الخميس، 30 مارس، 2017

سبع قصائد

للشاعر الفرنسيّ: بيير  ريفيردي
ترجمة: محمد عيد إبراهيم





معبودةٌ
دميةٌ صغيرةٌ، عروسٌ دميةٌ ذات حظٍّ سعيدٍ، تكافحُ عندَ نافذتي، تحتَ رحمةِ الريحِ. نقَعَ المطرُ رداءَها، وَجهَها، ويدَيها، وقد شَحُبَت. فقدَت حتى ساقاً. لكن خاتَمها ظلّ، وفيهِ قوّتها. وعندَ حلولِ الشتاءِ تطرُقُ لَوحَ النافذةِ بقدمِها الصغيرةِ في حذائِها الأزرقِ، ثم ترقصُ، ترقصُ من الفرحةِ، من البردِ، لتُدفِئ قلبَها من جديدٍ، قلبَها الخشبيَّ سعيدَ الحظِّ. وترفعُ ليلاً ذراعَيها المتوسّلتَين ناحيةَ النجومِ. 


شتاء
عبرَ المطرِ الجليديّ الكثيفِ تلكَ الليلة، كانت ساحةُ البوليفار أشدّ إشراقاً، رجلٌ أسمرُ شابٌّ بوجهٍ أزرقَ. أَمِن البردِ؟ من نارٍ داخليةٍ تندلعُ من الكحولِ؟  
لكن حذاءَهُ الضخمَ امتلأَ بالماءِ وهو يتسكّعُ حولَ مصابيحِ الشارعِ. كانَ مثارَ فرحِ البناتِ وتَرحِهم. فيا لهُ من انفعالٍ ثقيلٍ! ومَن يرغبُ أن يأخذَهُ. 
يا أهلَ الشارعِ الذين يعيشون هذهِ الحياةَ القاسيةَ ولا يرغبون أقلّ، لا أفهمكُم! فأنا أحبّ الدفءَ، الراحةَ، والسكينةَ. 
يا مَن يزدَرون، تُخيفُونني!   



جنود
بعدَ التُهمةِ، بعدَ الجولةِ، عدتُ إلى غُرفتي التي يظلّ بابُها مفتوحاً.
جنديٌ غيري ينامُ في الغرفةِ عينِها.
حين أصحو، بدايةً، أخافُ. فثمةَ أحدٌ يتكلّمُ بصوتٍ عالٍ. كنتُ أظنُّني وَحدي، وأن يداً ستلمَسُني.
الكابوسُ نفسُهُ الذي يوحِّدُنا، ينبِّهُنا.   


عارٌ  أن ترى
حاولَ صعودَ الحائطِ المنحدرِ بطولِ الطريقِ، حائطٍ مغطّىً بالطّحالبِ، أسفلَ المِهبَطِ. أما واقياتُ ساقهِ! واقياتُ ساقهِ، فتحفظهُ، من الناسِ والأشواكِ!
ولا تزالُ الكلابُ تعوي بصوتٍ أعلى وقد كُسِرَ عكّازهُ. فبدأ يجري جنبَ الحائطِ صعبِ البلوغِ، ولدى دَورانهِ حولَ ركنِ الشارعِ الصغيرِ المهجورِ، ولّى الأدبارَ.    


الشفق
اتّسعَ الغروبُ في عَينَي القِطّةِ.
جلسَ كلانا عندَ النافذةِ يتطلّعُ، نسمعُ كلّ ما لا مكانَ لهُ إلا بأنفسِنا.
خلفَ الخيطِ الذي أقفلَ الشارعَ، الخيطِ الذي من أعلى، تقطعُ الأشجارُ زُخرفاً قد تبدّى في السماءِ.
أما المدينةُ، فأينَ المدينةُ الغاطِسةُ بأعماقِ الماءِ الذي يُشكّلُ الغَمامَ؟ 


وجهاً لوجهٍ
يمضي قُدُماً فتخونُ ثِقتَه صَلابةُ خُطوتهِ الجَبانةِ. لا يزالان يُحدّقان في قدَميهِ. كلّ شيءٍ يبرقُ في تِينكِ العينَين، من أفكارٍ وامِضةٍ شريرةٍ، تنيرُ مِشيتَه المترّددةَ. وقد قاربَ على السقوطِ. 
في الجانبِ الآخرِ من الغرفةِ تتبدّى صورةٌ معروفةٌ. تخرجُ يدهُ نحو يدهِ. لا يرى غيرَ ذلكَ، فيرتطمُ بنفسهِ، على حينِ غِرّة.    


سيرك الشارع
وسطَ الحشدِ ولَدٌ يرقصُ ورجلٌ يرفعُ أوزاناً. ذراعاهُ بأَوشامٍ زرقاءَ يصرخُ في السماءِ أن تشهدَ على قوّتِهم المُهدَرةِ.
يرقصُ الولدُ، بِخفّةٍ، في لُباسٍ ضيقٍ كبيرٍ عليهِ، أخفُّ من الكُراتِ التي يوازِنُ بها نفسَه. وحينَ يمرّرُ القبّعةَ لا ينفَحُهُ أحدٌ. لا ينفَحُهُ أحدٌ خِشيةَ أن يجعلَها أثقلَ. وهو بالِغُ النحولِ.  
...........................
(*) الشاعر  الفرنسيّ بيير ريفيردي (1889 ـ 1960) من أهمّ الشعراء الطليعيين في تاريخ الشعر. قصائده حميمة، لا شخصانية، بلّورية، غامضة، وبسيطة حدّ التقشّف. من دواوينه: قصائد نثر، ألواح سقف، حرية البحور، قلب من خشب. والقصائد المترجمة، من ديوانه: (قصائد نثر). (م)
(*) البورتريه، وجه الشاعر، للفنان الإيطاليّ: موديلياني.

(*) اللوحة المرفقة، للفنان الليبيّ: عمر  جهان. 

الأربعاء، 29 مارس، 2017

أنا لست المرأة العربية التي تعتقدون *


بقلم: سحر خليفة
ترجمة : سعيد بوخليط

البقاء ضمن إطار صورة الكائن الحقير،المتداولة إعلاميا،حكم على المرأة العربية، وهي متوارية خلف برقع أو تشادور،بتحمل ثقل التقاليد .تؤكد الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة في هذه المقالة،بأن الغرب ساند الإسلاميين بهدف تحطيم القومية التقدمية،على حساب المكتسبات النسائية.   
كما هو معروف جدا في الثقافة العربية وكذا ثقافات أخرى كثيرة،فالمرأة بمثابة الجنس الضعيف،والجنس الآخر،والجنس المتقلب، والجنس الذي لا يرث شيئا،ولو مجرد اسم العائلة،الجنس الذي يمكنه أن يحمل الخَلَف أو العار .لقد استقبلت أسرتي ولادتي بالدموع.كنتُ الفتاة الخامسة ضمن أفرادها،أو خيبة الأمل الخامسة،ثم بالنسبة لأمي،الإخفاق الخامس.
باعتباري فتاة عربية،فقد مررت من مراحل مختلفة.وتحولت نتيجة تأثيرات معينة مع إسهامي في تطورات المجتمع.حاليا،حتى الأسر العربية الأكثر محافظة تبعث بفتياتها إلى المدرسة.ثم أصبحنا بفضل تكوينهن مدرسات، طبيبات، مهندسات، صيدليات، كاتبات،صحافيات، موسيقيات أو فنانات.هكذا،ظهر فيما بعد،  أن الكثير من هؤلاء لاغنى عنهن بالنسبة للجماعة، بل أكثر قوة وخلقا وأهمية من الرجال.   
مع ذلك، يقدمنا الإعلام الغربي مثل كائنات مرعبة مغطاة بتشادور، تكتسي أقنعة جلدية غريبة ،مثلما يقبعن في حريم يختفين وراء حجابهن.أتساءل لماذا ينظرون إلينا على هذا النحو،وقد  وُضعنا ضمن إطار حقيقة أحادية المعنى ودائمة.هل تعتقدون حقا أننا خُلقنا مختلفات عن باقي النوع النسائي،عاجزات عن التغيير؟
في المدرسة،كان لدي مدرسا ممجدا باستمرار ل''التغيير''حاول تنويع  مقام ودلالة الكلمة حسب تجليات الحقيقة العربية التي يتطرق إليها :إعادة توزيع الثروات،وضعية النساء أو الأنظمة السياسية العتيقة.لقد حظي باحترام وتقدير من طرف أفراد محيطي،وتوخى الصغار الاقتداء به،بينما ظل الكبار على استعداد لإخفائه عندما تطارده الشرطة.
لم يكن هذا الأستاذ الرائع الوحيد الذي تكلم عن التغيير والعدالة.أغلب الأشخاص المتعلمين آمنوا بأفكاره ودافعوا عنها.على شاكلته تماما،تعرض آلاف الأشخاص المتنورين للملاحقة البوليسية أو تعفنوا في سجون الأنظمة المدعومة التي تدعمها وتسندها القوة الانجليزية،والفرنسية،ثم الأمريكية. 
عرفت القومية العربية عصرها الذهبي سنوات 1950و1960 ، شوارعنا الثائرة طافحة بآمال التغيير.تبنينا أفقا متمردا ونقديا نحو أنظمتنا السوسيو-سياسية التقليدية  .وتلاقت المثل العليا للحرية والعدالة الاجتماعية في أدبنا،ومسرحنا، وأغانينا،وموسيقانا،بل وامتدت إلى التعابير التي نستعملها في حياتنا العادية.لقد استلهمت ثقافتنا كل آداب العالم.فغمرت خزاناتنا وأزقتنا كتب تدعو إلى الحرية،والثورة أو التغيير : الأدب الوجودي،الاشتراكي،الزنجي..
حماسة مست الجميع،بما في ذلك القرويين الأميين وكذا النساء، اللواتي شرعن يخرجن دون ارتداء الحجاب.عشرات الآلاف منهن تابعن دراساتهن الجامعية،وانخرط بعضهن في صفوف أحزاب سياسية.ليس فقط تخلين تماما عن الحجاب،لكنهن كذلك ارتدين كنزة بدون أكمام وتنورة قصيرة.أيضا من المدهش أن يتجلى هذا،بحيث رقصنا على موسيقى الروك أندرول والتويست،على الرغم من كراهيتنا للغربيين،فقد سعينا كي نعيش مثلهم شريطة عدم سيطرتهم علينا.
مناخ مثالي تبدد حينما تمكنت إسرائيل،بمساندة من الغرب هزم القائد المصري جمال عبد الناصر سنة 1967 .هزيمة لها دلالتها فيما يتعلق بحركتنا الوطنية وقناعاتنا الاشتراكية،فرصة استغلها الأمريكيون وحلفاؤهم في المنطقة.فقدموا سندا قويا للإسلاميين بهدف خنق القومية التقدمية،مقابل ملايين الدولارات.النتيجة، الصعود النافذ للإخوان المسلمون،في غفلة عن الشعب الذي لم يكن يكترث بهم.وضعية منطقتنا إبان سنوات1970 و1980 تشبه كثيرا وضعية أفغانستان حينما دعم الأمريكيون الإسلاميين، لاسيما أسامة بن لادن، بشكل قوي،قصد تصديهم للشيوعيين.  
المؤسسات والإعلام الغربيين،سواء تعلق الأمر بالصحافة المكتوبة أو التلفيزيون،السينما أو الجامعات،تفترض بأن المرأة العربية عاجزة على التنفس أو التفكير تحت تشادور أسود،مجرد طيف يتحرك هائما وسط فراغ مثل ساحرة أو شبح مفزع.لباس هذا الكائن كما نجسده أمام أنظارهم يسمى :''زيا إسلاميا''.مع ذلك،أنا مقتنعة بكونه لاإسلاميا ولاعربيا.
تضع أمي على رأسها قطعة قماش أسود اللون يغطي تقريبا وجهها وشعرها.أما ما تبقى من لباسها فقد شمل تنورة أو فستانا بسيطا يصل إلى ركبتيها،وسِترة قصيرة ترسم صدرها وقوامها،بعيدا عن ما نعتبره حاليا "لباسا إسلاميا"،الذي جعل جسد المرأة كيسا يفتقد شكلا واضحا ،وكتلة مظلمة ثم عمودا أسود.
بداية سنوات 1950 ،انضمت أمي إلى حركة السفور،برفقة العديد من نساء جيلها.انتمى بعضهن مثلها إلى الطبقات المتوسطة للمدن العربية الكبرى،بينما انحدر بعضهن الآخر من أوساط تحظى بامتيازات أقل منتميات إلى مدن صغيرة جدا.يكفي استحضار تسجيلات الحفلات الفنية للمغنية المصرية أم كلثوم أو فنانين آخرين من نفس الحقبة كي نلاحظ غياب أي امرأة بين الجمهور ارتدت هذا الزي المضحك .
الاحتلال الاسرائيلي المشؤوم لفلسطين سنة 1948أحدث تدهورا على مستوى الوضعية الاقتصادية وكان له تأثيرا صادما على حياة النساء.آلاف النساء اللواتي فقدن أراضيهن، ومنازلهن،وسقط أزواجهن صرعى في المعركة،أرغمن كي يبتعدن عن محيط الشأن المنزلي ويغادرن وجهة العمل أو الدراسة.هكذا بدأنا نشاهد آلافا من الشابات الفلسطينيات المتعلمات يسافرن دون غطاء حجاب،ويعشن وحيدات بغير زوج،واحتفظن مع ذلك على تقدير أقاربهن ومجتمعهن :يتكفلن بمتطلبات أسرهن ذات الدخل الهزيل.لقد تطرقتٌ إلى وصف وضعهن في روايتي :الميراث(1997).مع مرور الوقت،لم يتم التسليم بأمرهن بل وأكثر عايننا إشرافهن على مصاريف الدراسات الجامعية لأخواتهن الصغيرات في مصر، سوريا ولبنان، وبفضل ذلك استطعن الحصول على شهادات في الطب والصيدلية والهندسة والقانون وكذا مجالات أخرى.هؤلاء النسوة المتميزات، المتصفات بالشجاعة والمنفتحات على العالم وضعن أسس موجة من التحرر النسائي والمجتمعي.
لكن، مباشرة بعد الهزيمة ضد إسرائيل سنة 1967،تحالفت أنظمة عربية ديكتاتورية،معادية للاشتراكية تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية،مع جماعات إسلامية أصولية، تمولها بسخاء.مثلا، كل من ارتدى، ''اللباس الإسلامي''الشهير يحصل على منحة شهرية تقارب 15 دينار أردني (19يورو)بالنسبة للرجل ثم 10 بالنسبة للأنثى.سيتباهى الرجل بلحية طويلة غير مشذبة،مرتديا جلابية قصيرة وصندلة من الجلد، أما المرأة، فمنديل فضفاض على الرأس وجلباب طويل يمتد إلى أصابع رجليها.يظهر جميعهم ،حاملا لسبحة، ونسخة بهية من القرآن ثم سجادة جميلة للصلاة.  
شرعت، التنظيمات الإسلامية تستهدف الشباب الذين أبانوا سلفا عن قدرات قيادية ويمارسون تأثيرا على الآخرين.كما توخت كذلك الوصول إلى النساء في المنزل.ثم انصب اهتمامهم على المساجد، والمدارس والجامعات.كل ذلك لايمكنه الاشتغال دون دعم – المالي أساسا- الأنظمة العربية التي أبانت عن ولائها،بل إذعانها، للولايات المتحدة الأمريكية بالانحياز إلى جانب استراتجيتها،أملا في أن يتمكن الإسلاميون من القضاء على الاشتراكيين والتقدميين داخل مجتمعاتهم.
مع ذلك، لم يقف الأصوليون عند مستوى فرض ملابسهم، وكذا مرتباتهم الشهرية وأمكنة لقاءاتهم.بهدف استمالة العقول منذ المدرسة الابتدائية والإعدادية،سيعين قبل الجميع في وظائف التدريس إسلاميون،رجال أو نساء،بالتالي منحهم وظيفة ترسيخ إيديولوجيتهم في نفسية وفكر التلاميذ. من أجل هذه التربية،خضع المراهقون لنظام يلقنهم التدريب العسكري والفنون القتالية، وسط مخيمات أقيمت في الصحاري العربية وكذا أفغانستان وباكستان.
لكنها سخرية القدر،عندما أدركت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها طبيعة الفخ الذي نصبته لنفسها،فقد أصبح الشر أمرا قائما،وتطلعت التنظيمات الأصولية إلى إقامة نظام إسلامي معارض للغرب.  
نجتاز حاليا أزمة فكرية واجتماعية وسياسية.إننا نواجه تهديدات على جميع المستويات دون معرفة أي التهديدين التاليين أكثر شراسة :من جهة، الغرب،الذي عانينا أصلا من تلاعباته واستغلاله واستعماره،ثم ثانية الحركة الإسلامية حيث ستعود بنا ادعاءاتها المُبْتدعة إلى عهد الاضطهاد وعصر الحريم.بمفاهيم ثانية،لنا الاختيار بين غرب مرادف للحرية،والعلمانية والعلم،لكن أيضا الاستعمار.ومن جانب آخر،إسلام شرس يدعو إلى التصدي للغرب،لكنه يعادي العلم والحداثة والتحرر النسائي والاجتماعي.   
لايقتصر هذا السديم العام  على منطقتنا،بل يمس الغرب نفسه.بالتالي صار الحجاب و تشادور ضمن أشياء تثير خوفه واشمئزازه إلى درجة أن بعض بلدانه حظرت اللباس الإسلامي وارتداء الحجاب داخل المدارس وفي الفضاءات العمومية.ثم بدؤوا إذلالنا من خلال أحكام قبلية عنصرية. 
فيما يخصني،أخبر المتقاسمين لهذه الرؤية الضيقة أننا أكثر قربا منهم مما يتخيلون .لانكرر القول بأن الكون صار قرية؟ نتدفق نحوكم بأمواج بشرية ونتكسر على شطآنكم.مهما فعلتم بهدف وضع حد للهجرة،فإننا سنعثر باستمرار على الوسائل بغية الوصول إليكم،ونقهر مختلف العقبات التي تضعونها أمامنا كي نعلن عن حضورنا معكم.من جهة أخرى،نحن أصلا هنا.لايمكنكم التنكر لوجودنا،لأننا نشكل طرفا متمما لعالمكم.
تؤطرني وسائل الإعلام الغربية وفق صورة سلبية،تحكم علي بالإدانة وتزيفني.حينما يقدمون امرأة بالبرقع كتجسيد للمرأة العربية،فذلك يعني ضمنيا أن كاتبة مناصرة للنزعة النسوية كما الشأن معي،وكذا آلاف النساء الأخريات المثقفات وملايين النساء العربيات العصريات – مسلمات ومسيحيات- اللواتي يعشن في البلدان العربية،يجسدن هذه الصورة :الوجه داكن،الرأس مطأطأ،الجسد بلا شكل جلي،كائنات عاجزات عن التفكير أو التعبير.
لكنهم مخطئون،لأني بدوري حينما أرى امرأة بالبرقع يغمرني مظهرها خوفا وفزعا.أخشى في يوم من الأيام انبثاق يد من داخل الصورة ثم تجرني إلى جانب ابنتي وحفيداتي،وجهة هذه الأنظمة العربية المنكوبة،التي تبقينا في دوامة الجهل بآليات تستهدف كي نستمر في نطاق مانحن عليه منذ زمن بعيد : 
حقل بيترول في خدمة السوق الغربية.  
هامش :
*سحر خليفة :كاتبة فلسطينية.وهذا النص المنشور في مجلة"Manière de voir "(عدد يناير 2017)ألقي يوم 5مارس 2015 خلال ندوة انعقدت بمركز الدراسات الفلسطينية بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية التابع لجامعة لندن.
  

الأحد، 26 مارس، 2017

ثلاث قصائد

للشاعر الإسبانيّ: ميجيل دي أونامونو
ترجمة: محمد عيد إبراهيم




حين أموت
"اعرفْ نفسكَ"؛ هي فلسفةُ 
اليونانِ الأقدسُ    
تعاليمُها تاجُ هذهِ الزهرةِ،  
وردةِ المعرفةِ!
"اعرفْ نفسكَ"، وتقعُ هذهِ النفسُ  
خارجَ نفسي؛  
فاللهُ داخلي؛ قد خلقَني اللهُ  
واللهُ يقِيني؛
اللهُ مشتَمَلٌ بي، وبقلبي  
يملأ حياتي.    
لن أبلغَ نفسي قبلَ مروري
بجَوهرهِ الأسنَى؛   
حينَ أموتُ سيُكشَف سِرّي؛ 
سأعرفُ اللهَ حينَ أموتُ.    



عزلة  
بروحٍ زاهدةٍ، لترحل وحيداً    
عبرَ رمالِ الفيافي،  
فوقَ ظَهركَ مآسٍ  
وحيدةٌ ينقُصها وَهجُ
الشهادةِ الزاهرُ! موجةً فموجةً مِن
ريحٍ عليكَ حارّةٍ عاتيةٍ،  
ويُدنّسُ أخيراً جَمعٌ غفيرٌ
من الضِباعِ سَكِينةَ عقلكَ.    
الحياةُ عزلةٌ؛ قد ولِدتَ وحيداً
وتموتُ وحيداً؛ وتحتَ الأرضِ تُصيخُ
وحيداً من أعلَى إلى شكايةٍ حزينةٍ 
لروحٍ أُخرَى تهيمُ عبرَ الفيافي وحيدةً؛ 
فتأتي إلى وادي الألمِ وحيداً 
لتكسبَ عزلتكَ وهي تستحيلُ إلى حربٍ.


لن أموت!
"لن أموتَ!"، هكذا قالَ   
شاعرٌ ممعنٌ في ذاتهِ، يبغُض
عمومَ الناسِ، يتحدّاهُم 
لينساهُم، على وعدِ أن التحدّي  
سيُخلّدهُ؛ خُدعةٌ محسوبةُ
أن نكبحَ الناسَ، كي نوطّدَ   
مجدَهُم. وينسَى زميلي البائسُ  
أن مَن يُسرفُ بشَرابهِ لا
يُفرِغهُ أبداً. ثم يحلّ زمانهُ 
ويُشتَهَر؛ شِعره  
حيٌّ زاهٍ بذاكرتِنا...    
حيٌّ...، وهو يبلَى. يظنّ أنهُ   
قد فجّرَ فجْرَ الخلودِ، وهو لا يعرفُ    
أن الموتَى سيموتونَ أخيراً!    

...........................
(*) ميجيل دي أونامونو Miguel de Unamuno(1864/ 1936)، شاعر  وفيلسوف إسبانيّ، روائيّ وقاصّ ومسرحيّ وناقد. عضو جماعة "جيل 1898"، من دواوينه: قصائد، مسبحة سونيتات غنائية، أنغام من الداخل، أنغام المنفى، كتاب الأغاني. (م)
(*) اللوحة (بيض على صحن، من غير  صحن)، للفنان الإسبانيّ:  سلفادور دالي


الخميس، 23 مارس، 2017

رواية برلين :69 الجنس، والسياسة،… والعبث *


بقلم : سعيد بوخليط


آخر العناوين التي أصدرها الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم،حسب متابعتي، لمنجزه- هو أقرب الروائيين العرب إلى قلبي بعد عبد الرحمن منيف- رواية :برلين 69 .نفس الإطار الإيديولوجي والرؤية الفنية والإبداعية، كما تحددت لديه، منذ أول نص له : تلك الرائحة (1966)،التي وثق من خلالها ليوميات اعتقاله في سجن الواحات طيلة خمس سنوات(1959-1964).ثم على امتداد مسافة زمنية، قاربت إلى الآن خمسة عقود، راكم أثناءها صنع الله إبراهيم روايات مثل : اللجنة، بيروت، ذات، شرف، وردة، أمريكانلي، التلصص، نجمة أغسطس،العمامة والقبعة، القانون الفرنسي، الجليد ،وقوفا عند النص الحالي برلين69 .
ظل هذا الروائي اليساري، الذي انتمى خلال الحقبة الناصرية إلى التنظيم السري الشيوعي،منشغلا دائما بهاجس فضح وتشريح الأمراض المجتمعية المصرية خصوصا،وعبرها العربية عموما، الناتجة عن منظومة الديكتاتوريات التي تحكم شعوب المنطقة بالحديد والنار،ورصده الكافكاوي الساخر للأنساق الانتهازية المتوارية خلف جدران الطابوهات.وبالتأكيد،الثالوث المحرم :السياسة، الدين، الجنس.بكيفية شيزوفرينية عصابية،فقط لمجرد أن تنعش باستمرار تلك الديكتاتوريات بقاءها الأبدي،على حساب طبعا التخريب الممنهج والبنيوي للمرتكزات الحضارية الأساسية،والإلقاء بشعوبها في دوامة التيه.
عاش صنع الله إبراهيم،مختلف مسارات الإخفاق العربي،بدءا بهزيمة 1967،فجاء متنه تأريخا إستيتيقيا وفق رؤية تقدمية،لتجليات ذلك على الحياة اليومية للناس،بحيث نقف على أدق التفاصيل،لذلك يستحسن حسب ظني،الاعتياد على قراءة مايكتبه الرجل،دفعة واحدة دون قطائع زمانية متباعدة،كي يتم الاستمتاع حقا بما يجري، وتستوعب بوضوح أبعاده الخفية والجلية ،ولاتضيع الخيط الرابط لذلك،مادام يتداخل لديه وفق مسافات دقيقة جدا،يصعب في أغلب الأحيان،تمييز التوثيقي عن الوثائقي ثم الجمالي الفني،بين طيات سرد مكثف،سميك،وسريع الانجاز،قد يفقد القارئ،في لحظة فتور ذهني،متواليات الأبعاد الناظمة للنسيج الحكائي، حسب كل مجال على حدة ،فما بالك إن توقفت عن قراءة العمل لفترة ثم عدت إليه ثانية. ذات الشعور انتابني،مع تلك الرائحة ونجمة أغسطس وبيروت بيروت ثم برلين69 .
إذا صرح صنع الله إبراهيم،خلال بعض لقاءاته،أنه بطيء على مستوى الكتابة،مما يدفعه كي يرفض دائما الالتزام صحفيا بكتابة المقالة،مفضلا ادخار وتوظيف هذا الجهد المفترض لكتابة الرواية،فإنه حقيقة تصعب ملاحقته سرديا،ويحتاج إلى سرعة وسعة نفس،قصد تعيين وضبط مستويات السيري والموضوعي،الإيديولوجي والإبداعي،الواقعي والعبثي.
 يستلهم غالبا،هذا الروائي الفذ والملتزم، موضوعا سياسيا كبيرا ودسما،فيتحول  به من المجال السوسيو- سياسي إلى حيز الكتابة الروائية،مخضعا إياه لقوانينها الخاصة،على سبيل الذكر،لا الحصر :''تلك الرائحة''، هي بيان انتقادي لحكم جمال عبد الناصر. ''نجمة أغسطس"،رصد لحيثيات بناء السد العالي."بيروت بيروت''،استعادة لتفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية كما عاينها صنع الله إبراهيم.''اللجنة''،عبارة عن نص يسخر بروح كافكاوية من أجواء سياسات الانفتاح التي تبناها السادات.ثم رواية ''برلين 69"،والتي يعتبرها بالمناسبة صنع الله إبراهيم،أنضج أعماله،بقوله:((إن أحداث رواية ''برلين69"،كانت تتفاعل وتتصارع داخلي منذ أربعين عاما،ولذلك فإني أعتبرها أنضج أعمالي الأدبية،إذ كتبتها في فترة شعرت فيها بنضجي ككاتب وكذلك كإنسان،بالإضافة إلى نضج أدواتي وثقافتي)).رواية استثمرت النتائج النفسية المترتبة عن فصل جدار برلين بين ألمانيا الشرقية والغربية،حقبة الحرب الباردة،ومدى اختلاف الظروف المعيشية والحياتية بين نصفي البلد الواحد،كي ينتقد صنع الله إبراهيم المآل البيروقراطي للتطبيق الاشتراكي،الذي قتل منابع الحياة وتشيأت معه إنسانية الفرد، سواء في ألمانيا أو مصر،وكيف تحول الجنس جراء ذلك،من حس بيولوجي ينبغي أن يأخذ حيزه الطبيعي المتوازن سيكولوجيا،فتتحقق معه إنسانية الإنسان السوي،كي يصير هاجسا مرضيا وغريزة شبقة منفلتة تسيطر على العربي وتشل تفكيره تماما،بل تصير مرجعيته المطلقة في هذا العالم.
إذن، كما يدل عليها عنوانها،فرواية برلين69،بمثابة استحضار لذات المكان والزمان،مع مختلف دلالات الفترة التاريخية المؤرخة لظروف الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي والرأسمالي،والصراعات الندية اليومية على جميع الأصعدة،الإعلامية والإيديولوجية، لدى هذا الطرف أو ذاك.
على امتداد فصولها الأربعة التي قاربت251 صفحة،يصعب على القارئ أن يتبين ولو من خلال إشارة واحدة،تكشف حقا هل تواجد وقتها صنع الله إبراهيم في برلين الشرقية،أم فقط هي مجرد أحداث متخيلة،استنتجها بناء على معطيات ظروف المرحلة ؟محاولا باستحضاره للعقائدية الشمولية المستبدة طبعا بحقوق الفرد،إعادة انتقاده للمنظومة العربية بكل تجلياتها.طبعا،هناك كتاب وثقوا لأمكنة اعتمادا فقط على حدوس وتصورات افتراضية.بيد أن صنع الله إبراهيم،سيقطع بهذا الخصوص دابر الشك باليقين،عندما أكد في إحدى لقاءاته مع الجمهور،بأنه:((عاش في ألمانيا ثلاث سنوات،كان يقوم خلالها بتدوين مشاهداته،مما يراه أو يسمعه،ويخفيه في مكان سري،لكن ذلك لايعني أن الرواية هي سيرة ذاتية)).اعتراف،ربما يدفعنا كي نطرح التساؤلين التاليين:لماذا انتظر الروائي،جل هذه الفترة الطويلة،كي يخرج نصه؟ثم ما درجات ومستويات تماهيه مع صادق الحلواني الشخصية الرئيسة؟.  
قد يسهل الحسم مع الاستفسار الأول،مادام الوضع العربي المختل جوهريا،مثلما شكل الخلفية الضمنية،الغائبة– الحاضرة،لحبكة "برلين69"،لازالت تغمره بل زاد انغماسا في مستنقع المساوئ المرضية،التي رصدتها بسخرية سوداوية،مختلف حلقات المشروع الروائي لصنع الله إبراهيم: القمع،الخوف، البيروقراطية، الانتهازية، الانبطاح، التشيؤ،الكبت، الحرمان، التلصص،التفاوت الطبقي بتناقضاته الاجتماعية الرهيبة،انتفاء العدالة.كل ذلك ضمن نواة استمرار الأفق الثوري لدى الروائي وإيمانه بضرورة الانقلاب على الوضع القائم.ولعل من أهم مواقفه العملية المشهورة المنسجمة مع نزوعه اليساري،رفضه سنة 2003 ،تسلم جائزة الرواية العربية التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة في مصر،وتبلغ قيمتها المالية16ألف دولار،مؤكدا بأن الحكومة المصرية :''لاتملك مصداقية منحها"،قائلا بالضبط:((أعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد وتسمح للسفير الاسرائلي بالبقاء في مصر.في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب)).أيضا إلى جانب هذا التبرير العلني،يقال بأن رفضه ذلك،جاء تحديا لوزير الثقافة فاروق حسني،الذي أفصح خلال إحدى تصريحاته عن سعيه لإدخال المثقفين الحظيرة.تجدر الإشارة،إلى أن لجنة التحكيم ترأسها الطيب صالح،وكان عبد الرحمن منيف،أول اسم توج بتلك الجائزة.
أما بخصوص مدى تماثل أو اختلاف،صنع الله إبراهيم،مع بطل الرواية، فيصعب حقيقة التأكيد أو النفي.الصحفي صادق الحلواني،الشاب المصري الذي سافر أواخر الستينات إلى برلين الشرقية كي يعمل في القسم العربي لوكالة الإنباء الألمانية المعروفة اختصارا ب''أ. د.ن ''،غير أن وازعه الأصلي في واقع الأمر،لمغادرته مصر والرحيل صوب ألمانيا،هو توخيه تحقيق الإشباع أو الارتواء الجنسي،عبر إقامته لعلاقات غرامية عدة مع فتيات تتباين جمالا وإثارة وإغراء،انطلاقا من قناعة جاهزة وقبلية مفادها أن الأوروبية عموما سرعان ماتقع في غرام الشاب العربي بمجرد وقع سهام النظرة الأولى !طموح،عبر عنه تهكما على امتداد فقرات الرواية ب"النشاط الثقافي''الذي يقتضي عمليا ''برنامجا ثقافيا''،يضع خططا لمغامرات جنسية بهدف اصطياد ألمانيات واستدراجهن إلى غرف النوم.أيضا،هو "نشاط ثقافي"توالى وتواصل بصيغ وأساليب مختلفة عبر صحبة صادق الحلواني مع باقي رفقة زمرة ''الذئاب العربية''،التي لاهاجس لها سوى الجنس،وهي شخصيات أخرى عراقية،كردية،أردنية،مثل : ماجد وفخري وعدنان ونبيل.راكمت حكايات يومية أساسها الملاحقات الاغوائية والعلاقات السريرية البورنوغرافية العابرة،لكنها تلامس بين طيات ذلك،قضايا أكثر عمقا،تنتقل من الخاص إلى العام،ومن الشرق الأوروبي إلى العربي،لاسيما مصر،التي تعيش منذئذ التداعيات السلبية لهزيمة يونيو1967 . 
بشكل من الأشكال،يذكرنا التيه الجنسي لصادق الحلواني،بمصطفى سعيد في موسم الهجرة إلى الشمال،إنه مظهر من مظاهر هلوسات العربي المتأتية من ردود أفعال سيكوباتية نحو واقع مهزوم يأكله الانحطاط على جميع المستويات.فقط اختلفت العلل والمبررات :الجنس لدى الطيب صالح،بمثابة غزو بفحولة الزنجي لنساء الغرب،كرد انتقامي على صنيعه الاستعماري.أما مع صنع الله إبراهيم،فالجنس أيضا يمثل سلاحا للمقاومة لكن من أجل تقويض الأساس المذهبي للنظام البطريركي التوتاليتاري،ثم استعادة الفرد كلية في الجغرافية العربية لحقوقه الأصيلة.حرمان واغتيال وجودي على نحو غير مشروع،أفرغه تماما من بعده الإنساني،واختزله فقط إلى "ذئب" محتال،يتحين بأساليب حقيرة وخسيسة أشياء ليست من حقه. بدل أن يصارع بكيفية مشروعة قصد استعادته لحقوقه.
الجنس إذن سواء هنا أو هناك،يتحول أساس إلى مسلك عبثي يمنح إمكانية السخرية من كل شيء،وليس فقط السياسة.  
*هامش :
صنع الله إبراهيم : برلين69 .دار الثقافة الجديدة الطبعة الأولى 2014