‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما بعد الحداثة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما بعد الحداثة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 نوفمبر 2016

أفول عصر التنوير وصعود ما بعد الحداثة في الأدب العربي


الحداثة كفلسفة تنطوي على نزعة تناهض فلسفة “التنوير” التي تعتبر عصب الحداثة من حيث تأكيد هذه الأخيرة على الدور المركزي للعقل.

خلدون الشمعة*

رسمة لبهرام حاجو

“هذه الدراسة التي تتعقب أفول عصر التنوير وصمود ما بعد الحداثة في تجربة الأدب العربي المعاصر هي بمثابة إعادة صياغة نقدية لمفهوم الخصوصية بمحمولها المعرفي والإثني، أي اختزال الجماعات والدول بمخيالها الطائفي والقبلي والإثني، وتحجيم أبعاد هويتها الأخرى، وهو مفهوم قد طفر ويطفر بنا على صعيد العالم العربي من حق الاختلاف إلى حق الانتحار”.

منعطف ما بعد الحداثة

في عام 1971 أصدر إيهاب حسن، الناقد الأميركي المصري الأصل كتابا لافتا عنوانه “تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثي”.
مصطلح ما بعد الحداثة Postmodernism يعود بتاريخه إلى تلك الفترة بالذات. ولعل هذا الناقد هو أول من أطلق هذا المصطلح للدلالة على ما أسماه في كتاب لاحق “منعطف ما بعد الحداثة”. هذا المنعطف يؤكد على تداخل مفهومي “الحداثة” و”ما بعدها”. إذ ليس ثمة من قطع أو انقطاع بينهما، بل منعطف يؤذن بحدوث تغيير في مسار الحداثة نفسها.
وقد لجأ إيهاب حسن إلى الأسطورة اليونانية من أجل شرح المقصود من هذا التحول الذي طرأ على مفهوم الحداثة. واختار لذلك أسطورة أورفيوس على وجه التحديد. لماذا هذه الأسطورة بالذات؟ لأن دلالتها تشير إلى حالة التشظي. كانت الحداثة أو بالأحرى الأيديولوجيات أو الأفكار الشمولية التي تستظل بها، تدّعي أن لديها حلولا جاهزة لكل المشكلات، وأن التطور البشري يتسم بـ”الخطيّة” أي التحرك على شكل خط صاعد مستقيم في اتجاه التقدم، وبالتالي فإن الحداثة تملك مفاتيح الحقيقة المطلقة. ولكن نزعة ما بعد الحداثة تمثل في هذا السياق بالذات، حركة التحول من الحقيقة المطلقة إلى الحقيقة النسبية.

الحقيقة المطلقة تشظت على نحو يذكّر بجسد أورفيوس الذي تمزق إلى مزق وشظايا. ففي تلك الأسطورة يبرز أورفيوس باعتباره رمزا للشاعر ذي القدرات السحرية الخلاقة التي تمثل بعزفه على القيثارة وغنائه في مواجهة إغراء جنيات البحر من جهة، وصموده أمام رغبات الآلهة الجبارة من جهة أخرى.
يتزوج أورفيوس حورية خارقة الجمال تدعى “يوريدس ولكنها سرعان ما تموت بعد إصابتها بلدغة أفعى. وهكذا ينطلق في رحلة إلى العالم السفلي بحثا عنها. وما أن تكتشف النسوة شدة إخلاصه لتلك الحبيبة وتعلقه بها حتى تجتاحهن الغيرة القاتلة فيمزقن جسده إربا إربا.

الشاعر والمأساة

أورفيوس المعاصر كما يراه إيهاب حسن رمز الفنان الذي يرضخ لمصيره المأساوي كمبدع مقطّع الأوصال، يمارس العزف على قيثارة بلا أوتار. لقد انهارت الحقائق الكلية ولم يعد ثمة من يقين بل شظايا مبعثرة تحوم في كل اتجاه.

ولكن نزعة ما بعد الحداثة هذه ليست ظاهرة أعقبت الحداثة كما يوحي المصطلح للوهلة الأولى، وإنّما هي متداخلة معها إلى الحد الذي يمكن معه القول إن كتّابا حداثيين من أمثال فرانز كافكا وجان جينيه وصمويل بيكيت وجيمس جويس، أعاد بعض النقاد تعريفهم مؤخرا وصاروا يوصفون باعتبارهم كتاب نزعة ما بعد الحداثة. هناك إذن مشكلة سياق تتعلّق بموقع كل من الحداثة وما بعدها من حيث التتابع الزمني. فالعمل الفني ما بعد الحداثي لا يعقب العمل الفني الحداثي بالضرورة. وبعبارة أخرى فإن صفة Post أو ما بعد ليست زمنية دائما وإنما يمكن أن تكون كذلك أو لا تكون. وهذا مؤشّر يدل على شيء من الاضطراب في المصطلح. ولكن تطوّر السجال الذي دار ويدور بين النقاد هو الذي أسهم ويسهم في تحديث معناه بالتدريج.

ويمكن القول إن ما بعد الحداثة كفلسفة، تنطوي على نزعة تناهض فلسفة “التنوير” التي تعتبر عصب الحداثة من حيث تأكيد هذه الأخيرة على الدور المركزي للعقل وإمكان تحقيق المجتمع العقلاني المنشود.

وبالمقابل تعترف فلسفة ما بعد الحداثة أن ثمّة قوى قاهرة تتحكم بالمجتمع ولا يمكن السيطرة عليها. وبالتّالي فهي ترى أنه لا مجال للتفاؤل الذي تبديه الحداثة. بل إنّ رفض ما بعد الحداثة لوجود حقائق مطلقة، خلافا لموقف الحداثة، يمكن اعتباره نتيجة من نتائج التشظّي.

وأما في المجالين الثقافي والفنّي فإن نزعة ما بعد الحداثة توصف بكونها انتقائية eclectic. وهذه السمة تتجلى في اعتماد الأعمال الفنية ما بعد الحداثية على عناصر مستمدة من أجناس أدبية متعددة وتيارات وأساليب وتقنيات مستلّة من مصادر متباينة.

وعلى الرغم من أن بعض المؤرخين يشير إلى أن هذه النزعة بدأت في مجال الهندسة المعمارية في مطلع القرن الماضي فإن تداولها شاع في سبعينات ذلك القرن مع انحسار حد الحداثة وظهور ثقافة ما بعد الصناعة.

يمكن القول إذن إن نزعة ما بعد الحداثة استمرت في استخدام بعض تقنيات الحداثة التجريبية، ولكنّها أظهرت العداء تجاه سمات حداثة أسلوبية معيّنة كالحرص على صفاء الشكل وضرورة البعد عن الهجنة التي يسببها المزج بين مختلف الأجناس الأدبية.

ولعل أحد أبرز سمات النزعة ما بعد الحداثية الاعتراض على ما تدعوه بالسرديات العظمى Grand Narratives، أي محاولة تغيير السلوك البشري من خلال نظرية أو أيديولوجية واحدة كالماركسية أو علم النفس الفرويدي أو البنيوية.
وأما الفكرة المركزية التي تطرحها فتكمن في نفي وجود سردية (أي قصة لها بداية ونهاية) تزعم القدرة على امتلاك الحقيقة (على غرار تلك التي بشرت بها النزعات التي استظلت بالحداثة). وأساس هذه الفكرة هو الاعتقاد أن المجتمع المعاصر متشظ ومنقسم بفعل طغيان ثقافة استهلاك السلع التي توصف بالتفاهة، وتجعل فهم ذلك المجتمع كوحدة كلية أمرا متعذرا.

ولذلك يرى بعض الفلاسفة المعاصرين كالألماني يورغن هبرماس أن نزعة ما بعد الحداثة تتسم بالمحافظة، ويعلل ذلك الحكم بقوله “إنها لا تبدي مقاومة للأمر الواقع.

الوضع ما بعد الحداثي

ولا شك أن أحد أبرز منظّري ما بعد الحداثة هو الفيلسوف الفرنسي ليونار الذي يساجل في كتابه “الوضع ما بعد الحداثي” (1979) بالقول إن سرديات أشكال المعرفة سيطر عليها الخطاب العلمي الذي يضّحي بالغاية من أجل الوسيلة. وهو يعني بذلك أن البحث العلمي الذي يجد تمويلا ماديا أكبر هو الذي يصبح معترفا به. فكأن الوسيلة التي تمثل التمويل هي التي تفرض مشروعية الغاية واعتمادها كحقيقة ناجزة، كما تفعل بعض شركات الأدوية العالمية.
ثمة مفكر فرنسي آخر يمارس الفلسفة وعلم الاجتماع هو جان بودريلار، أطلق عليه بعض النقاد لقب كاهن ما بعد الحداثة، ولكنه يرفض هذه الصفة بقوله إنها تشير إلى وضع ثقافي “وضيع ورجعي ومنحط” لا يزعم تبنيه.

يعتبر بودريلار مفكرا ما بعد حداثي بامتياز. فقد قدم تحليلات تشكك بالرأسمالية المعاصرة وثقافة الاستهلاك وأجهزة الاتصال الجماهيري mass media. كما أن نقده لفكرة التقدم التاريخي في الماركسية والهيغلية، وحلول وهم الـSimulation أي الواقع الافتراضي الذي تعرضه شاشات الإنترنت، محل الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ بل الواقع نفسه، جعله أحد أبرز المتمرّدين على طغيان النزعة الاستهلاكية المسيطرة على الرأسمالية المعاصرة.

ففي ثقافة تعتمد على الاستهلاك بدلا من الإنتاج لم يعد معنى الأشياء يكمن في فائدتها بل حيازتها. كما أن الحاجة لم تعد نتيجة من نتائج الندرة، بل صارت علاقة افتراضية زائفة ومصممة بحيث يؤدي وجودها إلى حيازة أشياء وهمية لا تشبع حاجات المستهلك. وهكذا تصبح تجارة السلع وسيلة من وسائل السيطرة على المجتمع. والنتيجة أنه لم يعد ثمة مجتمع بل جماهير لا تكف عن الاستهلاك.

ثمة أطروحة نقدية لافتة لبودريلار كرّسها لتفنيد المفهوم الهيغلي/الماركسي المتعلق بنهاية التاريخ. ففي العام 1992 الذي صدرت خلاله الطبعة الأولى من كتاب “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” للمفكر الأميركي الهيغلي فرانسيس فوكوياما الذي أعلن عن “نهاية التاريخ” بعد انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي وانتصار الرأسمالية، في ذلك العام ظهر كتاب “وهم النهاية” وفيه يلاحظ المفكر الفرنسي أن تسارع الحداثة المتمثل في تنامي قوة التكنولوجيا والاتصالات الكونية ووسائل الاتصال الجماهيري، قد أدى إلى ظهور ظاهرة الواقع الافتراضي الذي لم يعد بالإمكان تمييزه عن الواقع.

وبهذا المعنى كتب بودريلار دراسته “حرب الخليج لم تقع (1995)، وهي بحث يساجل فيه بالقول إن حرب (1991) ضد العراق كانت حربا مرسومة كواقع افتراضي، وأن نتيجتها كانت معروفة سلفا، فضلا عن أنها عرضت على التلفزيون لكي ترضي حاجة الطرفين المتنازعين لتبرير مشاهد ذلك الواقع. وهو يرى أن التاريخ يصل إلى نهايته فعلا (في العالم الافتراضي) ولكن ليس على النحو الذي أشار إليه هيغل وماركس. فبدلا من الوصول إلى أقصى مراحل التطور صار الجنس البشري يراوح مكانه.. أي في الزمن الحاضر.

ما هو التنوير؟

بادئ ذي بدء أشرنا إلى عداء نزعة ما بعد الحداثة تجاه عصر التنوير Enlightenment. هذه السمة تعد من أهم سمات تلك النزعة. فالحضارة الأوروبية الحديثة لم تكن حضارة مسيحية بقدر ما كانت نتاج عصر التنوير.

فما هي خصائص عصر التنوير؟..

التنوير ظاهرة ثقافية بدأت في أوروبا القرن السابع عشر. وهناك سجالات تعكس خلافات في الرأي حول ماهية هذا التنوير وما إذا كان مستمرا حتى الوقت الحاضر.

ثمة فلاسفة ينتمون إلى عصر التنوير كالفيلسوف ديكارت ادّعوا أن العقل هو الذي يجعلنا بشرا. وتبعا لذلك فإن من الممكن، بانتهاج طريقة معينة في التفكير الفلسفي، استخدام العقل من أجل التوصّل إلى معرفة معصومة عن الخطأ. فالعقل كوني وموضوعي ومستقل بذاته، وعندما يستخدم وفق منهج محدد يصبح تقدم العلم والمجتمع ممكنا.

وأما روسو فكان أقل إيمانا بدور العقل والعلم من ديكارت، غير أنه ظل مؤمنا بالتقدم السياسي. إذا سمحنا لاستقلال الأفراد العقلي بالتعبير عن نفسه، وتمكنّا من إقناعهم بإحلال حريتهم “المدنية” محل حريتهم “الطبيعية” صار التوصل إلى المجتمع السياسي الكامل أمرا ممكنا.

الفيلسوف الألماني كانط، أحد أعمدة عصر التنوير، استخدم إيمانه بالفكر العقلاني من أجل تعزيز المعتقدات الأخلاقية. وهو يرى أن بإمكان العقل العملي استنباط قوانين أخلاقية عالمية ومطلقة تكون صحيحة دائما وبالتالي ملزمة للجميع.

هذه الأفكار التي تعود إلى عصر التنوير منحت الأوروبيين الثقة بمستقبل التقدم العلمي والأخلاقي والسياسي. وقد استمر تأثيرها حتى القرن التاسع عشر، وظلت مطروحة لا تتعرض للمساءلة حتى ظهر الفيلسوف الألماني نيتشه الذي كتب يقول “في زاوية قصية من الكون كان هناك كوكب تمكنت الحيوانات الذكية التي تقطنه من اختراع المعرفة. لقد كانت تلك اللحظة إحدى أشد لحظات التاريخ الإنساني غطرسة وزيفا”.

وفي رأي نيتشه إنه لا توجد سوى حقيقة “حقيقية” واحدة تتعلق بالإنسان والعالم هي “إرادة القوة” التي لا يمكن كبح جماحها. وبعبارة أخرى فإن البشر يصنعون الحقائق بإرادتهم المدعومة بالقوة التي تساعدهم على البقاء كجنس بشري. فالمعرفة والحقيقة أداتان مؤثرتان، مفهومان يشيران إلى قدرة البشر على الخلق والابتكار.
ولهذا لا يمكن أن يكونا مفهومين موضوعين نظرا لأنهما مسخرتان دائما لخدمة مصلحة أو هدف بشري.

لم يطور نيتشه إبستيمولوجيا (نظرية معرفة) متماسكة، بل عبّر عن آرائه بطريقة فنية مليئة بالتشابيه والاستعارات. وهو يتفق مع الفيلسوف اليوناني هيراقليطس بأن الكون في صيرورة مستمرة، وأنه في حالة من الفوضى والتغير تجعل أيّ شعور بالاستقرار نشعر به هو ذاك الذي نصنعه بأنفسنا. فمعنى أن يعرف المرء هو “أن يفرض المقاييس على عمليات فوضوية تجعل العالم مفيدا لنا وتمنحنا الإحساس بالقوة والسيطرة”.

وفي دراسة مهمة ظهرت في عام 1873 تحت عنوان “حول الحقيقة والزيف بالمعنى الفائض عن الأخلاق” يشير نيتشه إلى أن اللغة لا بد أن تكون استعارية (مجازية)، والدليل على ذلك أنها عاجزة عن وصف واقع العالم بدقة. كما أن مفاهيم “الحقيقة” و”المعرفة” مفاهيم استعارية كامنة في اللغة نفسها وبالتالي ليس بإمكانها إبلاغنا بشيء دقيق عن العالم.
وجهة النظر اللافتة هذه، حول العلاقة بين اللغة والعالم سبقت العديد من أقطاب القرن العشرين من أمثال فيتغنشتاين ودريدا.

لقد رأى نيتشه أن اللغة لاعب رئيسي في عملية خداع مستمرة للذات. فنحن نفكر بالكلمات وبالتالي نفترض على نحو آلي أن ثمة أشياء في الخارج تشير إليها. الكلمات مفيدة لنا نظرا لأننا نستطيع استعمالها من أجل تبسيط صورة الفوضى والتعقيدات المحيطة بنا، ولكن هذا كل ما تستطيع الكلمات أن تفعله.
هذا الشك بوجود الحقيقة المطلقة هو الذي جعل الباحثين في تاريخ الأفكار ينظرون إلى نيتشه باعتباره أول مفكر طرح الفكرة المركزية في منعطف ما بعد الحداثة الذي صار مصطلحه متداولا بدءا من سبعينات القرن الماضي.

الأدب العربي وما بعد الحداثة

قبل زمن غير بعيد دعيت للكلام عن الأدب العربي وعلاقته بما بعد الحداثة، فتذكرت حوارا جرى آنذاك بيني وبين أحد الأصدقاء حول الموضوع نفسه، اختصره بالقول: إذا كانت الحداثة إشكالية مفتوحة ذات طابع خلافي من حيث علاقتها بالأدب العربي، فكيف الأمر بما بعد الحداثة؟ كيف ننزلق في سجالاتنا الفكرية إلى ما بعد الحداثة ونحن نعيش مرحلة أفول عصر التنوير، مرحلة النكوص عن الحداثة نفسها؟..

الجواب على هذا التساؤل يقتضي في تقديري أن نعاود صياغته على النحو التالي: هل الحداثة مفهوم سابق زمنيا على مفهوم ما بعد الحداثة وبالتالي فهو نقض له أو استكمال أو إعادة نظر؟..
قبل كل شيء علينا أن نميز بين مصطلحين: Postmodernism أي ما بعد الحداثية، وPostmodernity أي ما بعد الحداثة.

المصطلح الأول نعني به النقد الفلسفي لمفهوم السرديات العظمى أي فكرة اعتبار الأيديولوجيات والأفكار الكبرى مجرد قصص أو قطع سردية عظمى أو خطابات الماركسية والدين وجميع الأفكار الشمولية التي تدّعي ملكية الحقيقة.

فما نعني به هو الشرط الاجتماعي، أي الشّرط السائد اجتماعيا للعناصر المكونة لما بعد الحداثة وهي: تكنولوجيا المعلومات والعولمة والشكل المتشظّي للحياة العامة وطغيان النزعة الاستهلاكية وإطلاق العنان للأسواق التجارية والخوصصة.

وأمّا المصطلح الثاني فهو يشير إلى ظهور وضع جديد ذي محمول معرفي وجمالي يشكّل تحديا مباشرا لا لبس فيه للمؤسسات القائمة. فمما لا شك فيه أن هناك تآكلا جاريا الآن، يطال جميع السرديات العظمى كالأيديولوجيات، والمعتقدات الدينية، ويتمثل في طغيان التلفزيون والإنترنت والفيديو. ولهذا فما قاله الباحث الباكستاني أكبر أحمد في كتابه Postmodernism & Islam يدعو للتأمل وقد ينطوي على شيء من الصحة. فهو يرى من منظوره الإسلامي أن المسيحية لا تهدد الإسلام بل إن ظاهرة “مادونا” هي التي تهدده.

وبعبارة أخرى فإن تأثير ظاهرة ما بعد الحداثة صار ماثلا في الحياة العربية نفسها، فأشكال النزعة الاستهلاكية الغربية كما يبين عالم الاجتماع البريطاني بريان تيرنر تمارس أثرا أكبر بكثير من المعتقدات التقليدية التي يحملها الزعماء الدينيون والنخب الفكرية في المجتمع.

وإذا كان هذا صحيحا أمكن القول إن الأيديولوجيا الدينية صارت تبعا لذلك تفرض بالقوة وليس بالإقناع أو التبشير.
ولا مراء في أن زوال الحدود بين الثقافتين الكلاسيكية العليا Highculture والثقافة الشعبية الدنيا، وهو نتيجة من نتائج العولمة قد أدى إلى ظهور ثقافات سائدة ذات صبغة شعبوية متأثرة بالفيديو والتلفزيون وشبكة الإنترنت وسائر منتجات التكنولوجيا السمعية والبصرية.
وباختصار فإنّ نزعة ما بعد الحداثة ترتبط على حد تعبير جيمسون بـ”المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة”. ولعل من الأصوب القول، كما يرى ليونار، إن “نزعة ما بعد الحداثة تمثل الوضع العام للمعرفة في زمن تكنولوجيا المعلومات”.

ما يهمّنا من هذه التعريفات الآن، من حيث علاقتها بالأدب العربي تحديدا هو أن مفهوم ما بعد الحداثة يمثل تحديا على المستويات التالية:

أولا: التشكيك بفكرة الأصالة في الأدب.
ثانيا: إزالة الحدود بين الأجناس الأدبية.
ثالثا: إزالة الحدود بين الأشكال الفنية.
رابعا: إزالة الحدود بين نظرية النقد وبين الأدب نفسه.
خامسا: إزالة الحدود بين ما يدعى بالأدب الرفيع وبين ثقافات الإعلام الجماهيري.
سادسا: إيلاء فكرة الاختلاف أهمية استثنائية وتغليب المحلي والإثني والخاص على العالمي المرتبط بالنزعة المركزية الأوروبية.

بالنسبة إلى المستوى الأول لما بعد الحداثة، أي التشكيك بفكرة الأصالة، يستدعي السياق كتاب “بدايات: المقصد والمنهج” الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1975. في هذا الكتاب السابق على “الاستشراق” يبلور إدوارد سعيد اعتراضه النقدي على مفهوم الأصالة مفضلا عليه مفهوما آخر هو البداية: هناك بدايات وليس أصولا. فلكل أصلٍ أصلٌ أبعد منه. وبذلك يمكن القول على صعيد الممارسة إن التصور الآخر لدلالة مفهوم الأصالة، وهو القدرة، على الخلق والابتكار قد حلّ محلّ مفهوم الأصالة المرتبط بالنكوص إلى الأصل والأصول.
كما أن المعاني التي تكوّنها الأصول الأدبية لا توصف بأنها أصيلة تبعا لما تقدم، وإنما هي تعتمد على مصادر ونماذج يعاد إنتاجها واستغلالها.

وفي حين أن نزعة الحداثة أو الحداثية Modernism تحديدا هي مشروع إبداع فإن نزعة ما بعد الحداثة جاءت لتضع حدودا للكلام عن الإبداع على غير مثال مسبق. وأحد الأمثلة على ذلك الكتاب الذي أصدره أدونيس بعنوان “الكتاب” وما يبديه من اهتمام استثنائي بخلق هالة لاهوتية، والعودة إلى المتنبي وإعادة إنتاجه مجددا. وكذلك كتاب كمال أبو ديب “عذابات المتنبي في صحبة كمال أبو ديب والعكس بالعكس. وهو نص يحاول فيه صياغة تأويل مغاير للمتنبي ولحياته، يبلغ فيه من الذاتانية أو الإيغال بتغليب الذات على الموضوع مبلغا يجعله لا يتقمص شخصية المتنبي فحسب بل يختلق عملية تقمص معاكس يتخيل فيه المتنبي وقد تقمص شخصية أبو ديب نفسه.

والملاحظ أن هذا النص يستثمر تقنيات ما بعد الحداثة إلى حد بعيد. فهناك الاهتمام بالهامش وابتداع وثائق غير ذات أصل وإنما هي مخترعة اختراعا، فضلا عن أنّ صورتها منشورة في النص كصفحات مكتوبة بخط اليد.

وفكرة المذكرات هذه، المنسوبة إلى المتنبي يشير فيها ماليء الدنيا وشاغل الناس إلى أن كمال أبو ديب: “يكتب عني بهوس.. وأن صديقه أدونيس “يكتب عني أيضا”.. وأن هذا شيء رائع لأن شاعرا عظيما “يكتب عن شاعر آخر”.
والحال أن النهج الذي ينتهجه أبو ديب في “عذابات المتنبي”، يقدم مثالا نموذجياً لعمل من أعمال ما بعد الحداثة، ففيه خليط يمزج بين الواقعي والخيالي، والنثر والشعر واللوحة، فضلا عن تقنية الكولاج أو الباستيش.
وهذه التقنية يضمّن فيها كاتب النص نصا أو نصوصا أدبية أخرى ويشير في الوقت نفسه إلى أن هذا ما يفعله بالضبط. وكان الروائي إدوارد الخراط قد درس في كتاب أصدره بعنوان “الكتابة عبر النوعية” ظاهرة المزج بين جنس القصة وجنس القصيدة.

وأما على صعيد الرواية فإن الروائي جمال الغيطاني يوظف نصوصا من عصر الانحطاط ليعيد بها كتابة روايته “الزيني بركات” التي تتحدث عن مصر المعاصرة.
فينهج بذلك نهجا ما بعد حداثي ليس فقط من حيث التشكيك بفكرة الأصالة أو الابتكار على غير مثال، كما تفعل الحداثة، وإنما من حيث التأكيد على نحو لا يخلو من السخرية غير المصرح بها على أن نصا ماضويا غير حداثي وينتمي إلى عصر الانحطاط، يصبح معبّرا عن حاضر ما بعد حداثي أفضل تعبير.

وهناك أمثلة أخرى كثيرة في الرواية العربية المعاصرة تؤكد على التقنيات ما بعد الحداثية التي تقوم على استغلال علاقات التجاور Juxtaposition التي تكشف عن المفارقة والتناقض في الواقع، وعلى تقنيات الباستيش والتضمين والمجاز.

فرواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم مثلا تنتهي بصورة معبرة، وذلك على النحو التالي “مضيت أنصت للموسيقى التي ترددت نغماتها في جنبات الحجرة.. وبقيت في مكاني مطمئنا منتشيا حتى انبلج الفجر. عندئذ رفعت ذراعي المصابة إلى فمي وبدأت آكل نفسي”.
هذه ربما كانت الرواية الوحيدة التي تنحو نحوا ما بعد حداثي، وتحفل بنقد النزعة السّلَعية الاستهلاكية السائدة التي تشكل علما على “المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة” لا تجد الحل أو النهاية بمجاز يأكل فيه بطل الرواية نفسه فحسب، بل باستحالة الخروج من حصار خانق.
وتكمن السخرية هنا في أن الرؤية القائلة إن الثقافة السّلعية السائدة هي ثقافة تآكل والتهام.. ولهذا فإن المجاز الذي تنتهي به الرواية يكتسب دلالة مزدوجة في هذا السياق بالذات.
وكان صنع الله إبراهيم قد كتب رواية أخرى هي “نجمة أغسطس تحدث فيها عن تجربة السد العالي وضمّنها صفحات مستلة حرفيا من رواية تاريخية عنوانها “التاج والصولجان” للكاتب الأميركي إرفنغ ستون، مؤكدا بذلك على إمكانية التضمين الحرفي لأعمال أخرى تبدو للوهلة الأولى ناشزة عن روايته إلى حد كبير.

والحال أن هذه الرواية تنفي مفهوم الاكتمال الذي يحتفي به السرد الحداثي أيما احتفاء، لتطرح بدلا منه مفهوم الهجنة المعبر عن نزعة ما بعد الحداثة بامتياز.

وإذا نظرنا إلى قصص الأرجنتيني بورخيس التي عرفت في الأدب العربي رواجا لا مثيل له، نستكشف مدى السخرية التي تتوفر عليها أعمال هذا الكاتب ما بعد الحداثي الذي يحتفي به المثقفون العرب أيما احتفاء والذي يعيد استعمال النصوص السردية القديمة ومنها نصوص مستلة من ألف ليلة وليلة ليبرز ما كان يردده دائما من أن الكتاب نسّاخ أمناء للروح وشرّاح لأنماط أسطورية عليا كانت قائمة من قبل. وبعبارة أخرى فإن الكتّاب على حد قوله لا يبتكرون جديدا وإنما يعيدون القول باستمرار.

وإذا نظرنا إلى الشعر العربي الحديث متلمسين فيه عناصر ما بعد حداثية، فلا بد أن تبرز أمامنا بوضوح تقنية “القناع Persona التي برع الشعراء الرواد في استخدامها والتي تطورت عن تقنية أخرى لاقت انتشارا كبيرا ونعني بها تقنية “الإلماعة” التي هي عبارة عن إشارة عابرة في القصيدة إلى شخصية أو حادثة أو أسطورة أو عمل أدبي بهدف استدراج مشاركة القارئ واستدعائها.
هذه التقنية المزدوجة بشقيها (الأكبر والأصغر) أي القناع والإلماعة، وهي تقنية تناصية Intertextual برع بها عمر أبو ريشة والسياب والبياتي وأدونيس على سبيل تعداد القلة لا الحصر، تذكرنا من حيث أدواتها الإجرائية بتقنيات ما بعد الحداثة.

وهكذا يمكن القول إنه إذا كانت الحداثة إبداعا أو ابتكارا على غير مثال، كما يردد منظروها وعلى رأسهم أدونيس، فإن نزعة ما بعد الحداثة تستحضر في أذهاننا فورا نظرية الخطاب التي تؤكد على أن الخطابات لا تطابق الحقيقة الماثلة هنا أو هناك وإنما هي ترتد إلى اللغة نفسها. ولهذا فإنها مجرد سرد للحقيقة من وجهة نظر نسبية بحتة.

تلك هي ملامح من تمثيلات ما بعد الحداثة في نماذج من الأدب العربي، تعبر عن التشظي الاجتماعي الذي أصاب المنطقة العربية، وهو تشظ يفسح مكانا لإعادة النظر في الحقيقة، واعتبارها باسم حق الاختلاف نسبية لا علاقة لها بالسرديات العظمى.

نفسر هذا ونقول: إن تضخم مفهوم الخصوصية بمحمولها المعرفي الديني والإثني، أي اختزال الجماعات والدول بمخيالها الطائفي والقبلي والإثني، وتحجيم أبعاد هويتها الأخرى قد طفر ويطفر بنا على صعيد العالم العربي من حق الاختلاف إلى حق الانتحار.

من التناص إلى التطريس

ما تقدم من أفكار تتصل بمفاهيم ما بعد الحداثة وبعض تمثيلاتها في الأدب العربي، لا يفعل سوى التأكيد على فاعلية مفهوم التناص مشفوعا بأدواته النقدية المعروفة. والمطلوب هو استحداث إطار مرجعي يستوعب ما أعتبره بمثابة مفهوم فائض على مفهوم التناص، مفهوم يطرح مسألة النقد المبني على نص عمل سابق عليه طرحا يتجاوز فكرة الاستنساخ وإعادة الإنتاج.

وفي تقديري إن كتاب (Palimpsestes): (طروس) (1982) يصلح مفتاحا لتفسير علاقة العمل الأدبي بأصله وهي ليست علاقة بالمطابقة أو عدمها، علاقة تدور في ما يدعى بـ”الفضاء الافتراضي”، وتفضي إلى دلالة موضوعة وليست مستنسخة عن أصل.
كلمة “طروس عنوان الكتاب، هي جمع “طرْس، وطَرَس الشيء محاه. أما فعل طَرَّس: فيعني إعادة الكتابة على المكتوب الممحو. وهذه المعاني المستلة من المعجم العربي هي نفسها المعاني التي يفصح عنها عنوان جينيت بأصوله اللاتينية والإغريقية.

ويشغل مصطلح hypertexuality أي العلاقة المتجاوزة للنص موقفا مركزيا في الكتاب. وهو يدل على العلاقة بين النص اللاحق (hypertext) مع نص سابق عليه (hypotext). وباستخدامه لتشبيه الطرس palimsest في تفسير تركيب نص على نص آخر دون محوه كليا، ينهمك جينيت بتقديم دراسة شاملة لمختلف أجناس العلاقات المتجاوزة للنص (hypertextual). ولعل أحد أبرز هذه الأجناس التي تتصل بموضوعنا، الجنس الأدبي الذي يعتمد محاكاة نموذج يُستدعى من قبل الكاتب من أجل خلق أو استحداث نص لاحق عليه (hypertext).

في طليعة النماذج الذي ينطبق عليها التوصيف الآنف الذكر، رواية الكاتب العراقي أحمد سعداوي “فرانكشتاين في بغداد” التي وصفت بأنها “استوعبت اللحظة العراقية بجميع ملامحها، وتسلحت بكثير من الجرأة في البحث عن العلاقة الخفية التي تحكم مفردات الواقع العراقي وتتسبب في مآسيه”.

وهذه الرواية الفائزة بجائزة بوكر العربية (2014)، ينعقد السرد فيها على حكاية هادي العتاك، بائع العاديات الذي يجمع بقايا جثث ضحايا التفجيرات الإرهابية في بغداد ليصنع من تلك الأشلاء كائنا بشريا محكوما برغبة الانتقام من قاتليه.

وقد علق الناقد السعودي سعد البازعي نيابة عن لجنة التحكيم بقوله إن اختيار الرواية للجائزة جرى تقديرا لـ”مستوى الابتكار في البناء السردي كما يتمثل في شخصية تختزل مستوى ونوع العنف الذي يعاني منه العراق وبعض أقطار الوطن العربي والعالم في الوقت الحالي. وفي الرواية عدة مستويات من الرد المتقن.. وهي تعد إضافة مهمة للمنجز الروائي العربي المعاصر”.

هذه الرواية تستدعي مفهوم التناص الذي يرقى إلى ما دعاه جيرار جينيت بـ”التطريس أو تركيب عمل أدبي لاحق فوق طرس سابق عليه، وذلك في عملية استبدال افتراضي. وأما الطرس الممحو افتراضيا فهو رواية (Frankenstein ; or the modern Prometheus) “فرانكشتاين أو برومثيوس الجديد” للكاتبة الإنكليزية ماري شيللي (Mary wolls tonecraft shelly) (1791 – 1851) زوجة الشاعر الإنكليزي شيللي.

تنتمي هذه الرواية إلى أدب الرعب Gothic الذي ازدهر في فترة صعود الرومانتيكية في بريطانيا. وهي تروي حكاية الدكتور فرانكنشتاين، الباحث السويسري في الفلسفة الطبيعية الذي يكتشف خلال بحثه الجامعي إكسير الحياة الذي يمكن بواسطته جعل المادة تشعر وتتحرك.

فيقوم تنفيذا لذلك بجمع العظام والأشلاء ليصنع منها كائنا بشريا يمنحه الحياة. وهكذا ينجح فرانكشتاين بتجاربه في خلق وحش خارق القوة ولكنه بالغ القبح والبشاعة الجدية، وحش سرعان ما ينقلب على خالقه ويسعى إلى التخلص منه.

هذه الرواية التي يرى النقاد أنها تستعيد أسطورة “المتوحش النبيل” مدينة في تميزها الوصفي لإعجاب مؤلفتها ماري شيللي بشعر كولردج وبخاصة قصيدته الشهيرة “الملاح القديم”.
النموذج الروائي الثاني المماثل للنموذج السابق، هو رواية عنوانها (2048) من تأليف الجزائري بوعلام صنصال. وفي تقديري أن كونها كتبت بالفرنسية لا يحول دون انتمائها إلى الأدب العربي المعاصر وذلك أسوة بكوكبة متعاظمة من الروائيين الجزائريين بدءا من مولود فرعون ومرورا بمالك حداد وآخرين.

من الواضح أن رواية (2084) تستدعي إلى الأذهان رواية الكاتب البريطاني جورج أورويل (1984) على الفور. فالروايتان السابقة واللاحقة تشتركان بعلاقة تشابه من حيث التصدي لموضوع خطير هو النظام التوتياليتاري. كما تتماثلان بالتطابق من حيث العنوان المشحون بالدلالات. ولكن علاقة التطريس بين العمليتين تكتسب أهمية استثنائية إذا ما نظر إليهما من منظور أدب ما بعد الحداثة.

فهذا الأدب كما أشرنا يمثل اعتراضا على ما يدعى بالسرديات العظمى، أي محاولة تفسير السلوك البشري من خلال نظرية أو أيديولوجية واحدة، فضلا عن تأكيده على عدم وجود سردية لها بداية ونهاية وتزعم القدرة على امتلاك الحقيقة على غرار النزعات التي استظلت بالحداثة. وبهذا يمكن القول إن سردية ما بعد الحداثة تمثل أفول تفاؤل عصر التنوير بامتياز.

المثال الثالث الذي يستدعي إلى الأذهان النموذج المرجعي paradigm الذي طرحه جينيت هو رواية The Meursault investigation “تحقيق ميرسو” لروائي جزائري آخر هو كامل داوود. هذه الرواية مبنية على علاقة “اشتباك” أكثر منها علاقة استبدال، علاقة اشتباك برواية شهيرة من تأليف الكاتب الفرنسي ألبير كامو، وأعني بذلك رواية L’Etranger (الغريب). رواية كامو هذه التي يقتل فيها ميرسو عربيا مجهول الاسم، تبدأ بالجملة التالية “ماتت أمي اليوم”، بينما تبدأ رواية كامل داوود بالجملة التالية “ماما مازالت على قيد الحياة اليوم”. في رواية كامو يقدم ميرسو للمحاكمة وكأن محاكمته تكمن في كونه لم ينتحب في جنازة أمّه أكثر من كونه قد قتل عربيا.

هكذا يقدم الروائي الجزائري علاقة الاشتباك برواية كامو الذي يقتل فيها ميرسو عربيا لا يذكر اسمه. إنه بلا هوية. ولكن روايته: “تحقيق ميرسو” تمنح قتيل رواية كامو اسما وهوية. وبهذا المعنى فإنها تطرح رؤية لا تمحو طرس كامو بل تقدم اعتراضا نقديا على عمل روائي عظيم ينتمي إلى ثقافة أخرى، كما أنه لا يضمن سلطان السابق على اللاحق.

*ناقد من سوريا مقيم في لندن

*المصدر : العرب اللندنية ، العدد 10199 ، 2016/02/28 

الجمعة، 24 يونيو 2016

ما بعد الحداثة ومجتمع الاستهلاك: فريدريك جيمسون

ترجمة: عابد اسماعيل (شاعر واكاديمي من سوريا)



ان المنظرين الاجتماعيين، والمحللين النفسانيين، واللغويين يتناولون، جميعا، فكرة ان ذلك النوع من الفردانية والهوية الشخصية شيء من الماضي، وان الفرد القديم أو الفاعل الفرداني "ميت،" بل انه يمكن للمرء أن يصف مفهوم الفرد المتفرد والأساس النظري للفردانية أيديولوجيا.

فريدريك جيمسون

إن مفهوم مابعد الحداثة ليس مقبولا أو حتى مفهوما بشكل واسع اليوم. بعض الرفض يتأتى من عدم الإحاطة بالأعمال التي يغطيها، والتي يمكن أن توجد في كل الفنون: شعر جون أشبري، على سبيل المثال، وحتى في كثير من الأشكال الأبسط من الشعر المحكي الذي جاء كردة فعل ضد الشعر الحداثي الأكاديمي الساخر والمعقد في الستينيات؛ ردة الفعل على العمارة الحديثة، وبشكل خاص ضد الأبنية العملاقة ذات الطراز العالمي، وأبنية اللهو والسقوف المزخرفة التي احتفى بها روبرت فينتوري في بيانه (التعلم من لاس فيغاس)؛ أندي وارهول، وفن البوب، وتلك الأشكال الأكثر راهنية من الواقعية الفوتوغرافية؛ في الموسيقى، ولحظة جون كيج، وذاك المزج بين الأساليب الكلاسيكية و "الشعبية" مؤخرا لدى مؤلفين موسيقيين من أمثال فيليب غلاس وتيري رايلي، وموسيقى الروك والموجة الجديدة كما تقدمها فرق من مثل (Clash) و(Talking Heads) و (Gang of Four)؛ في السينما، وكل ما يأتي من غودارد -الفيلم الطليعي المعاصر وكذلك الفيديو - وهناك أيضا الروايات المعاصرة أيضا، حيث أعمال ويليام بوروز وثوماس بينشون وإسماعيل ريد من جهة، والرواية الفرنسية الجديدة من جهة أخرى، والتي يمكن أيضا اعتبارها من بين التنويعات التي يمكن أن يقال عنها ما بعد حداثية.

هذه القائمة يمكن أن توضح أمرين معا: أولا، جميع أشكال ما بعد الحداثة المذكورة أعلاه انبثقت كردات فعل خاصة ضد الأشكال المكرسة للحداثة الرفيعة، وضد هذه أو تلك من أشكال الحداثة الرفيعة المهيمنة في الجامعة والمتحف وشبكة الفن التشكيلي والمؤسسات. هذه الأساليب المقموعة والمحاربة سابقا -التعبيرية التجريدية، الشعر الحداثي العظيم لباوند، وإليوت وولاس ستتيفنس؛ والأسلوب الدولي (لي كوربيه، فرانك رايت، ميزسترافينسكي؛ جويس؛ بروست، ومان -التي كان ينظر إليها من قبل أجدادنا على أنها فضائحية وصادمة، كانت بالنسبة للجيل الذي وصل إلى بوابة الستينيات بمثابة المؤسسة والعدو -ميتة، خانقة، محنطة، وأوابد متحجرة يجب على المرء تحطيمها والإتيان بشيء جديد. هذا يعني أن ثمة أشكالا عديدة ومختلفة ما بعد الحداثة تتناسب طردا مع أشكال الحداثة القائمة، حيث أن تلك الأشكال الآنفة كانت، على الأقل، ردود فعل خاصة ومحلية ضد تلك النماذج. هذا بوضوح لا يجعل محاولة وصف ما بعد الحداثة أكثر سهولة، بما أن وحدة هذا الهاجس -إذا كان يتحلى بوحدة -لا تُعطى في ذاته بل في الحداثة ذاتها التي يحاول استبدالها.

السمة الثانية لهذه القائمة من أشكال ما بعد الحداثة تكمن في محو بعض الحدود المفتاحية أو الفواصل فيما بينها، والأبرز نسف التمييز الأكثر قدما بين الثقافة الرفيعة وبين مايسمى الثقافة الشعبية أو الجماهيرية. ربما كان هذا من أكثر التطورات للاكتئاب من وجهة النظر الأكاديمية والتي كان لها تقليديا مصلحة راسخة في الإبقاء على دائرة الثقافة العالية أو ثقافة النخبة ضد البيئة المحيطة من ثقافة الرعاع، وما تطرحه المسلسلات التلفزيونية وثقافة "دليل القارئ،« وذلك من خلال نشر مهارات صعبة ومعقدة للقراءة والإصغاء والمشاهدة لمريديها. غير أن بعض نماذج ما بعد الحداثة الجديدة انبهرت بوجه خاص بذاك الأفق الكلي من الدعاية والفنادق، وملاهي لاس فيجاس، والبرامج الليلية المتأخرة، وسينما هوليود من الدرجة (B)، وما يسمى الأدب الثانوي وكتب الأخيولة والرومانس ذات الأغلفة الورقية في المطارات، والسير الشعبية، وكتب الألغاز والجريمة والخيال العلمي أو رواية الفانتازيا. إنها لم تعد "تقتبس" تلك "النصوص« مثلما كان يفعل جويس، أو ماهلر، بل تقوم بدمجها إلى درجة أنه يصبح من الصعب رسم الحد الفاصل بين الفن الرفيع والأشكال التجارية.

مؤشر آخر مختلف قليلا عن عملية طمس النماذج الأقدم من الأجناس الأدبية وأنواع الخطاب يمكن العثور عليها في مايسمى أحيانا بالنظرية المعاصرة. قبل جيل من الآن، كان ما يزال يوجد خطاب تكنيكي للفلسفة المحترفة- الأنظمة العظيمة لسارتر أو الظاهراتيين، أعمال ويتغنشتين أو الفلسفة التحليلية أو فلسفة اللغة العامة- وكان باستطاعة المرء أن يميز عنها الخطاب المختلف الآخر تماما للمناهج الأكاديمية- العلوم السياسية، على سبيل المثال، أو علم الاجتماع، أو النقد الأدبي. لدينا اليوم، وبازدياد، نوع من الكتابة يسمى ببساطة "نظرية" وهي جميع هذه الأشياء كلها وليست أيا منها في وقت واحد. هذا النوع الجديد من الخطاب، والذي ارتبط اسمه عامة بفرنسا وما يسمى المدرسة الفرنسية، يصبح واسع الانتشار ويشير إلى نهاية الفلسفة بحد ذاتها. هل عمل ميشيل فوكو، على سبيل المثال، يمكن تسميته فلسفة، تاريخ، نظرية اجتماعية أم علم سياسي؟ إنه غير قابل للحسم، كما يُقال هذه الأيام، وسوف أقترح أن "خطابا نظريا" كهذا يمكن أيضا إدراجه ضمن تجليات ما بعد الحداثة.

الآن، يجب أن أقول كلمة حول الاستخدام المناسب لهذا المفهوم: إنه ليس مجرد كلمة أخرى لوصف أسلوب معين. إنه أيضا، على الأقل حسب استخدامي له، مفهوم تحقيبي تكمن وظيفته في الربط بين ظهور خصائص شكلانية جديدة في الثقافة وبين ظهور نمط جديد من الحياة الاجتماعية والنظام الاقتصادي الجديد- وهذا ما يشار إليه مجازيا بالتحديث، ومجتمع الاستهلاك أو المجتمع ما بعد الصناعي، ومجتمع وسائل الإعلام أو المشهد أو الرأسمالية متعددة الجنسيات. هذه اللحظة الجديدة من الرأسمالية يمكن إرجاعها إلى ازدهار ما بعد الحرب في الولايات المتحدة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، أو، في فرنسا، منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في عام 1958. حقبة الستينات كانت بطرق عديدة حقبة انتقالية أساسية، وفترة شهدت بزوغ النظام العالمي الجديد (الاستعمار الجديد، الثورة الخضراء، الأتمتة والمعلومات الإلكترونية) وفي الوقت ذاته شهدت زواله وتصدعه بسبب تناقضاته الداخلية نفسها، إضافة إلى المقاومة الخارجية. أريد هنا أن أرسم بعضا من هذه الطرق التي تعبر من خلالها ما بعد الحداثة الجديدة عن الحقيقة الداخلية لذاك النظام الاجتماعي الجديد الناهض حديثا من الرأسمالية المتأخرة، لكنني سأحدد الوصف بمنحنيين اثنين هامين فقط، واللذين سأدعوهما الفصام (schizophrenia) والمزج [بين أساليب عديدة(pastiche):] وسوف يقدمان لنا فرصا لتحسس حقيقة التجربة ما بعد الحداثية للمكان والزمان بالترتيب.

إن أكثر الخصائص أو الممارسات أهمية في ما بعد الحداثة اليوم هو المزج. يجب أولاً أن أشرح هذا المصطلح، والذي يميل الناس عامة إلى دمجه أو الخلط بينه وبين تلك الظاهرة الصوتية المرتبطة به المسماة محاكاة ساخرة (parody). إن كلا من المحاكاة والمزج يتضمنان التقليد، أو، بصورة أفضل، محاكاة أساليب أخرى، وبشكل خاص، طرائق أسلوبية نافرة ونبضات أسلوب بعينه. من الواضح أن الأدب الحديث بشكل عام يوفر حقلا غنيا جدا للمحاكاة، بما أن كتاب الحداثة العظام تميزوا من خلال ابتكار أو إنتاج أساليب فريدة حقا: فكر بالجملة الفوكنرية الطويلة التي تميز صور الطبيعة النموذجية لدى د.ه. لورانس؛ فكر بالطريقة الغريبة في استخدام التجريديات لدى ولاس ستيفنس؛ فكر أيضا بالطرائق الأسلوبية للفلاسفة، لدى هيدغر على سبيل المثال، أو سارتر؛ فكر بالأساليب الموسيقية لماهلر أو بروكوفييف. جميع هذه الأساليب، بغض النظر عن اختلاف بعضها عن بعض، متقاربة في هذا: كل منها لا يمكن أن نخطئه أبدا، وما إن نتعلمه، لا يمكن أن نخلط بينه وبين أي شيء آخر.

تقتنص المحاكاة الساخرة فرادة هذه الأساليب وتستفيد من غرائبيتها وشذوذها بحيث أنها تُنتج تقليدا يسخر من الأصل. لن أقول إن الهاجس الهجائي متعمد في جميع أشكال المحاكاة. وفي جميع الأحوال، لابد للهجاء الجيد أو العظيم أن يملك تعاطفا سريا مع الأصل، مثلما أن المقلد لابد أن يملك القدرة على وضع نفسه في مكان الشخص المقلد. مع ذلك، إن التأثير العام للمحاكاة- سواء أكان يقف وراءها التعاطف أم الحقد- هو أن تظهر السخرية من الطبيعة الخاصة لهذه العادات الأسلوبية النافرة وبذخها الغرائبي فيما يتعلق بالطريقة التي يتحدث أو يكتب فيها البشر. إذن خلف كل محاكاة يكمن شعور بأن ثمة عرف لغوي يمكن من خلاله، وبالمقارنة معه، التهكم والسخرية من أساليب الحداثيين العظام.

ولكن ماذا يحدث إذا كف المرء عن الاعتقاد بوجود لغة سوية، ولغة عادية، وعرف لغوي (ذاك النوع من الوضوح والطاقة التواصلية التي يحتفل بها أورويل في مقالته الشهيرة مثلا ؟) يمكن للمرء أن ينظر إلى المسألة بالطريقة التالية: ربما كانت البعثرة الهائلة والخصخصة التي طالت الأدب الحديث- انفجاره على شكل أساليب خاصة وتقنيات أسلوبية نافرة- تشي بنزعات أكثر عمقا وشمولية في الحياة الاجتماعية ككل. إذا افترضنا أن الأدب الحديث والحداثة- أبعد من أن تكون نوعا من الفضول الجمالي المتخصص- تنبأ حقا بالتطورات الاجتماعية وفقا لهذه الخطوط، وإذا افترضنا أنه منذ تلك العقود التي انبثقت فيها الأساليب الحديثة العظيمة، بدأ المجتمع بالتفكك بهذه الطريقة، حيث كل مجموعة تتحدث لغة خاصة تمثلها، وكل مهنة تطور عرفا خاصا أو خطابا يخصها، وأخيرا كل فرد ينتهي به المطاف ليكون جزيرة لغوية معزولة، منفصلا عن كل ماعداه؟ في حالة كهذه، فإن احتمال وجود أي عرف لغوي يستطيع المرء من خلاله أن يتهكم باللغات الخاصة والأساليب الغرائبية لابد أن يتلاشى، وسينتهي بنا الحال إلى أن لا نملك شيئا سوى التعددية الأسلوبية والمغايرة.

هذه هي اللحظة التي ظهرت فيها تقنية المزج وأصبحت المحاكاة الساخرة مستحيلة. المزج، كالمحاكاة، هو تقليد أسلوب فريد أو غريب، وارتداء قناع لغوي، والتكلم بلغة ميتة: لكنه ممارسة حيادية لتلك المحاكاة التنكرية، مع غياب الدافع البراني للمحاكاة، وغياب الهاجس الهجائي، وغياب الضحك، وغياب ذاك الشعور الكامن بوجود شيء سوي يظهر -بالمقارنة مع ما تتم محاكاته- بأنه مضحك وهزلي. المزج محاكاة بيضاء، محاكاة فقد ت حسها بالطرافة: المزج هو أن تحاكي ذاك الشيء الطريف، وهو تلك الممارسة الحداثية لذاك النوع من المفارقة البيضاء ومقارنتها مع ما سماه وين بوث، المفارقات المستقرة والهزلية للقرن الثامن عشر، مثلا.

غير أننا نريد الآن أن نضيف قطعة جديدة لهذه الأحجية، والتي يمكنها أن تساعدنا في تفسير لماذا تكون الحداثة الكلاسيكية شيئا من الماضي، ولماذا يجب أن تحتل ما بعد الحداثة مكانها. هذا المكون الجديد هو ما يدعى، عامة، بـ"موت الفاعل"، أو لنقولها بلغة أكثر تقليدية، نهاية الفردية كفردية. الأشكال العظيمة للحداثة، كانت تقوم، كما نوهنا، على ابتداع أسلوب شخصي خاص، لا يمكن للمرء أن يخطئه، مثل بصمة الإبهام، وكالجسد، غير خاضع للمقارنة. غير أن هذا يعني، بشكل ما، أن الجمالية الحداثية مرتبطة، عضويا، بمفهوم الذات الفريدة والهوية الخاصة، بالشخصية الفريدة والفردانية الفريدة، والتي ننتظر منها أن تولد رؤيتها الفريدة للعالم، وصياغة أسلوبها الفريد، والمتميز.

مع ذلك، نجد اليوم، ومن أكثر من منظور متميز، أن المنظرين الاجتماعيين، والمحللين النفسانيين، وحتى اللغويين، هذا إذا لم نتحدث عنا نحن العاملين في حقل الثقافة والتغيير الثقافي والشكلاني، يتناولون، جميعا، فكرة أن ذلك النوع من الفردانية والهوية الشخصية شيء من الماضي، وأن الفرد القديم أو الفاعل الفرداني "ميت،" بل أنه يمكن للمرء أن يصف مفهوم الفرد المتفر د والأساس النظري للفردانية أيديولوجيا. ثمة في الواقع، موقفان حول هذا الأمر، احدهما أكثر راديكالية من الآخر. الأول يرضى بالقول، نعم، ذات يوم، في العصر الكلاسيكي للرأسمالية التنافسية، وفي أوج العائلة النووية، وظهور البرجوازية، كان ثمة ما يسمى الفردية، والفاعلين الأفراد. ولكن اليوم، في عصر الرأسمالية المتحدة، وما يسمى إنسان التنظيم، في عصر البيروقراطية في العمل، وفي الدولة، والانفجار السكاني- هذا الفرد الفاعل البرجوازي الأقدم، لم يعد له وجود.

أما الموقف الثاني، الأكثر تطرفا، فيمكن تسميته بالموقف ما بعد البنيوي. وهو يضيف أنه ليس الفرد البرجوازي شيئا من الماضي فحسب، بل إنه أيضا خرافة، ولم يكن موجودا أبدا، ولم تكن توجد ذوات مستقلة من هذا النمط. والحال، أن هذه البدعة ليست سوى تعتيم فلسفي وثقافي سعى إلى إقناع الناس بأنهم "كانوا" يتحلون بذوات فردية، ويمتلكون تلك الهوية الشخصية المتفردة.

بالنسبة لما يخص غاياتنا، ليس من المهم، على وجه التحديد، أن نقر رأيا من هذين الموقفين هو الصحيح. (أو أيهما أكثر متعة وخصوبة.) ما يجب أن نستخلص من كل هذا هو محنة جمالية، إذ إذا كانت تجربة وأيديولوجية الذات الفريدة، التجربة والأيديولوجيا التي غذ ت الممارسة الأسلوبية للحداثة الكلاسيكية، كانت قد انتهت ومضى أوانها، فإنه لم يعد واضحا ماذا يترتب على كتاب وفناني الفترة الراهنة أن يفعلوه. ما هو واضح فحسب هو أن النماذج الأقدم- بيكاسو، بروست، ت.س. إليوت- لم تعد تعمل، (بل تسبب، إيجابيا، أذى ما) بما أنه لا أحد يملك ذاك النوع من الأسلوب الفريد والخاص، يتيح له إمكانية التعبير. وهذه بالضبط ليست مجرد مسألة "سيكولوجية": علينا أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار الثقل الهائل لسبعين أو ثمانين عاما من الحداثة الكلاسيكية نفسها. ثمة شعور آخر بأن كتاب وفناني الوقت الحاضر لم يعد بمقدورهم ابتكار أساليب وعوالم جديدة. فهذه ابتكرت لتوها، والمتاح هو ابتداع عدد محدود من التوليفات، وقد نظرنا للتو في تلك النماذج الأكثر فرادة بينها. إذن، إن ثقل التقليد الجمالي الحداثي- الميت الآن-"يخيم على عقول الأحياء كالكابوس،" كما يقول ماركس في سياق آخر.

من هنا، مرة أخرى، كانت ولادة المزج بين الأساليب (pastiche) إذ في عالم لم يعد فيه الابتكار الأسلوبي ممكنا، لم يبق هناك سوى تقليد الأساليب الميتة، والتكلم من خلال الأقنعة، وبأصوات الأساليب لذلك المتحف المتخيل. ولكن هذا يعني أيضا أن الفن المعاصر أو ما بعد الحداثي سيدور حول الفن نفسه بطريقة ما جديدة؛ بل ويعني أيضا أن إحدى غاياته الجوهرية تضمر الإخفاق الضروري للفن والبعد الجمالي، وإخفاق الجديد، والارتهان للماضي.

فيلم Chinatown للمخرج بولانسكي

وبما أن هذا يمكن أن يبدو تجريديا جدا، أريد أن أعطي بعض الأمثلة. احدها شائع ومهيمن جدا بحيث أننا نادرا ما نربطه بأشكال التطور التي شهدها الفن الرفيع ونوقشت هنا.إن الممارسة الخاصة لطريقة المزج ليست فعالية ثقافية متعالية، بل تدخل في صلب الثقافة الجماهيرية، وهي تعرف عموما "بفيلم النوستالجيا" (أو ما يطلق عليه الفرنسيون بكل أناقة "أسلوب الاستبطان ( la mode retro). وعلينا أن ننظر إلى هذه الفئة بطريقة موسعة. إذ لاشك أنها تتضمن فحسب، وبالمعنى الضيق، أفلاما عن الماضي، وعن لحظات أجيال في الماضي. ومن بين هذه الأفلام الرئيسية من هذا "النمط" الجديد (إذا كان حقا نمطا ) فيلم (American Graffiti) للمخرج لوكاش، والذي أراد، إبان عرضه في عام 1973، أن يعيد القبض على جميع الخصائص المثالية والمناخية لحقبة الخمسينيات في الولايات المتحدة، وتحديدا أمريكا في عهد آيزنهاور. فيلم بولانسكي العظيم (Chinatown) يفعل الشيء نفسه بالنسبة لحقبة الثلاثينيات، وكذا يفعل فيلم بيرتولوتشي (The Conformist) ضمن السياق الأوروبي والإيطالي للحقبة ذاتها، وتحديدا المرحلة الفاشية في إيطاليا، وما إلى ذلك. يمكننا أن نزيد على قائمة هذه الأفلام، ولكن لماذا تقع في خانة المزج بين أساليب عديدة؟ أليست أفلاما تنتمي إلى نمط أكثر تقليدية، والمعروف بالفيلم التاريخي- نمط من السهل التعرف عليه، من خلال موازاته بشكل كتابي آخر، معروف جيداً، وهو الرواية التاريخية؟

لدي أسبابي في التفكير بأننا نحتاج إلى تصنيفات جديدة لهكذا أفلام. لكن دعوني أضيف أولا بعض الاستثناءات: لنفترض أنني اعتبرت (حرب النجوم) فيلم نوستالجيا؟ ماذا يمكن أن يعنيه ذلك؟ أظن أننا يمكن أن نتفق بأنه ليس فيلما تاريخيا عن ماضينا المتداخل في مجراته. دعوني أعرض ذلك بطريقة مختلفة قليلا: إن من أهم التجارب الثقافية للأجيال التي عاشت بين حقبتي الثلاثينات والخمسينات كانت عرض مسلسل (Buck Rogers)، ظهيرة كل سبت، والذي يضم أوغادا غرباء، وأبطالا أمريكيين حقيقيين، وبطلات يعانين الاكتئاب، وشعاع الموت أو صندوق يوم القيامة، ومتسلق الجرف في النهاية، والذي ينحصر حله الإعجازي بمشاهدته ظهيرة السبت القادم. فيلم (حرب النجوم) يعيد خلق هذه التجربة على شكل مزج بين الأساليب: بمعنى أنه لم يعد مجديا النسج على منوال تلك المسلسلات بما أنها أصبحت بحكم المنقرضة منذ أمد طويل. و (حرب لنجوم)، بعيدا عن كونه هجاء عبثيا لتلك الأشكال، يلبي شوقا عميقا (وهل يمكنني أن أضيف مكبوتا ؟) من أجل معايشتها من جديد، وهذا ابتكار مركب يتيح للأطفال والمراهقين، في احد مستويات الفيلم، أن يتلقوا المغامرات مباشرة، في حين يمكن للمشاهدين البالغين، في مستوى آخر، أن يلبوا رغبة دفينة، تضرب جذورها في النوستالجيا، من خلال العودة إلى تلك الفترة الأقدم، ومعايشة رموزها الجمالية الغريبة من جديد. الفيلم، استعاريا، فيلم تاريخي أو فيلم نوستالجيا: إذ على نقيض فيلم (American Graffiti) فإنه لا يعيد صياغة صورة عن الماضي في كليتها المعاشة، بل يسعى، من خلال إعادة صياغة شعور وهيئة تلك الرموز الجمالية الفنية المتعلقة بحقبة أقدم (المسلسلات)، إلى إيقاظ حس بالماضي مرتبط بهذه الرموز بالذات. أما فيلم (Raiders of the Lost Ark) فيحتل منطقة وسطى هنا: في جزء منه، يتناول حقبة الثلاثينيات، والأربعينيات، لكنه يحاول، في الواقع، أيضا أن يقارب تلك الفترة استعاريا، من خلال التركيز على قصص المغامرات السائدة آنذاك، (والتي لم تعد ملكنا الآن). 

فيلم Body Heat

دعوني الآن أناقش شذوذا طريفا آخر يمكنه أن يأخذنا أبعد باتجاه فهم فيلم النوستالجيا بوجه خاص، وتقنية المزج بين الأساليب، من جهة أخرى. هذا يتضمن فيلما ظهر مؤخرا يدعى (Body Heat)، والذي يعتبر، كما استفاض العديد من النقاد، إعادة ابتكار لفيلم (Th Postman Always Rings Twice) أو فيلم (Double Indemnity). (إن السرقة التناصية المخادعة للحبكات القديمة هي بالطبع إحدى خصائص تقنية المزج). الآن، إن فيلم (Body Heat)، تقنيا، ليس فيلم نوستالجيا، بما أن أحداثه تجري في بيئة معاصرة، في قرية صغيرة في فلوريدا قرب ميامي. من جهة أخرى، إن هذه الراهنية التقنية هي الأكثر غموضا حقا: سطور التعريف بالعمل- هي دائما ملمحنا الأول- كُتبت أو طبعت بأحرف من نوع Art Deco-30 والذي لا يمكن إلا أن يثير شجون الحنين (أولا باتجاه فيلم China Town، بلا شك، ومن ثم تتجاوزه إلى دلالة تاريخية معينة). كما ان أسلوب البطل نفسه غامضا: ويليام هيرت نجم جديد، لكنه لا يتحلى بأي من الخواص الأسلوبية المتميزة للجيل السابق من الممثلين الكبار مثل ستيف ماكوين، أو حتى جاك نيكلسون، إذ ان دوره هنا في الفيلم، مزيج من خصائصهم المميزة، يضاف إليها دور أقدم لذلك النمط الذي يميز بوجه عام أداء كلارك غيبل. هنا أيضا يوجد، بشكل غامض، إحساس بالقدامة. يبدأ المتفرج بالتساؤل لماذا هذه تجري أحداث القصة، التي كان بالإمكان أن تقع في أي مكان آخر، في بلدة صغيرة في فلوريدا، بالرغم من مدلولاتها المعاصرة. يدرك المرء، بعد حين، أن لبيئة القرية الصغيرة وظيفة استراتيجية مفصلية: إنها تتيح للفيلم أن يستمر دون الحاجة إلى معظم الإشارات والإحالات التي يمكن نربطها بالعالم المعاصر، وبمجتمع الاستهلاك- الأدوات والأيقونات، النسب المرتفعة، وعالم الأشياء الذي يميز الرأسمالية المتأخرة. تقنيا، إذن، نجد أن أشياءه (سياراته، على سبيل المثال) هي من منتجات حقبة الثمانينيات، غير أن كل شيء في الفيلم يتآمر لتعتيم تلك الدلالة المباشرة والمعاصرة، ما يتيح لنا استقباله كعمل مرتبط بالنوستالجيا أيضا - سرد يقع في ماض نوستالجي غامض، لا ملامح له، أو قل في حقبة أزلية من الثلاثينيات، خارج التاريخ. ويبدو لي أن هذه النزعة تشكل باطراد سمة أسلوب أفلام النوستالجيا التي تغزو وتستعمر حتى أفلام اليوم التي تصور بيئات معاصرة: وكأننا، كما يبدو، لم نعد قادرين اليوم، لسبب ما، على التركيز على حاضرنا، ولم نعد قادرين على تقديم تشخيصاتنا الجمالية لتجربتنا الراهنة. ولكن، حتى إذا كان الأمر كذلك، فهذا ليس سوى اتهام دامغ للرأسمالية الاستهلاكية- أو على أقل تقدير، عرض مقلق، يثير الشفقة، من أعراض مجتمع لم يعد قادرا على التعاطي مع الزمن والتاريخ.


رواية Ragtime

نعود، الآن، إلى سؤالنا، ولماذا يعتبر فيلم النوستالجيا أو المزج بيت أساليب عدة (pastiche)، مختلفا عن الرواية التاريخية الأقدم أو الفيلم التاريخي. (سوف أضم في هذه المناقشة أيضا المثال الأدبي الرئيسي عن كل هذا، ويحضرني هنا روايات إ. ل. دوكتورو- رواية (Ragtime) ومناخها العام عن انصرام القرن، ورواية (Loon Lake) التي تتحدث، في مجملها، عن حقبة الثلاثينيات. غير أن هذه، في تصوري، روايات تاريخية، في المظهر فقط. إن دوكتورو فنان جاد، وأحد القلة من الروائيين اليساريين أو الراديكاليين الحقيقيين ممن يعملون اليوم. ولا ينقص من أهميته إذا أوحينا بأن سردياته لا تمثل ماضينا التاريخي، بقدر ما تمثل أفكارنا أو مفاهيمنا الثقافية المسبقة عن ذاك الماضي.) لقد انكفأ الإنتاج الفكري إلى داخل العقل، وإلى داخل الذات الفردية نفسها: لم يعد بمقدور "الفاعل" النظر مباشرة خارج عينيه إلى العالم الحقيقي من أجل البحث عن دلالة، بل يترتب عليه، كما هو الحال في كهف أفلاطون، اقتفاء صوره الذهنية عن العالم كما تتجلى على الجدران الساجنة. وإذا كان ثمة واقعية تبقت هنا، فإنما هي "واقعية" تنبثق من صدمة القبض على حالة السجن تلك، والإدراك -بغض النظر عن غرائبية الأسباب- بأننا أصبحنا محكومين بالبحث عن ماض تاريخي عبر تلك الصور والمفاهيم المسبقة المتوهمة عن الماضي، والتي تظل نفسها، إلى الأبد، عصية على التحقق.

أريد الآن أن أعود إلى ما أعتبره الخاصية الرئيسية الثانية لما بعد الحداثة، وتحديدا علاقتها الخاصة بالزمن- والتي يمكن للمرء أن ينعتها بـ"التناص"، والتي أجد من المفيد مناقشتها في ضوء النظريات الراهنة للشيزوفرنيا. أسارع إلى استباق عدد من المفاهيم الخاطئة التي يمكن أن تثار حول استخدامي لهذه الكلمة: إنها هنا وصفية وليست تشخيصية. أنا بعيد كل البعد، في الحقيقية، عن الاعتقاد بأن أهم فناني ما بعد الحداثة- جون كيج، جون أشبري، فيليب سوليرز، روبرت ويلسون، آندي وارهول، اسماعيل ريد، مايكل سنو، بل وحتى صاموئيل بيكيت نفسه -هم، بأي حال من الأحوال، أناس يعانون من الشيزوفرنيا. وليست الفكرة هنا تشخيص يقوم على سبر الشخصية والثقافة ضمن سياق مجتمعنا وفنونه: ثمة أشياء أكثر ضرراً يمكن أن تقال عن نظامنا الاجتماعي لا يمكن ان يوفرها البحث النفسي الشعبي. كما أنني لست متأكدا بأن مفهوم الشيزوفرنيا الذي سأعرضه بعد قليل -وهو مفهوم طوره بشكل موسع عالم النفس الفرنسي جاك لاكان- سريريا دقيق؛ لكن ذلك لا يهم كثيرا أيضا فيما يتعلق بغرضي.

إن أصالة فكرة لاكان في هذه المنطقة تكمن في اعتباره الشيزوفرنيا، جوهريا، اضطرابا لغويا، وفي ربطه التجربة الشيزوفرينية بمنظور كلي لتعلم اللغة بوصفها الحلقة الأساسية المفقودة في المفهوم الفرويدي لتشكل أنا الفرد الناضج. وقد فعل لاكان ذلك من خلال تقديم نسخة لغوية لعقدة أوديب لا يوصف فيها النزاع الأوديبي في ضوء الفرد البيولوجي الذي يرى نفسه خصما في نيل انتباه الأم، بل في ضوء ما يسميه "اسم الأب" حيث يُنظر إلى السلطة الأبوية الآن باعتبارها وظيفة لغوية.

أما بالنسبة للغة، فإن نموذج لاكان الآن بنيوي متطرف، يقوم على مفهوم الإشارة اللغوية باعتبارها مؤلفة من عنصرين (أو ربما ثلاثة). تصاغ الإشارة، الكلمة، النص، كعلاقة بين دال (signifier)- شيء مادي، صوت الكلمة، نص النص- ومدلول (signified)، أي "معنى" الكلمة المادية أو النص المادي. العنصر الثالث هو ما يصطلح على تسميته بموضوع الإشارة (referent)، أي الشيء "الحقيقي" في العالم "الحقيقي" الذي تحيل إليه الإشارات- القطة الحقيقية في مقابل مفهوم القطة أو صوت كلمة "قطة." غير أن البنيوية، بوجه عام، تنزع إلى الظن بأن موضوع الإشارة هو نوع من الخرافة، وبأن المرء لم يعد بمقدوره التحدث عن "الحقيقي" بتلك الطريقة البرانية أو الموضوعية. وبالتالي نجد أنفسنا أمام الإشارة نفسها وعنصريها الاثنين. كما أن النزعة الأخرى للبنيوية تتجلى في محاولتها التخلي عن المفهوم القديم للغة كفعل تسمية (على سبيل المثال، وهب الله اللغة لآدم من أجل أن يسمي الحيوان والنبات في جنة عدن)، يتطلب تراسلا متبادلا بين الدال والمدلول. وإذا ما تبنى المرء وجهة النظر البنيوية، يشعر، محقا، بأن الجمل لا تعمل بتلك الطريقة: إننا لا نترجم الدوال أو الكلمات الفردية التي تصنع الجملة ونرجعها إلى مدلولاتها وفقا لتطابق أحادي متبادل. بل إننا نقرأ الجملة كاملة، ونستخلص معنى أكثر شمولية - يسمى الآن "أثر المعنى" -من خلال تداخل العلاقات بين الكلمات أو الدوال. يصبح المدلول- وربما وهم أو سراب المدلول أو المعنى بوجه عام- أثرا تنتجه العلاقات المتداخلة بين الدوال المادية.

كل هذا يضعنا في موقع نرى فيه الشيزوفرنيا تقويضا للعلاقة بين الدوال. وحسب ما يذهب إليه لاكان، فإن تجربة الوقت، الزمن الإنساني، الماضي، الحاضر، الذاكرة، واستمرارية الهوية الشخصية على مدى أشهر وسنوات- هذا الشعور الوجودي أو المعيشي بالزمن نفسه- يكون أيضا بمثابة أثر للغة. ولأن للغة ماض ومستقبل، بسبب أن الجملة تتحرك في الزمن، فإن هذا يوفر لنا ما يبدو لنا على أنه تجربة حية وملموسة بالزمن. ولكن بما أن الشيزوفرني لا يعي تعبير اللغة بهذه الطريقة، فإنه لا يملك تجربتنا بالتواصل الزمني، بل إنه محكوم بالعيش في حاضر أزلي، تجد لحظات ماضيه المتنوعة معه علاقة واهية، والتي لا تملك في الأفق مستقبلا منظورا. بكلام آخر، التجربة الشيزوفرينية هي تجربة دوال مادية، معزولة، متقطعة، ومتشظية، تفشل في التلاحم فيما بينها لتشكيل تواتر متماسك. الشيزوفريني، إذن، لا يعرف الهوية الشخصية بمفهومنا، بما أن شعورنا بالهوية يعتمد على إحساسنا باستمرارية "الأنا" وما هو "لي" عبر الزمن. 

من جهة أخرى، للشيزوفريني تجربة كثيفة عن حاضر العالم تفوق تجربة أي منا، بما أن حاضرنا هو دائما جزء من مجموعة أكبر من المشاريع التي تجبرنا، انتقائيا، على تركيز تصوراتنا. بمعنى آخر، إننا لا نتلقى العالم الخارجي ببساطة بوصفه رؤية موحدة: إننا دائما منشغلون في استخدامه، وفتح مسالك عبره، والتركيز على هذا الشخص أو الشيء داخله. ليس الشيزوفريني، فقط، "لا أحد" بما أنه لا يتمتع بهوية شخصية، لكنه لا يفعل شيئا أيضا، بما أن امتلاك مشروع ما يعني أن يكون المرء قادرا على الالتزام باستمرارية معينة في الزمن. وفقا لذلك، يكون الشيزوفريني ضحية رؤية موحدة للعالم في الحاضر، وهي ليست، بأي حال من الأحوال، تجربة ممتعة:

أتذكر بجلاء اليوم الذي حدثت فيه. كنا نقيم في الريف، وكنت قد خرجت وحيدا في نزهة قصيرة، كما يحلو لي أن أفعل بين الحين والآخر. فجأة، وفيما كنت أعبر بجوار المدرسة، سمعت أغنية ألمانية؛ كان التلاميذ يأخذون درسا في الغناء. توقفت لأستمع، وفي تلك اللحظة انتابني شعور غريب، شعور من الصعب تحليله، لكنه مرتبط بشيء كنت سأعرفه لاحقا بشكل جيد- شعور مقلق بالحيرة. بدا لي أنني لم أعد أعرف المدرسة، وأنها أصبحت كبيرة كثكنة، وبدا المنشدون الأطفال سجناء، مجبرين على الغناء. بدا وكأن المدرسة وأغنية الأطفال كانت معزولة عن بقية العالم. في نفس الوقت، وقعت عيني على حقل من القمح لا حدود له. الاتساع الأصفر، المتوهج تحت الشمس، الممتزج بأغنية الأطفال المسجونين في ثكنات المدرسة ذات الأحجار الملساء، أصابني باضطراب شديد جعلني أنفجر بالبكاء. ركضت باتجاه البيت، إلى حديقتنا، وبدأت ألعب "لكي أجعل الأشياء تبدو كما هي عليه في العادة،" بمعنى، العودة إلى الواقع. كان ذلك أول ظهور لتلك العناصر التي ظلت دائما حاضرة في أحاسيسي اللاحقة عن اللاواقع: الاتساع اللامتناهي، الضوء الساطع، لمعان ونعومة الأشياء المادية. 

لاحظ أن التواصل الزمني ينقطع، وتصبح تجربة الحاضر ساطعة "ومادية" بقوة وطغيان: يحضر العالم أمام الشيزوفريني بتركيز مضاعف، حاملا شحنة غامضة وقامعة من التكلف، متلألئا بطاقة من الهلوسة. ولكن ما يظهر لنا على أنه تجربة مرغوبة- تصاعد في تصوراتنا، تكثيف ليبيدي وهلوساتي لمحيطنا المألوف والمعتاد- يشعر به هنا كخسارة، و"لاواقع". 

ما أريد التأكيد عليه هنا، على أي حال، هو تحديدا الطريقة التي يصبح فيها الدال بمفرده أكثر مادية- أو، بشكل أفضل، أكثر حرفية - وأكثر توهجا بالطرق الحسية، سواء كانت التجربة الجديدة جذابة أو مخيفة.

ـــــــــــــــــ
(*) فريدريك جيمسون في موسوعة ويكيبديا
(*) المصدر: مجلة نزوي، العدد 41 ، 2005.
نشرت ايضا بكتاب (ما بعد الحداثة: تجلياتها وانتقاداتها) إعداد وترجمة: محمد سبيلا و عبد السلام بنعبد العالي، سلسلة دفاتر فلسفية: نصوص مختارة، دار توبقال للنشر- المغرب.