الثلاثاء، 28 أبريل، 2015

النقد والخيال عند غاستون باشلار : جان ايف تادييه

ترجمة : د. منذر عياشي


جان ايف تادييه
يركز نقد الوعي علي الذات التي تكتب ، غير أن الثورة التي أحدثها غاستون باشلار(1884-1962) قد أدخلت خيال المادة بوصفه موضوعاً رئيسا للدراسة . فلقد جدد غاستون باشلار في تسعة من كتبه النقد الفرنسي (لم تحظ كتبه بالنجاح في البلاد الأنكلو ساكسونية)، وقلب مناهجه ، هذه الكتب هي : "النار في التحليل النفسي"(1938) ، "لوتريامون" (1939) ، "الماء والأحلام" (1943) ، "الهواء والأحلام" (1943) ، "الأرض وأحلام يقظة الراحة" " الأرض وأحلام يقظة الإرادة" (1948) ، "شعرية المكان" (1957) ، "شعرية أحلام اليقظة" (1960) ، "لهيب شمعة" (1961) ، ولقد كانت المناهج المستقاة من باشلار حتي عام (1970)، وهي السنة التي انتصرت اللسانيات فيها ، هي المناهج الوحيدة تقريباً التي تلهم ما يمكن أن نسميه "النقد الجديد" ، غير أن باشلار نفسه كان قليل الإهتمام بتأسيس مدرسة ، ذلك لأنه كان أولاً إبيستمولوجياً وفيلسوفاً من فلاسفة العلوم ، ثم جاء متأخراً إلي التعليق علي الشعر : لقد كان حالماً متوحداً ، علي الرغم من أنه أستاذ كبير وكاتب عظيم.

لم يكن لباشلار منهج واحد ، ولكن له عدة مناهج (انظر ميشيل مانستوي : "غاستون باشلار والعناصر" 1967. وكذلك فانسان تيريان : " ثورة غاستون باشلار في النقد الأدبي" 1970).

ولقد تمت إقامة هذه المناهج وتصحيحها في هذه الوحدة : وإنه لمن الضروري إذن ، حين تتبع مباديء الفيلسوف وتطبيقاتها أن لا تشوه وأن لا يتم خلطها . وثمة عقبة أخري تأتي من الاستعمال السمعي لمصطلحات مثل "التحليل النفسي" ، "الظاهراتية" ، "الشعرية" ، استعمالاً جديد المعني. إذ كل شيء يبدأ عام (1938) مع "النار في التحليل النفسي" (النار بوصفها كتاب المؤلف الأول والأخير) ، وهي عنصر ينفلت من العلم ، ولكنه لا ينفلت من أحلام اليقظة . وإن هذا الكتاب ليسم إذن جيداً العبور من المعرفة العلمية إلي المعرفة الشعرية : "إن المقصود في الواقع هو العثور علي فعل القيم غير الواعية في قاعدة المعرفة التجريبية والعلمية نفسها" ، ومن هنا ، يجب تحديد كلمة "غير واعي" : "إنها تعني طبقة نفسية أقل عمقاُ ، وأكثر عقلاً (إذن تعني ما قبل الوعي) . وكذلك الحال بالنسبة إلي الأحلام ، فأحلام اليقظة تحل محلها ، " وإنها لتختلف اختلافاً كبيرا عنها ، وهي بهذا تتمحور دائماً حول موضوع ما " ولذا ، فهي تعين "مركبات" لأن العمل الشعري يتلقي فيها "وحدته" . ولكن هذه المركبات تحمل أسماء جديدة (بروميتية، أمبيروكل، نوفاليس، هوفمان) ، وهي أسماء قريبة من يونغ (الذي يقترح باشلار أن يتممه) أكثر من قربها من فرويد : فالجنس يؤدي فيها دوراً محدوداً . وإنه لمن أجل هذا كان المنهج الأول هو منهج "التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية" وللاتجاهات النفسية التي تثيرها الصور البدئية . وإن الكتاب ليعبر كلما تقدم من واحد إلي آخر ، ويستعير أمثلته بمعدل أقل من الكتب العلمية  ومعدل أكبر من النصوص الأدبية : " فكحول هوفان هي الكحول التي تلتهب ، وإنها لموسومة بعلامة نوعية ، وذكورية نارية ، بينما كحول ألان بوي ، فهي الكحول التي تغرق ، وتعطي النسيان والموت . وإنها لموسومة بعلامة نوعية ، وأنوثية مائية ". وإذن ، يكتشف باشلار أن الذهن الشعري "يخضع كلية إلي فتنة صورة مفصلة" (ص 128) . غير أنه لا يتخلي عن العقل العلمي : " فالحكواتيون ، والأطباء ، والفيزيائيون ، والروائيون، وكل الحالمين ، ينطلقون من الصور نفسها ويذهبون إلي الأفكار نفسها" . ولكنه يريد أن يبتعد عن " التحليل النفسي الكلاسيكي " ، ذلك لأن الكبت بالنسبة إليه نشاط ليس طبيعياً فقط ، ولكنه "مبهج" أيضاً ، فالتحليل النفسي للمعرفة الموضوعية يسمح بمعرفة الخطأ في الحبور :" وحينئذ تلد المتعة الروحية الصافية ". وإننا لنصل هنا إلي "المعرفة الموضوعية للذاتي"، وإلي اكتشاف "الجدل المتسامي" الذي يلد من "الكبت المنظم" وهكذا فإن الكتاب الأول " ليعد العدة من أجل نقد أدبي موضوعي" يشكل نسقاً و"نحواً" يقدم كل شاعر تركيباً من الصور نستطيع أن نكتشفه "بعد حين" وإن هذا الأمر ليكون في رسم " مخطط بياني " ، والعثور مجدداً علي منطق ، ولكنه لن يكون في سطحية الرسم ، ذلك لأنه ثمة جدل لحلم اليقظة ، وإنه ليكون في المكان نفسه الذي " ينقسم فيه الاندفاع الأصلي " : " ويستطيع الكائن المحب أن يكون صافياً حينئذ ، كما يستطيع أن يكون محتدماً ، ومفرداً ، وكونياً ، ومأساوياً ، ووفياً ، وأنياً ، ودائماً" . وهذا يعني أنه "النفسية المبدعة".

وقد كرس باشلار في السنة التالية دراسة عن لوتريامون الذي اكتشفه السورياليون . وبهذا يكون قد صنع دخوله الحقيقي إلي النقد الأدبي وسجل الافتتاح هدفه المضاعف : تجلي ذلك في تحديد " القوة المخفية للعلاقات الزمانية ". وفي استخراج " التركيب في الحياة الحيوانية " و"الطاقة العدونية " إن " أغاني مالدورو " تمثل عدواناً خالصاً . فالكتاب يريد أن يكون " تحليلا نفسياً للحياة ". ولذا ، فقد كان المنهج يقضي بجمع إشارات الاعتداء التي هي : الحيوانات ، والمنمسخات الحركية (والتي تتعارض مع تلك التي صنعها كافكا مصابة بإغماء تخشبي) . ومن هنا ، كانت إرادة القوة عند لوتريامون . ويقترح باشلار سبر "التعقيدات الثقافية " (فوق الطبقة البدائية التي سبرها التحليل النفسي الفرويدي)،ومن ذلك مثلاً حياة ديكاس المدرسية والتي تتركزنفسياً " ضد الطفل والربوبية " . وعندما يلامس باشلار قضية السيرة الذاتية فإنه يرفض الاتهام بالجنون ، وذلك لكي " يحي الثقة الكلامية للعمل ، والتماسك الرنان " ولكي يدل علي التحرير الذي أدته الكتابة " فما أن يستطيع ذهن أن ينوع ملفوظه حتي يصبح له سيراً […..]،
ولقد استطاع لوتريامون أن يهيمن علي استيهاماته " ؟ ألا وإن عمل لوتريامون لغريب ، ولكن ليس حياته ، فقضايا علم النفس يجب أن تطرح من خلال العمل ،الذي هو سلبي إزاء الحياة ، ويعيش قطيعة معها . وإن منهج باشلار ليقوم إذن علي العثور علي القوة النفسية في اللغة . فإذا كانت الكلمة مركزة علي " اللحظة العدوانية " فإن الجملة يجب أن تصبح ترسيمة لدوافع متلونة " ، وبهذا يكون الفعل في الحاضر بدلاً من أن يتأثر بتاريخ اللغة ويعيد قول ، كما هي حال ليكونت دي ليسل ، صدي ضعيف في الأغلب ، أو يعيد أصوات بطولات ماض موهوم دائما. فلقد كشفت لغة العمل " تركيب لوتريامون " . وإن هذا الأخير الذي حرر الشعر من الوصف ، ليعيدنا إلي الحرية ، ولذا ، فإن باشلار قرأ " مالدورور" كما يقرأ قصيدة عدوانية ، وذلك حين وصل موضوعات ، ورموزاً ، وكلمات مفتاحية . غير أنه لا يكتفي بهذا المعني ، لأنه اي قراءة بالنسبة إليه يجب أن تغير القارىء : إنه لمن الواجب تجاوز لوتريامون ، وتحويل " قوته التوسعية " إلي " مشروع يفتح الخيال فعلاً .

كرس باشلار أيضاً أربعة كتب عن خيال المادة . فلقد وجد العناصر الأربعة التي كان الفكر القديم يضعها " في أساس كل شيء " تماماً كما لو أن غيبة وعي تاريخي توجد في الماضي ، وأما المجلدان الأكثر كمالاً في هذه السلسلة ، منهما اللذان يبحثان في الأرض . وإن الإجراء ليقرأ هنا قراءة أفضل . أولاً ، ثمة قراءة عامودية : " فنحن لسنا سوي قارىء ، قروء ، وإننا لنمضي ساعات ، وأياماً نقرأ كتبا  قراءة بطيئة وسطراً سطراً . ونقاوم قدر المستطاع جذب الحكايات (أي نقاوم الجزء الوعي بوضوح من الكتب)، وذلك لكي نكون متأكدين من إقامتنا في الصور الجديدة ، وفي الصور التي تجدد النماذج المثالية غير الواعية" . فالصورة الأدبية تجدد الصورة الأساسية ، وإنها لتتنوع تنوع الموضوع الذي يعطيه النموذج المثالي . ولكن هذا التماس الذي يقيمه الناقد يكشف من غير رحمة عن الرواسم ، وعن الصور المزورة ، وعن القيم الصحيحة : " إن شعر المحراث النمطي ليغطي كثيراً من القيم . وإن هذا ليدعو إلي ضرورة وجود تحليل نفسي لكي يتخلص الأدب من هؤلاء الحراثين المزورين " . ويجب أن نفهم ، من جهة أخري ، أن الصورة بالنسبة إلي باشلار ، ليست صورة بلاغية ، ولا جزئية نصية ، إنها موضوع لما هو كلي ، وإنها لتدعو الانطباعات الأكثر تنوعاً إلي الاتفاق ، تلك الانطباعات التي تأتي من معاني عديدة ، وإنها أيضاً ليست تركيباً " بين مقاطع لواقع ملاحظ ، ولا بين ذكريات لواقع معاش " كما هي الحال في الثقافة والنقد الواقعيين ، فالفنان الباشلاري ليس هو ذلك الإنسان الذي لاحظ جيداً ، ولكنه ذلك الذي حلم جيداً ، فالصورة ضمن النص إنما هي أثر من أثار الوظيفة غير الواقعية . وإنها لتسبق الملاحظة لأنها سمو نموذج مثالي وليست "إنتاجاً للواقع" ، وفي اللحظة التي كان باشلار يكتب فيها " الأرض وأحلام يقظة الإرادة " ، كان يقترب من يونج ، ولكن قوله كان مختلفاً ، إنهم كثر أولئك المؤلفين (بتيجان ، كايوا ، روبنل ، ديزواي) الذين غير وجهتهم ، ونقلهم من أماكنهم ، وجعل التعرف عليهم غير ميسور ، خاصة وأنه كان يستشهد بهم بأمانة ، وسذاجة ، وذلك لكي يجعلهم يؤدون واجباً جديداً .

وثمة خطأ أخر يجب ألا يرتكب ، وهو الإعتقاد بأن باشلار كان مهووسا بالمضامين وغير مهتم باللغة ، فكما أبان لوتريامون ( انطلاقاً من أربعمئة كلمة حيوانية) ، فإن الصورة الأدبية " تقول ما لا يمكن تخيله مرتين " . إنها تبدع لغة ضمن حركة فعالة تعبر عن الطاقة النفسية ، ولقد كان العصر يفرض هذا البحث عن الصورة ، وإذا كان يجب دراستها في الأدب ـ لأن العناصر الباشلارية لا توجد في الحياة ، ولكن في الكتب ، فلأنها تعود إلي أصل اللغة والخيال ، وتترجم الفضاء الشعوري المكثف داخل الأشياء " . فالمادة القاسية ، والمادة اللينة ، والمادة المتخلفة ، كلها أيضاً مضامين للصور ولكنها مضامين للحركة كذلك ، إنها موضوع السقوط ، أو النضال ضد الجاذبية ، وضد التوترات الجدلية ، إنها مادة مضطربة تحت سطح هاديء ، فعندما يمر باشلار علي صور الملجأ (البيت ، البطن ، الكهف) ، فإنه لا يكتفي " بالعودة إلي الأم " إنه يقلب الإجراء ، فبدل أن يصعد إلي المنابع النفسية العميقة و غير الواعية ، فإنه يفضل أن يصعد " تطوره من خلال صور متعددة " .

يجب أن نشير إذن إلي الاختلاف مع التحليل النفسي ، فالرمز في التحليل النفسي عبارة عن " متصور جنسي " ، بينما " الصورة فشيء اخر . فللصورة وظيفة أكثر فعالية . ولها معني في الحياة غير الواعية وإنها لتشير من غير ريب إلي غرائز عميقة ، ولكنها أيضاً تعيش من حاجة إيجابية للتحليل . وإنها لتستطيع جدلياً أن تكون أداة للإخفاء وللظهور ، ولكن يجب أن يكون الإظهار كثيراً لكي نخفي قليلا . ولذا علينا أن ندرس الخيال من جانب هذا الإظهار الهائل " . وإننا ، هنا ، لنلتقي القاريء الذي يؤثر النص فيه " ففي اللحظة التي تطلق فيها حرية التعبير في الكاتب قوي معقدة ، فإنها تميل إلي تثبيت صور داخلية عند القاريء مثبتة في الكلمات " ، إذ بها يسقط الكاتب نفسه والقاريء معه في الأشياء . ولكن اللاوعي ، وطفولة الكاتب ، وعقدة أوديب لم تعد تهم باشلار ، فقد كان قريباً من مارلو أكثر من قربه من فرويد أو حتي من يونغ .

وعندما ظهر بعد ذلك بتسع سنوات كتاب "شعرية المكان" ، ظننا أن باشلار يقترح منهجاً ثانياً ، لقد حلت ظاهرية الصور محل تحليل العناصر ، ولكن القطيعة كانت أقل كبراً مما بدت ، فلقد انتهت ، بالإضافة إلي "شعرية أحلام اليقظة" (1960 ، إلي استعادة جديدة " الأرض وأحلام يقظة الإرادة" ، إذ ربما كان المقصود هو وضع الحق في علاقة مع الوقائع ، ووضع المباديء في علاقة مع الممارسة ، وقد كان باشلار يعني بظاهرية الخيال "دراسة ظاهرة الخيال الشعري ، وذلك عندما تنبثق الصورة في الوعي بوصفها انتاجاً مباشراً للقلب ، وللروح ، وللكائن ، وللإنسان كما هو مستجوذ في راهنه " . فليس ثمة ماض للصورة ، ولكن ثمة مستقبل لهاً ، إذن ، ليس ثمة سببية مع " نموذج مثالي يهيمن علي عمق الوعي " ، وليس ثمة تفسير لوجود " الزهرة بسبب السماد " . وهو إذ يعاود تناول متصور السمو الذي يعالجه منذ كتابه " النار في التحليل النفسي " ، فإن الناقد يري فيه البرهان بأن الشعر " ينوف علي علم نفس الروح الحزينة أرضاً " . فالظاهرية لا تصف بشكل تجريبي الظواهر الشعرية ، وإن هذا الأمر ليفترض وجود قاريء سلبي ، فهي تعيش "القصدية الشعرية " . ويجد هذا المستقبل للقصد نفسه مقروءاً في "الرنان" . فهو يشكل الاختلاف الرئيس مع المؤلفات الموضوعة عن خيال المادة . ففعل الخيال في "أرواح أخري" لا يمكن أن يفسره وصف موضوعي ، فالظاهرية  وحدها ـ أي النظر في انطلاق الروح ضمن وعي فردي ـ تستطيع أن تساعدنا في إعادة تشكيل ذاتية الصور ، وقياس السعة ، والقوة ، ومعني التحول الذاتي للصورة ". فالصورة توحد بين "ذاتية مجردة ولكنها زائلة " وبين واقع غير مكتمل تماماً في بعض المرات ، وذلك بشكل تكون فيه قبل الفكر " أصلاً للغة ".

لا تحلل إن الظاهرية الباشلارية شيئاً ، ولكنها تحلل الرنين ، كما أنها لا تحلل التكرار ، ولكنها تحلل ظاهرة فريدة ، لا يعدها اي شيء ، إلا إنها مع ذلك ، تدع جانباً " تأليف القصيدة بوصفها تجمعاً من الصور المتعددة " ، وذلك لكي لا تهدم صفاء الملاحظة البدائية ببرنامج واسع جداً . ويقترب القاريء ، بهذا الشرط ، من فرح الكتابة ، كما لو كان كان " شبح الكاتب " وحريته . وليس لنا إذن أن نبرر الصورة أولا بمجموع القصيدة (أو العمل) ، ولا بالواقع المحسوس ، ولكن بالبقاء في " فضاء لغوي " شكلته ، وحددته الصورة ، أو الجملة ، أو البيت الشعري الذي يتضمنه " . أما ما يخص اشتراك الصور ، فتلك "مهمة ثانوية" . وإن هذا ليعني إذن أن النقد الباشلاري يحدد الوحدة الصغري للشعر (أي للأدب ، وذلك لأن النصوص النثرية غير مستبعدة " بوصفها موضوعاً واحداً لدراسته . وهذا ما كان السورياليون يضعونه في المقام الأول " الصورة المخفية " كما يقول بريتون . ولقد كان الإمساك بهذه الوحدة يتم في انبثاقها في العلاقة الواحدة التي تقيمها مع الذات المبدعة لها : بأنها "أصل مطلق" يجب علي أن يشترك فيه ، وذلك بكتابته حلم يقظة الفنان ، وهكذا يعلق باشلار علي فونتين ( "السماء كائنة فوق السطح " ) ، " في السجن ! من ذا الذي لا يكون في سجن الساعات المأساوية ؟ . فأنا في غرفتي الباريزية ، بعيداً عن بلدي الأم ، أقود حلم اليقظة ، لفيرليني ، وسماء الماضي تنتشر فوق مدينة الحجر ، وتغني في ذاكرتي للمقاطع الموسيقية التي كتبتها رينالدوهاهن علي قصائد فيرلين ، وكثافة من الانفعالات ، وأحلام اليقظة ، والذكريات تنمو من أجلي فوق هذه القصيدة ، وأقول فوق ـ وليس تحت ، ولا في حياة لم أعيشها ـ وليس في حياة سيئة عاشها الشاعر البائس . ولكن العمل في نفسه ومن أجل نفسه ، ألم يهيمن .  علي الحياة ، ألم يكن العمل مفخرة بالنسبة إلي ذلك الذي عاش حياة سيئة ؟ إن النقد الباشلاري يعيد إذن تشكيل اكتشاف العالم ، العالم الذي تريد روح الفنان أن تعيش فيه ، انطلاقاً من الصورة .


 ـــــــــــــــــــــــ

(المرجع) النقد الأدبي في القرن العشرين ، تأليف جان ايف تادييه ، ترجمة منذر عياشي ، منشورات مركز الأنماء الحضاري ، الطبعة الأولي 1994 ، ص 49 : 56 .


جان ايف تادييه (Jean-Yves Tadié) ، واحد من ألمع النقاد في فرنسا ، ولد عام 1936 ، درس في المدرسة العليا ، وهو حامل لدكتوراه الدولة في الأدب ، ويعمل حالياً في جامعة السوربون الجديدة ، ومن كتبه :  مدخل إلي الحياة الأدبية في القرن التاسع عشر (1970) ، بروست والرواية (1978) ، القصة الشعرية (1978) ، الرواية والمغامرات (1982) ، النقد الأدبي في القرن العشرين (1987) ، الرواية في القرن العشرين . 

الأحد، 12 أبريل، 2015

غاستون باشلار وفلسفة النار : سعيد بوخليط

I ـ النار : التقييم الموضوعي:
أكد "فرانسوا بيير" (François Pire)(1)، أن مشروع باشلار تبنى ثلاث منظورات للخيال :
* المنظورالرافض : موقف ينطلق من الموقف التقليدي داخل الميتافيزيقيا الغربية، كان ينظر إلى الخيال كعامل للخطأ والزّيف.
* المنظورالحتمي والجبري : ارتبط عند باشلار ، بالبحث في العناصر الأربعة : الماء/النار/ الهواء/ الأرض. وبالتالي، أصلها ومصدرها الخيالي.
* المنظورالانبهاري،الاندهاشي : سعي باشلار ، هنا إيجاد فلسفة بديلة للصورة الشعرية، تتجاوز الرؤى النفسية والتأويلية.
أنماط فكرية، تمرحلت مع باشلار وفق النماذج التأليفية التالية :
ـ التأويل النفسي للمعرفة الموضوعية : التحليل النفسي للنار (1938).
ـ تحديد خيالات العناصر الكونية الأربعة : الماء والأحلام (1942)، الهواء والأحلام (1944)، الأرض وأحلام يقظة الإرادة (1948)، الأرض وأحلام يقظة الراحة (1948).
ـ فينومينولوجيا الصورة : شاعرية حلم اليقظة (1960)، شاعرية المكان (1957)، شعلة قنديل (1961).
فما هي إذن أهم تجليات المرحلة الأولى في فكر باشلار ؟ لقد مثّل كتابه "تشكل الفكر العلمي" "la formation de l'esprit scientifique" : ))"مفترق طرق سبق كتاب التحليل النفسي، للنار بعشرة أشهر فقط. وهو يندرج بالتأكيد في إطار السلسلة الكبيرة للدراسات الإبستمولوجية الممتدة من عمله "دراسة في المعرفة التقريبية"   (1928) إلى "المادية العقلانية" (1953)، لكنه، سيفتح خاصة سبيلا مهيأ، قاده يوما ما إلى شاعرية حلم اليقظة مرورا بدراساته حول العناصر(( (2).
جاء عمله حول "النار"، كحلقه أساسية في هذا المسار، الذي انتهى أخيرا بالفكر الباشلاري إلى أن يجعل من الشعلة "مصيرا" لأحلام الإنسانية. لقد تواصل نفس البرنامج الذي وضعه باشلار لنفسه بعد قراءته لتاريخ العلم، أي القيام بتحليل نفسي للمعرفة وإظهار بعض العوائق الإبستمولوجية التي تعرقل الإدراك السليم والموضوعي للأشياء ومن بين ذلك ظاهرة النار.
يكشف باشلار ، عن طبيعة تصوره لحدود التقاطع المعرفي والمفهومي بين الكتابين : ((حينما نلتفت إلى أنفسنا، ننحرف عن الحقيقة. ثم حينما نقوم بتجارب باطنية، نتعارض حتما مع التجربة الموضوعية. مرة أخرى، بين طيات هذا العمل نصنع أسرارا ونحصي أخطاء. يقدم نفسه إذن، باعتباره نموذج تحليل نفسي خاص، نعتقد أنه صالح كقاعدة لكل الدراسات الموضوعية. وتوضيح أيضا لأطروحات عامة، دافعنا عنها في كتاب حديث حول : "تشكل الفكر العلمي"  ))(3). فهو، يحاول اختبار وتجريب، بل إعطاء الدليل عن قضايا وتصورات تأريخه للعلم. ولعل قضية النار، تمثل أهم موضوعة أثارت انتباه العلماء ولاسيما في القرن الثامن عشر. لكن، تداعي المفاهيم المغلوطة، عرقل مدة قرن تطور علم الكيمياء، حتى مجيء "لافوازير" (la voisier) محطما هذا العائق، جاعلا من النار ظاهرة لاحقة، في حين يعتبر "الأوكسجين" عاملا أساسيا للاحتراق.
شغلت النار مجال اهتمام الكيميائيين مدة طويلة، وهم يطمحون للإحاطة بكل أسرار العالم إذا استطاعوا قبل ذلك الوقوف على ألغاز النار. إلا، أن معرفتهم ظلت مصحوبة ببعض الأخطاء و الأحكام الماقبلية، نظرا لعجزهم عن تبني البعد الموضوعي حيال النار. بالتالي، بقيت كامنة تلك العوائق الإبستمولوجية المعرقلة لتبلور دراسة عملية حقيقية حول النار.
دعا باشلار ، إلى موضوعية علمية، بعد أن عرقلت دائما "الإشارة الأولى" سبيل العقل الإنساني إلى هذه المعرفة. حل حلم اليقظة La rêverie محل الرؤية العقلانية، فاختلطت المعرفة السليمة اليقينية والمضبوطة بالإحالات الشاعرية. افتقدت النار لوضعها العلمي المناسب، وبقيت : ((موضوعا مباشرا بارزا يفتح نفسه على اختيار أولي مع إزاحة قبلية لظواهر أخرى. بالتالي،  لا يفتح أي منظور للدراسة العلمية. ثم، تظهر لنا من وجهة نظر  نفسية فائدة تتبع تضخيم هذه القيمة الظاهراتية. ونفهم، كيف أن مسألة طغت على البحث العلمي مدة قرون، توجد فجأة مشتتة أو مبعدة دون حسمها أبدا))(5).
بحث باشلار ، في العائقين "الجوهري" و"الإحيائي " ، كما وقف على حدوس النار التي تشكل عوائق إبستمولوجية من خلال القيام بتحليل نفسي للفكر العلمي، وجعله فكرا استدلاليا يقطع مع حلم اليقظة، الذي ((يستعيد باستمرار الموضوعات البدائية، ويشتغل كروح بدائية، رغما عن نجاحات الفكر البرهاني وضدا على استنتاجات التجارب العلمية نفسها))(6).
للبث في مسألة النار من الوجهة السليمة، يستلزم الأمر الاشتغال على التفاعل الكيميائي المؤسس لماهية الاحتراق. لقد، أخفق أغلب الباحثين بهذا الخصوص نظرا لاستنادهم على أحكام قبلية.
نمذج باشلار مقارباته للنار، بوضعه لمجموعة من العقد النفسية :
ـ عقدة بروميثوس : تفسر تلك الرغبة النفسية في معرفة النار والحصول عليها ضد رغبة الأب.
ـ عقدة أومبيدوقل : حيث اختلاط غريزة الحياة بدافع الموت.
ـ عقدة نوفاليس : تلتصق باحتياج أزلي إلى اقتحام النار  والتوحد بدفء الكائن المحبوب.
فما هي أهم الملامح المعرفية لكل عقدة ؟ وكيف صاغ باشلار بواسطة هذه العقدة تصوراته للنار ؟ وهل تمكن فعلا من إدخال النار إلى المرحلة العلمية، وإخراجها بالتالي من بنية أحلام اليقظة، بواسطة التفسير العقدوي ؟ فإضافة إلى الخلاصات النظرية التي لامسها الدرس الباشلاري. وحاورها انطلاقا من تصوره للنار، طرح خاصة تصورا تأويليا جديدا وتأسيسه لأدوات نقد أدبي موضوعي بالمعنى الدقيق للكلمة، موظفا العقدة النفسية قصد مقاربة وحدة عمل أدبي ما.

* النار / الاحترام : (7)
تقدم لنا النار وسائل وأدوات لتحديد ميادين متنوعة. ظاهرة،  تميزها إمكانية تفسير كل شيء. إذا كان ما يتغير ببطء تؤوله الحياة، فالأشياء المتحولة بسرعة تحال على النار. إنها ذاتية وكونية في نفس الآن. قد تحصل على القيمتين المتصارعتين : الخير والشر.
وظف باشلار أسطورة بروميثوس الإغريقيةـ سرقة النار من الآلهة وحملها إلى الإنسان ـ حيث نفهم هذا الانجذاب الغريب نحو النار، والتي تجعل فيلسوفا من حجم باشلار ، يفكر في "ترك حصته الفلسفية على أن تفوته نار الصباح".
تضم هذه الأسطورة بين ثناياها، كل مظاهر التمرد والرغبة في الاكتشاف. يقول : ((نقترح، بتصنيف تحت اسم عقدة بروميثوس ، كل الميول التي تدفعنا إلى المعرفة مثل آبائنا وأكثر منهم. بقدر أساتذتنا، بل وأفضل منهم))(8). إن أسباب الخوف من النار، تنهض على عوامل اجتماعية أكثر منها طبيعية، تؤكد على خطورة النار : ((احترام النار، تجربة مكتسبة، وليس احتراما طبيعيا... . في الواقع، تحتل الموانع الاجتماعية المرتبة الأولى، بينما تأتي التجربة الطبيعية ثانية كي تحمل دليلا ماديا مباغتا))(9).
ينطلق تصورنا للنار، من هذا المنع الاجتماعي : ((إذا اقترب الطفل بيده من النار، سيضربه أبوه بمسطرة على أصابعه. فالنار ترهب دون حاجتها لكي تحرقك. أن تكون هذه النار شعلة أو حرارة، قنديلا أو موقدا، فحرس الوالدين هو نفسه))(10). النار، موضوع منع اجتماعي، أقصى ما نعرفه عنها عدم لمسها لأنها تحرق . وبينما الطفل يكبر، تنتقل هذه الموانع من مستواها البسيط لترسم دلالات أكبر : ((ضربة المسطرة، يعوضها الصوت الغضب، ثم تحل محله حكاية أخطار الطريق وكذا أساطير نار السماء))(11).
تبنى باشلار رؤية موضوعية، من أجل تحليل هذا الأفق الذي تموضعنا خلاله ضمن فكر الآباء والبحث في "الإضاءة المتبادلة" التي تذهب من المعارف الموضوعية إلى الذاتية والعكس صحيح، كاشفا عن "لا وعي الفكر العلمي". وذلك : ((لإظهار آثار التجربة الطفولية داخل التجربة العلمية))(12).، ومن تمة فضح الأسس اللاشعورية والقيم اللاواعية التي تحكم الخبرة العلمية.
يكمن أساس عقدة بروميثوس عند باشلار ، في متابعة هذا الموقف النفسي اللاشعوري المحكوم بخلفية اجتماعية ملقنة ومكتسبة، يتحدد من خلاله سلوكنا اليومي اتجاه النار : ((إذن بما أن الموانع، هي اجتماعية للوهلة الأولى، فإن المعرفة الذاتية بالنار تعتبر تمردا حاذقا. يتوخى الطفل، أن يفعل مثل أبيه، وبعيدا عن أبيه، بل ومثل بروميثي صغير يختلس أعواد الثقاب))(13).
لقد ارتبط ضمنيا. التاريخ الأسطوري للنار، عبر حكايات أصل النار ونشأتها وكذا اكتشاف الإنسان لها، بموقف نظري وحمولة أخلاقية، صاغهما باشلار بأسلوبه الهزلي تحت اسم عقدة بروميثوس. أخذت النار، دائما عند الشعوب البدائية صفات الكائن السري،  المرعب والمثير لكل أنواع الفضول والدهشة. فتحولت عندهم إلى عنصر ثمين. وقد اختزلت الصورة بشكل من الأشكال، مع إحدى الحكايات التي جاءت في كتاب : "أساطير في أصل النار". لصاحبه "جيمس فريزر، الذي  شكل إحدى مرجعيات باشلار في حديثه عن النار : ((لا تقولي شيئا، لا تذيعي هذا السر، ولا ينبغي أن يسمع أحد عنه، ذلك لأنه إذا ما وصل إلى آذان الناس، فإنهم لن يدفعوا شيئا في مقابل النار. فلا تفشي أمرها، ولنستفد من كنزنا الثمين فنأكل طعامنا مطهوا))(14).

* النار/ وحلم اليقظة :
ينزاح باشلار ، عن مسار علم النفس الكلاسيكي الذي  درس أحلام النار ، ذات التأويل الجنسي خاصة. وذلك، ليهتم بمسألة حلم اليقظة أمام النار. يتحدد الفرق بين المفهومين في : ((يسير الحلم خطيا، ناسيا طريقه وهو ينساب.  بينما يشتغل حلم اليقظة كنجم، يعود إلى مركزه ليطلق أشعة جديدة. وبشكل أدق، فإن حلم اليقظة أمام النار، العذب والشاعر بسعادته، هو طبيعيا الأكثر تمركزا))(15).
تمثل نار الموقد عند الإنسان الموضوع الأول لأحلام اليقظة ورمزا للاستراحة ودعوة لها. فالجلوس بمحاذاة النار يعطي للفرد إمكانية خلق تأملات لا تنتهي، وتتحول من صورتها المرعبة أصلا إلى عنصر تظهر فيه قيم الحب والاحترام. تخلق، نار الموقد نوعا من المتعة النفسية، يقول باشلار : ((حلم اليقظة خاص جدا وعام كذلك، يحدد عقدة حقيقية تنطوي على عشق واحترام النار وغريزة الحياة والموت. باختصار، يمكن تسميتها عقدة أو مبيدوقل))(16). مستوحيا، معطيات هذه العقدة من إحدى أعمال جورج ساند George Sand. وهي، تقوم على ثلاث عناصر أساسية : الحب، الموت والنار. تتوحد كلها، وتجتمع في نفس اللحظة.
اللحظة، إحدى مثيرات الحلم وعنصر للفكر. يمكن، أن تنقلنا إلى مصادر الفكر الفلسفي : ((حلم اليقظة ، بجانب النار له محاور فلسفية أكثر. النار عند الإنسان الذي يتأملها، نموذج للصيرورة السريعة وكذا التغير الظرفي. توحى النار، بالرغبة في التغير واقتحام الزمان))(17).
اهتم التحليل النفسي بدراسة الأحلام والأساطير المحيطة بالنار، إلا أنه لم يمنهج بعد حسب باشلار ، باستثناء أعمال "يونغ" : ((دراسة التفسيرات العلمية الموضوعية التي تتوخى تأسيس اكتشافات إنسان ما قبل التاريخ))(18). يجب، أولا انتقاد الشروح العلمية المعاصرة والتي يظهر بأنها لا تلائم اكتشافات الإنسان البدائي، فهي تنطلق من "عقلانية صارمة وسريعة"، دون أن تدرك الشروط النفسية للاكتشافات البدائية. لذا، يعتقد باشلار بوجود : ((تحليل نفسي غير مباشر، يتموقع ثانية، يبحث دائما، عن اللاشعور خلف الشعور والقيمة الذاتية تحت البداهة الموضوعية، وحلم اليقظة بين ثنايا التجربة. فلا يمكن، أن ندرس إلا ما حلمنا به أولا. ينبني، العلم بالأحرى على حلم اليقظة أكثر من التجربة))(19).
من ثوابت هذا التفسير، أن الإنسان البدائي ينتج النار، بعملية حك قطعتين من الخشب. لكن، الدوافع والدواعي الموضوعية المفسرة لسبب التجاء هذا الإنسان  إلى تصور وإدراك، ذلك تبقى غير كافية. فالتأويل العقلاني، يبقى عاجزا عن إيجاد أسباب اكتشاف الإنسان البدائي للعبة الاحتكاك ، باعتبارها تجربة  تأخذ بعدا جنسيا في الدرجة الأولى.
الوسيلة التي يحتفظ بها باشلار ، من أجل إيضاح وتبيان نفسية الإنسان البدائي، تتجه نحو دراسة الشعوب البدائية التي لازالت تعيش بيننا : ((بالنسبة لتحليل نفسي للمعرفة الموضوعية، تتجلى فرص أخرى للبدائية، تبدو لنا في النهاية ملائمة أكثر. يكفي، في الواقع تأمل ظاهرة جديدة، كي ندرك صعوبة الموقف الموضوعي المناسب حقا))(20).
لقد سعى، إلى اتباع نفس مسار "يونغ"، أي دراسة وبحث مكونات الليبيدو عبر تمظهرات كل الأنشطة البدائية، فهو يعتقد أنه لا يتسامى فقط الليبيدو في الفن، ولكنه أصل، ومنبع كل أعمال الإنسان الصانع. الاحتكاك، باعتباره حقيقة موضوعية لنشأة النار، يأخذ في الواقع مع تمثلات التحليل النفسي بعدا جنسيا. تشتعل النار، بالحب والتجنسن.
لتأكيد، أطروحة البعد الجنسي للاحتكاك وكذا النار البدائية. استثمر باشلار حالة الشاعر نوفاليس ، باستلهامه عقدة تحمل اسم الشاعر نفسه. عقدة، تعمل على التركيب بين الدافع اتجاه النار كما يحدثه الاحتكاك ثم الرغبة في الدفء : ((تؤلف عقدة نوفاليس بين الاندفاع نحو النار التي تنتج عن الاحتكاك، وكذا الرغبة في دفء متبادل. سيشكل ثانية، هذا الاندفاع في بدائيته الأصلية غزوا للنار قبل - تاريخي. تتميز، عقدة نوفاليس بالوعي بدفء حميمي يتصدر دائما علما بصريا كليا بالضوء))(21).
 يوحي، هذا الدفء برغبة في اختراق عمق الأشياء والموجودات، مختلفا في ذلك عن النور الذي يبقى عند سطح الأشياء. يقول باشلار : ((حيث العين لا تصل أبدا، وتعجز اليد عن الولوج، يتسلل الدفء. وقد عثر نوفاليس على رمز هذا التوحد بالداخل وكذا الحميمية الحرارية))(22). يعطي، الدفء الناعم شعورا بالسعادة.

* عقدة هوفمان :
تتجلى أهم الملامح المميزة لعمل هوفمان حسب باشلار ، في الدور الكبير الذي تلعبه ظواهر النار، فقصيدة الشعلة تخترق  العمل بأكمله، حيث يتمظهر ما سماه ب "عقدة بنش" وسيدعوها أيضا عقدة "هوفمان". تمثل مثيرات النار، دورا أساسيا في رسم أحلام "هوفمان". كما شكلت، شعلة الكحول أو اللاوعي الكحولي حسب باشلار الإلهام الأول له، مقارنا في إشارة سريعة بين النزعة الكحولية  عند هوفمان ثم تلك التي تضمنتها نصوص إدغاربو Edgar Poe : ((الكحول عند هوفمان يلتهب، يتسم بعلامة للنار كليا نوعية وذكورية، في حين أن كحول بو Poe تغمر وتقود إلى النسيان والموت، فهي تتسم بخاصية مائية، مطلقا كمية وأنثوية))(23).
تتبلور، عقدة هوفمان في حلم اليقظة أمام قدح شراب بنش Punch. إن مسألة اعتماد باشلار على التحليل النفسي، لا تتجلى فقد في توظيفه لمعطى العقدة النفسية، باعتباره تصورا جاء به الدرس الفرويدي. لكن، أيضا تبنيه لمفهوم "الجنسية" كأطروحة أساسية جاء بها باشلار مستلهما أبحاث "يونغ" ، بالدرجة الأولى وقبله فرويد الذي تحدث عن البعد الجنسي للنار. قارب باشلار هذا التصور في فصل عنونه ب "النار المجنسنة"، ملامسا المفهوم وخلفياته النفسية منطلقا من قناعة فكرية جديدة، مفادها أن الدرس الخيميائي تأسس معرفيا في تاريخيته على حلم جنسي واسع، سيطر على كل مناحيه.
تحدثت كتب الخيمياء، عن زواج النار والأرض. ويمكن، تفسير هذا  الزواج حسب باشلار من وجهات ثلاث :
1 ـ في دلالته المادية، كما تفعل الكتابات التي تستحضر تاريخ الكيمياء.
2 ـ من وجهة نظر شاعرية، وهي الرؤية التي تؤسسها النقدات الأدبية.
3 ـ وأخيرا، يقترح باشلار وجهة نظر خاصة، تنظر إلى هذا الزواج في دلالته الأصلية والنوعية.
إذن، كي نتمثل البعد الجنسي لصور النار، يتحتم تتبع مسيرة هذا الزواج على امتداد الخيمياء. تاريخ، اخترقه تأمل جنسي، ظلت معه هواجس وتأملات الموقد، محددات معرفية للخيمياء. يقول باشلار : ((القول ثانية بأن النار عنصر، يثير لدينا أصداء جنسية))(24). النار، المُجنسنة هي : ((بامتياز صلة وصل لكل الرموز. تجمع المادة بالفكر، والخطيئة بالفضيلة. تجرد، المعارف المادية وتجسد المعارف المثالية))(25). النار، هي الظاهرة الأولى التي فكر فيها الإنسان من بين كل الظواهر الأخرى، فميزته عن الحيوان وأعطت الإنسان البدائي إمكانية الرغبة في العشق والحلم. مادام، الإنسان الذي يجلس قرب موقد النار، يتحول إلى كائن حالم يتميز بهذه القدرة على النفاذ والاختراق والإيمان بالصيرورة. لقد، حولت النار الإنسان من كائن عامل يقف عند حدود الأشياء ويتعامل معها في حسيتها ومباشريتها، إلى آخر يتجاوز سطح الأشياء معانقا كل الممكنات الباطنية. سيدخل، الإنسان التاريخ لأنه بدأ يحلم. توحي النار بإحالات أخرى غير العلاقة اليومية المألوفة مع مكونات العالم : ((إن الإنسان الذي يحلم أمام الموقد، هو إنسان الأعماق والصيرورة. أولنعبر، عن ذلك بصيغة أفضل، النار تعطي للإنسان الحالم درسا في العمق، يتميز بصيرورته))(26).
دعوة باشلار للقيام بتحليل نفسي للمعرفة الموضوعية، لا يجب أن يغفل البعد الجنسي للنار، قيمة قد تكون مضمرة وخفية. سواء، إذن استلهم هذا التصور من التحليل النفسي ـ يونغ Jung خاصة ـ أو ارتبط بالسياق المعرفي الذي تموضع فيه، ألا وهو ملاحقته كل المسوغات النظرية التي تقود إليها أحلام اليقظة. قلت، كيفما كان مصدر ذلك، تظل مسألة البحث في جنسية النار، منطلقا نظريا لكل اشتغال حول مجموع الأحلام التي يوحي بها الجلوس قرب الموقد : ((النار، بحقائقها المميزة والمشحونة أكثرـ لا تزال كذلك ـ أحلاما وإنسانية تسكن منذ آلاف  السنين قلب حياتنا وموقدنا))(27).
إجمالا، دراسة النار، امتداد للعمل السابق عنها "تشكل الفكر العلمي"،  ((إنه يحلل نفسيا المعرفة ويعري بعض العقد الإبستمولوجية، اعتمادا على الوثائق الأدبية وبالضبط التي جعلها باشلار تساهم بوفرة في ذلك. فتحت، دراسة النار لصاحبها منظورات جديدة ووجهته نهائيا صوب دراسة الخيال))(28). مؤسسا، بذلك نموذجا نظريا جديدا للأبحاث النقدية، نستخلص خطوطها العريضة فيما يلي:
ـ طرح مسألة علاقة العناصر الأربعة : الماء/ الأرض/ الهواء/ النار. بقضية الأمزجة والطبائع الفردية، ثم تلونها بين عنصر وآخر. وضع نظرية للأمزجة الشعرية، يتأتى حسب باشلارمن خلال المتخيل كعلم. يقول في هذا الإطار : ((إذا أمكن للعمل الحالي، أن يؤخذ باعتباره قاعدة فيزيائية أو كيميائية لحلم اليقظة وكمخطط إجمالي يعمل على تحديد الشروط الموضوعية لذلك، فعليه تهيء الوسائل من أجل نقد أدبي موضوعي، بالمعنى الأكثر دقة للكلمة))(29). أي التحليل الموضوعي للأساطير والأحلام والرموز وكذا التخيلات الأدبية.
إن تأسيس علم للمتخيل، يفترض طريقة جديدة في تفسير المؤلف بالعمل والعمل بصاحبه. بالتالي، تحديد الأحلام المكتوبة، الرموز ثم الصور ببنية الخيال الذي ينتجها. لقد :
1 ـ وضع كتاب النار، الإستراتيجية العامة لهذه العلاقة بين الأمزجة والخيال ثم العناصر.
2 ـ الدعوة إلى بناء علم للخيال، يشكل إحدى مستجدات التحليل النفسي وبدأت الخطوط الأولية لدراسات تهم خيال النار، تسعى إلى وضع قواعد نظرية جديدة لنقد أدبي، صاغ لحظة كتاب النار، نموذج مفهوم علمي للموضوعية. وقد قدم، نظرية في تصنيف الشعراء. صنفت، بعض المبدعين تحت منظومة خيال النار، مثل : نوفاليس ، هوفمان  و دانونزيو. لكن، على الرغم من ذلك، فإن مسألة تصنيف المبدعين، تبقى أيضا واهية أمام الاحتمالات المرجعية المؤسسة للمسار الفكري لمبدع ما. فهوفمان مثلا، يندرج ضمن شعراء الأرض ونوفاليس مع شعراء الماء.
3 ـ طرح كتاب النار، قضية تفسير النص الأدبي بالعقدة النفسية، لشرح الإثارة التي يخلقها لدى المتلقي. بالعقدة النفسية، نفهم جيدا الأعمال الأدبية، بحيث لا تستمد وحدتها إلا بها. على العكس، من ذلك إذا انتهت هذه العقدة وغابت يتفكك.
تأمل باشلار "النار"، مستندا على فلسفة وروح العلم، موظفا التحليل النفسي كوسيلة ضرورية لتشييد معرفة موضوعية. مصنفا أحلام اليقظة، باعتبارها عوائق إبستمولوجية ،أمام كل معرفة تتوخى العلمية، وإن تصورها أيضا مصدرا أساسيا لكل حداثة نفسية.
التحليل النفسي ضروري، يعمل على موضعة الصور، ثم يعين ويفصل في العقد التي تربط الأحلام بالرغبات. لكن باشلار ، سيصطدم بالبعد الحتمي للتحليل النفسي، مسألة تعمل على تقزيم المنحى الإبداعي للعقل الإنساني، مؤكدا في مطلع كتابه "شاعرية المكان" (la poétique de l'espace) (1957)، أن الفلسفة التي تسعى إلى دراسة قضية الخيال الشعري، عليها القطع مع كل المحاور الأساسية لفلسفة العلوم، وكذا عادات وتقاليد البحث الفلسفي. بمعنى آخر، إذا أردنا دراسة قضية الخيال يتحتم تبني منهجية أخرى، تتجاوز الإطار النظري الصارم الذي تدعو له كل نزعة علمية،بحيث أعطى باشلار ، تعريفا جديدا للخيال وتحديدا مختلفا، لعلاقته بالإدراك. حينما، تحول إلى قدرة على إعادة تشكيل للصور التي يقدمها هذا الإدراك.
إن فهم النار بشكل سليم، وتجاوز عائق الحدوس النارية، يتحدد في التموقع موضوعيا قدر الممكن : ((إذا كنا قد ارتكبنا أخطاء حول طبيعة النار، وتوفرت لكثير من العقول المتميزة مفاهيم ساذجة بهذا الخصوص، فذلك لأننا لم نقف حيالها الموقف الموضوعي، باعتباره ضروري للمعرفة العلمية))(30).
تغرينا النار وتتملكنا، بالتالي استعصى التخلص من الذاتية لتفحصها. في سبيل ذلك، سيعود باشلار إلى إحالات الروائيين والشعراء  ثم علماء الميثولوجيا، لأنها تقدم له عناصر المقارنة. وقد كانت مهمته : ((نسبيا سهلة، ما دام قد توفر على توثيق مهم حول القرن 18، لقد أعاد استخدام الأبحاث القديمة للفيزياء والطب التي تصف الظواهر القريبة من النار، أو بالأحرى تلك التي كنا نعتبرها في القديم  تمظهرات لها : الحرارة، الكهرباء، النار، أو نتائج مباشرة لهذا الاحتراق، التفجير، الحمى، الهضم))(31).
أطروحات باشلار القائمة على اجتهادات التحليل النفسي، لن تستمر طويلا أمام الرغبة الجامحة في الدفع بالقصيدة الشعرية إلى حدودها القصوى. فالبعد المفهومي للدرس النفسي، يكبح هذه الخصوبة الدلالية التي تخلفها الصورة الشعرية في علاقتها بالقارئ.
أهم ملاحظة يمكن إسقاطها على طبيعة العلاقة بين باشلار والتحليل النفسي، هو أن عناوين كتبه شكلت مبكرا قطيعة مع الإطار النظري، الذي سطره كتاب "النار" لنفسه. حيث، انتفى منها مصطلح التحليل النفسي، معلنا عن رغبته في تبني استراتيجية مغايرة :
أ ـ سعى باشلار في كتابه "الماء والأحلام" (1942)، إلى تنمية وتطوير تحليل نفسي للعناصر، لكن في اتجاه مختلف عن التأويل الفرويدي ل ماري بونابارت Marie Bonaparte.
ب ـ عمله عن "الهواء والأحلام" (1944)، أسس نظرية للخيال الدينامي، تتمم نظرية باشلار عن الخيال المادي، قادته إلى الظاهراتية وتجاوز مبادئ التحليل النفسي، حيث تبلورت مرحلة جديدة من اشتغالاته، قامت على دعوة للوقوف أمام صورة أضحت عامل خصوبة أو هرمون نفسي لا ينفصل عن الوعي الذي يتلقاها. إنها، عين جدّتها ورنينها.
ما يهم باشلار الآن، الإنتاج الخيالي وتمثل الصورة كبدء مطلق منتقدا الحتمية التي ميزت التحليل النفسي، وهو يختزل الصورة إلى بقايا إدراكات قديمة، لذلك سيرفض نظريته في الخيال ومبدأ السببية.
كيف استثمر باشلار ، كل تلك القطائع في أفق خلق فكر إنساني حالم ؟ وتقديم، اجتهاد نظري ينسجم في روحه العامة مع طبيعة المادة الأدبية، ثم صياغة نظرية تصب نحو فينومينولوجيا المعرفة الذاتية. يقول، فرانسوا بيير François Pire  : ((لقد اعتقد طوال حياته، بضرورة قيام العقلانية ضد التماثلات السطحية واليقينات العاطفية للحس المشترك وحلم اليقظة. هكذا، بدت له مثلا أحلام اليقظة الأسطورية أو الخيميائية مثيرة للسخرية. لكن، التغيير سيبدأ مع العملين اللاحقين مباشرة. من الآن، فصاعدا سيعطي كل اهتمامه إلى حداثة الصور وذاتيتها ثم  خصوبتها النفسية))(32).

II ـ النار : المنحى الفينومينولوجي :

سنقطع حاليا مع الإطار الإبستمولوجي لكتاب النار، كي نستوعب مع باشلار، من زاوية أخرى الاهتزازات الحالمة المؤسسة لعلاقة الإنسان بالشعلة. أهم ما يقدم ذلك، ظاهرة الاحتكاك باعتبارها  آلية فيزيائية، اهتدت بالإنسان إلى اكتشاف النار : ((طريقة حك الخشب هي الأكثر استعمالا وشيوعا إلى حد كبير وهي التي أشارت إليها الأساطير في الأغلب الأعم من الأحيان... تطبق  طريقة حك الخشب في إيقاد النار على أوجه كثيرة نستطيع أن نميز من بينها في العادة ثلاثة أوجه نطلق عليها أسماء : غابة النار، ومحراث النار (أو العصا والفرضة). وغابة النار هي الأكثر انتشارا بين الأجناس البشرية المتخلفة، ولذلك  لا ندهش إذا كانت قد ذكرت في الأساطير في أغلب الأحيان... ويؤدي الحك المتواصل في البداية إلى ارتفاع الحرارة ثم إلى ظهور الشرارة التي تنقلب لهبا في النهاية))(33).
بحث باشلار ، عن تفسير آخر يتجاوز هذا المستوى الطبيعي المباشر، للوقوف عند الخلفيات النفسية والجنسية، التي تفرز نارا مُجنسنة . صحيح أنه وقف عند هذا التصور بشكل مختلف، إلا أنه التقى بشكل مباشر أو غير ذلك مع الأسطورة التي تؤكد أن : ((النار إنما تنبثق من امرأة، وبوجه خاص من عضوها التناسلي، هذه الفكرة تجد تفسيرا مؤكدا لها في التشابه الذي رأيناه، فالكثيرون من البدائيين يرون في عمل غابة النار من جهة وفي العلاقات الجنسية من جهة أخرى شبها واضحا. إذ أن العصا الأفقية التي تثقبها غابة  النار العمودية يمكن اعتبارها أنثى، بينما العصا العمودية أي غابة النار نفسها، يمكن أن تعتبر هي الذكر. وإذا قدمنا هذا التشابه، فإنه بإمكاننا القول إن النار المنبثقة من غابة النار، إنما تنبثق من جسد أنثى، وبخاصة من عضوها التناسلي الذي يمثل هنا بالثقب الذي تدور فيه غابة النار))(34).
النساء يمتلكن النار في الفكر الأسطوري، قبل الرجل. وللوقوف إذن عند الإغراءات الجنسية للنار، يتحتم على الباحث حسب باشلار ، الرجوع إلى الإضاءة النفسية لإنسان ما قبل-التاريخ. وقد انتقد في هذا السياق التفسيرات العلمية المعاصرة، التي لا تستجيب موضوعيا إلى الروح التي حكمت هذا الإنسان في مغامراته اليومية. من هنا فظاهرة الاحتكاك، قد لا تتحمل التفسير الموضوعي المرتبط بقوانين فيزيائية ومادية. لذا، وضع باشلار التفسير النفساني مقابل التفسير العقلاني الموضوعي مقترحا السير على منوال "يونغ" قصد البحث نسقيا عن المكونات الليبيدية في كل تجليات أنشطة الإنسان البدائي. بل، الكهرباء نفسه لا يخرج عن فكرة الاحتكاك في بداهتها الجنسية الأولى. بالتالي، ينطبق عليه ما يقال عن النار. بهذا، الصدد : ((سيطور "رابيكو" Rabiqueau حول مفهوم الاحتكاك، نظرية كهربائية للأجناس))(35). بممارساتنا لعملية الاحتكاك : ((نختبر نعومة دفء موضوعي، ويحدث لدينا الانطباع الساخن عن تمرين جميل. تتماسك الإيقاعات فيما بينها وتستنتج بالتبادل، كما تستمر بحث ـ ذاتي. إذا قبلنا أطروحات "بنهيرو دوس سانتوس" (Pinheiro dos Santos)، المتعلقة بالمبادئ النفسية للتحليل الإيقاعي ، والذي نصحنا، بأن لا نعطي الحقيقة الزمانية إلا للذي يتموج، سنفهم على الفور قيمة الديناميكية الحية))(36). وقد شكل، النموذج الإبداعي لنوفاليس ، هذا الإحساس الجميل بالدفء الناري الناعم، الذي يتأتى جراء الاحتكاك والرغبة في اختراق متبادل لهذا الدفء : ((إذا حذفنا من عمل نوفاليس حدوس النار البدائية، تنهار في الآن ذاته كل القصيدة ثم الأحلام جميعها))(37).
كان اكتشاف النار اجتياحا جنسيا، بكل ما في الكلمة من دلالة. بالتالي،  لا يمكننا أن نفاجأ بكون النار بقيت لمدة طويلة مجنسنة. يعطينا، تاريخها إحساسا لذيذا حينما نجلس قرب الموقد : ((فالحرارة فينا ونحن في الحرارة. حرارة، مساوية لذاتنا. تأتي الحرارة كي تمنح النار سند عذوبتها الأنثوية. ثم، تأتي ميتافيزيقا عنيفة تخبرنا بأننا نقيم داخل الحرارة وعالم النار. لا نستطيع، شيئا ضد بداهات حلم اليقظة))(38).
النار، أول الظواهر الكونية التي اكتشفها الإنسان. ودخلت به، إلى مجال حياتي آخر يختلف عن الأول. وشكلت، بذلك رغبة حقيقية في المعرفة أدخلته التاريخ، وفصلته عن الحيوان. فالجلوس، أمام الموقد، يعطي للإنسان الجالس قدرة ووازعا من أجل الحلم والتعمق وكذا التأمل : ((أمام هذه النار التي تعلم الحالم القديم واللا-زماني. لم تعد النفس منحصرة في زاوية من العالم، بل هي وسط العالم، إنه عالمها. فأبسط، موقد يؤطر عالما بأكمله))(39).

لا يمكن التفسير العقلاني، المؤرخ أو الباحث من إدراك القنوات الجنسية التي أدت إلى اكتشاف الاحتكاك، كعملية تؤدي إلى شرارة النار. في نفس السياق، يبقى المحلل النفسي قاصرا ربما عن استحضار كل كثافة المناخ الحُلمي، الذي يصاحب الجالس أمام الموقد الناري، ويشكل أساسا لأحلام وتأملات تعطي النار بعدا شاعريا : ((فأن يشعر الجسد بدفء كبير، معناه طريقة في الحلم. هكذا مع حركتي حلم اليقظة أمام النار، الحركة التي تجعلنا ننساب في عالم سعيد، ثم الحركة التي تجعل من جسدنا دائرة للسعادة. لقد علمنا هنري بوسكو Henri Bosco كيف نتدفأ جسدا وروحا))(40).

جاءت الإشارات الأولى، للبعد الجنسي للنار عند فرويد في كتابه : "مدخل إلى التحليل النفسي"، حينما تطرق إلى بعض الرموز الجنسية، وكذا ارتباط النار بهذا الترميز : ((إعداد النار، وكل ما يرتبط به يتداخل بعمق مع الرمزية الجنسية. ترمز، الشعلة دائما للعضو التناسلي عند الرجل، بينما يمثل الموقد حجْر الأنثى))(41).
كما تحدث "يونغ" ، عن التأملات الجنسية التي حكمت اشتغالات الخيمياء، وهي مسألة طورها باشلار في كتابه عن النار يقول : ((نريد أن نظهر هنا، بأن الخيمياء يحقق بلا تحفظ الخاصيات الجنسية  لحلم اليقظة بجانب الموقد. وبعيدا، على أن يكون وصفا للظواهر الموضوعية، فهو محاولة للوقوف على الحب الإنساني في قلب الأشياء))(42).
حاولت الصياغة الباشلارية، البحث أكثر في أحلام اليقظة التي تحول المجرى الطبيعي المباشر للنار، إلى مستوى أنطولوجي يعمل أكثر على تخصيب دلالاتها المجازية والبلاغية، وتعطيها بعدا جماليا آخر. في هذا السياق، يجب التأكيد بأن آخر أعمال باشلار "شعلة قنديل"، يعبر أكثر عن ذلك من كتاب "النار". مسألة، ترتبط بالأفق الفكري والمعرفي المشكل لخلفية كل واحد منهما المعرفية والنظرية.

كتاب النار، دعوة بالأساس لتخليص المعرفة من كل الحدوس والتأملات اللاعقلانية، بالتالي لم يلتفت قط إلى حمولة النار الشاعرية، إلا، أن لعبة (الشعلة) أثارت عند باشلار ، رغبة كي يتأمل النار بأوجه مغايرة : ((يثبت تأمل الشعلة، حلم يقظة أولي. فهي، تفصلنا عن العالم وتتسامى بعالم الحالم. للشعلة وحدها حضور كبير، لكن بالقرب منها سنحلم بعيدا وبعيدا جدا))(43). ثم، يضيف باشلار : ((خارج الزمان والمكان وأمام النار، لم تعد كينونتنا مقيدة بكينونة الهنا être-la. ولكي تقتنع ذاتنا بوجودها، وجود يستمر، فليست مضطرة لإعطاء تأكيدات قوية وقرارات تخول لنا مستقبل مشاريع فعالة. إن، حلم اليقظة الموحّد، يعيدنا إلى وجود موحد))(44).

 وحده الجلوس أمام النار، يمكننا من هذا الأفق الذي يضفي على العنصر قيمة ترتقي به من الاستعمال المألوف في محدداته الآلياتية إلى لحظة شعرية جميلة تصيغ من جديد علاقة الذات بنفسها وكذا بمحيطها الكوني : ((جل أحلام اليقظة أمام النار، تميزها السمة الكبرى للبساطة. وحتى نعيشها في بساطتها، يجب أن نحب السكينة. إن طمأنينة الروح، أهم ما نكتسبه من مثل ذلك))(45).
كان اكتشاف النار، حبا وعشقا، ثم رغبة في اكتشاف هذا السر الكبير الملغز والغامض، الذي عرض صاحبه بروميثوس لعقاب إلهي، لأن النار غنيمة إلهية. إن، القارئ للأساطير التي تتحدث عن الدواعي والخلفيات التي كانت وراء الشرارة الأولى لشيء اسمه النار، يمكنه تمثل مجموعة سمات هي بمثابة صفات ألصقت بالنار، يشتغل في إطارها المجال الخيالي للحالم الناري : القداسة والسرية، الاحتفاظ بالنار كسر، الاستيلاء على النار بقوة لأنها ظلت دائما شيئا مختفيا، الخطف والسرقة، امتلاك النار باعتبارها سرا، ربط اكتشاف النار بالطيور أو الحيوانات : ((وإذا ما بحثنا عن السبب الذي من أجله نسبت حيازة النار الأولى في هذه الأساطير إلى الحيوانات في غالب الأحيان أو إلى الطيور التي هي محرومة منها اليوم، فإن الجواب الأكثر احتمالا  في ذلك، هو أن هذه الأساطير إنما وضعت على ما يبدو لتفسير بعض الألوان أو بعد المميزات التي نسبها الإنسان في هذه الحيوانات إلى تأثير النار، وهو لم يلجأ إلا بعد ذلك إلى تفسير أصل النار تبعا لما وضعه من هذه الأساطير))(46).. ثم، ربط النار بالمرأة وإعطائها بعدا جنسيا : ((ذلك لأن النار التي تخرج من الخشية عن طريق الدوران إنما يعتبرها البدائيون بطبيعة الحال موجودة في الخشبة مند الأصل وقبل أن تشتعل النار التي خرجت منها أو أنها في لغة الأسطورة ملازمة للمرأة قبل أن يخرجها الرجل منها. فالبدائي، يتصور أن النار مكرسة في داخل الأشجار قبل أن تخرج منها عن طريق الحك كما بذرة الإنجاب موجودة في المرأة قبل أن يقترب الرجل منها. من هنا يبدو طبيعيا في ذهن البدائي، أن تمتلك النساء النار قبل الرجال))(47).
إعطاء الأولوية إذن في دراسة النار، إلى الجانب الحميمي والإشراقي، حتى نقف حقا عند هذا الاقتحام والغزو الجنسيين للنار، صورة عبرت عنها بشكل كبير تأويلات الخيمياء التي اشتغلت على نار محكومة بخلفية جنسية. لقد، تميز الوقود وكذا الأفران والمقطرات بأشكالها الجنسية.
لا تؤسس النار المجنسنة فقط تأملات الموقد، أو تعمل على زواج العناصر فيما بينها. بل، تشير بالأخص إلى أن العنصر المادي تجب مقاربته بمنطق يتجاوز معطيات الحياة المباشرة. مما يفترض، العمل على إشباع الممكنات الفيزيائية بهذا الحس الشاعري وكذا "الأنطولوجيا الناعمة"، التي شددت عليها الجمالية الباشلارية.

الهوامـــش :

1) François Pire: De l'imagination poétique dans l'œuvre de Gaston Bachelard. José corti, 1967, page 7.
2) Michel Mansuy : Gaston Bachelard et les éléments, Josi corti 1967, page 14.
3) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, Gallimard 1938, nouvelle édition, 1949, page 17.

5) Ibid, page 13.
6) Ibid,  page 15/16.
7) أسطورة بروميثوس Prométhée التي هي منبع إلهام لكثير من الرسامين والمؤلفين الفنانين، توضح إحدى أقدم الأساطير. إنه، خطف النار من طرف إله أو بطل مشترك عند كل الميثولوجيات، فبروميثوس اليوناني يسرق النار من زيوس Zeus لكي يحملها إلى الأفراد، فتمكنوا من التمدن وتطوير الفنون. إنه يظهر كبطل ممدن حقيقي. النار، هي أصل التطور التعديني، وبالتالي  الحياة المتحضرة.
(Voir, Nadia Julien, le dictionnaire des mythes marabaut, 1992,  Page 505.
8) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 30.
9) Ibid, page 28.
10) Ibid,  page 29.
11) Ibidem.
12) Ibid,  page 27.
13) Ibid,  page 29.
14) جيمس فريزر : أساطير في أصل النار، ترجمة يوسف سلب الشام، دار الكندي للترجمة والنشر والتوزيع، ط1، 1988، ص 58.
15) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 36.
16) Ibid,  page 39.
17) Ibidem.
18) Ibid,  page 47.
19) Ibid,  page 48.
20) Ibid,  page 53.
21) Ibid,  page 75.
22) Ibidem.
23) Ibid,  page 156.
24) Ibid,  page 92.
25) Ibid,  page 99.
26) Ibid,  page 100.
27) Michel Mansuy, (1967), op. cit,  page 34.
28) Ibidem.
29) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 185.
30) Michel Mansuy, (1967), op. cit,  page 37.
31) Ibid,  page 34.
32) François Pire: (1967) op. cit, page 23.
33) جيمس فريزر : أساطير في أصل النار. ترجمة يوسف شلب والشام. دار الكندي للترجمة والنشر والتوزيع، ط1، 1988، ص 247.
34) نفسه، 249.
35) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 54.
36) Ibid,  page 58.
37) Ibid, PP 74/75.
38) Gaston Bachelard : La poétique de la rêverie, PUF, quadrige, paris 1960, 4ème édition 1993, page 166.
39) Ibidem.
40) Ibid,  page 167.
41) Sigmund Freud : introduction à la  psychanalyse. petite bibliothèque Payot, 1978,  page 147.
42): Gaston Bachelard La psychanalyse du feu, op.cit, page 93.
43) Gaston Bachelard : la flamme d'une chandelle. PUF, Quadrige, paris, 1961, 8ème édition 1986, PP : 3/4.
44) Gaston Bachelard : La poétique de la rêverie, op.cit, Page 166.
45) Ibid, page 168.
46) جيمس فريزر، نفس المرجع السابق، ص 245.
47) نفسه، ص 250.