‏إظهار الرسائل ذات التسميات كارل بوبر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كارل بوبر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

معجم كارل بوبر(الحلقة12 ):

                        * الميتافيزيقا و''مخطط الأبحاث الميتافيزيقية"

              * العالم  1 ، العالم 2 ، العالم 3

                              ترجمة : سعيد بوخليط    

 

 

تقديم:

عندما صادفت،منذ عقدين،كتاب الأستاذة الفرنسية روني بوفريس،الصادر حديثا آنذاك. توخيت بداية،إنجاز مقاربة تلخيصية تعريفية للعمل باعتباره عنوانا جديدا على  رفوف المكتبات.لكن بين طيات ذلك، تبين لي أن كتاب:العقلانية النقدية عند كارل بوبر ثم السيرة العلمية لصاحبته،ينطويان على قيمة معرفية كبيرة.لذلك،من الأمانة العلمية والتاريخية إن صح هذا التأكيد إعادة كتابته باللغة العربية نظرا لي : 

*اشتغلت روني بوفريس؛من بين أشياء أخرى،على نظريات كارل بوبر.وترجمت له أعمالا من الإنجليزية إلى الفرنسية؛لاسيما سيرته الذاتية. كما أن بوبر نفـسه؛أوكل لها مراجعة الترجمة الفرنسية لعمله الذائع الصيـت بؤس التاريخانية.

*اعتبرت روني بوفريس عملها هذا،تقديما عاما لمعجم بوبر المفهومي. ساعية بذلك، إلى جرد ألفبائي للمصطلحات والمفاهيم التي وظفها بوبر، قصد صياغة مشروعه. لقد رصدت وفق تعريفات سريعة لكنها دقيقة وعميقة؛أهم المفاهيم سواء تلك التي نحتها بوبر،أو توخى في إطارها،على العكس من ذلك، مناقشة أصحابها وإبداء رأيه حولها: العقلانية النقدية/ التحقق/ المعرفة الموضوعية /المحتوى/ النظريات العلمية / تحديد /الديمقراطية / المجتمع المنفتح/ مقولة الأساس/ قابلية التكذيب/ قابلية التزييف والتفنيد/ الرائزية /التاريخانية / العقل و اللغة / اللاوعي/ الاستقراء / الوسائلية /الليبرالية / الماركسية/ الميتافيزيقا / العوالم الثلاث / المجتمع المنغلق /الوضعية/ القابلية / النسبية / الكليانية والطوباوية / التوتاليتارية….

خطاطة مفهومية، تعكس البرنامج النظري والمنهجي الذي خطه بوبر لنفسه.وقد توزع بين : منهجية العلوم؛ فلسفة المعرفة العامة؛ البيولوجيا؛ علم النفس؛ العلوم الاجتماعية؛ تأويلات الفيزياء الحديثة؛ تاريخ الفلسفة؛ فلسفة الأخلاق و السياسة؛ نظرية العلوم الاجتماعية .

أرضية فكرية وعريضة، يتجادل ضمنها مع: أفلاطون وسقراط وهيغل وماركس وفتجنشتاين وهيوم وكانط ...إلخ. منحازا أو مختلفا،لكن بمعنى يتجاوز حدي منطق الميتافيزيقا الغربية الثنائي القيمة :صادق أو كاذب، ولا يوجد احتمال ثالث. لأن بوبر يؤكد نصيب الحقيقة من الخطأ. السمة الفكرية التي تهمه؛أكثر من اليقين والاعتقاد المطلقين.

هكذا ظل بوبر رافضا باستمرار،لكل أنواع الطوباويات والإطارات الشمولية المنغلقة؛بل والأفكار الرومانسية المنتهية حتما إلى العقيدة الجامدة والدوغماطيقية؛لأنها تستند بدءا وانتهاء على المرجعية الأحادية.

 لم يكن من باب الصدفة إذن،أن يخرج بوبر آخر أعماله تحت عنوان مثير: "أسطورة الإطار،في دفاع عن العلم والعقلانية". يقول بوبر في تأويل لما أشرت إليه:(( وعلى الرغم من أنني معجب بالتقاليد وعلى وعي بأهميتها. فإنني في الوقت ذاته أكاد أكون مناصرا أصوليا للا-أصولية: إنني أستمسك بأن الأصولية هي الأجل المحتوم للمعرفة، مادام نمو المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف. وكما نسلم جميعا، الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع، بل وإلى العنف. وأرى هذا أمرا بالغ السوء حقا، لأنني أستفظع العنف، غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضا إلى النقاش، وإلى الحجة وإلى النقد المتبادل. وإني أرى هذه الأمور ذات أهمية قصوى، وأزعم أن أوسع خطوة نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وسلاما، قد قطعت حين وجدت حروب السيف والرمح لأول مرة من يضطلع بها، وفيما بعد حين حلت محلها في بعض الأحيان حرب الكلمات ))( أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية . ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة. أبريل- مايو2003)

ولكي يتم تسليط الضوء بقوة،على الأفق المتطور لهذا الفكر الإنساني في جوهره، أسرعت بوفريس غير ممتثلة لترتيبها الألفبائي؛ نحو الصفة التي عشق بوبر،أن يسم بها اجتهاداته الفكرية والمنهجية. أقصد تصنيف: العقلانية النقدية .

فما هي إذن أبرز ملامح وتجليات هذه الفلسفة ؟ ثم  كيف عملت  بوفريس على توظيف ذلك حين مقاربتها مشروع بوبر؟ لاشك، أن الإجابة عن بعض هذه الأسئلة تخول من جهة أخرى؛ إثارة انتباه القارئ نحو أهم أطروحات هذا العمل،والتي سنقف على مضامينها عبر سلسلة هذه الحلقات.  

 

الميتافيزيقا و"مخطط الأبحاث الميتافيزيقية":

دون أن يعطي كارل بوبر تعريفا محددا للميتافيزيقا، نظرا لنقده لـ"الماهوية"،ومع توظيفه أحيانا دون تمييز لمفهومي: "قضايا فلسفية" و"قضايا ميتافيزيقية". فإنه يرد الاعتبار أولا للميتافيزيقة ضد وضعيي حلقة فيينا Vienne، وقد جمعته علاقات مع أعضائها لكن دون انتمائه قط إلى هذه الحلقة،على العكس من المنحى الأسطوري المصاحب لهذه القضية،ثم بعد ذلك ضد فتجنشتاين الذي أكد على وجود"ألغاز" لسانية وليس تحديدا قضايا فلسفية.بهذا الخصوص،أظهر غضبه واحتجاجه حينما سمع دفاع بوبر الشاب عن فكرة وجود حقيقي للقضايا الفلسفية.

 ينفصل بوبر عن النزعة العلمية التي بحسبها يمثل العلم حقل الشيء القابل للبرهنة واليقيني بينما الميتافيزيقة ميدان الاعتباطي،الخيالي وكذا الغامض.

 إن عبارة ميتافيزيقية ليست قابلة للاختبار،كذلك يتعذر دحضها ولايمكننا التحقق منها، معطيات تميزها عن نظرية علمية،لكنها لا تعني تماما بأنها فاقدة للمعنى، والحقيقة وكذا القيمة، مثلما اعتقد الوضعيون. بل قابلة للتدليل والنقد.لقد أصبحت بعض النظريات الميتافيزيقية قابلة للاختبار،وشكلت بذلك إلهاما للعلم.

 تكلم بوبر عن مخطط الأبحاث الميتافيزيقية فيما يتعلق بالداروينية ولا شيء سيمنع في نظرنا،اعتبار بأن بوبر لا يفعل ذلك تحديدا،بل يوجه انتقاده إلى فرويد،وقد أوضح طبيعة انتقاداته  في عمله المعنون ب: " postcript".ذلك أن بعض مناحي النظرية الفرويدية، بوسعها أيضا تبني نظام مخطط الأبحاث الميتافيزيقية،مما يجعلها قابلة للتحسن جراء النقد وتصبح في يوم من الأيام خاضعة للاختبار.

يقود شرط قابلية الدحض عند بوبر،الذي يعتبر أكثر تباينا مع علمية الماركسية والتحليل النفسي،قياسا لمعيار التحقق الوضعي، كفاصل بين العلم واللاعلم أو بين العلم والميتافيزيقا، نحو التمييز بين :

1 المنطق والرياضيات، حقل ما يمكن البرهنة عليه، أي الفكر،وليس المعرفة (التخمينية). 2 المعرفة التجريبية. 3 الميتافيزيقا.

العالم 1، العالم 2، العالم 3 :

العالم 1 : "عالم الفيزياء، الأحجار، الأشجار، الكيمياء والبيولوجيا".

العالم 2 : "عالم العواطف،الخوف والأمل، استعدادات للتأثير وكذا مختلف التجارب الذاتية".

العالم 3 : "عالم الفكر الإنساني،الأفكار،النظريات.أيضا،أعمال الفن والقيم الإيتيقية. وكذا المؤسسات الاجتماعية".

 يبدو بأن العالم الفيزيائي قد سبق وجوده عالم الأحاسيس الحيوانية والحالات السيكولوجية. في حين لم يبدأ العالم 3،سوى مع تطور لغة إنسانية خاصة : يعتبر أيضا نظام عرض العوالم الثلاثة،نظام تعاقب.

يبلور التجسيد اللساني للاعتقادات،نمطا جديدا من الحقيقة. تضيف أطروحة بوبر :''عالما ثالثا''،إلى عالم الأشياء المادية وكذا الوعي الذاتي والأشياء المعاشة،إنه عالم مضامين الفكر والدلالات الموضوعية.

لايمكننا أن نفهم تماما استقلال المعرفة عن تجارب الذات السيكولوجية،إلا إذا أقررنا ليس فقط عدم ارتباط حقيقة نظرية علمية باعتقادات شخصية،لكن بكيفية أكثر جذرية، تميُّز حقيقة النظرية عن حقيقة الفكر الذي أبدعها ويتضمنها: هكذا تقوم عند المستوى الأنطولوجي إبستمولوجيا بوبر دون الذات.

 سنلاحظ استقلال هذا "العالم 3"،الذي بوسعنا أيضا تسميته"عالم الثقافة" ويتوخى البعض اختزاله إلى عالم ذاتي للوعي. لكن من بين أفكار بوبر الأكثر أصالة تمسكه باستقلال عالم موضوعات الفكر عن الذات الإنسانية التي أبدعته.يخلق الإنسان نظريات وأفكار،بحيث  لا يمكن للأخيرة التبلور دونه، لكن بمجرد إبداعه لها، يفقد سيطرته عليها؛ثم يصادفها في غموضها،ويصطدم حينئذ معها. مما يعني قبل كل شيء،عدم استيعابه لها. هكذا يتسامى جذريا محتوى فكر،بالفهم الذي لدينا عنه، مادامت نتائجه متعددة بشكل لا نهائي.

يعتبر العالم 3 جوهريا بالنسبة لبوبر،عالما لا نهائيا،غير مكتمل،بالتالي غير متوقع : تكمن الأفكار المستقبلية خارج كل توقع،في نطاق ارتباط  باقي العالم بها،وتتضمن بالنسبة إليه اللاتحديد: "نساهم جميعا في تطور العالم 3 ...، بيد أنه خلال تطوره،لايفلت فقط عن إدراك إنسان بعينه،بل قياسا لجميع البشر(مثلما تظهر ذلك القضايا المتعذر حلها)".

ما هي العلاقة بين العوالم الثلاثة؟لايمكن للعالم 1، والعالم 3، تأثير أحدهما في الآخر مباشرة، لكن فقط من خلال العالم 2، الذي يتفاعل معه الاثنان:مثلا، من خلال الفهم السيكولوجي للنظريات، قد يتغير العالَم الفيزيائي. بما أن استقلال العالم 2 يعتبر أكثر بداهة من استقلال العالم 3، فقد اهتم بوبر بالدفاع عنه ضد المعترضين: يحدد وضعه قياسا إلى قضية جسد/ روح كثنائية،بل وكتفاعل متجدد.

ميز  بوبر مستندا على ديكارتية جديدة، نمطين من الحقائق،فيزيائية وسيكولوجية، ثم يضيف مشيرا إلى إمكانية وجود تفاعل بين الصنفين: قد يؤثر الفكر على الجسد، مثلما بوسع الأخير ممارسة مفعوله على الفكر.بالتالي يرفض التماثل،حينما يكون مجرد صيغة ضمنية للأحادية: يستحضر الوضع الذي دافع عنه ديكارت سابقا، لكن بصياغة أخرى تتوخى تجاوز الصعوبات التي أفقدتها اعتبارها.لذلك يعتقد بوبر بإمكانية صياغته أطروحته وفق الصيغة التالية:

1- هناك ثنائية، ليست بالتأكيد للجواهر،بل حالات وتطورات متفاعلة. 2 يقدم الوعي لحركات الجسد جهازا للضبط المرن. أما مايتعلق بأقصى مستويات الوعي بالذات،الخاصة  بالإنسان،فلم يكن بوسعه التجلي إلا كارتداد للتشكّل اللساني للنظريات، مثل تلك المتعلقة باستمرارية الأجساد في الزمان. يفسح العالم 3 المجال أمام ظهور الوعي الذاتي،شيء يفتقده الحيوان.

 

*المصدر:

Renée Bouveresse :le rationalisme critique de karl popper ;ellipses ;2000.

http://saidboukhlet.com/

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

معجم كارل بوبر(الحلقة11 ): * الأداتية *الليبرالية

          ترجمة : سعيد بوخليط    

 

تقديم: عندما صادفت،منذ عقدين،كتاب الأستاذة الفرنسية روني بوفريس،الصادر حديثا آنذاك. توخيت بداية،إنجاز مقاربة تلخيصية تعريفية للعمل باعتباره عنوانا جديدا على  رفوف المكتبات.لكن بين طيات ذلك، تبين لي أن كتاب:العقلانية النقدية عند كارل بوبر ثم السيرة العلمية لصاحبته،ينطويان على قيمة معرفية كبيرة.لذلك،من الأمانة العلمية والتاريخية إن صح هذا التأكيد إعادة كتابته باللغة العربية نظرا لي : 

*اشتغلت روني بوفريس؛من بين أشياء أخرى،على نظريات كارل بوبر.وترجمت له أعمالا من الإنجليزية إلى الفرنسية؛لاسيما سيرته الذاتية. كما أن بوبر نفـسه؛أوكل لها مراجعة الترجمة الفرنسية لعمله الذائع الصيـت بؤس التاريخانية.

*اعتبرت روني بوفريس عملها هذا،تقديما عاما لمعجم بوبر المفهومي. ساعية بذلك، إلى جرد ألفبائي للمصطلحات والمفاهيم التي وظفها بوبر، قصد صياغة مشروعه. لقد رصدت وفق تعريفات سريعة لكنها دقيقة وعميقة؛أهم المفاهيم سواء تلك التي نحتها بوبر،أو توخى في إطارها،على العكس من ذلك، مناقشة أصحابها وإبداء رأيه حولها: العقلانية النقدية/ التحقق/ المعرفة الموضوعية /المحتوى/ النظريات العلمية / تحديد /الديمقراطية / المجتمع المنفتح/ مقولة الأساس/ قابلية التكذيب/ قابلية التزييف والتفنيد/ الرائزية /التاريخانية / العقل و اللغة / اللاوعي/ الاستقراء / الوسائلية /الليبرالية / الماركسية/ الميتافيزيقا / العوالم الثلاث / المجتمع المنغلق /الوضعية/ القابلية / النسبية / الكليانية والطوباوية / التوتاليتارية….

خطاطة مفهومية، تعكس البرنامج النظري والمنهجي الذي خطه بوبر لنفسه.وقد توزع بين : منهجية العلوم؛ فلسفة المعرفة العامة؛ البيولوجيا؛ علم النفس؛ العلوم الاجتماعية؛ تأويلات الفيزياء الحديثة؛ تاريخ الفلسفة؛ فلسفة الأخلاق و السياسة؛ نظرية العلوم الاجتماعية .

أرضية فكرية وعريضة، يتجادل ضمنها مع: أفلاطون وسقراط وهيغل وماركس وفتجنشتاين وهيوم وكانط ...إلخ. منحازا أو مختلفا،لكن بمعنى يتجاوز حدي منطق الميتافيزيقا الغربية الثنائي القيمة :صادق أو كاذب، ولا يوجد احتمال ثالث. لأن بوبر يؤكد نصيب الحقيقة من الخطأ. السمة الفكرية التي تهمه؛أكثر من اليقين والاعتقاد المطلقين.

هكذا ظل بوبر رافضا باستمرار،لكل أنواع الطوباويات والإطارات الشمولية المنغلقة؛بل والأفكار الرومانسية المنتهية حتما إلى العقيدة الجامدة والدوغماطيقية؛لأنها تستند بدءا وانتهاء على المرجعية الأحادية.

 لم يكن من باب الصدفة إذن،أن يخرج بوبر آخر أعماله تحت عنوان مثير: "أسطورة الإطار،في دفاع عن العلم والعقلانية". يقول بوبر في تأويل لما أشرت إليه:(( وعلى الرغم من أنني معجب بالتقاليد وعلى وعي بأهميتها. فإنني في الوقت ذاته أكاد أكون مناصرا أصوليا للا-أصولية: إنني أستمسك بأن الأصولية هي الأجل المحتوم للمعرفة، مادام نمو المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف. وكما نسلم جميعا، الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع، بل وإلى العنف. وأرى هذا أمرا بالغ السوء حقا، لأنني أستفظع العنف، غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضا إلى النقاش، وإلى الحجة وإلى النقد المتبادل. وإني أرى هذه الأمور ذات أهمية قصوى، وأزعم أن أوسع خطوة نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وسلاما، قد قطعت حين وجدت حروب السيف والرمح لأول مرة من يضطلع بها، وفيما بعد حين حلت محلها في بعض الأحيان حرب الكلمات ))( أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية . ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة. أبريل- مايو2003)

ولكي يتم تسليط الضوء بقوة،على الأفق المتطور لهذا الفكر الإنساني في جوهره، أسرعت بوفريس غير ممتثلة لترتيبها الألفبائي؛ نحو الصفة التي عشق بوبر،أن يسم بها اجتهاداته الفكرية والمنهجية. أقصد تصنيف: العقلانية النقدية .

فما هي إذن أبرز ملامح وتجليات هذه الفلسفة ؟ ثم  كيف عملت  بوفريس على توظيف ذلك حين مقاربتها مشروع بوبر؟ لاشك، أن الإجابة عن بعض هذه الأسئلة تخول من جهة أخرى؛ إثارة انتباه القارئ نحو أهم أطروحات هذا العمل،والتي سنقف على مضامينها عبر سلسلة هذه الحلقات.  

 

الأداتية:

الأداتية تأويل للنظريات العلمية باعتبارها مجرد أدوات تصنيف ملائم، وكذا التنبؤ بالظواهر وتوقعها. إنها تتعارض مع الواقعية، التي بحسبها يتوخى العلم تفسيرا للظواهر عبر وصفه البنيات العميقة للحقيقة.

 الأداتية ردة فعل ضد الواقعية "الماهوية"، المؤمنة بإمكانية إدراك الحقيقة النهائية، لكن دون إخضاع  التفسيرات الأخيرة (أو التعريفات الأولى) لأي تفسير. يوظف بوبر"مفهوما ثالثا"، بين الماهوية و الأداتية.لا يمكن للأخيرة، في اعتقاده إدراك قدرة بعض النظريات على جعلنا نكتشف مجموعة من الأشكال غير المتوقعة للظواهر.

تمتلك الأداتية في الواقع تأثيرا محافظا سلبيا، ثم من جهة ثانية تمنح الصدارة،إلى العلم النظري على حساب التطبيقي،تقدير يرفضه بوبر. يمكن للنظريات وفق تصوره أن تكون مفيدة تقريبا،لكنها لا يمكن أن تكون على وجه التقريب صحيحة أو خاطئة. تستند واقعية بوبر على مرجعية ألفريد تارسكي لكي يدافع عن نظرية تتعلق ب"الحقيقة التطابق" أي الحقيقة التي تطابق الوقائع.

الليبـــــــــراليــــــة :

نذكّر بالتعريفات العامة لليبرالية،حيث يمتد أصلها الاشتقاقي إلى الكلمة اللاتينية ليبراليس(liberalis)، ليبرالي،مِعْطاء.

 في المقام الأول، نقصد بالليبرالية موقف متسامح حيال الآخر،واحترام لحرية الآخرين. من جهة ثانية، الليبرالية الاقتصادية نظرية تؤكد ضرورة أن تترك  الدولة للمقاولات حرية المنافسة والتبادلات، وعدم التدخل في النشاط الاقتصادي :  إذن حرية المنافسة تتمتع بالأولوية،مقابل تقنين وتدخل الدولة.

 ثم هناك الليبرالية السياسية، تلك النظرية الداعية إلى احترام الحرية الفردية وحمايتها وضمانها،من خلال تحديد سلطات واختصاصات الدولة وضمان استقلالية السلطة التشريعية عن التنفيذية. كما كتب جورج بوردو : "لا تكتسب كلمة ليبرالية أقصى دلالتها إلا تلازما مع أضدادها : الاستبداد، التوتاليتارية، الأوتوقراطية ...مختلف هذه الكلمات، المحيلة على ما ترفضه الليبرالية،ترسم سلبيا النقطة المشتركة،التي تقارب بين مختلف صيغها: رفض القيود التي تتوخى بواسطتها سلطة خارجية، كيفما كان أصلها أو غايتها، تعطيل القرارات الفردية".

العلم والليبرالية لهما أصل مشترك: بروز الفكر النقدي في عصر سقراط وبيركليس. اتسمت الليبرالية التي حظيت باهتمام  بوبر، بكونها في الوقت نفسه: سلبية،إصلاحية ومؤسساتية.

 سلبية،مادامت تؤكد،يكتب بوبر: "على ضرورة  تجاوز الآلام الفعلية، والسعي بكيفية مجردة نحو إقامة وضع ملائم؛لا ينبغي البحث عن تكريس السعادة بوسائل سياسية، بل على العكس محاربة الآلام المتجلية حقا"،(الحدوس والتفنيدات، ص : 526). ويضيف: "أعتقد بأن ما نحن قادرون عليه، العمل خلال كل جيل تقريبا على جعل الحياة شيئا ما أقل خطرا وجورا".

أما بخصوص الجانب الإصلاحي،فيتكلم بوبر عن "الذهنية التقنية" وكذا "التقنية المجزأة". فيما يتعلق برجل الإصلاح :"الذي اختار تحقيق غاياته من خلال تسويات وتعديلات محدودة، بوسعها أن تتحسن باستمرار".

 أما مؤسساتيا،فقد أحب بوبر التذكير: "بأن المؤسسات تشبه المعاقل،لا تكون ناجعة إلا إذا احتضنتها مواقع عسكرية مناسبة".

يجدر بالمؤسسات أولا تمكين الأفراد من التصرف في إطارها بكيفية حرة،ثم مقدرتها على تحمل النقد وبالتالي تطورها نحو الأفضل.

 يتمثل هدف سياسة معينة في أن تحمي الناس شيئا فشيئا،ضد أنفسهم : " إنهم طيبون لكنهم أيضا حمقى و مزاجيين" بفضل مؤسسات،بحيث يتضاءل حجم المعاناة ويتم تقاسمها وفق أقصى درجات المساواة الممكنة.

يرفض بوبر مناقشة قضية السيادة،عندما يحددها سؤال : "من الذي يجب أن يحكم؟"سؤال يستبعد بطريقة صياغته نفسها،إمكانية المراقبة. ويستبدله بسؤال ثان: "كيف يمكننا تنظيم المؤسسات السياسية، قصد الحيلولة دون اقتراف الحكومات السيئة،لكثير من المساوئ؟". إذن حسب بوبر،لايكمن السؤال الجوهري في  اختيار الحاكمين،بل مراقبتهم.

 

*المصدر:

Renée Bouveresse :le rationalisme critique de karl popper ;ellipses ;2000.

http://saidboukhlet.com/

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

معجم كارل بوبر(الحلقة10 ): الاستقراءـ الاستقرائية ،"قضية دافيد هيوم"

 

ترجمة : سعيد بوخليط    

 

 

 

تقديم: عندما صادفت،منذ عقدين،كتاب الأستاذة الفرنسية روني بوفريس،الصادر حديثا آنذاك. توخيت بداية،إنجاز مقاربة تلخيصية تعريفية للعمل باعتباره عنوانا جديدا على  رفوف المكتبات.لكن بين طيات ذلك، تبين لي أن كتاب:العقلانية النقدية عند كارل بوبر ثم السيرة العلمية لصاحبته،ينطويان على قيمة معرفية كبيرة.لذلك،من الأمانة العلمية والتاريخية إن صح هذا التأكيد إعادة كتابته باللغة العربية نظرا لي : 

*اشتغلت روني بوفريس؛من بين أشياء أخرى،على نظريات كارل بوبر.وترجمت له أعمالا من الإنجليزية إلى الفرنسية؛لاسيما سيرته الذاتية. كما أن بوبر نفـسه؛أوكل لها مراجعة الترجمة الفرنسية لعمله الذائع الصيـت بؤس التاريخانية.

*اعتبرت روني بوفريس عملها هذا،تقديما عاما لمعجم بوبر المفهومي. ساعية بذلك، إلى جرد ألفبائي للمصطلحات والمفاهيم التي وظفها بوبر، قصد صياغة مشروعه. لقد رصدت وفق تعريفات سريعة لكنها دقيقة وعميقة؛أهم المفاهيم سواء تلك التي نحتها بوبر،أو توخى في إطارها،على العكس من ذلك، مناقشة أصحابها وإبداء رأيه حولها: العقلانية النقدية/ التحقق/ المعرفة الموضوعية /المحتوى/ النظريات العلمية / تحديد /الديمقراطية / المجتمع المنفتح/ مقولة الأساس/ قابلية التكذيب/ قابلية التزييف والتفنيد/ الرائزية /التاريخانية / العقل و اللغة / اللاوعي/ الاستقراء / الوسائلية /الليبرالية / الماركسية/ الميتافيزيقا / العوالم الثلاث / المجتمع المنغلق /الوضعية/ القابلية / النسبية / الكليانية والطوباوية / التوتاليتارية….

خطاطة مفهومية، تعكس البرنامج النظري والمنهجي الذي خطه بوبر لنفسه.وقد توزع بين : منهجية العلوم؛ فلسفة المعرفة العامة؛ البيولوجيا؛ علم النفس؛ العلوم الاجتماعية؛ تأويلات الفيزياء الحديثة؛ تاريخ الفلسفة؛ فلسفة الأخلاق و السياسة؛ نظرية العلوم الاجتماعية .

أرضية فكرية وعريضة، يتجادل ضمنها مع: أفلاطون وسقراط وهيغل وماركس وفتجنشتاين وهيوم وكانط ...إلخ. منحازا أو مختلفا،لكن بمعنى يتجاوز حدي منطق الميتافيزيقا الغربية الثنائي القيمة :صادق أو كاذب، ولا يوجد احتمال ثالث. لأن بوبر يؤكد نصيب الحقيقة من الخطأ. السمة الفكرية التي تهمه؛أكثر من اليقين والاعتقاد المطلقين.

هكذا ظل بوبر رافضا باستمرار،لكل أنواع الطوباويات والإطارات الشمولية المنغلقة؛بل والأفكار الرومانسية المنتهية حتما إلى العقيدة الجامدة والدوغماطيقية؛لأنها تستند بدءا وانتهاء على المرجعية الأحادية.

 لم يكن من باب الصدفة إذن،أن يخرج بوبر آخر أعماله تحت عنوان مثير: "أسطورة الإطار،في دفاع عن العلم والعقلانية". يقول بوبر في تأويل لما أشرت إليه:(( وعلى الرغم من أنني معجب بالتقاليد وعلى وعي بأهميتها. فإنني في الوقت ذاته أكاد أكون مناصرا أصوليا للا-أصولية: إنني أستمسك بأن الأصولية هي الأجل المحتوم للمعرفة، مادام نمو المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف. وكما نسلم جميعا، الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع، بل وإلى العنف. وأرى هذا أمرا بالغ السوء حقا، لأنني أستفظع العنف، غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضا إلى النقاش، وإلى الحجة وإلى النقد المتبادل. وإني أرى هذه الأمور ذات أهمية قصوى، وأزعم أن أوسع خطوة نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وسلاما، قد قطعت حين وجدت حروب السيف والرمح لأول مرة من يضطلع بها، وفيما بعد حين حلت محلها في بعض الأحيان حرب الكلمات ))( أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية . ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة. أبريل- مايو2003)

ولكي يتم تسليط الضوء بقوة،على الأفق المتطور لهذا الفكر الإنساني في جوهره، أسرعت بوفريس غير ممتثلة لترتيبها الألفبائي؛ نحو الصفة التي عشق بوبر،أن يسم بها اجتهاداته الفكرية والمنهجية. أقصد تصنيف: العقلانية النقدية .

فما هي إذن أبرز ملامح وتجليات هذه الفلسفة ؟ ثم  كيف عملت  بوفريس على توظيف ذلك حين مقاربتها مشروع بوبر؟ لاشك، أن الإجابة عن بعض هذه الأسئلة تخول من جهة أخرى؛ إثارة انتباه القارئ نحو أهم أطروحات هذا العمل،والتي سنقف على مضامينها عبر سلسلة هذه الحلقات.  

 

* الاستقراءـ الاستقرائية ،"قضية هيوم" :


يؤكد بوبر بأن الاستقراء  أسطورة (الانتقال بواسطة عدد معين من الملاحظات الجزئية صوب قاعدة عامة،مع عدم الاستناد في ذلك على عدد محدود من الحالات بل مختلف الحالات)، فالعلم التجريبي، لا يصدر عن الاستقراء بل تبنيه التخمينات والتفنيدات، ويقر لهيوم الفضل بكونه الأول الذي رأى بأن الاستقراء غير صحيح منطقيا، ونعت قضية الاستقراء بـ "قضية هيوم"،وقد أجابت عن ذلك بكيفية مختلفة.

الأقسام VI و V من كتاب هيوم :"مبحث في الذهن البشري"،تضمنت بطريقة مترابطة،نقد العلِّية وكذا الأساس المنطقي للاستقراء.لا يوظف هيوم كلمة "استقراء" ولا يقتبس سوى أمثلة علمية قليلة جدا، ويأخذ أساسا نماذجه من الحياة اليومية. يبرهن في الواقع، على عدم صحة الاستقراء منطقيا. إثبات وصفه بوبر، الرافض للاستقراء، في كتابه : المعرفة الموضوعية، بقوله: "جوهرة لاتقدر بثمن فيما يخص نظرية المعرفة".

ميز هيوم بين علاقات الأفكار والوقائع. علاقات الأفكار، بمثابة كل تأكيد يقيني حدسيا أو استدلاليا.إنه ميدان اليقين، ما هو حقيقي بالنسبة لكل العوالم الممكنة حسب ليبنتز . يتجلى ميدان اليقين هذا، في الهندسة، الجبر والحساب. يستقل يقين القضايا الرياضية،عن الكون و حالاته،بينما عَكْس هذه القضايا يتضمن التناقض. في المقابل، لا نثبت بنفس الطريقة أو بواسطة البرهان،تلك الموضوعات الثانية للعقل الإنساني المسماة بالوقائع.

يظل نقيض واقعة معينة، ممكنا باستمرار لأنها لا تتضمن تناقضا : "لن تشرق الشمس غدا، قضية ليست أقل وضوحا، ولا تتضمن تناقضا بجانب التأكيد : ستشرق. نتوخى إذن عبثا إظهار خطأ ذلك".

أما بخصوص الوقائع،فنؤكد دائما بامتياز أن الشيء الوحيد الحتمي بالنسبة للتجريبي، يتجسد في الشهادة الفعلية للحواس وعند الاقتضاء الصلات اليقينية لذاكرتنا.

عندما يتساءل هيوم عن الاستدلال الذي نقوم به، يخلص إلى النتيجة التالية : " يظهر بأن استدلالات الوقائع، تستند على علاقة السبب بالنتيجة. نتجاوز بواسطة هذه العلاقة وحدها بداهة ذاكرتنا وحواسنا".من هنا، يطرح تساؤل ثان : كيف نصل إلى معرفة السبب والنتيجة؟ يجيب هيوم بأن معرفة هذه العلاقة، لا تتأتى عموما من استدلالات قبلية. بل تتولد كليا من التجربة : "حينما لا نجد سوى أشياء معينة مقترنة دائما فيما بينها".

 يدفع هيوم برغبته في التحليل بعيدا، متسائلا عن أساس كل الخلاصات المتأتية  من التجربة. يكتفي في الجزء IV بجواب سلبي : حتى ولو كانت لنا خلال مرة تجربة عمليات السببية،فالنتائج التي نحصل عليها من هذه التجربة،لا تقوم على الاستدلال أو تطور للفهم.

 أما في الجزء V،يقف هيوم عند حدود الإقرار بالعادة أو التعوّد كـ :"مبدأ أخير يمكننا أن نستدعيه فيما يتعلق بمختلف استنتاجاتنا التي جاءت عبر التجربة"،ومشيرا إلى دور التكرار في تشكيل التعوُّد،الذي يمثل : "أكبر مرشد لحياة الإنسان".

 ليست العلِّية بمبدأ يدير الأشياء،بل تختزل إلى : "مبدأ للطبيعة الإنسانية"، و"الحتمية شيء يوجد داخل الفكر وليس في الأشياء". ولا يمكن لمبدأ العلِّية القيام بناء على عاداتنا الاستقرائية، مادام هو ذاته مجرد تعبير عن تلك العادات.

 يؤكد هيوم  بعدم وجود استحالة منطقية بخصوص أن الأشجار : "تزهر شهر دجنبر ثم تذبل خلال ماي". الأمير الهندي الذي رفض الإيمان بالعلاقات الأولى حول التجمد، لم يعلل بكيفية مختلفة عن أنصار المعرفة التجريبية : يستنتج انطلاقا من عاداته. كل شيء يتم كما لو أن أي شيء يمكنه إنتاج أي شيء.

اكتشاف الدلالة السيكولوجية الخالصة للعلِّية، لم يشعر به هيوم كانتصار للعقل التجريبي. إنه خلاصة تقوض قيمة معرفتنا : "كم نشعر حتما بخيبة أمل، حينما نعلم بأن هذا الاتصال، والترابط، والطاقة تكمن فقط داخلنا، وبأنها مجرد تحديد  لفكر اكتُسب جراء التعوّد"، و"الفهم لا يحطم مطلقا ذاته، ولا يترك قط أدنى درجة من البداهة لأية قضية تنتمي للفلسفة أو الحياة العادية".

حسب برتراند راسل: "مثلت فلسفة هيوم، سواء كانت صحيحة أو خاطئة،إفلاسا حصيفا  للقرن الثامن عشر". من :"المهم إذن اكتشاف هل من جواب يمكن تقديمه لهيوم ، ضمن نطاق  فلسفة تجريبية كليا، أو في قسمها الأكبر. وإلا فليس هناك فرق فكري بين الجنون والعقل. المعتوه الذي يعتقد بأنه بيضة مسلوقة،تلزم إدانته فقط لكونه قاصرا ...إنها وجهة نظر يائسة، من الضروري توخي إيجاد وسيلة للخروج منها".

حتما نتائج موقف هيوم مدمِّرة : إنها تلغي كل اختلاف بين الفكر العلمي وظواهر الحياة الوجدانية اللاعقلانية جدا. المصدر في الحالتين،الآلية غير المضبوطة لتداعيات تؤسس للخيال.المعرفة، حين نهوضها على الذاتية، وليس العقل(مجرد تدفق لانفعالات و إدراكات) ، لاتمثل حينئذ علامة عن نشاط الإنسان،بل سلبيته.صحوة الذهن،معناها إدراك عدم تميز عقلنا عن جهلنا،بمعنى التحلي في نهاية المطاف بالشك.

 يضع هيوم فلسفة العلوم داخل وضعية مستحيلة،ويجعلها تقريبا شيزوفرينية. من جهة، لا يمكنها إلا أن تلاحظ تطورات العلم المذهلة أكثر فأكثر. ومن ناحية ثانية، تبدو عاجزة عن تبين أرضية يستند إليها هذا العلم منطقيا. يدعي بوبر، أنه وضع نهاية لهذه الوضعية العبثية، ورمم العقلانية العلمية، باشتغاله على قضية العلم التجريبي الأساسية،وكذا علاقات التبرير بين نظرية عامة ثم سلسلة تعابير الملاحظة.

يعتبر بوبر قضيتي العلِّية والاستقراء، مسألتين منفصلتين تماما في الواقع. فيما يتعلق بالعلِّية،فقد نظر إلى العلاقة العلِّية باعتبارها استنتاجية  تماثل القياس المنطقي  بشكل ما، بحيث تطرح ضرورة منطقية (يسترشد بوبر في هذا التحليل  على ضوء علم الدلالة عند تارسكي )وليست طبيعية. يحكم بوبر على قضية المعرفة بكونها ميتافيزيقية، إذا تم تحديد مختلف الوقائع علِّيا.لا تحيل العلِّية بالنسبة إليه، كما اعتقد هيوم على قوة نفسية، أي العادة. ولا توجد إلا قياسا لقاعدة عامة.إنها تستدعي ليس فقط مصطلحي "السبب" و"النتيجة"، اللذين لم يكتشف بينهما هيوم أيّ ارتباط منطقي لأنه حصر تحليله  ضمن نطاقهما، لكن يوجد أيضا مصطلح ثالث : القاعدة. يمكننا جراء اقتران القاعدة بـ "الشروط الأولية" أو العلل، مفهوم أعاد له بوبر الاعتبار،استخلاص النتيجة.

 يوظف بوبر خطاطة التفسير الاستنتاجي كي يظهر، خلافا للمساعي المفضلة لدى الوضعيين المنطقيين بتطهير اللغة، ما يمكن أن يأتي به فعلا المنطق إلى الفلسفة.

فيما يخص قضية الاستقراء، برزت مجموعة محاولات لتأكيده. فقط إذا كان مبدأ الاستقراء نفسه تجريبيا، سيظهر فورا أننا نلج حلقة مفرغة. بما أنه غاية الآن،بقي المستقبل مماثلا للماضي،فسينطبق ذلك على القادم،بالتالي يمكننا الاستدلال من الماضي إلى المستقبل، وقد منحنا ذاتنا الحق كذلك في الاستدلال من الماضي إلى القادم،وكذا من المعطى إلى اللامعطى (هيوم ص : 83).

أيضا توخى البعض طرح  بداهة مبدأ الاستقراء: إنه الطريق الذي اتبعه كانط ،مفترضا بأن مبدأ الاستقراء تفرضه الذات على عالم الظواهر وفق صيغة :"عبارة تركيبية قَبْليا". بل وبشكل مفارق،أغرى هذا الحل بعض التجريبيين.لذلك، يظهر برتراند راسل  حسب بوبر في :"حدود التجريبية"، قريبا من الإقرار بمبدأ الاستقراء غير المبرر، مما  يعادل حركة تتجه إلى الماقبلية. مع ذلك،لا يمكن أن نأخذ هنا سوى مايمثل هنا حلا كافيا. نعاين ذلك في الحالة الكانطية،بمجرد إدراكنا  بأن كانط  استنسخ أغلب "الحقائق التركيبية قَبليا" انطلاقا من مبادئ أسس الفيزياء النيوتونية.

 لذلك، واجهته صعوبتان. من جهة، كان يصعب عليه أن يفسر لماذا وجب الانتظار طويلا قبل ظهور تلك الفيزياء، إذا كانت موجودة تقريبا قبليا في بنية الذات. ثم من جهة ثانية، ضرورة تسليمه بأن نظرية نيوتن لا يمكنها أبدا أن تصير موضوع تساؤل (ليس أكثر من الهندسة الأوقليدية)،لذلك عرف بناؤها نفس مصير،المرجعية التي استندت عليها.

 بصفة عامة، فإن تبني مبدأ الاستقراء بكيفية قبلية دون مسوغ،لا يمكن أن يشكل حلا حقيقيا لإشكالية هيوم: لايمثل ذلك في الواقع أكثر من عبارة تقتضيها الحاجة.

طبعا، يقر بوبر بصحة الجانب السلبي لنظريات هيوم :لايحق لي تأكيد كونية الظاهرة الملاحظة،بالاعتماد على سلسلة متناهية من الملاحظات، فلا يمكنني الانتقال من : "هناك "ن" من البجع الأبيض"(مهما بلغ كبر مقدار "ن") إلى نتيجة"كل البجع أبيض". بالتالي،رفض النتيجة الإيجابية التي يستخلصها هيوم من ذلك: يرتكز الاستقراء على ظاهرة نفسية. النتيجة الأخرى التي يمكن استخلاصها  من تحليل هيوم تتمثل في : بكل بساطة،لا تصدر معرفتنا عن الاستقراء، بل يبقى الأخير مجرد أسطورة.

 تخلى هيوم عن العقلانية لاعتقاده بضرورة المسار الاستقرائي. عثر بوبر ثانية على العقلانية بانصرافه عن الاستقرائية : "حتى و إن  استمر هيوم في النهاية استقرائيا : فلا يمكننا التوقع  من كل الاستقرائيين الذين تحدوا هيوم القدرة على إدراك بأن هذا التحدي يضع الاستقرائية موضع تساؤل". أيّ مسار آخر يمكننا ترقبه غير المسار الاستقرائي؟ أن تتأسس معرفتنا على تخمينات حول الواقع وكذا مجهودات قصد دحض تلك التخمينات : توظف منهجية "المحاولات والأخطاء". لكن بالسعي، إراديا كي تتجاوز فرضياتها الخطأ اعتمادا على المنهجية النقدية.

 يتجه السعي كليا، بناء على مسار"التخمينات والتفنيدات"،نحو دحض النظريات، وقد يكلل هذا المجهود بالنجاح.لأن هناك تفاوت جوهري بين التحقق والدحض : لا يمكن تأكيد عمومية قاعدة معينة انطلاقا من قاعدة أو قواعد خاصة، في المقابل، يمكن لواحدة دحضها. لاتبرهن مائة ألف إوزة بيضاء على أن جميع الإوز أبيض،بل يكفي وجود إوزة سوداء حتى تصبح قاعدة "كل الإوز أبيض" باطلة.

يستتبع ذلك، بأن التجربة تتمتع فعلا، كما تؤكد التجريبية،بإمكانية الفصل مباشرة  بخصوص قاعدة عامة، لكن بطريقة فقط سلبية : الدحض هو الأساس المتين الوحيد لمعرفتنا. بما أنه لايمكننا دائما دحض سوى فرضية قائمة سلفا،لذلك يظل باستمرار أوليا صياغة الحدوس.بالتالي،لاننتقل من الملاحظة إلى النظرية عن طريق حركة تعميم.ننطلق من النظرية، ثم نستخدم الملاحظة سعيا لإبطالها.

 حينما ينفي بوبر ربط تشكل النظريات العامة بأي جانب من جوانب تراكم الملاحظات،فإنه يتجاوز العقبة التي كشفت عنها عدم صحة العملية الاستقرائية، بالكيفية المبرهن عليها من طرف هيوم.

 توفق نظريته بطريقة أصيلة بين النزعة التجريبية التي تؤكد بأن التجربة وحدها تحسم  النظرية، وكذا العقلانية بتأكيدها على أن إقامة نظرية لا يمكنه التبلور انطلاقا من التجربة. ويعتقد بمنهجيته تلك،قد حسم على الأقل قضية فلسفية : قضية الاستقراء.يتأسس العلم على التخمينات والتفنيدات،وليس الاستقراء.

 

*المصدر:

Renée Bouveresse :le rationalisme critique de karl popper ;ellipses ;2000.

http://saidboukhlet.com/