‏إظهار الرسائل ذات التسميات لوتريامون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لوتريامون. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 17 أغسطس 2017

باشلار قارئاً لوتريامون... شاعر الغرائز البدائية
بقلم: محمد مظلوم

يطرح كتاب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار عن «لوتريامون» الصادر عن دار الروسم/ بغداد بترجمة حسين عجَّة، السؤال المتجدِّد عن علاقة الفلسفة بالشعر، وأيهما يغذِّي الآخر، وهو السؤال الذي تداولته الفلسفة نفسها عبر مختلف العصور من الإغريق مع أفلاطون وأرسطو إلى فلاسفة القرن العشرين وكتابة هايدغر عن هولدرلين وريلكه وتراكل، ولعل ثمة ما يمكن مقارنته بين دراسة هايدغر لمسألة «الحيوان» في المرثية الثامنة من «مراثي دوينو» لريلكه وكتاب باشلار الذي رأى فيه أن لوتريامون يتقصد «حيونة» كلّ شيء حوله: الإنسان، والأزهار، والأشياء، وحتى ذاته.

هذا الكتاب الذي ألَّفه فيلسوف الحدس والشاعريات عام 1939، جاء في ذروة الانشغال المتأخر نسبياً بلوتريامون بخاصة بعدما اكتشف فيليب سوبو ديوان «أناشيد مالدورور» بالصدفة في مكتبة صغيرة ونبَّه بروتون عليه فصار مرجعاً للسريالية، التي رأى البعض أن تأثير لوتريامون عليها أقوى من تأثير رامبو.

قد لا يناسب أي تحليل آخر لظاهرة لوتريامون المثيرة و «أناشيد مالدورور» تحديداً، أكثر من منهج باشلار الذي نقل التفسيرات الفرويدية من عالم الإنسان الباطني ويقظة أحلامه، إلى غرائز الطبيعة، وذلك في تحليله النفسي لعناصرها، بخاصة أن شعر لوتريامون ينطوي على هذه الشراسة الواضحة في البلاغة المتوحشة، والعصابية النفسية في المعنى، والجسارة في المخيلة، والانحراف المتطرَّف في اللغة.

يستعير حسين عجَّة في تقديم ترجمته عبارة آنتونان آرتو في وصف لوتريامون بأنه «شاعر مسعور بالحقيقة» وهو وصف يبدو مناسباً للمحتوى المركزي في عمل باشلار الذي ركز فيه على أن لوتريامون وحش بشري في أخيلته وهو «أحد ملتهمي الزمان الكبار» بعنف لا يرتوي، وأن المركَّب الأساسي في عمله هو مزيجٌ من الحياة الحيوانية والطاقة العدوانية.

وعلى رغم تحذير عجَّة من استعادة التصورات المنهجية المعروفة في منهج باشلار في الفنومولوجيا، وحدس الظاهر والتحليل النفسي لعناصر الطبيعة، في قراءة عمله هذا إلا أن الكتاب في مجمل مضمونه، لا يبتعد كثيراً عن تلك المنهجية، فالتأويل في هذه الدراسة يسعى إلى إعادة صياغة عالم ما وراء الشعرية باعتماده على المفاهيم النيتشوية في الشهوة والقوة والتفوق، ممزوجة بفكرة الإرادة لدى شوبنهاور، لذا فهو يطبق على القوى الخفية للنفس ما طبَّقَه على السيرة الأخرى للنار والهواء والماء.

حياة غامضة

يؤكد باشلار إن قراءة لوتريامون تنطوي على مخاطرة، لأنه الخطر نفسه: غريزة ذئب وخوف إنسان كما يتمثل خطره في أنه شخص عاش في كل عناصر الخيال، بينما ظلَّ هو عاجزاً عن الحياة، ومن هنا سعيه إلى هزيمة عجزه عن عيش الحياة بقوَّة اللغة. فالشعر ينعطف نحو الغرائز بوصفها قوى، والحياة كونها مصيراً. ولأن حياة «أزيدور دوكاس» باسمه الصريح بقيت غامضة، أو شحيحة على الأقل، فإن اسم الكتابة المستعار، سيخضع للتحليل النفسي الصارم، على يد باشلار، ليس من خلال وقائع سيرته الشخصية، وإنما بتأويل رموزه الشعرية.

يضع باشلار لوتريامون مع رامبو وبودلير كأهم شعراء القرن التاسع عشر. إذ لا شيء تم استلامه في عمله الشعري النادر «أناشيد مالدورور»، لا شيء جرى انتظاره. ولا شيء تم استئنافه. ولتأكيد ذلك يحصى 185 حيواناً لدى لوتريامون في أناشيده. ويلاحظ أنه يركَّز في تحوُّله على الحيوانات السريعة والعدوانية المفترسة بوصفها رموزاً لتعقيدات ذاتية: الذئب والنمر، تعبيراً عن عقدة الحياة البدائية البرية، والقرش عن عقدة الحياة البحرية، والصقور عن التطلع إلى الطيران. بينما الأنياب والمخالب والمناقير وسمّ الأفاعي هي الوسائل العدوانية لمعظم هذه الحيوانات وهو ما يؤكد إنها ممثلة بوضوح في الأناشيد، وتصوِّر نزعة القسوة الشابة، والشعور البدائي للإرادة. لكن «العنف الدوكاسي» كما يرى ليس تعبيراً عن انتقام وكراهية، وهو يختلف عن عنف الماركيز دي ساد، فهو عنف شِعري متوقِّد، أما التحوَّل - المسخ تحديداً - فيرى فيه سعادة، لأنه يجد فيه وسيلة لتحقيق فعل القوَّة. والبحث عن زمن جديد، عكس التحوُّل لدى كافكا الذي عبَّر فيه عن تباطؤ حركة الروح وانحسار تأثيرها.

يعتمد لوتريامون في شعره وفقاً لباشلار، على غرائز الإنسان البدائي والطاقة الحيوانية المضمرة، ويعكس الديناميكية البدائية للغة، ولهذا جاء شعره إسقاطياً مما يجعل التحليل النفسي مناسباً، ويمنح الفيلسوف المولع بتقصي الظلال الخلفية للنموذج البدئي وروح العناصر وأطيافها الغائبة، القدرة على البحث في أعماق الوجود والمناطق المظلمة فيه، وهذا البحث المشترك عن البدائية هو أهم ما جمع الفيلسوف بالشاعر.

وعلى رغم أن حياته لا توحي بتمرُّد واضح كما رامبو، يحيل الفيلسوف تمرد الشاعر إلى ما يسميه جذور «ضغينة المراهق» التي تتجسد في مهاجمة الأضعف والأقوى على حد سواء، وتتسم بالغرور والاستعلاء، والتهكم من مدرِّس البلاغة المعادي لحرية المخيلة! ولأنَّ الحياة الأدبية وجه آخر للحياة المدرسية، ظل لوتريامون يحلم بالعدوِّ الأكبر، العدوّ الواعي بكل شيء، فالوعي الذي يتغذى من ندامات الماضي ومن الأسلاف ممثلاً في الأب أو المعلم أو أية سلطة أخلاقية عليا، سيمنح تحديه الثقة والقوة، ومن هنا مصدر تحديه اللا محدود: «أقدم نفسي كمدافع عن الإنسان، هذه المرة، أنا المحتقر لكل الفضائل» «اما الإله فهو يخشاني وأخشاه»

في دراسته «لمشكلة البيوغرافيا» يرى إن مجرد اختلاف كتَّاب السيرة على التاريخ الدقيق لميلاد لوتريامون وطفولته الغامضة في الأورغواي، لهو اعتراف بصعوبة ربط عبقريته بزمنه. وينتقد استسهال من قرأوا تجربته على أساس الاضطراب العقلي وإحالتها أحياناً على الجنون المطبق، لأنهم برأيه أغفلوا تعقيدات العلاقة بين الوعي واللاوعي، ما يؤدي إلى استنتاجات سايكولوجية معكوسة، كما ينتقد النقد الأدبي لتجاهله للجنون المكتوب. مستشهداً بعبارة بروتون: «المخيلة اللوتريامونية تُقدِّم لكم عوالمَ متعدِّدة إلى الحدِّ الذي توشكون فيه على عدم معرفة كيف يمكنكم التصرف في هذا العالم»

إيماءات

«الأناشيد» تجسيد للحياة التي لا يمكن عيشها، ومن هنا استلهام السورياليين للوتريامون، من خلال كسره للصور المألوفة: «ماكنة خياطة، مظلة، وطاولة تشريح» وفي تلك الإيماءات النشطة والهذيانات المفعمة بالحيرة والفزع التي يسميها لوتريامون نفسه: «طوفانٌ يفلتُ من السيطرة ومُستقيم!» أما المجاز الذي يستخدمه فيها بتطرف فهو عبقرية سايكولوجية. كما أن اهتمامه بالتجريد نوع من العزلة، لكنها العزلة المراقبة وغير الكفيفة أو المنكفئة. فحين يقدم ابتهالاً للرياضيات: «أيَّتُها الرياضيَّاتُ الصارمةُ، لَمْ أنْسَ منذُ دروسِكِ العلمِيَّةِ، الأكثرِ حلاوةً مِنَ العَسَل المتقطِّرَ في قلبي، وكأنَّهُ موجةٌ منعشة» فإن الأمر هنا يتعلق بالدقة والعنف، العنف البارد والعقلاني، وهذا على عكس تهكمه من مدرس البلاغة، لأن الرياضيات صارمة، وعنيفة، وهو ما يفضله لوتريامون. فبعض الأرواح يتفوَّق لديها التعبير على الحياة، أو أنها شيء آخر غير الحياة.

من هنا يصفه في فصل آخر بأنه «شاعر العضلات والصرخة» منطلقاً من مقولة «ليس هناك من شيء في الذهن ما لم يكن في الأعصاب أولاً» فلا يمكن تصور تأمل خامل مع شعر لوتريامون لأنه هيجان خاص لحياة مختلفة تماماً عن حياتنا، وشعوره بالجسد ليس مجرد شعور غامض، إنه يضيء بصورة عنيفة من خلال يقينه بامتلاك العضلات. فحين يقول: «وُلِدتُ بينَ ذِرَاعَي الصَّمَم» سنجد هذا الأصمّ بالولادة يصرخ لاحقاً «يبدو لي أنَّ كراهيتي وكلماتي، بَعْدَ تَجاوزِها للمسافات، تَقْضِي على قَوانينِ الصَّوتِ وتبلغُ بصورةٍ مميزةٍ آذانَهمْ التي جَعَلَها خِوارُ البَحْرِ صَامِتة» وهو ترجيع لأصوات الحياة الحيوانية المتعدِّدة التي عاشها.

تتلخَّص عقدة لوتريامون بـ «الحيوانية بوجه إنساني»، وهو ما يجعل الأمور متداخلة: الخوف والقسوة. الهروب من الواقع والحنين إلى الأعجوبة، التداخل بين العقل والجنون، الواقع والأحلام. وبالمقارنة بـ «أشعار بربرية» وهو عمل للكونت دو ليزيل سبق صدور الأناشيد ببضع سنوات، يرى أنه على رغم كثافة حضور الحيوان في «أشعار بربرية» إلا إنها تبقى أقلَّ من كثافتها الفاعلة في «أناشيد مالدورور» التي تجسد تنوعاً كبيراً لأشكال السعار وللقوة التحولية بما يحقِّق قطيعية الغرائز.
في هذا العمل النادر ثمة شراهة تبادلية بين الشاعر والفيلسوف لاختراق المسافة الواسعة من الحلم والعزلة، وهي عزلة عميقة ومأساوية. فإضافة إلى أنها مكتوبة بشراهة الغريزة وهذا الإخلاص الذي لا يقهر للقوى البــدائية، يرى باشلار أن الأناشيد تنطوي على قدرة كبيرة على الاستــجابة لكل إغواء ممكن، في المخيلة والبلاغة والمضمون، وهو ما حقَّقَ في شعر لوتريامون هذا الاختراق اللغوي الذي ميَّزه عن جميع شعراء عصره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة

الأحد، 27 مارس 2016

مقدمة كتاب "لوتريامون" لغاستون باشلار/ سعار الحقيقة بقلم المترجم: حسين عجة


"الأخوة ليست أسطورة"

لوتريامون، قصائد1

"يا امرأة، لدي نفس انطباعاتك، وأنا أرتعش خشية أنّ تُلحق بنا تعاسة ما"
-أفكر في السماء.
-ليس من الضروري أنّ تفكر في السماء، إذ يكفي سلفاً التفكير في الأرض.
  هل أنت متعبُ من العيش، أنت الذي بالكاد قد ولدَ؟"

لوتريامون، قصائد2.


عندما أقترح عليَّ الصديق زعيم نصّار، الذي من دون حثَّه المتواصل ليَّ، الكرم والمحبة الذي أحاطني بهما، لما كنتُ قد تقدمت كثيراً في طريق الترجمة هذه، وما كان للكتاب أن يرى "النور"؛ حينما أقترح نصّار عليَّ إذاً القيام بكتابة مقدمة، مدخلاً، كلمة عن باشلار وكتابه، شعرت بنوع من الحياء والإرتباك، أو بدقةٍ أكبر، بصعوبة المقترح واستحالة تنفيذه. إذ كيف يمكن "تقدّيم" باشلار مع أي من كتبه الأخرى، فما بالك حينما يكتب عن كتابة "لوتريامون"؟

عن عمل وحياة شاعر، تكادُ تكونُ أسطورة اسمه غير الكافية (اسمه الشعريّ، الكونت لوتريامون، الذي لم يستخدمه إلاّ مرةً واحدةً، والذي يقول عنه البعض إنّه قد يكون مُحاكاة لاسم "لاترمون يوجين دو سو"، فيما يؤكد غيرهم على أنّ ذلك الاسم المستعار يشير إلى "حنينه" للأرغواي، مسقط رأسه، وهو متكّون، أي الاسم، من مقطعين صوتيّين باللاتينية إلاّ وهما l’autre  ويعني بالعربية الآخر، ومقطع mont، ويعني بالعربية "تلّة"، ويحيل إلى اسم Montevideo، المدينة التي ولد فيها)؛ أسطورة، كما يبدو للإحاطة بعبقرية إبداعه، أو على الأقل، استيعاب تمزقاته وصراخه، والآثار العصبية-الإبداعيّة العظمى التي تركها على طول وعرض جسد القرن العشرين، الذي لم يكن بالدقّة قرنه ولا عصره، مع أنّ القرنَ المنصرمَ أستقبله تارةً بنوع من الحفاوة و"الصخب" الساحر، والذي سرعان ما سيتبدّد أو يتلاشى، ببساطه لأنه يتعلق بالسحر والساحر، وتارة أخرى بتسليم حياته، سلوكه و"سايكولوجيته"، أكثر من عمله، لمقصَّ ورقابة المقولات المُحنّطة والسامة أيضاً للموضوعية- الذاتية، الأخلاقية-السلوكية، الإجتماعية-النفسية، وغيرها من الثنائيات المبهمة والمُعطَّلة للحدس الشعريّ الأوليّ، أو الإبداعيّ عموماً؛ تلك المقولات التي كان البعضُ يهرعُ نحوها، حينما تنْضبُ لغته وتهرب منه العبارات بعيدا؛ يهرعُ نَحوها كبقايا شاحبة لكنز المقتنيات الميتافيزيقة الغربية المحنطةِ، عسى ولعلّ أنْ ترمَّمَ تلك القطع المحنطة ولو جانباً واحداً من جوانب غفلته.

 بدأ اسم لوتريامون المغمور بالظهور تدريجياً، في القرن التاسع عشر، الذي شرعَ أولاً مع الرومانسيين، ومن ثم مع بودلير؛ آنذاك، كان التمرّد على الآداب العامة والأخلاقية للمرحلة قد وصل ذروته تقريباً. يدفع لوتريامون بذلك التمرّد إلى أبعد ما يمكن: على الصعيد الأخلاقي، تهاجم "أناشيد مالردور" تقاليد التيار "الإنسانيّ" الأوروبيّ، كما تهاجم الله ذاته، كما كانت المشاهد الساديّة، التي تظهر في العمل، تحملُ عنفاً متطرفاً، وذلك بصرف النظر عن الهجوم على "المحرّمات" الجنسية، لاسيما "حب الأولاد" الذي يستخدمه لوتريامون كذريعةٍ أو سلاح شعريّ مباشرٍ لكي يمزقَ أوشحة، أقنعة، وطقوس ثقافة "برجوازية"، كانت تعاني من لحظات نزاعها مع الموت!

 لكن، وبالرغم من كل شيء، لا يمكننا القولُ إنّ القرن العشرين كان الميدانَ أو الساحة التي لم يشارك أو يتنازع عليها لوتريامون مع عددٍ من أسماء كبار شعراء القرن التاسع عشر، الذين سبقوه، أو من معاصريه، وبالتاليّ ظل غائباً عنها، هو، لوتريامون! على العكس من ذلك تماماً، وكما يقول باشلار، على هذا الصعيد: "لا أعرف سوى ثلاثة اسماء من شعراء القرن التاسع عشر الكبار، الذين أسّسوا مدارس شعرية، دون علمهم بذلك: بودلير، رامبو، لوتريامون". نحن نعتقد أن لوتريامون سيظل، في قبره، أكثر جهلاً من بودلير ورامبو، حيال "المدرسة" بالمعنى المزدوج للمفردة: المدرسة كدراسة والمدرسة كمدرسة أدبية، وذلك بالرغم من أن الدادئيين والسيرياليين قد جعلوه أحد أكبر معلميهم. لنسمع ما يقوله أندريه جيد عن ذلك: "أعتقد بأن اللقب الأكثر جمالاً الذي يمكن خص المجموعة التي شكلها أندريه بريتون، أراغون وفيليب سابو تأتّي من أكتشافهم وإعلانهم عن الأهمية الأدبية وما فوق الأدبية للرائع لوتريامون".

ضمن لعبة الفارق ما بين الأجيال، لن يكون صوتُ كاتبٍ معاصرٍ، ما زال يعيش وسطنا بتوقد وزخم إنتاجيّ أدبيّ أكثر من ملفت للنظر شيئاً زائداً عن اللزوم ، أعني  فيليب سوليرس، الذي فرض نفسه بقوة علينا، لكي يقول لنا، بالدقة، كيف أستقبل ما قاله جيد عن لوتريامون؟ "في عام 1905، كتب أندريه جيد، في "يومياته" بأنه كان يقرأ النشيد السادس من أناشيد مالدرور بصوت عالٍ. لا شك أنه قد تأثر بالطقس الكلاميّ عن "الميل نحو الفتية"، الذي يغمر العمل، لكنه لم يذهب أبعد من ذلك". من الضروري تماماً قرأة ما كتبه سوليرس عن لوتريامون، بعد بريتون، أرتو، باشلار وموريس بلانشو. لماذا؟ لأنه "على الرغم من حربين عالميتين، المجازر الجنونية، والأطنان العديدة من الأدب، يظلل أسيدور دوكاس أكثر حضوراً وتوقداً، ومطلسماً إلى الأبد". نُشدد على عبار مطلسم إلى الأبد، التي ترجعنا بدفعة واحدة إلى نقطة أنطلاقتنا الأولية: كيف يمكن الكتابة عن لوتريامون، بعد كلّ ما قيل وكتب عنه، وكيف يمكن استثمار ما كتبه باشلار عنه وعن عمله؟ لنذكر بعض المعلومات الناقصة: وُلدَ "أسسيدور دوكاس"، الذي نسب لنفسه اسم الكونت لوتريامون، في 4 أبريل في "مونتفيديو" في الأرغواي. ألف أو ولَّد عملين شعريَّين، ما زال الحوار وسوء الفهم قائماً حيالهما، إلاّ وهما "أناشيد مالدرور"، التي ألفها في عام 69-1868، و"قصائد" أو "أشعار"، التي تمّ نشرها في عام 1870، العام الذي توفى فيه الشاعر، ورسائله التي أصبحت تعرف باسم "الرسائل". في 1874. كان مخزن النسخة الأصلية لـ "أناشيد مالدرور" قد أشتراها "جان بابتست روزز" Jean Baptiste Rozez، وهو صاحب مكتبة-دار نشر من مدينة "تارب"، المدينة التي عاش فيها أسيدور دوكاس ردحاً من حياته؛ أصدر إذاً جان بابتس النسخة الأصلية لـ "أناشيد"، لكن بغلاف جديد. كان لا بدّ من أنتظار عام 1885، حتى يأخذ "ماكس والتر" Max Walter، مدير تحرير مجلة "بلجيكا الفتية"، وينشر بشكل أوسع نوعاً ما مقاطعاً (أجزاء) من الـ "أناشيد" ومن ثم جعل العمل يُعرف بشكل أفضل.

 يقع العمل بين يدي هويسمان و"رمي غرمونت". يتساءل هوسيمان حينذاك "يا للشيطان، ما الذي كانت عليه حياة ذلك الرجل الذي كتبَ أحلاماً كهذه"؟. أمّا "ليون بلوي"، الذي كرس له كتاباً نقدياً، تحت عنوان: Cabanon de Prométhée (الكوخ الفقير لبرومثيوس)، والذي لن أتعرض له هنا، ذلك لأن باشلار قد ألقى ضوءً باهرً على أحكام "ليون" الطائشة حقاً. لماذا؟ لأنه كان أول من تعامل معه، في أفضل الأحوال، كعبقرية "مجنونة"، بل ويرثي له ولحالته النفسية. انطلاقاً من تلك اللحظة وهذه الأحكام، طرحت تيمة، موضوع "الجنون" بقوة، والتي "دامت طويلاً"، كما يقول، مرة أخرى سوليرس: "وذلك ما يبرهن عليه تصريح "البرت توبو": لا شك أنّ لوتريامون لا يدخل ضمن قائمة كتّابي المفضلين، كما أنيّ أصرّ على أنه ينطوي على عنصر جنونيّ".

وها إنّ النقد الأدبيّ الفرنسي ينخرط في قاعة أو حلبة الرقص من فوق أشلاء أحد أكبر مؤسسي مجده "الثقافي"، وربما حتى حساسيته "الجمالية". هل يمكن، بعد ذلك، الإلتفات نحو كتاب وفلاسفة فرنسيين ما زال تراثهم الفكري والروحي ماثلاً، بهذه الطريقة أو تلك، على الطقس "الثقافي" و"الروحيّ" في فرنسا؟ وبشكل خاص اثنين منهم، من الكبار، إلاّ وهما سارتر والبيير كامو.

 شخصياً، لا أعرف الشيء الكثير عن رأي سارتر بلوتريامون، بيد أنيّ أعرف أكثر، نوعاً ما عن رأي كامو عنه؛ لكن قبل تثبيت هذه المعلومة عن كامو، يهمني ذكر وتأكيد ما قاله أنطونين أرتو عنه، والذي يقرب ما بينه ونيتشة: "شاعر مسعور بالحقيقة"، وذلك ما جعلني أختار "سعار الحقيقة" عنواناً لم أكتبه الآن عن لوتريامون، عبر باشلار. ذلك لأن تيمة "الحقيقية" أساسيةٌ عند لوتريامون، ولكن ليس بمعنى الحقيقة العلمية، الرياضية أو الشعرية، لكن، كما يقول باشلار ثانية حقيقة "الدوافع الأولى، بدائية الحدس الشعريّ، كونه تجلي وتجوهر باسم: "الحياة". وها أني أصل إلى لحظة ذكر ما كتبه البيير كامو عن "أناشيد"، في "الإنسان المتمرد": لقد وقع لوتريامون في "إغواء العدمية"، وعن "قصائد" "مجانيات مُتعبة"، و"عدم امتثالية مُملة" وحتى "عبودية ثقافية"! تلك هي وجهة نظر كامو "المرهف" و"العادل"، كامو "إذا خُيرت ما بين الحقيقة وأمي، سأختار أمي"! ذلك لأن كامو، مهما كان نبله، حرقته، ومواقفه الحساسة حيال الأحكام المسبقة، يظل، في مطلق الأحوال، بعيداً عن الأصابة بنفس "سعار" لوتريامون. غير أن ردّ بريتون الصاعق على كامو وعلى كتاب سارتر "بودلير" لم يتأخر كثيراً: "لا يمكن للمرء المبالغة بسخطه من أولئك الكتاب، الذين يتمتعون بشهرة شعبية، والذين يحطون من أولئك الكتاب الأكبر منهم بألف مرة". في النهاية، لا بدّ لي من القول بأن موريس بلانشو كان أول منْ أكد بوضوح تام على أنّ: "الشخصية الرئيسية لـ "أناشيد" لوتريامون هو القارىء، وتصبح القراءة لوتريامون ذاته، وهو يروي قصة مغامرته الصاعقة. هناك "منطق صارم" في دياجير الشر "Mal.

الآن وقد أنهيتُ ترجمة كتاب باشلار "لوتريامون"، وفي الوقت الذي آمل فيه أن يطّلع عليه القراء العرب، لن تبقى أية أهمية لما يقوله مترجمهُ عنه، إنْ كان ذلك يتعلق بقرب أو بعد وجهات نظره من وجهات النظر المطروحة في الكتاب، أو عن الصعوبات التي صادفته اثناء الترجمة!
ومع ذلك، ينبغي عليّ إضافة كلمة أخيرة: كتب غوستان باشلار كتابه "لوتريمان" بعد كتابه "التحليل النفسيّ للنار" بفترةٍ قصيرة، وهنا ليغفر لي القارىء العربي، إذا ما حاولت أن أسرُّ له بأهمية التخلص والتحرر من تلك التصورات القديمة والتي ما زالت حيّة في وجدان الكثير من قرائه بالفرنسية: الإعتقاد بأننا نعرف جيداً المرتكزات الفلسفية والإبستمولوجية لبشلار: هناك، من جانب، الفنومنولوجيا، ومن الجانب الآخر، التحليل النفسي الكلاسيكيّ! قد يكون الحديث عن "منهجية" باشلار هذه صحيحاً، حينما يكتب عن الظواهر الطبيعية (النار، الهواء، الأرض، الأحلام، الشمعة)، لكنه لن يكون بمثل هذا الحصر والصحة، عندما يكتب عن مبدع، بقامة، عبقرية وصعوبة لوتريامون.


 من الواضح أنّ أمرَ تخلص القارىء من تلك التصورات أو الأحكام المسبقة عن باشلار لن يُفسد عليه قراءته ولن يثقل عليها بأي ثقل، لكنه، على العكس من ذلك تماماً، سيفتح له الباب واسعاً للتمتع برؤية وتدفق لغة باشلار "الشعرية"، إلى جانب تحاليله الثاقبة والمرهفة، إنّ كان على صعيد السايكولوجيا، البيولوجيا، السيسيولوجيا، التحليل النفسيّ وغيرها، أو فيما يتعلق بالنقد الأدبيّ. تلك هي الملامح التي منَحت المترجم متعة خاصة أثناء عمله، والتي يأمل أن تكون قريبة من متعة القارىء العربي... المطّلع!


السبت، 5 يوليو 2014

غاستون باشـــــلار ولوتريامون : سعيد بوخليط

الشاعر الفرنسي لوتريامون
البحث عن ملامح القوة، العمق، الشدة، الفتك ثم الافتراس... . منطلقات، استند عليها غاستون باشلار، للوقوف عند اللحظة الشعرية التي جسدها بامتياز وبعنف كذلك، الشاعر "لوتريامون
 أو "دوكاس إزيدور" في مصنفه : 

عثر باشلار هنا، على نموذج لافت قصد وضع ترسيمة معرفية وأنطولوجية لخيال ديناميكي، يختلف عن خيال نيتشه أو شيلي ، وإن انساب في نفس الأفق. يسعى أساسا، استنبات شروط "حياة حيوانية"، بمعنى جل مظاهر العنف والاقتحام :

 ((طاقة عدوانية، يظهر معها عمل لوتريامون ، كفينومينولوجيا حقيقية للعدوان))(1).

تناول باشلار قصيدة لوتريامون ، الذي صنفه البعض في مقدمة طليعة الشعراء السورياليين نظرا لعجائبيته، بناء على ثلاثة زوايا أساسية.

ـ البعد العدواني للقصيدة اللوتريامونية.
ـ لوتريامون ، باعتباره شاعر عضلات، كإحالة على القوة والصراخ... .
ـ المحددات النفسية لعقدة لوتريامون .

أكد باشلار في تعريفه للشعر(2) على البعد الزماني المؤسس لحيثياته. حيث، يتحدد الشعري باستمرار كنشأة زمانية جديدة، تقطع أنفاس الزمان الوقائعي. لذا، فالوقوف عند مبدع ملهم مثل لوتريامون L بكل عنفوانه اللحظي، يؤكد بالملموس الحاجة الأنطولوجية إلى صور شعرية تتميز بالفورية والآنية، ترسم على منوالها لحظات مغايرة.

قصيدة لوتريامون ، اشتغال للاندفاع والوثوب الجامح، بالشكل الذي تصور به باشلار بنية الخيال الديناميكي ـ انسجاما مع طبيعة التصور الباشلاري في تلك الفترة ـ أي ذاك الخيال الذي يحول ويمسخ، بصنعه لأشكال حيوانية. لأن صورة الحيوان،      من بين الصور الأولية التي يستحيل التخلص والهروب من سلطتها أو كما أشار يونغ : ((لا أعتقد أبدا أنه بإمكاننا الانفلات من قدرتها الكلية))(3).

ينفصل لوتريامون عن المسار الطبيعي للزمان، يقلب كل الثوابت، لأن قصيدته عنيفة بامتياز، تحاول استباق الأشياء وتطويقها. مادامت، علاقة الذات بالعالم وفق هذا المنظور تظل متعارضة كليا يحكمها منطق الصراع والمقاومة : (( لكي تعيش، يجب أن تقبض بالكماشة وليس العكس))(4). كما أن المخلـب يـرمز للإرادة الخالصة : (( كم هي فقيرة وثقيلـة إرادة الحياة لشوبنهاور أمام إرادة الهجوم مع لوتريامون ! تحافظ في الواقع، إرادة الحياة داخل نظرية شوبنهاور على لا عقلانية فاترة في العمق. تتصلب من خلال كتلتها وكميتها وكذا كليتها ثم كون العالم بأكمله إرادة للحياة : إن إخفاق أحدهما يمثل أوتوماتيكيا انتصارا للآخر. إرادة الحياة، واثقة دائما من النجاح. في حين، إرادة الهجوم دراماتيكية ومريبة))(5).

يوظف لوتريامون ، حسب باشلار : ((قصيدة للتهييج، والاندفاع العضلاتي))(6). لذلك، إذا توخينا : ((خلق قصيدة للعنف المطلق، تبتهج بالحريات الكلية للإرادة. تتحتم قراءة لوتريامون ))(7). عنف، يتحقق مباشرة في الفعل الحيواني، ثم تلتقطه القصيدة الفعالة. سيقترح، باشلار إذن، توظيف أصول التأويل الديناميكي لكي نتمثل جيدا لوتريامون ، الذي اعتقد بأن وظيفة الخيال الأولى تتجه نحو صنع أشكال حيوانية.

الشعر، زمان للاقتحام والقسوة. إنه : ((مستقيم دائما وموجه. لا يلويه أي تموج أو يكبحه عائـق ما. زمان بسيط، متجانس دائما مع الاندفاع الأول. يتموضع زمان العدوان، مع الكائن الذي يهاجم وفق خطة وحيدة يؤكد بها عنفه. لا ينتظر الكائن العدواني، لكي نعطيه الزمان. بل يأخذه ويخلقه))(8).

تشتد إرادة الحياة عند لوتريامون ، ويتحدد الفعل القوي كممارسة هجومية : ((يتم تصميم الزمان، كتراكم للحظات حاسمة، دون اهتمام كبير بوقت التنفيذ))(9). الكائن هنا، متوقد للهجوم يعيش في إطار عدوانية وجودية مع الأشياء المحيطة به، مصاب ب "عقدة لوتريامون"، كما اصطلح عليها باشلار، تبلور وتمظهر الجانب العدواني في الذات الإنسانية.

 Les chants de maldoror

تضمنت نصوص لوتريامون Les chants de maldoror : اسم 185 حيوان وكذا

435 إحالة للحياة الحيوانية. يتميز التراكم الحيواني ـ مقارنة مع شاعر آخر كفكتور هيغو مثلا ـ بكونه يرمز إلى : ((غنى وحركية الاندفاعات الذاتية. فالعنف في إرادة البقاء، يغير الكائنات كما يحدد التحولات))(10). يؤسس الفعل، بإرادة جديدة منطلقة، حدودا إنسانية أخرى. التحـول أو المسـخ عند لوتريامون ، وسيلة أنطولوجية تخلق الفعل القوي، ثم يبدو الكائن حينئذ كحصيلة لإمكانات حيوانية، أو كحيوان أعلى له كل الحيوانية تحت تصرفه.

تتفاعل قصيدة لوتريامون باستمرار، مع لعبة الأشكال المتوالدة، وسرعة في إنجاز سلسلة من التحولات. المسخ، فوري ومباشر : ((يتحقق شيئا ما بسرعة أكبر مما نعتقد))(11). يجعل الصورة الشعرية، فعالة وديناميكية، تلتقط لحظة لإرادة الهجوم، كما تحقق هيجانا محولا.

يفترض هذا النموذج الشعري، الإبقاء على القيمة الدينامية ثم قياس الفعل الحيوي لمختلف الحيوانات. بالتالي، يصبح الفعل البيولوجي محددا للديناميكية الشعرية، ومن خلالها العالم النشيط لقصيدة لوتريامون : ((ليس هناك شيء في الذكاء، لم يكن قبل ذلك في العضلات))(12).

ليس إذن مجازفة ، أن يطلق باشلار على لوتريامون لقب شاعر "العضلات والصراخ"، وهو يكتشف : ((قوته في الأوقات الأكثر نشاطا، والأفعال الأكثر هجوما. حريته الحقيقية، هي الوعي بالاختبارات العضلاتية))(13).

وحده التخيل المحيون ، يساعد للوصول إلى هذه اللحظة من التموقع العضلاتي : ((يقتحم الحقيقة ويدعكها ثم يعجنها، يحولها ويعمل على حيونتها))(14). لأن ((الوعي بامتلاك الجسد، لم يعد وعيا ملتبسا، راقدا داخل دفء سعيد. بالعكس، يستضيء بشدة من خلال اليقين بتملك الجسد))(15). شيء، يجسده الفعل الحيواني.

بناء على كل تلك التحديدات، قسم باشلار الشعراء إلى صنفين : فئة تعيش في زمان عمودي حميمي وباطني، كما هو الشأن مع بودلير. بينما، تتماهى فئة ثانية مع زمان حي، محول، ومتوقد مثل سهم. بالطبع، تشغل نصوص الشاعر لوتريامون ، مساحة بارزة ضمن كتابات ممثلي هذا النوع.

يتأتى ببساطة مقياس الجمال الشعري، من دراسة تغير وتحول الصور : (( سندرك بأن المجازات ترتبط طبيعيا بانمساخات))(16). تصنع أشكالا، يعتبرها باشلار حقائق واقعية، وليست مجرد علامات.

مثلت قصيدة لوتريامون ، صحوة فائقة بتعبيرها عن هذا الأفق، بمعايشة ومتابعة سلسلة الأشكال داخل وحدة التحول. لكن، خاصة أن نعيشها سريعا لأنها مباغتة ومهتزة. يظهر، الخيال الشعري فاعليته الديناميكية، لكي يلتقط صيرورات التغيرات الأبدية. فالقصيدة، مفعمة بقوة عصبية غزيرة، يشكل المسخ في إطارها : ((الوظيفة النوعية للخيال. فالخيال لا يفهم شكلا إلا إذا قام بتحويله))(17). القصيدة، تخلقنا، تعيد صياغة الكائن والأشكال والأفعال.

حينما، قارب باشلار منظور لوتريامون الشعري. فقد، استندت منطلقاته النقدية في تلك الفترة، على معطيين أساسيين :

* تأثره الكبير بالتحليل النفسي: لذا، شدد على البعد التأويلي للعقدة النفسية والسيرة الذاتية، في أفق فهم شاعرية لوتريامون . يقول باشلار : ((سيستفيد إذن النقد الأدبي بتعميق البسيكولوجيا العقدوية. عندئذ، سينقاد نحو أن يطرح بشكل آخر مسألة التأثيرات وكذا التقليد. بالتالي، عليه تعويض القراءة بالتحويل، من خلال المعنى النفساني للكلمة))(18).

تعطي العقدة للعمل الإبداعي وحدة بسيكولوجية، إلا أن باشلار لا يرى ذلك في جانبه المرضي. لكن : (( في إطار مسلك أكثر شعرية))(19).

بحث باشلار بين ثنايا التمظهرات العدوانية لشاعرية لوتريامون. أقصد بذلك، ربطه هذا العنف بعقدة الثقافة أو بالأحرى عقد للثقافة، تفرز مجموعة من الشروط الثقافية والفكرية كما عاشها لوتريامون t المراهق في المدرسة : ((فترة مؤلمة، وذهنيا عصابية. بشكل عام، فإن تحليلا نفسيا أكثر تعقلنا من التحليل النفسي الكلاسيكي، سيتطور إذا تفحص عن قرب أكثر ظروف الثقافة))(20). ثم، ((لنرى بشكل دقيق جدا، كيف أن العنف الدوكاسي (لوتريامون)، وهو لا يزال حاملا لسمة عقد الثقافة، يركز في صيغة إنسانية ضد الطفل والله))(21). 

* أما الصبغة الثانية، الأساسية التي ميزت تفكير باشلار، إبان مرحلة قراءاته لقصيدة لوتريامون ، فتحيل بالتأكيد على مفهوم معين للخيال الديناميكي، يبتغي الحيونة والبحث عن الأشكال الحيوانية، حيث ((نكتشف، بالفعل في أنفسنا هذا النزوع لكي نحيون أحزاننا، متاعبنا ثم إخفاقاتنا. وأن نقبل بشكل فلسفي جدا تلك الميتات الصغيرة، التي تلمس في الآن ذاته الطموحات والقوة))(22).

أسس لوتريامون ، تجربة معينة من الشعر تقوم على العنف والإرادة وكذا العدوان، ثم تشكيل الزمان على قوة مرعبة تعيش حدة التحولات والانمساخات عبر تجليات أقصى طاقة محيونة. يقول باشلار: ((لا أرى إلا ثلاثة شعراء، أسسوا في النصف الثاني من القرن 19، مدارس دون أن يدركوا : بودلير، لوتريامون، ثم رامبو. إنهم الأساتذة اللذين اكتشفناهم بشكل متأخر بعد موتهم))(23).

-------------------
هــوامـش :

(1) Gaston Bachelard : Lautréamont, librairie José corti 10ème Réimpression 1986, page 9.
(2) Gaston Bachelard : L’intuition de l’instant, édition Gonthier 1932, PP 103/111.
(3) C.G Jung : Dialectique du moi et de l’inconscient, Traduit par Roland Cahen, édition Gallimard, 1964, Page 236.
(4) Gaston Bachelard : Lautréamont, page 37
(5) Ibid, page 34.
(6) Ibid, page 14.
(7) Ibid, page 15.
(8) Ibid, page 9
(9) Ibid, page 17
(10) Ibid, page 24.
(11) Ibid, page 22.
(12) Ibid, page 106
(13) Ibid, page 107.
(14) Ibid, page 109.
(15) Ibid, page 106/107.
(16) Ibid, page 55.
(17) Ibid, page 153.
(18) Ibid, page 119.
(19) Ibid, page 126.
(20) Ibid, page 62.
(21) Ibid, page 67.
(22) Ibid, page 21.
(23) Ibid, page 86.