‏إظهار الرسائل ذات التسميات طاغور. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طاغور. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 14 فبراير 2018


جيتانجالي
للشاعر الفيلسوف طاغور
بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب


- 26 -

لقد دلف إليّ وجلس إلى جانبي ولكني لم استيقظ. يا لتعس هذه النومة، ويا لشقاوتي!
جاء والليل ساج وفي يده قيثاره، فرن نغم لحنه العذب خلال أحلامي

يا اسفاه، اهكذا تضيع ليالي؟ آه، لماذا أُحرم - دائماً - النظر إليه وأنفاسه تداعبني في نومي؟.


- 27 -

النور؛ أوه، أين هو النور؟ أشعله بنار الرغبة المتأججة.

ها هو المصباح ولكنه لا يضيء أبداً؛ انه مظلم كحظك يا قلبي! آه، إن الموت خير لك

إن البؤس يقرع بابك ليوحي إليك بان سيدك يقظان يناديك إلى ميعاد الهوى في غسق الليل.

السماء مثقلة بالغيوم والمطر ما يبرح يهطل مدراراً، وأنا لا اعرف ماذا يضطرب في جوانحي، ولا اعي له معنى.

إن وجهي يكفهر لومضات البرق، وقلبي يتلمس طريقه إلى حيث موسيقا الليل تناديه.
النور؛ أوه، أين هو النور؟ أشعله بنار الرغبة المتأججة! السماء ترعد، والرياح تهب هوجاء تملأ الفضاء، والليل قاتم كالصخرة السوداء؛ فلا تدع الظلام يخيم علينا وأشعل مصباح الهوى بنور حياتك.

- 28 -

إن صلابة الرأي عقال يتألم قلبي حين أحاول أن أتخلص منه.

إن الحرية هي كل ما ابتغي، وأنا استشعر الخجل حين أتمناه أنا أومن بان بين يديك الثراء العريض، وانك أنت صديقي الحميم، ولكني لا أجد في نفسي الجرأة على أن أزيل كل ما يملأ حجرتي من بهرج.

إن هذا السجف التي يسترني هو كفن من التراب والموت أنا ابغضه غير أني أضنى به.

إن ديوني كثيرة وخطاياي أعظم، وعيوبي التي أخفيها في نفسي تثقلني؛ وحين انطلق لأطلب إليك الإحسان تسيطر عليّ رعدة شديدة خشية إلا تتقبل صلاتي.

- 29 -

إن في هذا البناء - جسمي - شبحاً يذرف الدمع في خلوته وأنا دائماً في شغل شاغل أشيد حوله سوراً عالياً، وعلى مر الأيام أرتفع سمكه فعميت عن حقيقة وجودي وأنا في ظلامه القاتم.

لقد أخذتني العزة بهذا السور الشامخ فاندفعت اطليه بالطين والرمل خشية أن تكون به فرجة، ولكن ما بذلت من جهد أعماني عن حقيقة وجودي.

- 30 -

ها أنا أتيت وحيداً لأفي بوعدي؛ ولكن من هذا الذي يتبعني في دجى الليل وسكونه؟
وعبثاً تحولت عن طريقي لأضلله

إنه يثير الغبار وهو يمشي الخيلاء وهو يردد قولي في صوت أجش.

إنه روحي الضئيل - يا الهي - وهو لا يستشعر الخزي، وانا استحي ألج بابك برفقته.

- 31 -

قلت: (يا أيها السجين؛ خبرني، من ذا الذي قيدك هنا؟)

قال: (هو سيدي، لقد ظننت إني أبذ كل إنسان على الأرض بما لدي من ثراء وقوة، وبين يدي بيت المال وهو ينضم على كل ما يملك مليكي. وحين يغلبني النعاس انطرح على فراش كان في - يوم ما - سرير سيدي؛ وحين استيقظ أجد نفسي سجيناً في بيت المال).

قلت: (يا أيها السجين؛ خبرني، من ذا الذي صنع هذه السلسلة الصلبة؟).

قال: (بيدي الصناع ابتدعتها وخيل إلي أن قوتي الكامنة ستقبض على العالم كله وأظل أنا طليقا في أمان، فقضيت عمراً من عمري أهين هذه السلسلة استعين بالنار والمقامع الحديدية الشديدة؛ فلما فرغت من عملي وتمت حلقاتها وجدت نفسي مقيداً بها).


- 32 -

لقد حاول أحبائي على الأرض جهدهم أن أعيش بين أيديهم في أمان؛ ولكن حبك أنت يفوق حبهم. أنت يا من تكفل حريتي أنهم يلازمونني دائماً خيفة أن أنساهم، وها هي الأيام تمر سراعاً وأنت ما تزال تتستر خلف الحجب.

وإذا لم أتوسل إليك في صلواتي، وإذا لم أحفظك في قلبي، فحبك لي ما يزال ينتظر حبي لك.

- 33 -

وحين يسفر وجه الصبح يفدون إلى داري رمزاً ويقولون (سننزل في هذه الغرفة الضيقة)، ثم يقولون (سنشد أزرك في عبادة ربك لننال فضل إحسانه) ثم قبعوا في ركن في هدوء وتواضع، وفي هدأة الليل تدافعوا إلى هيكلي المقدس في صخب، يستلبون القرابين من محراب الرب في شره.

- 34 -

هب لي بعض نفسي فأذكرك كلك.
هب لي بعض عزمي فاشعر بك في كل مكان، وانزع إليك في كل عملي وأحبوك بحبي في كل آن.
هب لي بعض نفسي فلا استخفي منك.

هب لي بعض هذه الأغلال فأنا مقيد بمشيئتك، وما تريده فهو آت. . . هذه القيود هي قيود حبك.

- 35 -

حين يطمئن الفؤاد فلا يستولي عليه الذعر فيرتفع الرأس عالياً
حين تكون حرية الرأي،

حين لا يتصدع العالم شيعاً وتفرق بينه الحدود الضيقة، حين تنبعث الكلمات من أعماق الحقيقة، حين يمد التناحر الدائم ذراعيه صوب الكمال،

حين يهتدي الرأي الناضج إلى طريقة السوي فلا يضل في متاهات التقاليد البالية،
حين تجذب العقل إليك. . . إلى الفكرة والعمل الأبديين إلى سماء الحرية؛ انزع - ياالهي - عن وطني سباته العميق.


- 36 -

ها هي صلواتي إليك - يا الهي -: حبذ أصول العوز من قلبي؛

امنحني القدرة على أن احمل أفراحي وأتراحي معاً

امنحني القدرة على أن اخلق من حبي عملاً صالحاً

امنحني القدرة على إلا انهر فقيراً وألا أخرّ على ركبتي أمام غطرسة الجبار

امنحني القدرة على أن أسمو بعقلي فوق السخافات الأرضية

ثم امنحني القدرة على أن انزل في رضا عن كبريائي أمام مشيئتك.


- 37 -

يتراءى لي كأن رحلتي قد انتهت عند الغابة، عند آخر نزوة من نزوات قوتي ... ها هو الطريق قعد اغلق أمامي، ونفد زادي وآن لي أن استريح في سكون الظلام

ولكن يخيل إلي أن إرادتك لا تجد في النهاية، فحين تموت الكلمات الرثة على شفتي
يتفجر القلب بنغم عذب، وحين تنسد أمامي المسالك القديمة يتفتح أمامي عالم جديد فيه العجائب.


- 38 -

إنني أهفو إليك، إليك وحدك - دع قلبي يرددها مرات ومرات في غير نهاية. إن
الوساوس التي تلح عليّ صباح مساء، لتصرفني عنك، إن هي إلا جوفاء خداعة
حين يتوارى الليل خلف سجوفه ينتظر بسمة الفجر، ترن في أعماق قلبي صيحة: إنني أهفو إليك، إليك وحدك.

حين تعدو العاصفة الهوجاء في طريقها تبتغي الهدوء فتبدد هي السكون في صولة ويأس.
. . في هذا الحين تعصف ثورتي الجامحة بحبك وهي ما تزال ترسل صيحاتها: إنني أهفو إليك، إليك وحدك.

 (*) مجلة الرسالة، العدد 232 سنة 1937.
ترجمة: كامل محمود حبيب.

الخميس، 25 يناير 2018

جيتانجالي
للشاعر الفيلسوف طاغور
بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب



- 13 -

إن اللحن الذي جئت لأترنم به ظل مكفوفاً في نفسي للآن وتصرمت الأيام وأنا أشد أوتار قيثاري وأرخيها.
لم يأن لي أبداً فالكلمات لم تواتني، غير أن الرغبة الملحة تتنزى في قلبي.
إن الكِمّ لم يتفتح، ولكن الريح تزف حواليه.
لم أر وجهه، ولم أسمع رنات صوته، غير أني استشعرت خطواته الرفيقة وهو يسير الهوينى أمام داري.
ومر اليوم الطويل وأنا أهيئ له مكاناً، ولكني لم أستطع أن أدعوه إلى داري لأن سرجي كان هامداً.
وهأنذا أعيش بالأمل في لقياه، ولكن اللقيا لم تحن.

- 14 -

إن رغباتي كثيرة، وفي صيحاتي الألم؛ أفتردني في رفض قاس والرحمة منبثة في أضعاف حياتي هنا وهناك؟
وعلى مَرّ الأيام جعلتني أستأهل من آلائك العظيمة ما أنعمت به عليّ دون سؤال: هذه السماء والنور، هذا الجسم والحياة والعقل ثم نجيتني من خطر الرغبة الجامحة.
في حين كنت أتباطأ في فتور؛ وفي حين آخر كنت أهب مسرعاً إلى الغاية؛ ولكنك كنت تخفي نفسك عني في قسوة.
وعلى مر الأيام جعلتني أستأهل منك القبول المحض بعد طول رفضك إياي، وأنت جنبتني خطر التخاذل والرغبة المضطربة.

- 15 –
 أنا هنا لأردد لك الأناشيد، ولأجلس في زاوية من فنائك لا عمل لي في دنياك، فحياتي الخاوية تتفجر عن ألحان لا غاية لها.
وعند منتصف الليل، حين تدق الساعة في محربك المظلم، مؤذنة بصمت العبادة الرهيب؛
مرني، يا إلهي، أن أقف واطلب إلي لأرتل أغاني.
وبين نسمات الفجر، وقيثارك الذهبية تصدح، شرفي واطلب إلي أن أتقدم نحوك.

- 16 -

لقد لبيت الدعوة إلى مهرجان الحياة، فكانت حياتي سعيدة، أن عيني تبصران ومسمعي تسمعان.
وكان عملي في هذا الحقل أن أعزف على قيثاري، فبذلت غاية جهدي.
والآن، أسأل: أفلم يأن لي أن أنطلق لأرى وجهك وأحييك في صمت وهدوء.

- 17 -

أنا أنتظر من أحب لألقي بنفسي بين ذراعيه. هذا هو عذري حين أبطأت، وهو ذنبي حين أهملت.
لقد جاءوا جميعاً وبين أيديهم القانون ومواده ليوثقوا به قيدي فأفلت من قبضتهم لأنني أنتظر من أحب لألقي بنفسي بين ذراعيه.
والناس يلومونني ويرموني بالغفلة، ولا ريب فهم على حق.
انفضت السوق، وأنجز كل ذي عمل عمله، وانصرف الذين جاءوا ينصحونني وفيهم الغيظ والغضب؛ وأنا أنتظر من أحب لألقي بنفسي بين ذراعيه.

- 18 -

إن السحب تتكاثف في السماء والدنيا تظلم؛ آه، يا من أحب، لماذا تركتني وحيداً في هذا العراء؟ عند الظهر في ساعات العمل، أندفع بين الزمر. والآن فهذا اليوم الظليل الهادئ هو لك يا من تعلق به أملي.
فإذا لم تطلع عليّ لأجتلي النور من وجهك، وتركتني وحيداً فكيف أقضي هذه الساعات الطويلة الممطرة.
أنا أحدق في السماء المتجهمة، وقلبي المضطرب يئن مع الرياح العاصفة.

- 19 -

إذا لم تتحدث حديثك فأملأ قلبي من صمتك العميق واحمله راضياً؛ سأطمئن وأنتظر كالليل لتسهر كواكبه ورأسه مطأطأ في صبر.
لا ريب فالصباح آت ليبدد الظلمات، وسيتدفق صوتك في مجاريه الذهبية يخترق أطباق السماء، وسيرفرف كلامك في جناحي لحن كأنه طيري الغريد، وتتفتح أنغامك عن زهر في أنحاء حديقتي.

- 20 -
يا أسفاً! في اليوم أينعت زهرة اللوتس. كان عقلي مضطرباً فلم أحس بها، وكانت سلتي فارغة ولكن الزهرة طلت مكانها
الآن شملني حزن عميق، فهببت من حلمي لأستروح نسمات عطرية تحملها رياح الجنوب.
فبعثت هذه النسمات الحلوة في قلبي آلام الحنين، وتراءت لي كأنها زفرات الصيف العاشق وهو يفتش عن نصفه الآخر.
ما كنت أعلم أن هذه الزهرة على خطوات مني، وأنها هي لي، وأن الحلاوة قد تفتحت في أعماق قلبي.

- 21 -

لا بد أن أتناول غدائي على الشاطئ، ومرت الساعات متباطئة على الشاطئ. فيا أسفي!
لقد تفتح الربيع عن زهراته وأوراقه الخضراء، وأنا أضرب في الأرض منتظراً وعلى كتفي حمل من زهراتي الذابلة الذاوية.
الأمواج تضطرب في صخب، وعلى الشاطئ شجرات من الخوخ يانعة تعصف الريح بأوراقها الصفراء.
لماذا تحدق في الفضاء! أفلا تستشعر في الهواء هزات تحمل نغم لحن جاء في أضعافها من الشاطئ الآخر.

- 22 -

تحت ظلال شهر يوليه المطير، تسير أنت في خطوات هادئة وفي صمت لا يشعر به الرقيب.
واليوم أغمض الصباح جفنيه، لا يعبأ بصفير الرياح الشرقية وهي تلح في ندائها، وقد أسدل نقاب كثيف على وجه السماء الأزرق المتألق.
وأمسكت الغابة عن ترديد لحنها، وغلقت الأبواب؛ وأنت. . . أنت يا عابر السبيل تضرب في الطريق الصحراوي وحيداً. أوه، يا صديقي العزيز، يا من أحب، إن باب داري مفتوح على مصراعيه فلا تمر به كأنك حالم.

- 23 -

يا صديقي، أفِأنت في العراء تتم رحلة الهوى في هذه الليلة العاصفة؟ وإن السماء تئن كأنها مصدور بنفس عن نفسه.
لقد أرقت الليلة، يا صديقي وباب داري مفتوح فأنظر إليه في هذا الظلام الدامس. أنا لا أرى - في هذا الظلام - شيئاً مما أمامي، فلا أستطيع أن أجد الطريق إليك.
عند شاطئ أي نهر مظلم قاتم، لدى حافة أية غابة سوداء حالكة، وفي ثنايا أي عمق معتم مضل، جلست يا صديقي، ترسم في نفسك الطريق إلي.

- 24 -

إذا انطوى النهار، وصمتت الطيور الغريدة، وهدأت الرياح الزفزافة؛ فانشر علي قناعاً صفيقاً من الظلمة كما نشرت على الأرض أستار النوم، وكما لففت أوراق زهرة اللوتس الذابلة في غيابة الظلام.
نحِّ عن السائح الذي نفد زاده، وتمزقت ثيابه، وتشعث وأغبر، وخارت قوته، انطفأت منته، قبل أن يبلغ غايته. . . نحِّ عنه الضنا والفقر، وانفث فيه من روح الحياة ليكون كزهرة تلفعت برداء الليل الرفيق.

- 25 -

في الأمسية التي أكدّني فيها الجهد، دعني أنم هادئاً وفي نفسي الأيمان بك.
ولا تطلب إليّ أن أرهق نفسي المتعبة بعبادتك.
فأنت الذي أن حسرت عن عيني النهار نقاب الظلام ليبدو فيها النشاط والمرح من جديد بعد أن أضناها التعب والأسى.
.......................

ترجمة: كامل محمود حبيب
(*) مجلة الرسالة، العدد 231، 1937.

الثلاثاء، 23 يناير 2018

جيتانجالي
للشاعر الفيلسوف طاغور
بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب


جيتنجالي كلمة هندية بنغالية معناها (القرابين الغنائية) وهي أناشيد صوفية تبلغ 103 نشيد، نظمها طاغور في البنغالية ثم نقلها بنفسه إلى الإنجليزية، وشهرتها في الأدب العالمي كشهرة رباعيات الخيام، وهي تمثل الروح العالية على فلسفة طاغور من جهة، والطبيعة الصوفية المميزة للبوذية من جهة أخرى. وسننشرها كلها مترجمة بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب.

- 1 –

أنت خلقتني أبدياً، تلك مشيئتك. وهذا الحطام الفاني - جسمي - أنت تفرغه مرة ومرة ثم تملأه بالحياة الغضة
هذا الناي الصغير أنت علوت به وهبطت، ثم وقَّعت عليه أنغاماً سحرية خالدة، وحين لمست يداك قلبي الضعيف لمسة إلهية شاع فيه السرور وانبعث منه لحن أخّاذ، وبين يديّ الضعيفتين استقبلت آلاءك العظمى، والأعوام تتصرم وأنت ما تزال تحبوني وفي قلبي شوق وطمع.

- 2 -

وحين أمرتني أن أرتل نشيدي خُيِّل إلي أن قلبي يهتز من أثر الفرح والكبرياء معاً؛ ثم رحت أتوضح وجهك فاغرورقت عيناي بالدموع
كل ما في حياتي من شدة وضيق يذيبه لحن جميل، وصلواتي تنشر عليّ جناحين رفيقين كما يفعل الطير الطروب وهو يدف بجناحيه فوق أمواج البحر
أنا أوقن أن أغانيَّ تطربك، وأني حين أغني أكون في حضرتك
وبرغم أن أغانيّ وهي تعلو مصعدة تكاد تبلغ قدميك؛ فأنا لا أستطيع أن أصل إليها
لقد غُمّ عليّ حين سيطرت عليّ نشوة التغريد، فناديتك: يا صديقي؛ وأنت إلهي.

- 3 -

لست أدري كيف ترسل ألحانك، يا إلهي! وأنا - دائماً أتسمع في لهفة
إن نور موسيقاك يضيء العالم، وأنفاسها تنقل من سماء إلى سماء، وسَكْبها المقدس يحطم العوائق الصلبة لينفذ
لقد تعشق قلبي أن يسمع ألحانك، ولكن عبثاً حاول أن يظفر بصوت. سأتحدث حديثاً لا يحور إلى أغنية. بل إلى صيحة اليأس. آه إن ألحانك الأبدية قد جذبت إليها قلبي، يا إلهي.

- 4 -

يا روح حياتي سأحفظ - دائماً - جسمي طاهراً لأنني أعرف أن لمساتك الرفيقة تحوطني
سأحول - دائماً - بين أفكاري وبين الأكاذيب، لأنك وأنت الحق، بعثت في قلبي شعاع الحق
سأنزع - دائماً - عن قلبي الرذائل ليظل حبي لك طاهراً فأنت تتربع في قلبي
ثم أجعل همي أن أكشف أمامك عن كل ما أعمل، لأنك أنت الذي تسبغ عليّ القدرة على العمل.

- 5 -

أنا أسألك لحظة فيها الرضا أجلس فيها إلى جانبك، وأؤجل ما بين يدي من عمل إلى ما بعد
إن قلبي لا يستقر ولا يهدأ إن حرمت النظر إلى طلعتك لأغتمر في لجة من العمل المضني. . . لجة لا شاطئ لها
اليوم نفح الصيف أول زفراته لدى نافذتي، والنحل بين الزهور يرتل أنغامه هذا وقت أجلس فيه بازائك هادئاً؛ وفي هذا الصمت والفراغ والهدوء، أترنم بأناشيد الحياة المقدسة.

- 6 -

اقطفْ هذه الزهرة الصغيرة - يا سيدي - وخذها. لا تستأن! فأنا أخشى عليها الذبول والسقوط؛ لعلها لا تجد مكاناً في بستانك، ولكن شرِّفها بلمسة بنانك، فأنا أخاف أن تنطوي الأيام قبل أن أستطيع تقديمها لك هدية
إن لوها ليس أخاذا، وريحها ليس نفاذا؛ ولكن اقطفها فقد يكون فيها النفع. . . اقطفها حين تسنح الفرصة.

- 7 -

لقد نزعت عني لحني الزخرف، فما فيه برقشة ولا تنميق؛ لأن زخرف القول يفسد ما بيننا، ويحول بيني وبينك، ورناته تخفي عني همساتك
إن عبارات الصلف في شعري تتلاشى أمام ناظريك يا إله الشعر. أنا جاثم عند قدميك أريد أن تنفث في حياتي البساطة والنقاوة كنغم ساحر انبعث من نايك.

- 8 -
إن الطفل الذي تثقله مطارف الإمارة، وتزينه القلائد الذهبية، لا يجد اللذة في ألعوبته لأنه يرسف في قيود من ثيابه
وهو ينزوي عن العالم خشية أن تتلوث أو تتعفر، فهو يخاف كل شيء حتى الحركة

أيتها الأم! لا تثقلي ابنك بالزينة فهي تحجبه عن تراب الأرض الصحي، وتسلبه من النهج القويم الذي يقوده إلى البهجة العظمى في حياة الإنسان العامة.

- 9 -

يا لحمق الغبي الذي يحاول أن يحمل نفسه على كتفيه إن كدّه السير! يا لغفلة الشحاذ الذي يقف أمام باب داره يستكف
ألق ما أثقلك بين يدي من لا يثقله أن يحمل كل شيء، ثم لا تلتفت إلى وراء في حسرة
إن أمانيك تطفئ بأنفاسها نور السراج. حرام أن تأخذ ما ليس لك بيدين آثمتين، ولكن خذ ما أعطيت في قناعة ورضا.

- 10 -

هنا آثار سيرك؛ وهناك تطمئن قدماك. . . هناك حيث يعيش الفقير والوضيع والضائع
وإذا سجدت لك فجبهتي لا تبلغ الأعماق حيث تطمئن قدماك بين الفقير والوضيع والضائع
إن الكبرياء لن تبلغ موطئ قدميك وأنت تتهادى في ثوب من التواضع بين الفقير والوضيع والضائع
إن قلبي لا يجد السبيل إلى حيث تصحب من لا رفيق له بين الفقير والوضيع والضائع

- 11 -

دع عنك التراتيل والأغاريد والتسابيح! من الذي تتحنث له في هذا الخلاء المظلم من متعبَّدِك وبابك مغلق؟ افتح عينيك فلن تجد إلهك أمامك!
إنه هناك عند الفلاح وهو يعزق الأرض الصلبة، هو عند العامل وهو يحطم الصخور القاسية؛ إنه بازائهما تحت حرور الشمس ووابل المطر، ولباسه معفر بالتراب. اخلع طيلسانك المقدس واهبط مثله إلى تراب الأرض
التواكل؟ أين هو التواكل؟ إن إلهنا نفسه قد أخذ نفسه - في لذة - بأن يتكفل عباده؛ وهو بيننا إلى الأبد
انزع عنك تأملاتك، ودع أزهارك وبخورك! ماذا يضيرك إن مزقت ثيابك ولوّثت؟ أخر إليه، وقف بازائه كادحاً والعرق يرفضُّ من جبينك.

- 12 -

إن سفري بعيد وطريقه طويل
لقد انطلقت عند أول شعاع من النور، واندفعت أضطرب في أنحاء العالم الموحش أرى هدْى أمري بين النجوم والكواكب
إنها مسافة أطول مما يخيّل إليك، وهي تجربة قاسية تنتهي إلى السهولة. . . إلى لحن

إن المسافر يضطر إلى أن يقرع كل باب ليتعرف بابه هو، وهو يضرب في أرجاء الأرض ليصل - في النهاية - إلى المحراب العظيم لقد انطلق بصري يطوق العالم قبل أن أحشدهم وأغلق عليهم الباب ثم أقول: (هاأنتم هنا؟)
ودوت الصيحة: (أوه! أين؟) ثم ذابت الصيحة إلى عبرات تتدفق؛ ثم غمر الأرض سيل من الإيمان ينادي (أنا!).

..........................................

ترجمة: كامل محمود حبيب
(*) مجلة الرسالة / العدد 230 / 29/11/1937