الثلاثاء، 21 يونيو، 2016

قصيدة: (صلواتٌ مسائية) للشاعر: و. هـ. أودن(*)

ترجمة: محمد عيد إبراهيم 


اللوحة للفنان الألماني الفرنسي: ماكس ارنست

ماذا لو عرفَ التلّ المُشرفُ على مدينتنا كقبرِ آدمَ، أنكَ قد ترى في الغسقِ الماردَ الهاجعَ، برأسٍ يستديرُ إلى الغربِ، وترتاحُ ذراعهُ اليمنى أبدياً على عَجِيزةِ حواءَ، 

أتعلمُ، من طريقتهِ في التطلّعِ نحوَ الزوجِ الفاضحِ، ما قد يفكّرُ فيهِ مواطِنٌ عن مواطَنَتهِ، 

كما تسمعُ الآنَ في مواءِ سِكّيرٍ أشجانَهُ الثائرةَ وهو يصرخُ طلباً لنظامٍ أبويٍّ، بعينَينِ ملتَذّتَين تستفهمانِ روحاً مغتَمّةً، 

فاحصاً في قُنوطٍ أوصالَهُ العابرةَ كافّةً عن بقايا ملاكِها عديمِ الوجهِ والذي وَدّ مِن رِدْحٍ بعيدٍ أن يكونَ نجدةً اعتلَتها مرةً واختفَت: 

فالشمسُ والقمرُ يتزوّدان بقِناعَيهما المطابقَين، لكن عبرَ ساعةِ هذا الشفقِ المَدِينيّ يتلبّسُ الكلّ وَجهَيهما.  

وقد حانَ أن يتقاطعَ دربانا. 

يعرفُ كلٌّ بالتزامنِ نوعَهُ النقيضَ: أنّي رعَويٌّ، وهو مدنيّ(1). 

يلحظُ، متأمّلاً، بطني الدّلوَ: ألحظُ، منزعجاً، فمَهُ العقربَ(2).    

وَدّ لو يراني أُنظّفُ مراحِيضَ: وَدِدتُ لو أراهُ منزوعاً إلى كوكبٍ آخرَ. 

لم يتكلّما قطّ. فما التجربةُ التي قد نقتَسمُها؟ 

أَحدِجُ ظِلّةَ النورِ في واجهةِ محلٍّ، أرصدُ أنها شنيعةٌ جداً لأيٍّ كانَ بإحساسِ مَن يبتاعُ: يرصدُ أنها مكلّفةٌ جداً أن يبتاعَها فلاّحٌ.  

يمرّ ولدٌ بائسٌ كسيحٌ، فأنظرُ إلى جهةٍ أخرى: كانَ ينظرُ إلى جهةٍ أخرى لو مرّ ولدٌ بدينٌ. 

آملُ أن يتصرّفَ برلمانيونا كالقِدّيسين، شَريطةَ ألاّ يُقوّموني: يأملُ أن يتصرّفَ برلمانيونا كالمتكَسّبين الزاعقين، حينَ تشتعلُ الأنوارُ بالقلعةِ في ساعةٍ متأخّرةٍ، 

وإني (مَن لم يرَ قطّ ما داخلَ قسمِ شُرَطةٍ) لَمَصدومٌ وأفكّرُ: "أهي المدينةُ حرّةٌ كما يزعمونَ، بعدَ غروبِ مكاتبِها لتصبحَ حجارةً سوداءَ جبّارةً".: 

وهو (مَن ضُربَ مراتٍ عدّةً) لم يكُ مصدوماً قطّ بل يفكّرُ: "ليلةٌ رائعةٌ يا أولادي هناكَ قد تُثيرُ مشاعرَكم". 

ترى، إذن، لماذا، بينَ عدْنٍ جنّتي وقُدسهِ الجديدةِ، لا عهدَ قابلٌ للتفاوضِ. 

في عدْنَ جنّتي من يبغُضُ بلليني(3) يملكُ أخلاقاً حميدةً لم تولَد معه: في قدسهِ الجديدةِ مَن يبغُض العملَ يتأسّف على مولده.      

في عدْنَ جنّتي نملكُ بضعةَ مولّداتِ أشعّةٍ، قاطراتٍ بخزّانٍ مربوطٍ، سواقيَ منطلقةً وقطعاً بديعةً أخرى من الآلياتِ البائدةِ لنلعبَ بها: في قُدسهِ الجديدةِ حتى الطهاةُ سيشرفونَ على آلةِ ضغطِ الباردِ. 

في عدْنَ جنّتي المصدرُ الوحيدُ لأخبارِ السياسةِ هو النميمةُ: في قُدسهِ الجديدةِ ثمةَ صحيفةٌ يوميةٌ مخصوصةٌ بتهجئةٍ مبسّطةٍ للحروفِ غيرِ الشِفاهيةِ. 

في عدْنَ جنّتي سيلحظُ كلٌّ شعائرهُ القهريّةَ ومُحرّماتهِ الخرافيةَ لكن دونَ أن نتملّكَ الأخلاقَ: في قُدسهِ الجديدةِ ستفرُغُ المعابدُ لكن سيمارسُ الكلّ فضائلَهُ المنطقيةَ. 

أحدُ أسبابِ تأمّلهِ أن عليّ غمضُ عينَيّ، قطعُ جسرِ المشاةِ الحديديّ إلى الطريقِ البحريةِ، آخذينَ البارجةَ عبرَ النفقِ الآجُرّ القصيرِ و

هنالكَ أقفُ في عدْنَ جنّتي من جديدٍ، يرحّبُ بعودتي المزاميرُ، القياثرُ، باقاتٌ من عمّالِ المناجمِ الفرحينَ وقرعُ أجراسٍ من كاتدرائيةِ (رومانسكية(4)) القدّيسةِ صوفيا (دي كلته):  

أحدُ أسبابِ انزعاجي أنهُ، حينَ يغمضُ عينَيهِ، يصلُ، لا إلى القدسِ الجديدةِ، بل في يومٍ مهيبٍ من الهياجِ حينَ تطفرُ الجحيمُ في غُرفٍ برسومٍ مخرَّبةٍ ثم تتخلّلُ بائعاتُ السمكِ الحجرةَ أو 

ثمةَ ليلةٌ خريفيةٌ باتّهاماتٍ وإغراقاتٍ حينَ يُسجَنُ لصوصٌ لا يعتورُهم ندمٌ (كنتُ بينهم) أما مَن يبغضُهم هو فسيبغضُون أنفسَهم بديلاً. 

وبنظرةٍ عابرةٍ نتّخذُ وضعيةَ الآخرِ: تنحسرُ خطواتنا فعلياً، متوجّهةً، وكلٌّ معاندٌ، صوبَ صِنفِ وَجبتهِ وأمسيتهِ. 

أكانَ مفتَرقَاً (كما ينبغي النظرُ إلى أيّ ربٍّ على تقاطعِ الطرقِ) طارئاً ببساطةٍ، من دروبِ الحياةِ، وفياً لأكاذيبَ مختلفةٍ، 

أم هو موعدٌ أيضاً بينَ متورّطينَ كانوا، على رغمهم، لا يتحمّلونَ اللقاءَ 

لتذكيرِ الآخرِ (أكانَ كلٌّ، في قَرارتهِ، يرغبُ في الحقيقةِ؟) أن نصفَ سِرّهما عليهِ أفضلَ أن ينساهُ، 

مرغِماً كلينا، بفارقِ ثانيةٍ، على تذكُّرِ ضَحِيتنا (فمِن جهتهِ قد أنسى الدمَ، لكن مِن جهتي قد ينسى البراءةَ)  

بقُربانهِ (لندعُهُ هابيلَ(5)، ريموسَ(6)، أياً كانَ، فهي خطيئةُ التقدمةِ) أركاديا(7)، يوتوبيا(8)، حقيبةَ ديمقراطيتنا القديمةَ الغاليةَ، فكلّها تأسّسَت على قدَمٍ سَواءٍ: 

ومن دونِ مِلاطٍ من الدمِ (عليهِ أن يكونَ بشرياً، عليهِ أن يكونَ بريئاً) فلن يصمدَ جدارٌ مدَنيٌّ في أمانٍ.  

                                                               (يونيو 1954)

ـــــــــــــــــــــ

(*) W. H. Auden: ولد في يورك بإنجلترا عام 1907. تعلّم في جامعة أكسفورد، وصار أعظم الشعراء المحتفَى بهم في جيله. غادر إنجلترا 1939 إلى الولايات المتحدة، وهي حركة لم يغفرها له مجايلوه في بلده. أصبح مواطناً أمريكياً 1946. وكانت قصيدته "من كاليبان إلى القارئ"، وهي خطاب نثريّ طويل من عبد شكسبير المتمرد في مسرحيته الأخيرة "العاصفة" على نمط هنري جيمس، المفضّلة لديه بين مجموع شعره. من دواوينه: "القصائد المجمّعة" 1976، و"أودن الإنجليزيّ" 1977. عمل محكّماً لدى سلسلة "شعراء جامعة ييل الشبّان"، وكانت أولى خياراته الشعراء: أدريان ريتش، و. س. مروين، جون آشبري، جيمس رايت، جون هوليندر. توفي عام 1973. (م)
(1) يُشير هنا إلى arcadian، وهي سمة للرعويّ، ثم إلى utopian، وهي سمة للمدنيّ. (م)
(2) يُشير هنا إلى الدلو والعقرب كأبراجٍ سماويةٍ للحظّ. (م)     
(3)  Bellini:
(1801/ 1835)، موسيقار إيطاليّ أوبراليّ معظم ألحانه مؤسّية. (م)  
(4) Romanesque: طراز فنيّ معماريّ معقد، لدى الرومان وبيزنطة، في العصور الوسطى. (م)
(5) Abel: من قتله قابيل، لاختلافهما على القربان: دمويّ أو رعويّ. (م)             
(6) Remus: من قتله رومولس، حيث رضعا كأخوين من ذئبة، لكن اختلفا على إنشاء المدينة، فقتله. (م)             
(7) Arcadias: أركاديا رمز للمجتمع الرعويّ. (م)             
(8) Utopias: يوتوبيا، رمز للمجتمع المدنيّ. (م)     


(*) الشكر للشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم.                 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق