الخميس، 25 يناير 2018

جيتانجالي
للشاعر الفيلسوف طاغور
بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب



- 13 -

إن اللحن الذي جئت لأترنم به ظل مكفوفاً في نفسي للآن وتصرمت الأيام وأنا أشد أوتار قيثاري وأرخيها.
لم يأن لي أبداً فالكلمات لم تواتني، غير أن الرغبة الملحة تتنزى في قلبي.
إن الكِمّ لم يتفتح، ولكن الريح تزف حواليه.
لم أر وجهه، ولم أسمع رنات صوته، غير أني استشعرت خطواته الرفيقة وهو يسير الهوينى أمام داري.
ومر اليوم الطويل وأنا أهيئ له مكاناً، ولكني لم أستطع أن أدعوه إلى داري لأن سرجي كان هامداً.
وهأنذا أعيش بالأمل في لقياه، ولكن اللقيا لم تحن.

- 14 -

إن رغباتي كثيرة، وفي صيحاتي الألم؛ أفتردني في رفض قاس والرحمة منبثة في أضعاف حياتي هنا وهناك؟
وعلى مَرّ الأيام جعلتني أستأهل من آلائك العظيمة ما أنعمت به عليّ دون سؤال: هذه السماء والنور، هذا الجسم والحياة والعقل ثم نجيتني من خطر الرغبة الجامحة.
في حين كنت أتباطأ في فتور؛ وفي حين آخر كنت أهب مسرعاً إلى الغاية؛ ولكنك كنت تخفي نفسك عني في قسوة.
وعلى مر الأيام جعلتني أستأهل منك القبول المحض بعد طول رفضك إياي، وأنت جنبتني خطر التخاذل والرغبة المضطربة.

- 15 –
 أنا هنا لأردد لك الأناشيد، ولأجلس في زاوية من فنائك لا عمل لي في دنياك، فحياتي الخاوية تتفجر عن ألحان لا غاية لها.
وعند منتصف الليل، حين تدق الساعة في محربك المظلم، مؤذنة بصمت العبادة الرهيب؛
مرني، يا إلهي، أن أقف واطلب إلي لأرتل أغاني.
وبين نسمات الفجر، وقيثارك الذهبية تصدح، شرفي واطلب إلي أن أتقدم نحوك.

- 16 -

لقد لبيت الدعوة إلى مهرجان الحياة، فكانت حياتي سعيدة، أن عيني تبصران ومسمعي تسمعان.
وكان عملي في هذا الحقل أن أعزف على قيثاري، فبذلت غاية جهدي.
والآن، أسأل: أفلم يأن لي أن أنطلق لأرى وجهك وأحييك في صمت وهدوء.

- 17 -

أنا أنتظر من أحب لألقي بنفسي بين ذراعيه. هذا هو عذري حين أبطأت، وهو ذنبي حين أهملت.
لقد جاءوا جميعاً وبين أيديهم القانون ومواده ليوثقوا به قيدي فأفلت من قبضتهم لأنني أنتظر من أحب لألقي بنفسي بين ذراعيه.
والناس يلومونني ويرموني بالغفلة، ولا ريب فهم على حق.
انفضت السوق، وأنجز كل ذي عمل عمله، وانصرف الذين جاءوا ينصحونني وفيهم الغيظ والغضب؛ وأنا أنتظر من أحب لألقي بنفسي بين ذراعيه.

- 18 -

إن السحب تتكاثف في السماء والدنيا تظلم؛ آه، يا من أحب، لماذا تركتني وحيداً في هذا العراء؟ عند الظهر في ساعات العمل، أندفع بين الزمر. والآن فهذا اليوم الظليل الهادئ هو لك يا من تعلق به أملي.
فإذا لم تطلع عليّ لأجتلي النور من وجهك، وتركتني وحيداً فكيف أقضي هذه الساعات الطويلة الممطرة.
أنا أحدق في السماء المتجهمة، وقلبي المضطرب يئن مع الرياح العاصفة.

- 19 -

إذا لم تتحدث حديثك فأملأ قلبي من صمتك العميق واحمله راضياً؛ سأطمئن وأنتظر كالليل لتسهر كواكبه ورأسه مطأطأ في صبر.
لا ريب فالصباح آت ليبدد الظلمات، وسيتدفق صوتك في مجاريه الذهبية يخترق أطباق السماء، وسيرفرف كلامك في جناحي لحن كأنه طيري الغريد، وتتفتح أنغامك عن زهر في أنحاء حديقتي.

- 20 -
يا أسفاً! في اليوم أينعت زهرة اللوتس. كان عقلي مضطرباً فلم أحس بها، وكانت سلتي فارغة ولكن الزهرة طلت مكانها
الآن شملني حزن عميق، فهببت من حلمي لأستروح نسمات عطرية تحملها رياح الجنوب.
فبعثت هذه النسمات الحلوة في قلبي آلام الحنين، وتراءت لي كأنها زفرات الصيف العاشق وهو يفتش عن نصفه الآخر.
ما كنت أعلم أن هذه الزهرة على خطوات مني، وأنها هي لي، وأن الحلاوة قد تفتحت في أعماق قلبي.

- 21 -

لا بد أن أتناول غدائي على الشاطئ، ومرت الساعات متباطئة على الشاطئ. فيا أسفي!
لقد تفتح الربيع عن زهراته وأوراقه الخضراء، وأنا أضرب في الأرض منتظراً وعلى كتفي حمل من زهراتي الذابلة الذاوية.
الأمواج تضطرب في صخب، وعلى الشاطئ شجرات من الخوخ يانعة تعصف الريح بأوراقها الصفراء.
لماذا تحدق في الفضاء! أفلا تستشعر في الهواء هزات تحمل نغم لحن جاء في أضعافها من الشاطئ الآخر.

- 22 -

تحت ظلال شهر يوليه المطير، تسير أنت في خطوات هادئة وفي صمت لا يشعر به الرقيب.
واليوم أغمض الصباح جفنيه، لا يعبأ بصفير الرياح الشرقية وهي تلح في ندائها، وقد أسدل نقاب كثيف على وجه السماء الأزرق المتألق.
وأمسكت الغابة عن ترديد لحنها، وغلقت الأبواب؛ وأنت. . . أنت يا عابر السبيل تضرب في الطريق الصحراوي وحيداً. أوه، يا صديقي العزيز، يا من أحب، إن باب داري مفتوح على مصراعيه فلا تمر به كأنك حالم.

- 23 -

يا صديقي، أفِأنت في العراء تتم رحلة الهوى في هذه الليلة العاصفة؟ وإن السماء تئن كأنها مصدور بنفس عن نفسه.
لقد أرقت الليلة، يا صديقي وباب داري مفتوح فأنظر إليه في هذا الظلام الدامس. أنا لا أرى - في هذا الظلام - شيئاً مما أمامي، فلا أستطيع أن أجد الطريق إليك.
عند شاطئ أي نهر مظلم قاتم، لدى حافة أية غابة سوداء حالكة، وفي ثنايا أي عمق معتم مضل، جلست يا صديقي، ترسم في نفسك الطريق إلي.

- 24 -

إذا انطوى النهار، وصمتت الطيور الغريدة، وهدأت الرياح الزفزافة؛ فانشر علي قناعاً صفيقاً من الظلمة كما نشرت على الأرض أستار النوم، وكما لففت أوراق زهرة اللوتس الذابلة في غيابة الظلام.
نحِّ عن السائح الذي نفد زاده، وتمزقت ثيابه، وتشعث وأغبر، وخارت قوته، انطفأت منته، قبل أن يبلغ غايته. . . نحِّ عنه الضنا والفقر، وانفث فيه من روح الحياة ليكون كزهرة تلفعت برداء الليل الرفيق.

- 25 -

في الأمسية التي أكدّني فيها الجهد، دعني أنم هادئاً وفي نفسي الأيمان بك.
ولا تطلب إليّ أن أرهق نفسي المتعبة بعبادتك.
فأنت الذي أن حسرت عن عيني النهار نقاب الظلام ليبدو فيها النشاط والمرح من جديد بعد أن أضناها التعب والأسى.
.......................

ترجمة: كامل محمود حبيب
(*) مجلة الرسالة، العدد 231، 1937.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق