدة بشكل لانهائي و مقصورة على فئة معينة و هي ارتداء قناع الإلحاد في مكافحة الإلحاد، و تتحدث هذه الطريقة بلغة الشكوكية الأخلاقية لأجل مكافحة الشكوكية الأخلاقية و التنقيب على الأسباب التي بإمكانها أن تعطي إثباتًا قاطعًا لبطلانها.

كلما قرأنا عمل ساد ازددنا ارتباكًا، إننا نميل للتساؤل عما إذا كان ساد لم يرغب في التشكيك بالمبادئ الخالدة عام 1789م، و إذا ما كان هذا السيد العظيم- السابق ذكره- لم يعتنق فلسفة التنوير من أجل فضح ظلمة أساساته، و هنا نجد مرة أخرى الأسئلة التي تم طرحها في البداية، فمن ناحية، يمكن أن نأخذ ساد بشكل حرفي، و في هذه الحالة يبدو لنا أنه من أكثر الظواهر الثانوية بحثًا و دلالة لعملية واسعة من التحلل الاجتماعي و إعادة التشكيل.

سوف يكون بعد ذلك كخُرّاج على جسد المريض الذي يعتقد أنه مفوض للحديث باسم الجسد بأكمله، و ستكون عدميته السياسية مجرد حلقة مريضة في عملية جماعية، سيكون دفاعه عن الجريمة الخالصة، و دعوته إلى المثابرة في الجريمة، مجرد محاولة لعرقلة غريزة السياسة، هذه الغريزة الجماعية التي تتمثل بحفظ الذات.

مع هذا كله سوف يقوم الشعب بإبادة من يعارضونهم برضا عميق، إن الجماعية تبحث دائمًا عن ما هو ضار لها ( حتى و إن لم تكن مُصيبة) ، و لهذا يمكن مع أكبر قدر من الإدانة- أن تتسبب بالخلط بين القسوة و العدالة دون أدنى تأنيب ضمير. يمكن أن تُخترَع طقوس تنادي بالتحرّر من القسوة عند سفح سِقالة (هيكل يستخدم للإعدام أمام الملأ) و هكذا يتفنن الشعب في طرق إخفاء شكل القسوة و آثارها.

أما البديل الآخر فهو أن نتوقف عند بعض المقاطع المعينة لساد والتي تخلق هذا النوع من التصريح:

“لا تدعوا أحدًا يقاضيني لكوني مبدعًا خطيرًا، لا تدعوا أحدًا- و من خلال كتاباتي- يقول إني أسعى للفظ الندم من قلوب الأشرار، إن أخلاقي الإنسانية شريرة لأنها تزيد من ولع الأشرار للجريمة، و أنا أصرح رسميًا و الآن بأني لا أملك أيًا من هذه النوايا الضارة، أنا استعرضت فقط الأفكار التي مذ بدأت أُفكر وجدت طريقها داخلي، و التي كان التعبير عنها و إدراكها نوعًا من الاستبداد الشائن الذي قد عورض لقرون لا تحصى. لذلك فإن قرار قراءتي غير صائب لكل أولئك المعرضين للفساد من أية فكرة، و سيكون الوضع أسوأ لدى من لا يلتصقون إلا بوجهات النظر الفلسفية الضارة، أولئك المعرضين للانحراف بواسطة كل شيء، و من يعرف، لربما تسمموا بقراءة سينيكا و شارون لا أنا . في الحقيقة أنا لا أكلمهم، أنا أتوجه فقط نحو القادرين على سماعي و القادرين على قراءتي دون أي خطر”ف.م دو ساد

تتجلى هنا درجة عليا من الوعي، و الذي بإمكانه أن يشهد عملية التحلل و إعادة التشكيل بأكملها. و أخيرًا، في حين الاعتراف بدور ساد كجلاد، يجب علينا أن ننسب إليه أيضًا فضل تنديد قوى الظلام المتنكرة في زي القيم الاجتماعية. و هكذا يتم تمويه قوى الظلام و دفعها إلى الرقص في جولة جهنمية حول الفراغ، إن ساد لا يخشى التورط مع هذه القوى لكنه يراقصها لتمزيق الأقنعة التي وضعتها الثورة و جعلت هذه القوى الشريرة تتجسد على هيئة أبناء الوطن بكل براءة.



(*) يشير ساد هنا أنه بعد سقوط الملكية تبقى خطوة واحدة ينبغي اتخاذها نحو الحرية ألا وهي القضاء على الدين/ (المترجمة).
نيكولا شامفور: كاتب فرنسي كان سكرتيرًا لأخت لويس السادس عشر و انتحر بعد اندلاع الثورة الفرنسية بخمس سنوات
جورج دانتون: أحد زعماء الثورة الفرنسية، كان له دور بارز في سقوط الملكية و  تم إعدامه عام 1793
أوغو كابيه: أول ملوك فرنسا من سلالة كابتيون التي حكمت فرنسا حتى الإطاحة بالملك لويس فيليب الأول و قيام الجمهورية الفرنسية الثانية عام 1848
فورييه: اشتهر بكونه الداعي إلى تقسيم المجتمعات إلى تجمعات مستقلة تسمى فلنستير
الفلانستير: خلية اجتماعية أوسع من الأسرة و أضيق من الدولة الهدف منها الإشباع الجنسي لجميع أنواع الشهوات

اكسيولوجيا الايطيقيا الانطولوجية


بقلم : زيد العدوان(*)


 أن قيمية الأخلاقيات تشكل مهما لدى الفلاسفة، فقيمة الأخلاقيات تأتى من كونها كينونة كمالية للوجود البشري، فالفلاسفة عامة من أقدمهم حتى أحدثهم تناولوا هذا الطرح الأخلاقي المتعلق بقيمة الكمالية الوجودية والأخلاقية لدى الإنسان وبكيفية تحديد هذه القيمة.
 فالأكسيولوجيا منهج العلل؛ أي أن الأكسيولوجيا تتناول قضايا مثل منهجية القيم وكيفيتها، وتطرح طرحاً فريداً يتعلق بتناول الماهية للشيء قبل معناه؛ بحيث أن الأكسيولوجيا تهتم بأصل الأشياء وبوجودها لإعطاء قيمة لها مثل الماهية الجمالية لقيمتي الخير والشر، أو الماهية الأنطولوجية لهما لتحديد أكسيولوجيتهما المنهجية.
 فقيمة الأكسيولوجية الكمالية تكمن في أنها تتناول الماهية الوجودية للإنسان من جانب الطرح الإيطيقي والاكسيولوجي؛ أي أن الأنطولوجيا تبحث في ماهية الوجود الإنساني والأكسيولوجيا تبحث في ماهية وسيلة الوجود الإنساني، أي كيفية أو علة ماهيته بشكل موسع أكثر من الأنطولوجيا نفسها.
 وتنقسم الأكسيولوجيا الإيطيقية برأيي إلى ثلاثة أقسام، أولهم وهي أكسيولوجيا الكمال الأنطولوجي، حيث أن هذه الأكسيولوجيا تهتم بسرد منهج القيم الوجودية التي تسعى للوصول إلى الكمال الإنسان مثل الرواقية، وثانيهما وهو أكسيولوجيا الخير والشر، حيث أم هذه الأكسيولوجيا تهتم بسرد أصل وماهيات قيمتي الخير والشر الجمالية والأخلاقية والوجودية، وثالثهم وهي منهجية الأكسيولوجيا أو بما يعرف بـ " القيمية "، حيث أن القيمية تنقسم لقيمية كمالية وأكسيولوجية، والأكسيولوجيا القيمية تهتم بسرد منهج هذه القيم أو بسرد وتوضيح العلاقات بين مكونات القيم والأشياء وبين العالم المحيط والعقل من جهة أخرى، فلا تعد القيمية عنصر مستقل، وإنما تعد خطة توضيحية للعلاقات بين القيم.
 لذا، فإن الأكسيولوجيا طرح تأصيلي واستدراكي للأشياء القيمية، والتي لها ماهيات وعلل مختلفة، ولها علاقة بين مكوناتها وبين بعضها البعض بإمتلاكها ماهيات وقيميات.

·      أكسيولوجيا الكمال الأنطولوجي: القيمة الإيطيقية والأنطولوجية  :
 أن أكسيولوجيا الكمال الأنطولوجي أكسيولوجيا إيطيقية الأصل أنطولوجية النزعة،  فأكسيولوجيا الكمال الأنطولوجي أكسيولوجيا تبحث في كمال الإنسان الوجودي وقيمته عبر الأخلاق، لذلك هي إيطيقية الأًصل أنطولوجية النزعة.
 وتنقسم الأكسيولوجية الكمالية إلى أربعة، أولهم الكمالية الرواقية وثانيهم الكمالية الأبيقورية ومنها الكمالية الأبيقورية الأنطولوجية والبرجماتية، وثالثهم وهي القيمية الكمالية ومنها القيمة وجوهر القيمة والأكسيولوجية الكمالية (كناتج أو غاية، حيث أن القيمية الكمالية تؤدي لأكسيولوجيا الكمال)، ورابعهم وهي القيمية الأكسيولوجية ومنها القيمة وجوهرها وأكسيولوجيتها الكمالية؛ حيث أن الأكسيولوجية الكمالية وأكسيولوجية الأكسيولوجيا هما منهجان لتطبيق أكسيولوجيا الكمال الأنطولوجي ووسيلتان له.
 فالقيمية الكمالية تتكون من القيمة وجوهر القيمة والأكسيولوجية؛ حيث أن القيمة هي غاية جوهر القيمة وجوهر قيمة قيمية الأكسيولوجيا، وأما جوهر القيمة فهي وسيلة لبلوغ القيمة وبنفس الوقت فإن جوهر القيمة هي جوهر ومضمون قيمة القيمية الكمالية وأكسيولوجيتها (كالزهد لبلوغ الكمال، حيث أن جوهر الكمال هو الزهد)؛ بإعتبار أن جوهر القيمة هو أساس القيمة ومضمونها، وأما الأكسيولوجية الكمالية فهي منهج تطبيق جوهر القيمة للوصول للقيمة وبلوغها، فالأكسيولوجية على نمط (جوهر القيمة لبلوغ القيمة وكأساس / جوهر لها ) وتسمى القيمية الكمالية لأكسيولوجيا الكمال الأنطولوجي بالأكسيولوجية الإيطيقية؛ لإنها تهتم بالوصول إلى الكمال الأخلاقي ولإن قيمتها قيمة إيطيقية.
 بينما قيمية الأكسيولوجيا تتكون من القيمة وجوهر القيمة والأكسيولوجية؛ حيث أن القيمة هي غاية جوهر القيمة وناتجها وهي بنفس الوقت غاية لجوهر القيمة في القيمية الأكسيولوجية، وأما جوهر القيمة فهو وسيلة لبلوغ القيمة وغاية جوهر قيمة القيمية الكمالية، وجوهر القيمة هو نفسه مضمون القيمية الأكسيولوجية؛ بإعتبار أن القيمة  في القيمية الكمالية هي جوهر القيمة في القيمية الأكسيولوجية وبإن جوهر القيمة هي أساس القيمة ومضمونها وبالتالي فهي مضمون القيمية الأكسيولوجية، وأما الأكسولوجية الكمالية فهي على نمط (جوهر القيمة لبلوغ القيمة وكأساس/ جوهر لها)، وتسمى القيمية الأكسيولوجية لأكسولوجيا الكمال الأنطولوجي بالأكسولوجية الأنطولوجية؛ لإنها تهتم بالوصول إلى الكمال الوجودي ولإن قيمتها قيمة أنطولوجية.
 وأما الكمالية الرواقية، فهي أكسيولوجية كمالية تنادي بأعلى درجات الزهد في الدنيا للوصول إلى الكمال الوجداني للإنسان، فالقيمة في الكمالية الرواقية هي بلوغ الكمال وجوهر القيمة التسامي عن ملذات الحياة وأما أكسيولوجية القيمة فهي منهج بلوغ الكمال عبر الزهد، حيث أن الزهد هو وسيلة بلوغ الكمال، وهو جوهر أكسيولوجية الكمالية الرواقية، وأساس الكمال الأخلاقي، بينما الكمال الأخلاقي هو غاية الزهد وهو جوهر القيمة للكمال الوجودي في القيمية الأكسيولوجية للكمالية الرواقية، والأكسيولوجية هي منهج تطبيق الكمالية الرواقية.
 وأما نوع القيمية الكمالية للكمالية الرواقية، فهي كمالية إيطيقية الأصل والأساس؛ وذلك لإن الزهد هو جوهر القيمية الكمالية وهو المنهج الذي به يتم الوصول للكمال الأخلاقي ثم للكمال الوجودي، إذن؛ فذلك يعني أن الزهد هو الأساس للقيمية الكمالية والذي تنبع قيمته من أصل أخلاقي، فهي قيمية إيطيقية.
 بينما القيمية الأكسيولوجية للكمالية للرواقية فتتكون من القيمة والجوهر والأكسيولوجيا، فالقيمة هي الكمال الوجودي والجوهر وهو الكمال الأخلاقي والأكسيولوجية هي منهج بلوغ الكمال الوجودي عبر الكمال الأخلاقي في الكمالية الرواقية؛ حيث أن الكمال الأخلاقي هو وسيلة لبلوغ الكمال الوجودي وهو جوهر القيمية الأكسيولوجية الرواقية وأساس الكمال الوجودي، بينما الكمال الوجودي غاية للكمال الأخلاقي وهو القيمة العليا في الكمالية الرواقية، وأما أكسيولوجية القيمية الأكسيولوجية فهي (الكمال الأخلاقي لبلوغ الكمال الوجودي).
  وهذه القيمية الأكسيولوجية للكمالية الرواقية هي قيمية أنطولوجية إيطيقية الأصل والأساس، لإن أكسيولوجية الكمالية الرواقية منهج إيطيقي الأصل والأساس هدفه الوصول لغاية أخلاقية كبرى (الكمال الوجودي).  
 وأما الكمالية الأبيقورية فهي كمالية تنادي بأعلى درجات الكمال الدنيوي (السعادة) للوصول إلى الكمال الوجودي؛ حيث أن الكمال الأخلاقي لا يأخذ أهميته لدى الأبيقورية بإعتبار أن السعادة هي أساس الكمال الوجودي، وتنقسم الكمالية الأبيقورية إلى اثنتين، أولهما كمالية ابيقورية أنطولوجية وثانيهما كمالية أبيقورية برجماتية، والفرق بين الاثنيتن هو أن الأبيقورية الأنطولوجية ترى بإن الكمال الوجودي يؤدي إلى السعادة وهو منهجها، وأما الأبيقورية البرجماتية فترى بإن السعادة والكمال الدنيوي يؤديان للكمال الوجودي.
 فالقيمية الكمالية في الأبيقورية الأنطولوجية تتكون من القيمة والجوهر والأكسيولوجية، فالقيمة وهي السعادة وجوهر القيمة هو الكمال الدنيوي وأكسيولوجية القيمية هي (الكمال الدنيوي للوصول للسعادة)؛ حيث أن الكمال الدنيوي هو وسيلة بلوغ السعادة والكمال الدنيوي هو جوهر الكمالية الأبيقورية الأنطولوجية وهو أساس السعادة، بينما السعادة تعد غاية الكمال وجوهر القيمية الأكسيولوجية للأبيقورية الأنطولوجية، وأما أكسيولوجية القيمية الكمالية للأبيقورية الأنطولوجية فهي (الكمال الوجودي لبلوغ السعادة)؛ حيث أن هذه الأكسيولوجية هي المنهج للكمالية الأبيقورية الأنطولوجية.
 كما أن أساس القيمية الكمالية للأبيقورية الأنطولوجية هو أساس أنطولوجي؛ بإعتبار أن الكمال الوجودي هو جوهر الأكسيولوجية، وبما أنه جوهر الأكسيولوجية فهو أساسها، إذن؛ فإن الأبيقورية الأنطولوجية ذات أساس أنطولوجي.
 وأما عناصر القيمية الأكسيولوجية للكمالية الأبيقورية الأنطولوجية ثلاثة، أولهم القيمة وهي الكمال الوجودي وثانيهم جوهر القيمة وهي الكمال الدنيوي (السعادة) وثالثهم أكسيولوجية القيمة (الكمال الدنيوي " السعادة " لبلوغ الكمال الوجودي)؛ حيث أن السعادة هي وسيلة الكمال الوجودي وجوهر القيمية الأكسيولوجية، فالكمال الوجودي يعد غاية السعادة والقيمة العليا في  في الكمالية الأبيقورية الأنطولوجية، بينما الأكسيولوجية هي منهج تطبيق الكمالية الأبيقورية.
 وأما أساس القيمية الأكسيولوجية في الأبيقورية الأنطولوجية فهو أنطولوجي؛ لإن ماهية الكمال الوجودي لا تتغير بتغير العلة والجوهر، كما أن الكمال الوجودي هو قيمة أنطولوجية.
 وأما القيمية الكمالية في الأبيقورية البرجماتية فتتكون من القيمة والجوهر والأكسيولوجية، فالقيمة وهي الكمال الدنيوي وجوهر القيمة السعادة وأكسيولوجية القيمية هي (السعادة لبلوغ الكمال الدنيوي)؛ حيث أن السعادة هي وسيلة بلوغ الكمال الدنيوي وجوهر الكمالية الأبيقورية البارجاماتية ككقيمة كمالية وهي أساس الكمال الدنيوي، بينما الكمال الدنيوي يعد غاية السعادة وجوهر القيمة في القيمية الأكسيولوجية للأبيقورية عامةً، بينما أكسيولوجية القيمية الكمالية للأبيقورية البارجاماتية هي (السعادة لبلوغ الكمال الدنيوي).
 كما أن القيمية الكمالية في الأبيقورية البرجماتية قيمية إيطيقية الأصل أنطولوجية الغاية، فالسعادة مفهوم أخلاقي؛ بإعتبار أنها تنتج عن أفعال تؤدي للتأثير في المجتمع والفرد ولها قيمة، وهذه الأفعال التي تؤثر في المجتمع والفرد والتي يكون لها قيمة هي أفعال أخلاقية بإعتبار أن الأخلاق هي الأفعال التي يكون لها قيمة محددة، وما دام أن السعادة هي مفهوم أخلاقي وهي جوهر القيمية الكمالية والأكسيولوجية، فالأبيقورية البرجماتية إيطيقية الأساس إذن، والكمال الوجودي هو قيمة أنطولوجية مهما كان، وبالتالي فإن الأبيقورية البرجماتية أنطولوجية القوام إيطيقية الأصل.

 فالقيمية الأكسيولوجية في الأبيقورية البرجماتية ثلاثة، أولهم القيمة وهي الكمال الدنيوي وثانيهم جوهر القيمة وهي السعادة وثالثهم هي أكسيولوجية القيمية؛ حيث أن الكمال الدنيوي وسيلة الكمال الوجودي وجوهر القيمية الأكسيولوجية، بينما الكمال الوجودي غاية الكمال الدنيوي والقيمة العليا في القيمية الأكسيولوجية للأبيقورية البارجاماتية، وأكسيولوجية القيمية الأكسيولوجية هي (الكمال الدنيوي لبلوغ الكمال الوجودي) فهي المنهج لأكسيولوجية القيمية الأبيقورية.
 وأن القيمية الأكسيولوجية في الأبيقورية البرجماتية، فهي أنطولوجية الأصل؛ وذلك لإن أساسها هو الكمال الدنيوي، والكمال الدنيوي يعد كمال الدنيا مهما كان، وهو قيمة أنطولوجية صغرى، بينما الكمال الوجودي قيمة أنطولوجية عليا.

 ويعد الكمال الدنيوي في الأبيقورية البرجماتية غاية للسعادة وجوهر الكمال الوجودي في القيمية الأكسيولوجية، ولكن تختلف علاقة السعادة والكمال الدنيوي في الأبيقورية البرجماتية عن علاقاتهما في الأبيقورية الأنطولوجية في القيمية الكمالية؛ حيث أن في الأبيقورية البرجماتية فإن السعادة هي وسيلة الكمال، وهذه السعادة مهما كانت تؤدي للكمال الدنيوي، إذن؛ فإن الكمال الدنيوي لا يحتاج لإن يحقق الشخص كل الكماليات الحياتية الأخرى من أجل الوصول إليه، بل تكفي السعادة كسعادة مهما كانت - حب، تدين، صداقة، تأمل.. الخ - للوصول إلى الكمال الدنيوي، على العكس من الأبيقورية الأنطولوجية التي ترى في الكمال الدنيوي - المال، السلطان والجاه، العلاقات الإجتماعية الكثيرة.. الخ - وسيلة لبلوغ السعادة، إذن؛ فإن وسيلة الوصول إلى السعادة في الأبيقورية الأنطولوجية هي وسيلة كمالية جداً، بينما في الأبيقورية البرجماتية فالوسيلة هي وسيلة بسيطة كالحب أو الصداقة أو التأمل، كما أن ماهية الكمال الدنيوي في الأيبقورية الأنطولوجية تختلف عن ماهيته في البرجماتية، ففي الأنطولوجية، فإن الكمال الدنيوي هو الحالة التي تسبق السعادة؛ أي أنها وسيلة، بينما في البارجاماتية، فهي الحالة التي تأتي قبل السعادة، وفي هذا الكلام تأكيد على أن الكمال الدنيوي وسيلة للسعادة في الأبيقورية الأنطولوجية، وأن السعادة وسيلة للكمال الدنيوي في الأبيقورية البارجاماتية.
 وأما ماهية الكمال الوجودي، فهي لا تختلف أبداً في ماهيتها الرواقية أو الأبيقورية؛ إذ أن ماهية الكمال الوجودي الوصول إلى حالة من الرضا العام في الدنيا، وهذا الرضا أما أن يتم عن الكمال الأخلاقي أو عن طريق الكمال الدنيوي، فالكمال الوجودي هو غاية لكلا من هذان الكماليين، فيختلف الكمال الوجودي عن الدنيوي أو الأخلاقي، فالدنيوي هو عبارة عن كمال الدنيا في السعادة، و الأخلاقي هو كمال الدنيا عبر الأخلاق والزهد، وأما الوجودي فهو كمال الدنيا عبر أي من الطريقيين، إما عبر تحقيق الوجود ذاته سواء بالزهد أو بتحقيق الملذات والسعادة.
 ولكن، فإن مفهوم الكمال الوجودي يختلف عن ماهيته في الأبيقورية الأنطولوجية أو البرجماتية، ففي الأبيقورية الأنطولوجية هو الوصول إلى الكمال في الدنيا عبر السعادة التي تتم عبر تحقيق الكماليات كلها، وأما في الأبيقورية البرجماتية فهو الوصول إلى الكمال في الدنيا عبر الكمال الدنيوي الذي يتم بتحقيق سعادة معينة غير مشترطة أن تكون كاملة ومستمرة كالجنس، فماهية الكمال الوجودي هي نفسه أصله بينما مفهومه هي علته أو ظاهره. 
 ويتم الاعتماد على نوع جوهر القيمة لتحديد نوع القيمة سواء أكانت أنطولوجية أو إيطيقية ؛ لإن الجوهر هو الأساس الذي يؤدي إلى القيمة وهو أساس قيمية الكمالية  للأبيقورية؛ أي أنه أساس المنهج، فمثلاً، في الأبيقورية الأنطولوجية فإن الجوهر هو الكمال الدنيوي؛ حيث أن الكمال الدنيوي يؤدي للسعادة، بينما في الأبيقورية البرجماتية فإن السعادة تؤدي للكمال الدنيوي والذي يؤدي إلى الكمال الوجودي، وفي كلا النوعين فإن الجوهر هو الأساس للقيمية الكمالية/ الأكسيولوجية للأبيقورية، أو مثلاً، فإن الزهد في القيمية الكمالية للرواقية هو جوهر الكمال الأخلاقي وجوهر القيمية الكمالية، فهو أصل المنهج للرواقية (أصل الأكسيولوجية للقيمية الكمالية الرواقية) إذن؛ فإن الجوهر هو أساس تحديد نوع القيمة الكمالية.
 فإن القيمية الأكسيولوجية تصنف إلى أنطولوجية أو إيطيقية وفق القيمة؛ وذلك لإن القيمة تتغير بتغير جوهر القيمة، فماهية الكمال الوجودي هي نفسها في الأبيقورية والرواقية، ولكن جوهرها يختلف في كل منهما، فالكمال الوجودي هو الوصول للرضا في الحياة عبر طرق معينة، وهذه النتيجة (الكمال الوجودي) لن تتغير بتغير الوسيلة؛ أي أنه إذا كان مثلاً الزهد يؤدي للكمال الأخلاقي في الرواقية، فإن الكمال الدنيوي والسعادة ككقيمتان يؤديان أيضاً إلى الكمال الوجودي.
 وكمثال آخر، فإن الكمال الوجودي في القيمية الأكسيولوجية للأبيقورية البرجماتية أو الأنطولوجية يظل ثابت وتظل النتيجة هي (الوصول إلى حالة رضا في الحياة سواء أكان ذلك عبر السعادة أو عبر الكمال الدنيوي أو الزهد)، لذا؛ فإن تصنيف الأكسيولوجية يعتمد على نوع القيمة ولا يعتمد على جوهرها، على عكس القيمية الكمالية التي تعتمد على الجوهر.
 لذا، فإن قيمية أكسيولوجيا الكمالية الأنطولوجية قيمة أنطولوجية القوام إيطيقية الأصل؛ وذلك لإن الكمال الوجودي هو الأساس لهذه القيمية، فهو لا يتغير ويظل ثابت كنتيجة، بينما كأصل، فأنه إيطيقي؛ وذلك لإن الزهد/ السعادة/ الكمال الدنيوي أسس تنبع من أصل أخلاقي وليس وجودي(1) فالزهد يؤدي للكمال الأخلاقي، والسعادة وهي جوهر الكمال الدنيوي تؤدي إليه، والكمال الدنيوي يعد جوهر السعادة فيؤدي إليها، فتعد الأسس هي جوهر القيميات الأكسيولوجية، فتمسي هذه القيميات ذات أصل إيطيقي؛ لذا فإن كل هذه القيميات للأكسيولوجية الكمالية الأنطولوجية قيميات أنطولوجية ذات أصل إيطيقي.
 لذا، فإن الأكسيولوجيا الرواقية أكسيولوجية أنطولوجية/ إيطيقية مطلقة، بينما الأكسيولوجية الأبيقورية وأكسيولوجية أنطولوجية/ إيطيقية نسبية.

·       أكسيولوجيا الخير والشر : القيمة الأنطولوجية والإستطيقية:
 وتكمن أكسيولوجيا الخير والشر أنها أكسيولوجيا نسبية الأصل، فاالخير والشر قيمتان يكتسبان معنينهما الإيطيقي عبر القيمة الاستطيقية،وهذه القيمة الإيطيقية ترتبط بوجود الإنسان، فالخير والشر بمفهومها الإيطيقي يعبران عن كمالية الوجود الإنساني لاخلاقيته(2)، فالخير هو إنعدام للشر بفهومه الأخلاقي والشر هو إنعدام للخير بمفهومه الأخلاقي؛ أي أن أساس تحديد ماهية الخير الأخلاقية تختلف عن أساس تحديد ماهية الشر الأخلاقية، فقيمتي الخير والشر هي ما يجبا عليه أن يكونا بمفهوميهما الأنطولوجي للإنسان أجمع وليس ما يجب عليه أن يكونا بمفهوميهما الأكسيولوجي الإيطيقي؛ أي أن قيمتي الخير والشر قيمتي نسبية الأصل إيطيقياً واستطيقياً ومطلقة الأصل أنطولوجيا؛ وذلك يرجع إلى أن قيمة الخير والشر يختلف من شخص لآخر ولكن يتفق الكل على ماهية وجوده وبالإعتراف به.
 وتقسم ماهية أكسيولوجيا الخير والشر إلى ثلاثة، أولهم الاستطيقية وثانيهم الإيطيقية وثالثهم الأنطولوجية، ولكل واحدة خصائص وماهيات تميزها عن الآخرى، وأكسيولوجيا خاصة بها.
 وتختلف قيمة الخير والشر وفق الماهية الإيطيقية، فبوفق المفهوم الاستطيقي للإيطيقيا، فإن ماهية / أساس قيمة الخير هي الجمال وماهية / أساس قيمة الشر هي القُبح، فالجمال والقبح هما من يحددان أن كان الأمر خيراً أو شراً؛ أي أنهما يحددان ماهية الخير والشر الأخلاقية، فلذا؛ تختلف الماهية الجمالية لقيمتي الخير والشر بإختلاف أساسهما الجمالي، ولكن هذا الإختلاف الاستطيقي النسبي للخير والشر لا يجعل ماهيتهما الاستطيقي الأصل (الجمال والقبح) نسبيتان، فهما يكتسبان قيمتيهما من ذاتهما وليس من العقل وإدراكه؛ أي أن الجمال جمال والقبح قبح، ولكن إدراك العقل لهذه الصورة الجمالية يختلف من شخص لآخر حسب العواطف والمشاعر.
 وأما الماهية الاستطيقية لقميتي الخير والشر قتنقسم إلى اثنتين، أولهما الكلي وثانيهما الجزئي، والفرق بين الإثنتين هي أن الأولى عبارة عن ماهية تكتسب قيمتها من ذاتها وأنه لا مجال للتأويل والتحيكم العقلي فيها؛ لإنها تعبرعن قيم عليا تكمن في عالم المُثل؛ أي أنها أفكار مُكتسبة الأصل والصورة أكثر مما هي استدراكية وتحكيمية مثل مناظر الطبيعة ومناظر الحرب، وأما الجزئي فيختلف عن الكلي بأنه يكتسب قيمته من إدراك العقل للعالم المحيط وصوره وبأنه ذا مجال واسع للتأويل والتحكيم العقلي فيه، فهو يعبر عن قيم عليا ولكن قيم ترتبط بالإدراك الحسي والشعوري للإنسان؛ أي تختلف من شخص لآخر وفق مشاعره، فهي بذلك أفكار تحكيمية وتأويلية أكثر مما هي مكتسبة الأصل والصورة، وكمثال على ذلك، اللوحات الفنية ونقدها.
 فالماهية الكلية الاستطيقية للخير ماهية مطلقة الأصل ومكتسبة الصورة، والدليل على ذلك   هو منظر الطبيعة، فمنظر الطبيعة منظر جميل لا يحتاج للتحكيم بهذا المنظر أو تأويل بقيمته الجمالية، فالطبيعة بسهولها ووديانها وأشجارها وصحاريها لجميلة، وهذا الجمال مُكتسب من ذاته؛ أي أن هيئة الطبيعة ومظهرها هي التي تعطي الطبيعة نفسها جمالها، وهذا الجمال غير مكتسب من إدراك وتأويلات العقل ولكنه يُدرك عبر العُقل؛ أي أن قيمة الجمال للطبيعي مكتسب من ذاتها وليس العقل الذي يعطيها قيمتها الجمالية، فالجمال الطبيعي مكتسب الصورة أكثر مما هو استدراكي؛ أي أن أول ما تخطر كلمة "طبيعة" على بال الإنسان فأنه يتخيل خَضاراً وأشجاراً وسهولاً، ولكن عندما يقال له كلمة "لوحة فنية" فأنه لا يمكن أن يجزم ما ألوان هذه اللوحة، أو ما مضمونها وفكرتها، بينما الطبيعة فأنه يتأكد من أنها تتكون من السهول والأشجار والخَضار.. الخ، لذا؛ فإن الصورة العقلية التي عن الطبيعة لهي مكتسبة - فهي معروفة من دون التأكد منها ولكنها تُدرك عبر العقل -، وليست الصورة العقلية التي عن الطبيعة صورة تحكيمية أو تأويلية كاللوحة الفنية - فلا يمكن توقع ألوان اللوحة الفنية أو مضمونها -.
 وأما كمثال على على أن الماهية الاستطيقية الكلية للشر ماهية ثابتة وغير متغيرة القيم، فهي مناظر الحروب والموتى، فمنظر الضحايا منظر قبيح، وهو منظر لا يحتاج للتحكيم والتأويل فيه؛ لأنه منظر قبيح بالأصل فهو يكتسب قيمته من ذاته؛ أي أن صور الضحايا والموتى هي التي تعطي قيمتها الجمالية لنفسها (القبح) وليس العقل، ولكنه بواسطة تُدرك لهذه القيمة، فالقيمة مكتسبة من ذاتها لكن العقل هو الذي يدركها، والماهية الجمالية لمنظر الحروب ماهية مكتسبة الاصل والصورة وليست ماهية استدراكية فأول ما يخطر ببال الشخص هو منظر الموتى والدم، فالإنسان عنده فكرة مسبقة وصورة مسبقة عن منظر الحروب، على عكس اللوحة الفنية التي لا يعلم الإنسان مضمونها أو ألوانها مثلاً حيث أنها استدراكية الصورة.
 وأما الماهية الجزئية لجمالية قيمتي الشر والخير فتنقسم إلى جزئية قبيحة وجميلة وكمثال عليها اللوحات الفنية، فاللوحات الفنية تكتسب قيمتها من العقل وليس ذاتها، كما أنها ذا مجال واسع للتحكيم والتنظير فيها وتتحمل التأويلات، فهي تكتسب قيمتها من عقل الإنسان؛ أي أن شخص ما قد يرى لوحة معينة جميلة وقد يرى شخص آخر أنها قبيحة، وهذه الرؤية تعتمد على العقل لإعطاء رأيه فيها عبر التحكيم والتنظير وفقا للآراء أو المشاعر، ولا تكتسب اللوحة الفنية قيمتها من ذاتها، فجوهرها هو المضمون والألوان، ولكن ماهية جوهرها مكتسب من عقل الفنان الذي يرسمها وبالتالي من إدراكات العقل للعالم المحيط، فيختلف مضمون اللوحات الفنية عن مضمون المنظر الطبيعي في أن مضمون المنظر الطبيعي مضمون مكتسب القيمة من ذاته، بينما مضمون وماهية اللوحة الفنية مضمون ذي أصل استدراكي، فالفنان عبر إدراكه للعالم المحيط وأسلوبه(3)  يعطي للوحة قيمة عبر طريقة ترتيب الألوان، الألوان المستخدمة، والفكرة التي يريد الفنان توصيلها للمشاهد / الهاوي للفن، فجوهر اللوحة الفنية جوهر ذي أصل استدراكي تابع لعقل الفنان، فإذن هو جوهر جزئي.
 كما تنقسم الماهية الجزئية لجمالية قيمتي الخير الشر إلى ماهية جزئية قبيحة أو جميلة، وذلك يرجع إلى رؤيا وتأويل كل شخص للقيمة الجمالية وفق مشاعره وعقله وإدراكه.
 وأما الماهية الأنطولوجية للخير والشر، فتكمن في أن الإنسان يعترف بوجوده باختلاف صورهما أو لا؛ أي أن كل إنسان يعترف بوجود الخير والشر بصورة أو أخرى أو في تجسيد أو آخر، كالموت مثلاً، فالبعض ينظر إليه بنظرة الخير والكمال ويراه إكتمال للدورة الحياتية البشرية كالبوذيين والبعض الآخر ينظر إليه بنظرة الشر والنقص ويراه انتهاء للدورة الحياتية كالمسيحيين، فالموت مشترك بين جميع البشر أنطولوجياً، والكل يعترف في وجوده

ولكن، يختلف الكل في إعطاء قيمة للموت وتعريفه أو تصنيفه إذ ما كان شراً أو خيراً، لذا؛ فهو مطلق أنطولوجياً؛ أي أنه مشترك بين جميع البشر، ومتفقين على وجوده ولكن هو نسبي أكسيولوجياً؛ أي يختلف كل شخص في تعريفه، وإعطاء قيمة له، وهكذا فالماهية الأنطولوجية للخير والشر ثابتة ومطلقة وهي تكتسب قيمتها من ذاتها عبر اعتراف الكل بوجودها، بينما الماهية الأكسيولوجية للخير والشر متغيرة ونسبية وتكتسب قيمتها من تأويلات العقل للقيم.
 وأما عناصر أكسيولوجيا الشر والخير فإنها تتكون من قيمية كمالية وقيمية أكسيولوجية، ولكن تختلف عناصر أكسيولولجيا الخير والشر عن عناصر أكسيولوجيا الكمال الأنطولوجي في أن القيمية الكمالية والقيمية الأكسيولوجية لا تعدا منهجاً، وإنما تعدان قيم تكتسبان قيمهما من ذاتهم كالماهية الإستطيقية الكلية أو من بعضهم البعض كالماهية الإستطيقية الجزئية التي تكتسب قيمتها من العقل، فالأخلاق هي قيمة وليست منهج، وإنما بلوغها هو المنهج، فالهدف من القيمية الكمالية والقيمية الأكسيولوجية في أكسيولوجيا الخير والشر هو توضيح العلاقة بين عناصرها وإكساب القيمة معنى عبر جوهر القيم.

 وتتكون أكسيولوجيا الخير والشر في ثلاثة، أولهم أكسيولوجيا الماهية الاستطيقية، وثانيهم أكسيولوجيا الماهية الإيطيقية، وثالثهم أكسيولوجيا الماهية الأنطولوجية.
 فأكسيولوجيا الماهية الجمالية تنقسم لجزئين، أولهما أكسيولوجيا الماهية الكلية وثانيههما أكسيولوجيا الماهية الجزئية؛ حيث أن الماهية الجمالية الكلية تكتسب قيمتها من ذاتها وليس لها قيمية كمالية، والماهية الجزئية الجمالية تكتسب قيمتها من الإدراك العقلي عبر التأويل ولها قيمية كمالية وأكسيولوجية؛ لإن القيمية الكمالية تكتسب قيمتها من إدراكات وتأويلات العقل وليس من ذاتها.
 فالقيمية الأكسيولوجية للماهية الكلية الجمالية تتكون من القيمة وجوهرها وأكسيولوجيتها، فالقيمة وهي ذات / مضمون القيمة الجمالية، وجوهرها وهو ذاتها مهما كان وأكسيولوجيتها وهي ( مضمون القيمة لإكساب قيمتها معنى )، والمضمون هو الأساس الذي يعطي القيمة جماليتها .

 والسبب في أن الماهية الجمالية الكلية تملك قيمية أكسيولوجية فقط ولا تملك قيمية كمالية؛ هي أنها تكتسب قيمتها من ذاتها، فالقيمية الكمالية تكتسب قيمتها من تأويلات العقل وإداركه، والماهية الإستطيقية الكلية لا تكتسب قيمتها من تأويلات العقل إنما من ذاتها، فلذا؛ فإن الماهية الإستطيقية الكلية لا تمتلك قيمية كمالية.

 الإ أن الماهية الجزئية الجمالية الخير والشر تمتلك قيمية كمالية وأكسيولوجية؛ حيث أن جوهر القيمة في القيمية الكمالية هو تأويلات العقل، والقيمة في القيمية الكمالية هي ناتج التأويل وأكسيولوجية القيمية الكمالية هي (تأويل العقل لإعطاء ناتج تأويلي محدد لشيء معين)؛ حيث أن تأويل العقل هو الذي يكسب النقد - ناتج التأويل – معنى وهو مضمون القيمية الكمالية، والناتج التأويلي هو غاية تأويلات العقل وجوهر القيمة في القيمية الأكسيولوجية.
 وأما القيمية الأكسيولوجية لماهية الجمال الجزئي فتتكون من قيمة وجوهرها وأكسيولوجيتها، فالقيمة هي مضمونها، وجوهر القيمة هو الناتج التأويلي المحدد والأكسيولوجية هي (الناتج التأويلي لإكساب القيمة مضموناً)؛ حيث أن الناتج  التأويلي(4)  يعطي القيمة معنى، والقيمة تكسب مضمونها من الناتج التأويلي، والأكسيولوجية هي لتوضيح المنهج.

 والسبب في أن الماهية الجزئية الجمالية للخير والشر تمتلك قيمية كمالية وأكسيولوجية هي أنها ذات أصل نسبي وذات تأويل مختلف، فالقيمية الكمالية تكتسب قيمتها من التأويل المختلف والمتعدد، فإذ كانت ماهية ما تمتلك قيمية كمالية فأنها تمتلك قيمية أكسيولوجية.
 فالقيمية الأكسيولوجية للماهية الإيطيقية تتكون من القيمة وجوهرها والأكسيولوجية، وأما القيمة فهي ذات القيمة (الخير والشر)، وجوهرها وهو الجمال أو القبح، وأكسيولوجيتها وهي (الجمال والقبح لإكساب القيمة جوهر أخلاقي)؛ حيث أن الجمال والقبح هما اللذان يكسبان الشيء قيمته الأخلاقية، والخير والشر هو ذات القيمة الأخلاقية.
 وأما الماهية الإيطيقية فلا توجد لها قيمية كمالية وإنما قيمية أكسيولوجية فقط؛ وذلك لإن الماهية الإيطيقية تكتسب قيمتها من الجمال والقبح اللذان يعدان جوهر الماهية الجمالية، حيث أن الجمال أو القبح يشكلان ذاتاً للقيمة الإيطيقية، كما أنهما يكتسبان قيمتهما من ذاتهما في الماهية الجمالية الكلية ومن العقل في الماهية الجزئية الجمالية، وفي الماهية الجزئية الجمالية يشكلان قيمتان استطيقيتان للقيمية الأكسيولوجية واللذان يشكلان جوهر الجمالية بإعتبار أن ذات القيمية الأكسيولوجية للماهية الجمالية الجزئية هو مضمون الاستطيقيا(5)؛ أي أنهما مضمون الخير والشر، وبالتالي مضمون الماهية الإيطيقية وذاتهما، فلا تحتاج الماهية الإيطيقية لقيمية كمالية كونها تكتسب قيمتها من الجمال والخير، واللذان يكتسبان قيمتها بالأصل كمفهومين أصليين، فلا يوجد منهج لتصنيف الماهية الإيطيقية للأشياء، ولكن يوجد منهج لتصنيف الماهية الجمالية الجزئية للأشياء(6)، فلذا، فإن الماهية الإيطيقية تعتمد على الماهية الأستطيقية في قيميتها الأكسولوجية.
 وأما الماهية الأنطولوجية للخير والشر فتمتلك قيمية أكسيولوجية وقيمية كمالية، حيث أن عناصر القيمية الأكسيولوجية تنقسم إلى قيمة وجوهر وأكسيولوجية، فالقيمة هي وجود قيمتي الخير والشر، وجوهر القيمة هي هيئة الخير والشر وأشكالهما، وأكسيولوجيتهما كتصنيف وكوجود وليس كمنهج هي (وجود الخير والشر بأشكال مختلفة لإكسابه قيمته الأنطولوجية) حيث أن وجود الخير والشر بأشكال متعددة تكسبهما قيمتهما الوجودية عبر الإعتراف بهما، ووجود الخير والشر هو القيمة، وأما الأكسيولوجية فهي أن الخير والشر موجود ولو تعددت أشكاله وهوياته كإعتبار البعض أن الموت نقمة وشر وإعتبار الآخر أن الموت نعمة وخير.
 فالقيمية الكمالية للماهية الأنطولوجية للخير والشر تتكون من عناصر معينة، فالقيمة وهي هيئة وشكل الشر والخير المُعطيان من خلال تأويلات العقل، والجوهر وهو تأويلات العقل التي تعطي الشر والخير قيمة، والأكسيولوجية وهي (وجود الخير والشر بمختلف أنواعهما)؛ حيث أن القيمة تكتسب مضمونها من خلال تأويلات العقل الذي هو جوهرها، فيختلف مفهوم الشر والخيرعلى حسب إختلاف التأويلات، فمثلاً، البعض يرى الموت خيراً كما أسلفت، والبعض يراه شراً، ولكن، هذا الإختلاف يرجع لإختلاف الأفكار والتأويلات في إعطاء الموت  ماهية أخلاقية معينة.
فإذن، فإن القيمية الأكسيولوجية للماهية الأنطولوجية للخير والشر تكسب قيمتها من ذاتها بالإعتراف بالشر أو الخير بكافة أشكاله، وأما القيمية الكمالية فتكسب قيمتها من تأويلات العقل، فلذا، ولإثبات أن الماهية الأنطولوجية تكتسب قيمتها من ذاتها؛ فإن الماهية الوجودية لقيميتي الخير والشر هما أساس تحديدها؛ أي أن وجود الخير والشر بمختلف هيئاته وأشكاله وتأويلاته هو الأساس لتحديد إذ ما كانت الماهية الأنطولوجية مطلقة القيمة وليس لإختلاف أشكال الخير والشر، وكأساس على هذا التلعيل، فإن الماهية الأنطولوجية تكتسب قيمتها من ذاتها عبر وجوده.
 والسبب في أن الماهية الأنطولوجية لقيمتي الخير والشر تمتلك قيمية كمالية وأكسيولوجية، هي أن اختلاف أشكال وتهيئات الشر والخير من شخص لآخر هو الأساس لوجود الخير والشر؛ أي أن القيمية الكمالية في الماهية الأنطولوجية هي أساس القيمية الأكسيولوجية بإعتبار أن وجود الشر والخير يتم عبر وجود أشكالهما وهيئاتهما، لذا؛ فإن القيمية الكمالية عبارة عن كمال لوجود قيميتي الخير والشر،فأن لم يكن هنا أشكال وتصورات للخير والشر فلا يوجد خير وشر من الأساس، فإختلاف الأشكال والتصورات حول الخير والشر يعطي للماهية الأنطولوجية لهما قيمية كمالية؛ لإن أساس القيمية الكمالية أن تكون هناك تأويلات حول قيمة معينة، وما دام هذه القيمة تكتسب تأويلات مختلفة فإنها تكتسب وتملك قيمية أكسيولوجية.
 وأما بالنسبة للطرح الأكسيولوجي لقيمتي الخير والشر، فإن أهم من تناولاه من الفلاسفة هما لافيل وشيلر، حيث أنهما أكثر فليسوفان بنيا فلسفتهم على الطرح الأكسيولوجي، لذا يمكن القول بإن لافيل وشيلر هما أكثر شخصين تناولا هذا الموضوع بجدية، وجعلوا أساس هذا الموضوع جل اهتماتهم الفلسفية وجوهرها.
 وأما طرح لافيل الأكسيولوجي فأنه يحصر ماهيتي قيمتي الخير والشر في دلالتهما الأنطولوجية؛ أي أن أساسهما أساس أنطولوجي، وهو وجودهما وانتقالهما من مفهوم المُثل العليا إلى القيمة الوجدانية للإعتراف بماهيتهما وبأساسهما عبر تطبيقها، فلافيل يرى بإن الخير والشر لا يكتسبان قيمتهما من جماليتهما وإنما يكتسبان قيمتهما من وجودهما، فتقسم القيم عنده إلى استهلاكية كالشراء والبيع وإلى أخلاقية كالتعامل الأخلاقي الحسن، فلالا يهتم بسرد أصول وماهيات هذه القيم وإنما يعتقد أن تطبيق هذه القيم على أساس الواقع هو الشرط للإعتراف بوجودها، كتطبيق الأخلاق في التعامل، فيجعل لافيل ماهية الوجود الأنطولوجي إلى جانب الماهية الإيطيقية للقيمتان أساسهما وجوهرهما.
 بينما طرحي الأكسيولوجي لماهيتي قيمتي الخير والشر يختلف عن طرح لافيل، فبرأيي فإن الماهية الاستطيقية هي التي تحدد ماهية الخير والشر وقيمتهما، فالخير والشر يكتسبان قيمتهما من جماليتهما والجمالية هي أساس الخير والشر وهي التي تعطيها قيمتها الأخلاقية بتحديد أن الخير هو الجمال والشر هو القبح، فتبرز القيمة الوجودية عندما يتم تطبيق هذا الأمر على الواقع الوجداني، وعندما يشترك كل البشر في الإتفاق على وجود الشر أو الخير وفعله، حتى ولو كانت قيمته الاستطيقية تختلف من شخص لآخر.
 لذا؛ فإن طرحي الأكسيولوجي لقيمتي الخير والشر يُحصر في دلالاتهما الإيطيقية الاستطيقية، بينما طرح لافيل الأكسيولوجي يحصر قيمتي الخير والشر في دلالاتهما الأنطولوجية.  
 وأما طرح فريدريك شيلر الأكسيولوجي فقد حصر قيمتي الشر والخير الجمالية في دلالاتهما الفينومينولوجية بإعتبار بإن أصل قميتي الخير والشر الإيطيقية هما قيم جمالية، فبرأي شيلر فإن الجمال يُدرك عبر الجوانب الحسية والعقلانية للطبيعة البشرية،؛ أي أن الحواس هي التي تلعب دور في إدراك الجمال وخلقه، إذ أن شيلر رأى أن الحس والعقل يلعبان دوراً في خلق المفاهيم الأستطيقية للإنسان وإدركها، فالمفاهيم الاستطيقية التي يدركها الإنسان عبر الحواس برأي شيلر مفاهيم تخيلية؛ أي أن الإنسان يتخيلها فهو بذلك يخلق مفهوم استطيقي لقيمة معينة عبر تخيلها.
 فشيلر برأيي وقع في مغالطة وهي مغالطة الذاتية، فالطرح الأكسيولوجي لشيلر قائم على أن الحواس والعقل اللذان يخلقان القيمة الاستطيقية للشيء؛ أي أن القيمة الإستطيقية للأشياء تكتسب قيمتها من الحواس لإدراكها ومن العقل لإعطاء معنى لها، وهذه مغالطة، فالماهية الجمالية الكلية تكتسب قيمتها من ذاتها من دون الحاجة للعقل؛ وذلك يرجع لإن ماهيتها موجودة قبل ماهية العقل،؛ أي أن القيمة الجمالية الكلية قيمة تكتسب قيمتها من ذاتها عبر وجود ماهيتها قبل وجود ماهية العقل، فمثلاً فإن الماهية الجمالية للطبيعة موجودة من قبل؛ وذلك يرجع لإن الطبيعة موجودة قبل وجود العقل ووجود إدراكاته وتأويلاته، فالعقل يدرك الماهية الجمالية للطبيعية فقط، فلا يقدر العقل على أن يدرك ماهية موجودة قبله، وخصوصاً إن كانت استطيقية، فوجود الطبيعة يسبق وجود العقل، ووجود الطبيعة السابقة يمنع العقل من إعطاء قيمة لماهية موجودة قبله، وإنما فقط يدرك هذه الماهية.
 وهذه المغالطة تقع في ضمن نطاق الذاتية؛ أي عدم القدرة على التفريق بين ماهية وأصل الشيء وذاته، فماهية القيمة الجمالية الكلية موجودة من الأصل ولكن ذاتها تُكتسب عبر إعطاء قيمتها لذاتها عبر وجودها، فمثلاً، فإن ذات مناظر الطبيعة هي السهول والوديان والخَضار، وهذه المناظر ذات ماهية جمالية كلية جميلة، فذات هذه المناظر لم تُكتسب من أحد، وإنما أُكتسبت من ذاتها ومظهرها عبر وجودها(7)، وليس عبر العقل وإدراكاته للعالم المحيط.

 وأما بالنسبة لطرح شيلر الأكسيولوجي حول الماهية الجمالية للقيم التي يتم إعطاء قيمة لها عبر الحواس، فالقيم التي تكتسب قيمها من الحواس هي القيم ذات الماهية الجمالية الجزئية كاللوحات الفنية، فالحواس عبر إدراكها للأشياء تعطي ماهية جمالية لها عبر تحكيم العقل وتأويلاته، وهذه ما قصده شيلر في أن بضع الأشياء تكتسب قيمتها من العقل عبر الحواس.

 لذا، فإن طرح شيلر الأكسيولوجي يحصر الماهية الجمالية لقيمتي الخير والشر في دلالاتهما الفينومينولوجية التي تتم عبر إدراك الحواس للشيء ثم إعطاء قيمة لها عبر تحكيم العقل وتأويلاته.

الهوامش:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) : زيد العداون : وهو باحث وكاتب فلسفي أردني، يكتب في عدة مجلات مثل ( فيلوبريس )، وله مقالات في الفينومينولوجيا والنقد الثقافي والهيرمينوطيقا.
(1)      :  الإ الكمال الدنيوي فهو قيمة أنطولوجية صغرى.
(2)      : أي أنه يشترك فيه كل البشر بأنه موجود – أنطولوجي – وبأنه له قيم محددة تحدد أما إذ كان خيراً أو شراً.
(3)      : حيث يتأثر الأسلوب الفني للفنان بإدراكه للعالم المحيط، فسلفادور دالي كان غريب الأطوار فكان أسلوبة سوريالي غريب.
(4)      : الناتج التأويلي : هو ما يتوصل إليه الفرد من إدراك وتأويل لفكرة معينة ذات ماهية جمالية جزئية.
(5)      : ذات لشيء معين؛ أي شكل وقيمة حيث أن القيمة في الأخير تصنف لجمال أو لقبح.
(6)      : الأكسيولوجية للماهية الجزئية في كلا من القيمية الكمالية والأكسيولوجية، ومنها أيضاً طريقة عرض وتأويل الفكرة وكيفية إكساب الفكرة قيمة كترتيب الألوان في اللوحة الفنية، فهنا تُعطى مضمون وقيمة اللوحة عبر ترتيب الألوان وطريقة عرضها؛ أي عبر عرض الفكرة.
(7)      : أي عبر وجود ذات الماهية الإستطيقية الكلية؛ فوجود ذات الطبيعة مثلاً يعطي لنفسها قيمتها، أي أن وجود السهول والوديان والخَضار... الخ يعطي للطبيعة قيمتها الاستطيقية.