الثلاثاء، 30 أغسطس، 2016

إرنست همنغواي: أمي *

ترجمة : سعيد بوخليط


ولد إرنست همنغواي في إلينوي سنة 1899،ميزته أسطورة كرسها بنفسه : يتعلق الأمر برجل الحركة وكذا المغامر المدمن على الشرب،المستخف بالأدب وكذا تأثيرات الأسلوب.تخصص في الريبورتاجات ثم صار مراسلا حربيا،وهو ما وظفه في نصه"الشمس تشرق أيضا''أو "لمن تقرع الأجراس".النجاح والشهرة مكناه من السفر على امتداد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.أصدر الشيخ والبحر سنة1953. .خلال السنة الموالية سيحصل على جائزة نوبل للآداب.أجبره مرضه على الانتحار شهر يوليوز سنة 1961  .
كانساس سيتي
16يناير 1918
أمي العزيزة
اليوم فقط تلقيت رسالتك.بدأت أتساءل عن سبب غياب أخبار العائلة لكن القطارات جميعها كانت معطلة.لقد وصلت البرودة إلى عشرين درجة تحت الصفر،رغم عدم تساقط الثلج كثيرا.تقريبا على امتداد كل منطقة كانساس اعتمد كل فرد على قدميه الاثنين أو ثلاث.لم يتحرك أي قطار سواء صوب الغرب أو الشرق.هكذا انقطعنا حقا عن باقي العالم لفترة زمنية معينة.أيضا،النقص في الفحم هنا لازال مجحفا.مع ذلك علينا المبادرة لوضع مشاريع لأننا على أبواب فصل الربيع.
الآن،جففي دموعك أمي ثم هدئي من روعك.عليك أن تجدي شيئا يفوق ما يجول في خاطرك أهمية يشعرك فعلا بالاضطراب.بالتالي،لا داعي للانزعاج أو الإحساس بالضيق لمجرد فكرة أني لست مسيحيا صالحا.على العكس،أنا كذلك دائما وأصلي كل ليلة وأومن على نحو سليم وشاق أيضا.إذن اطمئني !فأن أكون مسيحيا مرحا لا ينبغي أن يقلقك. 
سبب عدم ذهابي إلى الكنيسة يوم الأحد مرده التزامي بالعمل غاية الواحدة صباحا كي أنهي آخر تفاصيل صدور جريدة "star"صبيحة اليوم الموالي وأحيانا أبقى مستيقظا إلى الثالثة أو الرابعة صباحا.عموما لا أفتح قط عيناي يوم الأحد قبل الساعة الثانية عشر ونصف ظهيرة.إذن مثلما لاحظتِ لست رافضا.كما تعلمين لا أتحدث بحماسة عن الدين بيد أني مسيحي صادق قدر الإمكان.يوم الأحد هو اليوم الوحيد في الأسبوع الذي أستطيع خلاله النوم ملء جفوني.أيضا،كنيسة "الخالة أربيل" أنيقة جدا لكن القس ليس ظريفا بالمطلق مما يشعرني بغربة المكان .   
الآن أمي عندما أقرأ ما كتبتيه عن كارل(إدغار) وكذا بيل(سميث)ينتابني غضب مرعب.لقد فكرت لحظتها على الفور في الرد عليك للإدلاء بوجهة نظري.لكني تريث حتى أهدأ.مع أني لم ألتق أبدا كارل ولا أعرف بيل سوى معرفة سطحية،إلا أنكِ كنت غير منصفة بجفاء.يعتبر كارل أميرا بل تقريبا المسيحي الأكثر أصالة الذي لم ألتق مثله قط ويؤثر علي أكثر قياسا لباقي معارفي الآخرين.لا يستحضر لسانه باستمرار الدين لكنه مسيحي صادق بعمق وشخص لطيف.
لم أستفسر قط بيل عن الكنيسة التي يرتادها،لأن الأمر لا أهمية له.نحن الاثنان نؤمن بالله والمسيح ونتطلع معا نحو حياة مستقبلية دون اكتراث بالعقائد.
أرجوك لا تعودي ثانية إلى انتقاد أفضل أصدقائي.إذن اطمئني،فكما ترين لاأسير على المنوال الذي تظنين.
.مودتي
إرني.
* لاتقرئي هذا الكلام على أي شخص وأرجوك احرصي على مزاج فرح.

 ***
*الرسالة الثانية
غشتاد5  فبراير 1927
عزيزتي أمي،
شكرا لانهائيا فقد توصلت منك بجدول معرض مارشال فيلد والذي يتضمن إعادة إنتاج للوحتكِ دكان الحداد.تبدو جميلة جدا وتمنيت كثيرا لو رأيت النسخة  الأصلية.
لم أكتب لك جوابا عندما تلقيت منك رسالة بخصوص موضوع رواية الشمس تشرق أيضا،إلخ.لأني لم أستطع كبت نفسي عن الغضب ومن الغباء الشديد أن تكتب رسائل وأنت في حالة انفعال ،ثم يزداد الموقف حمقا إذا توخيت الكتابة إلى أمك.طبيعي جدا أنكِ لم تحبي روايتي وأتأسف لأنك تقرئين أي كتاب يحدث لديك الحزن والاشمئزاز.
من جهة ثانية لست خجلا مطلقا من هذا العمل، اللهم في نطاق عجزي على أن أصور بالألفاظ  وبدقة الشخصيات التي أصفها أو أبتغي جعلها حقا تتمتع بالحياة لدى القارئ.أنا متيقن من الضجر المميز لروايتي تلك .لكن ليس في المجمل ومتأكد أنه لا يتفوق قرفا عن الحياة الواقعية الداخلية لبعض أفضل عائلاتنا في ضاحية ''أوك بارك''.عليكِ التذكر بأنه مع نص كهذا تجلت في واضحة النهار حياة كل الشخصيات الجديرة على الأقل بالاحترام بينما مع أسر أوك بارك، يلاحظ الجمهور مظهريا جانبا جميلا جدا دون أن يستطيع الوقوف على جانب ثان تمكنت قليلا من إدراكه وأنا ألاحظ ما يجري خلف أبواب مغلقة.أيضا تعلمين باعتبارك فنانة،استحالة إجبار كاتب كي يدافع عن اختياره لموضوع ما في المقابل يلزم إخضاعه للانتقاد حول الطريقة التي عالج بها موضوعه.الأفراد الذين وظفتهم كشخصيات للعمل هم بلا شك منهكين،فارغين ومُدمِرين،هكذا حاولت إظهارهم.سيشعرني فقط عملي بالخجل في حالة عجزه عن بعث الحياة لدى الأشخاص الذين أردت تقديمهم.أمامي حياة طويلة كي أنجز أعمالا أخرى والموضوعات ليست دائما نفسها،فقط أتمنى، أن تكون جميعها كائنات إنسانية.   
وإذا كانت السيدات الجميلات لنادي القراءة تحت إشراف الآنسة فاني بوتشر،المفتقدة للنقد الذكي– سأشعر بأني في غاية البلاهة إذا أثنت على عملي- هن متفقات بالإجماع على أني بصدد الدعارة بموهبة كبرى،إلخ،لغايات دنيئة،أقول،هؤلاء السيدات الجميلات يتفوهن بكلام لايعرفن عنه شيئا ويتقولن حماقات فظيعة.
فيما يخصني وهادلي،لم نعد نقطن نفس المنزل منذ مدة(منفصلين منذ شهر شتنبر الأخير ومن المحتمل حاليا أن ننتهي إلى الطلاق )غير أننا معا بصحبة بومبي،حافظنا على أواصر صداقة مثالية.هما على ما يرام، يتمتعان بصحة جيدة وسعيدان. جل عائدات وحقوق تأليف ''الشمس تشرق أيضا''التي هي تحت تصرفي ستسلم مباشرة إلى هادلي في أمريكا وانجلترا.بعد الإعلانات التي اطلعت عليها شهر يناير،فقد بلغت الرواية طبعتها الخامسة(15000نسخة)ولازال تداولها قويا جدا.ستصدر عما قريب خلال فصل الربيع المقبل تحت عنوان : حفلة. ستأتي هادلي إلى أمريكا فترة الربيع أيضا بالتالي بوسعك رؤية بومبي بفضل فرصة عائدات: الشمس تشرق أيضا.لن أتسلم سنتا واحدا من حقوق المؤلف والتي بلغت أصلا آلاف الدولارات.
لا أشرب خلال وجباتي سوى النبيذ أو الجعة وقد اخترت نمط حياة متقشفة جدا لكني أحاول الكتابة قدر ما أستطيع.تتباين تصوراتنا حول ما يشكل أسلوبا جديدا-هو ببساطة خلاف جوهري-لكنك تفرطين حقا في حالة منحك الفرصة إلى زمرة ''فاني بوتشر'' كي يخبروك بأني أبحث عن الصخب،إلخ.لقد تلقيت رسائل من مجلتي''فانيتي فاير'' و''كوسموبوليتان''،وغيرهما يطلبان مني حكايات ومقالات وحلقات متسلسلة بيد أني لا أريد إصدار أي شيء قبل انقضاء ستة أشهر أو سنة(بيعت بعض القصص إلى دار النشر "سكريبنرس" نهاية السنة الأخيرة وكذا نص هزلي تتم حاليا قراءته)لأني أعتبر اللحظة الراهنة مصيرية جدا وفي غاية الأهمية بالنسبة إلي أجواء الكتابة بهدوء،محاولا أن أشتغل قدر ما أحاول،دون أن أضع هاجس السوق نصب عيني أو التطلع إلى مردود مادي لما أنا بصدد كتابته ولا حتى مجرد خروجه إلى القراء أصلا ،متجنبا عدم السقوط بأي شكل من الأشكال في شرك ربح المال حيث التعامل مع الكتاب الأمريكيين بنفس منطق ما صنعته آلة الحصاد بإبهام قريبي الشهير.  
أبعث هذه الرسالة لكما معا لأني أعرف أنك وأبي  قلقان دائما بخصوص مساري، وضع يدعوني بدوري  للتأسف باستمرار عن نوعية المشاعر التي أحدثها لكما.لكن لا ينبغي أن تقلقا،فمادامت حياتي تعرف لحظات أفراح وأحزان فإني أبادر على الدوام إلى فعل ما بوسعي القيام به بالنسبة لمن أحب (لا أكتب لكما على نحو متواصل نظرا لانعدام الوقت الكافي، ولأنه عندما أكتب،تواجهني صعوبة كبرى في تدبيج الرسائل كما يلزمني تحديد نطاق مراسلاتي،على تلك الرسائل التي من الضروري حقا كتابتها،وأصدقائي الحقيقيين يعرفون درجة تعلقي بالنسبة لمن أكتب لهم أو العكس)،لم أكن قط مدمنا بل ولا أشرب النبيذ بطريقة منتظمة(سيحكون لكما أساطير تقول بأني سكير،الأمر الذي حدث مع كل الذين كتبوا عن أشخاص مدمنين)بل كل ما ألتمسه الهدوء وإمكانية الكتابة.قد لا تحبان أبدا ما أكتبه،ثم بغتة قد تحبان بشغف شيئا ما.لكن عليكما أساسا الاقتناع بأني صادق بخصوص جل ما كتبته.كان أبي أمينا بينما أنت أمي لم تكوني كذلك بالمطلق،وأفهم على الوجه الأكمل أن تفسير ذلك يعود لكونك تعتقدين بأنه يلزمك توبيخي وإخباري بأني متورط في مسلك تعتبرينه مشؤوما.
لكن، بوسعنا على أية حال عدم الخوض في كل ذلك.أنا على يقين،ستعثران بين طيات مجرى حياتي على مبررات شتى تخلق لديكما الانطباع بأني جلبت لكما الفضائح إذا صدقتما كل ما ستسمعانه.من جهة ثانية وبجرعة صغيرة من الصدق بدل التخدير بوسعكما ربما أن تتحملا ببداهة جلية سمعتي السيئة ثم تكتشفا أخيرا،أني لم أغمركما قط بالخزي.
على أية حال،محبتي الكبيرة لكما. 
إرني.  
***
*الرسالة الثانية :   
لافينكا فيجيا
17 شتنبر1949  
أمي الغالية،
شكرا جزيلا عن رسالتك ليوم7 شتنبر.لقد سعدت كثيرا لحظتها وأنا أحصل على الكتب مثلما فعلت معنا ونحن أطفال.تسلمتها في مدينة ''كي ويست'' التي لم أزرها منذ سنوات طويلة.اسمحي لي أن أهنئك على اهتماماتك الرائعة ومحبتك لنا جميعا فترة شبابنا مع أننا مثّلنا لك مصدرا كبيرا للإزعاج.كان ممتعا قراءة الإشارة التي وقعتيها على الكتاب أما الصور الملتقطة من طرف أبي فجلها تقريبا آسرة.أتمنى لك دوام الهناء  وأن تظل جميع أمورك على ما يرام وأيضا بالنسبة لروث أرنولد،الذي أبعث له تذكارا ودودا جدا.
أخبرني سكريبنر أن سيدة أظنها تعمل في مجلة ''ماكال''اتصلت بهم كي تحصل على عنوانك بهدف إنجاز مقالة عني تتطرق لحقبة شبابي.لا أحب هذا النوع من الدعاية لذلك لا تسمحي لها.سأطلب من سكريبنر كي يكتب إلى هذه المرأة الصحافية الوصولية جدا والشديدة العدوانية. أظن،سيكون موقفا سيئا جدا،  أن أتوقف عن مواصلة المساهمة في تأمين حاجياتك  في حالة نشرهم لمقالة من هذا النوع دون موافقتي.أتمنى،أن هذا التوضيح قد حسم المسألة.
  أما عن الأولاد فهم بخير،وقضوا قترة هنيئة في أوروبا.بومبي قائد جنود المشاة في برلين، زاره باتريك وغريغوري هذا الصيف على متن الدراجات النارية،كما قاما بجولة في إيطاليا زارا خلالها المتاحف والتقيا بأصدقائنا الجيدين هناك.لقد واجهت صعوبات جمة كي ينال ليسيستر الوظيفة التي يمارسها في بوغوتا،غير أن الفضل الأول بهذا الصدد يعود إلى الجنرال بوك لنهام الذي عملتٌ تحت قيادته ضمن الفيلق22للمشاة أثناء الحرب الأخيرة.لقد التمس ليسيستر أن يتم نقله ضمن وحدات المشاة من موقع العطالة الكلية التي ميزت مصلحة التصوير الفوتوغرافي وكان جنديا في منتهى الروعة بحيث هيأ له الجنرال بوك كليا السند.طبعا،لم أتمنى انخراطه في صفوف المشاة،لأنه ليس بمقدوري السهر على رعاية زوجته وطفليه اللذين أحبهما كثيرا،بينما لا أشعر بأي انجذاب نحو زوجته. 
أهنئك أن تكوني أم الجدّ وقد أدركتِ سن السابعة والسبعين.بدوري أحببت حقا،أن أصير جَدَّا ثم أعيش حتى أبلغ مستواك من طول العمر.
راهنا أنا منكب بكيفية مضنية حقا على كتاب أظنه سيكون مهما جدا.بعد الانتهاء منه،أفكر في السفر إلى أوربا للاستجمام.
اعذريني أرجوك إذا نسيت تقديم تهنئة عيد الميلاد وأشياء أخرى. 
منتهى الحب،
ابنك إرنست.   
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
المرجع :  Ma chère Maman : De Baudelaire a Saint-Exupéry ;des lettres d écrivains . Gallimard ;2002.         


الموقع الاليكتروني للأستاذ سعيد بوخليط : http://saidboukhlet.com/

الأحد، 28 أغسطس، 2016

ويليام فوكنر: أمي *

ترجمة : سعيد بوخليط


ولد ويليام فوكنر في ميسيسيبي سنة 1897،ينحدر من أسرة عريقة أرستقراطية أفلست نتيجة حرب الانفصال،تراوحت إقاماته بين باريس ونيويورك وكذا نيو أورليانز قبل أن يستقر في أوكسفورد ولم يغادرها أبدا إلا من أجل الاشتغال ككاتب للسيناريو في هوليود.يتسم عالم فوكنر بكونه عالما متشائما حيث يشكل الانحطاط والخطيئة وكذا الاعتذار عنها بالمكابدة حلقاته الدرامية.حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1950 وتوفي سنة 1962بعد حياة كرسها كليا لإنتاج أدبي يعتبر من بين أهم ركائز الأدب الأمريكي.

الأحد
28أبريل 1918
نيوهافن
صغيرتي أمي العزيزة
أتمنى أن تكوني قد توصلتِ بالورود.لقد بعثت أنا وفيليب برقية إلى مدينة ''ممفيس" كي يرسلوها إليك .أيضا، اليوم،أنا وفيليب حمل كل واحد منا قرنفلا أحمر احتفالا بعيد الأم .تقريبا الجميع،فعل ذات السلوك باستثناء الكارهين للمجتمع،مع أن الجو كان عبوسا بل وباردا. 
مساء البارحة في فندق أونيكو، تواجد إلى جانبنا شخص يدعى ''تومي''جريحا ورجله مصابة،يحمل وساما عسكريا يدل على تميز السلوك.من المحتمل مثلما تظهر ملامحه  أنه أمريكي، لكن المؤكد،مشاركته في ''المهرجان الكبير''.الذي خلق بواعث قوية للخروج إلى الطرقات ومشاهدة أشخاص،من بولونيا وروسيا وشيوعيين إيطاليين،جميعهم ألصق على صدره علما أمريكيا صغيرا.هكذا يقال بأن الله خلق الإنسان على صورته.  
عُرض فيلم عن الحرب أنتجته الحكومة الفرنسية،لكني لم أتمكن من متابعته، لأني علمت بالخبر متأخرا.
في المقابل،تابعت البارحة ليلا ''مارتا إيدمان''من خلال فيلم ''الكيد المرتد"، تذكرين بأننا عايننا حضور هذه الممثلة داخل قاعة السينما في أكسفورد.
البارحة ظهيرة،ذهبت بصحبة فيليب إلى المرتفع الجبلي المعروف ب ''إيست روك''.على ارتفاع سبعين ميترا تقريبا،استمتعنا بمنظر بانورامي يمتد إلى أبعد من ''نيوهافن''حتى البحر،توجد منارات صغيرة في غاية الصلابة والبياض متينة كعصي من الطبشور، ثم اقترب بخار من الساحل:يبدو المشهد أشبه بلعبة،أو سفينة طفل صغيرة على مرآة.كان الجو صحوا بحيث أمكننا رؤية المنازل على امتداد الجزيرة،وتبدو المراكب الشراعية الصغيرة مثل لفائف من دخان،وبدا الماء أزرق زرقة لم أراها قط من قبل.  
شرعت أكتب قصائد،بعث فيليب بعضها إلى مجلة :سأرسل لك نسخة.أما فيما يتعلق بالملابس،فأنتظر منك قمصانا وقمصانا ثم قمصانا.أرجوك أمي، أفضلها بزر واحد وليس اثنين على مستوى العنق كي يتموضع عند الأسفل.لقد دأب الكواء،على عادة سيئة بحيث يقتلع الأزرار عندما يكون بصدد كي الثياب :إذن شكل القمصان المرجوة تسهل عملية الرتق.   
قولي إلى دينDean أن يكتب إلي حتى يخبرني أين وصلت حلوياته، وقبّلي من جانبي سالي إذا تصادفتِ معها.
أحبك أكثر من أي شيء آخر في هذا العالم.
                (لاتوقيع)
***
* الرسالة الثانية :
21 أكتوبر1925
باريس  
أنا سعيد جدا بالعودة إلى باريس، فباستثناء رحلتي  المقبلة إلى ميسيسيبي، لاشيء يبعث على المتعة. منذ قليل تناولت وجبة العشاء على نحو رائع، بتكلفة اثنين وثلاثين سنتا،بمطعم : الفرسان الملكيون الثلاث.إحدى أمكنتي المألوفة.فخذ الأرنب المشوي(لقد مازحت النادلة، بيد أني لا أعتقده طبق قطة)،الملفوف بالجبن وفاكهة التين والجوز ثم قدح نبيذ.يشبه هذا المطعم ناديا صغيرا،ألتقي داخله كل ليلة نفس الأشخاص:ثنائي فرنسي شاب في وضعية هادئة جدا،سيدة تضع شالا حول عنقها وترتدي قبعة رجولية وفق أسلوب صعلوكي،كهل انجليزي يعيش في باريس منذ خمسين سنة،مصور فوتوغرافي أمريكي ثم أنا. 
لقد اعتقلت مرة آخرة في مدينة "دييب"،وتحديدا للمرة السادسة منذ مجيئي إلى فرنسا.لاأعلم بالضبط ما الذي يمكنه فعلا أن يجعل مني مشبوها.ربما أظهر شَعَرا متسخا،أو شكل معطفي،لا أعرف على وجه التحديد.مع أني لم أبادر إلى ارتكاب سلوك شاذ.لقد كنت لحظتها جالسا على رصيف الشاطئ،أتناول قطعة خبز وأتابع عملية تفريغ باخرة صيد،فإذا بي أرى دركيا قادما نحوي على دراجته الهوائية.   
"أوراقك، سيدي"
"طبعا، تفضل سيدي" أقدم لك جواز سفري. ثم فتحه رأسا على عقب .
"هل أنت انجليزي ؟
-لا أنا أمريكي سيدي"بادرت إلى تصحيح كيفية تناوله لجواز السفر.
"آه ! آه "نطقها بنبرة مفعمة بالجسارة. دقّق في الكلمات الانجليزية التي يتضمنها جوازي.ثم تأملني ثانية "ماذا تفعل هنا سيدي ؟
-ما يقوم به جل الأشخاص المتواجدين هنا''.أجبته وأنا أشير جهة  مايقارب عشرات الأشخاص تثير وضعياتهم الشبهات أكثر مني.  
"آه ! آه !إذن هيا معي إلى الإدارة".
مشيت بكيفية تنم عن ازدهاء إلى حد ما.يدفع دراجته،وأنا أسير بجانيه مستمرا في تناول قطعة الخبز(لقد ضجرت من هذه الاعتقالات المستمرة).تعطلت الحركة على امتداد كل مدينة دييب،وأسرع الكل إلى أبوابهم ونوافذهم كي يتابعوا ما يحدث لي،وثلاثة أطفال متسخين يلاحقون خطانا.حينما وصلت "الإدارة"،لاحظت وجود العشرات،ربما اشتبهت لهم مع شخص لينين :أخذ الرقيب جواز سفري من يدي الدركي الذي اعتقلني ثم شرع يتفحص طويلا الكلمات الانجليزية.ويتبادل بصوت هامس كلاما بينما يستعيد المفتشون نَفَسهم.خاطبني الرقيب : ''أنت انجليزي؟''،''لا ،أجبته، أنا أمريكي مثلما يدل على ذلك جوازي".
"آه ! آه !ماذا تفعل في مدينة دييب ؟
-لاشيء .أزور دييب قبل الذهاب إلى باريس؟
- ستذهب الى باريس؟
-بالتأكيد.
من أي مكان قدمت؟
-لندن.
-آه ! آه !ولما لندن؟
-كي أذهب إلى باريس.
-آه ! آه !''.
انكب ثانية الرقيب والدركي على فحص جواز سفري ثم نظرا إلي :كفى،حسابي صحيح.  
"في أي يوم حضرت إلى دييب؟".
أخبرته عن التاريخ فأجابني :''لكنك وقتها قدمت من سويسرا.
- بوسعنا المجيء من سويسرا وانجلترا مادمنا نعيش في فضاء الحياة،أليس كذلك؟''.
انكبا ثانية على تقليب جواز السفر ثم بادر الرقيب بالقول :لقد رحل من دييب يوم 4أكتوبر.
-لكنه رجع''استطرد الثاني.
من جديد يرمقني الرقيب بإمعان ثم أقرّ أخيرا بأني عدت.بدأت أفكر مثله أنه يلزمك التمتع ببراءة مطلقة كي تعود إلى مدينة دييب.ثم قال الرقيب :"هيا قم بتفتيشه !''وبالفعل بدأ الدركي  المسؤول عن اعتقالي يسبر أغوار جيوبي،بحثا بلا شك عن متفجرات،جردني من نقودي و سكين صغير وجميع ما بحوزتي .لقد خاب أمل المتابعين،أعرف ذلك،لكنهم لم يفقدوا بعد الأمل ولازالوا يتطلعون،بينما حمل الرقيب ممتلكاتي إلى غرفة أخرى.عاد بيديه فارغتين وخلال نصف ساعة ظل الاثنان جاثمان يراقبانني.أحس الجمهور بالتعب ثم بدأ في المغادرة الواحد وراء الثاني،وبعد لحظة أتى دركي آخر، يحمل رتبة ذهبية اللون كليا.تناول جواز سفري وتوجه إلي بالكلام :"أنت كاتب سيدي
-نعم، سيدي''
أعاد من جديد النظر في جواز السفر : "ماذا تعني سيدي، كلمة كاتب؟''متسائلا هذه المرة بنبرة لطيفة.شرحت له، فأجابني :"آه، شاعر !".التفت صوب الآخرين بإشارة ثم بسرعة استرجعت أشيائي.ثم خاطبني''أنت حر سيدي، اذهب، وسفر سعيد''.
يحتاج الواحد إلى قدر من الغباء كي ينجز بدقة عمله،تصور ينطبق خاصة على رجال الشرطة.
أكتبُ دائما.سأحمل معي إلى المنزل الصفحات تلو الصفحات.
بيلي
باريس21   أكتوبر 1925 .     
ـــــــــــــــــــــــــــــ       
المرجع :  Ma chère Maman : De Baudelaire a Saint-Exupéry ;des lettres d écrivains . Gallimard ;2002.

الموقع الالكتروني للأستاذ سعيد بوخليط : http://saidboukhlet.com/