‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصوفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصوفية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 19 يونيو 2016

التصوف والفن من منظور فلسفة الدين

دراسة بقلم  ممدوح الشيخ(*)

تمهيد :

"التصوف" و"الفن" كلاهما من مفردات عالم الوجدان بشكل أساسي، والبحث في العلاقة بينهما من المباحث التي تخوم العلم، ولما كان "الحكم على شيء فرعا عن تصوره" كما تعلمنا القاعدة الذهبية في علم أصول الفقه فإننا قد لا نبدو قادرين على إصدار "حكم"، إذ نحن بإزاء ما قد يستحيل "تصوره" ومن ثم تعريفه تعريفا جامعا مانعا, يعرف ذلك كل من خاض تجربة دراسة أي من الظاهرتين: "التصوف" و"الفن" طامحا إلى ضبط أي منهما بضوابط المنهج العلمي فكلاهما تجربة شخصية فردانية تقوم في المقام الأول على الذوق. غير أن استحالة "الحكم" لا تعني الإحجام عن السعي للاستكشاف والاقتراب أملا في أن تسفر المحاولة عن الاقتراب من الدور الذي يقوم به الفن في "النسق الصوفي" بالنظر إليه من منظور "فلسفة الدين" الذي يعد هو الآخر فرعا حديث الميلاد من فروع البحث الفلسفي. ويقدر ما تشكل الاعتبارات السالفة قيودا على حركة الباحث بقدر ما تفتح له آفاقا واسعة لارتياد أرض بكر وهو العلاقة بين ظاهرتين مركبتين أشد التركيب كلاهما له جذور راسخة في عالم الوجدان.

حول مفهوم التصوف :

أول مشكلة تثار بالنسبة للتصوف مشكلة "الاسم" ومن أين يشتق وهي مشكلة قديمة قدم الظاهرة نفسها(1)، ومشكلة تعريف التصوف التي لا يكاد يخلو مرجع متخصص من آثارها انعكاس لمشكلة "المسمى"، وفي "المعجم الوسيط": "الصوفي: العارف بالتصوف، وأشهر الآراء في تسميته أنه سمي بذلك لأنه يفضل لبس الصوف تقشفا"، وإذا تجاوزنا المعني اللغوي إلى إشكالية التعريف وجدنا على سبيل المثال مؤرخ الفلسفة المعروف الدكتور عبد الرحمن بدوي يورد في كتابه: "تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني" خمسة وعشرين تعريفا للتصوف من أقوال الصوفية أنفسهم تحت عنوان "حد التصوف" ونكتفي هنا بإيراد ما يتصل بالتصوف كتجربة دينية كقول الجنيد: "أن تكون مع الله بلا علاقة"(2). وإثبات المعية مع نفي العلاقة تعبير صارخ عن رفض مفاهيم: الوساطة والاختلاف والمسافة والشعائرية في الاتصال بالإله وتلك سمات وثيقة بالأديان السماوية. 
وينقل بدوي أيضا قول الجنيد: "التصوف ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع"، وقول الشبلي:"الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق" ويعلق الدكتور عبد الرحمن بدوي على هذه التعريفات مقررا أنها تغلب التعبير البلاغي ولا تشير للجانب المعرفي، وهي حسب المستشرق لويس ماسينيون "لا شأن لها بتاريخ معاني اللفظ"(3).

وقد أوردت هذه اللمحة من الجدل حول الاسم والمسمى لأهميتها لسياق البحث حيث تشير إلى سمة بنيوية نراها وثيقة الصلة بطبيعة التصوف كـ "تجربة دينية" في الاتصال بالإله تحيط بها غلالة من الغموض وتساق لها تعريفات عديدة وهي سمة في الأنساق العرفانية القائمة على الذوق والإشراق وانفكاك الجهة بين الأسباب والمقدمات كما يعرفها "عالم الشهادة" في الإسلام.
وفي سياق سعيه لتعريف التصوف يحدد بدوي "حقيقة التصوف" بوجود أساسين لجوهره هما:
أولا: التجربة الباطنة المباشرة للاتصال بين العبد والرب.
ثانيا: إمكان الاتحاد بين الصوفي وبين الله.(4)

والتجربة الصوفية تقتضي القول بملكة خاصة غير "العقل المنطقي" هي التي يتم بها الاتصال وفيها تتحد "الذات" بـ "الموضوع" وفيها أيضا تقوم اللمحات واللمع والإشراقات مقام التصورات والأحكام والقضايا في المنطق العقلي، والمعرفة فيها معاشة "وجدانيا" ويغمر صاحبها شعور عارم بقوى تضطرم فيه وتغمره كفيض من النور، ويصحب هذه الأحوال أحيانا ظواهر نفسية غير عادية مثل الشعور بوجود "هاتف" أو رؤى خارقة والإحساس بخبرات ومواجيد. وقد يستعان على استدعاء هذه الأحوال بوسائل صناعية مثل الموسيقى (السماع حسب التعبير الصوفي) أو الرقص أو تحريك البدن بطريقة منتظمة وبإيقاعات متفاوتة الشدة، ولذا كان للأحوال والمقامات – بالمعنى الاصطلاحي – دور أساسي جدا في كل تصوف(5).

أما الأساس الثاني فضروري جدا في مفهوم التصوف كتجربة دينية وإلا كان مجرد أخلاق دينية، ويقوم في توكيد المطلق أو الوجود الحق أو الموجود الواحد الأحد الذي يضم في حضنه كل الموجودات، وفي إمكان الاتصال به اتصالا متفاوتا في المراتب وصولا إلى مرتبة الاتحاد التام بحيث لا يكون إلا "هو"، ومن هنا كان التصوف سلما صاعدا نهايته الذات العلية وقمة معراجه وذروته "الاتحاد"، (6) ويعد التعريف الذي أورده أحمد النقشبندي الخالدي للتصوف في كتابه "معجم الكلمات الصوفية" الأقرب إلى رسم صورة حقيقية للتصوف كتجربة دينية ظاهرها التواضع والافتقار وباطنها النزوع إلى التأله، فهو يعرف التصوف بأنه: "التخلق بالأخلاق الإلهية"(7).

والطريق إلى استكناه البنية الحقيقية للتصوف لا تمر عبر تفسير ما ورد في تراث التصوف الإسلامي بغرض استجلاء المفهوم، ذلك أنه تجربة دينية سابقة على الإسلام نفسه. وأول ما يتبلور المفهوم الصوفي للاتصال بالخالق نجده في اليونان قديما إذ كانت الديانات اليونانية جزءا من البناء السياسي، فلكل مدينة آلهتها وآلهة كل مدينة هم بناتها وحماته وتكريمهم واجب وطني، وبين "العابد" و"المعبود" عواطف ثلاث:
عرفان الجميل.
والمصلحة الخاصة.
وخوف العقاب.

وكان الإلحاد في حقهم خيانة للوطن. وفي هذا المناخ ظهرت تيارات دينية كان هدفها تجاوز حدود المدينة إلى العالم عبر دعوة الناس جميعا وتجاوز البناء السياسي للمدينة عبر دعوة الأرقاء الذين كانوا خارج هذا البناء بشقيه السياسي والديني، والسعي لبناء ما اعتبروه حياة روحية أسمى وأقوى، وهو ما أفرز في النهاية تصور أن بالإمكان إيجاد علاقة بالآلهة غير علاقة العبد بالسيد(8). 

وفي هذه البداية تتبلور السمات كافة التي اتسم بها التصوف في مدارسه كافة الدينية والإلحادية، فهو في حقيقته تمرد على "الواسطة" بين العابد والمعبود تسعى لتحطيم قيود المكان والزمان والاختلاف وصولا إلا الاتحاد التام بينهما.
وهذه الديانات اليونانية "المتمردة" على سلطان "الدين الوطني" واقتصاره على حدود المدينة سميت "ديانات الأسرار" وكان أشهرها "إلوسيس" و"الأورفية". أما إلوسيس فقامت على أسطورة غامضة وتعاليم ظلت سرا لألف عام، وكان المريدون يمثلون في احتفالها السنوي الديني قصة ميثولوجية لكي يبعثوا في نفوسهم العواطف التي انفعل بها الإله أو الآلهة ويتلون عبارات مبهمة ويرقصون على موسيقى صاخبة ليحققوا حالة الجذب والاتحاد بالآلهة. أما الأورفية فتأتي أهميتها الأساسية في البحث من أنها تمثل "نموذجا" للاستمرار التاريخي بين ديانات المصريين والتصوف اليوناني، فقد كان من بين صلواتهم تلاوة نصوص من "كتاب الموتى الفرعوني"(9).

وقد كان للموسيقى والرقص مبكرا جدا دور في الطقوس الدينية كعامل مساعد للوصول للنشوة الدينية، فعندما نرنو بأبصارنا بعيداً عبر الماضي قبل الميلاد بألف عام حيث كانت تسود وقتئذٍ عقائد وثنية متعددة ومتزامنة في وادي النيل وبلاد الرافدين، يبدو من نقوش قدماء المصريين، ونقوش الآشوريين على جدران معابدهم، أن نوعاً من الرقص كان يمارس ضمن الشعائر الدينية المعهودة وقتها يشبه إلى حدٍ بعيد الرقص الشرقي في عصرنا هذا. وربما مر على كثير ممن أطلع على تاريخ تلك الحقب، وصف مؤرخي الإغريق للرقص في منطقة وادي النيل، بأنه حركات اهتزازية تشبه حركات راقصات اليوم. فضلاً عن ممارسة نوعٍ من الرقص في المناسبات والأعياد والشعائر الخاصة كطقس من طقوس العبادة والتقرب(10).

حول مفهوم الفن :

وإذا كان "الفن" والتصوف قد ارتبطا عمليا من قرون فإن إخضاع هذه العلاقة الارتباطية لمحاولات التفسير يعد حديثا نسبيا، وتعتري تعريف الفن المشكلة نفسها التي تعتري تعريف التصوف فكلاهما قد استعصيا على التعريف بمعناه التقليدي "الجامع المانع". ولنبدأ بالمعني المعجمي، ففي "المعجم الوسيط": نجد عدة تعريفات للفن فهو: "التطبيق العملي للنظريات العلمية بالوسائل التي تحققها، ويكتسب بالمران والدراسة"، و"جملة الوسائل التي يستخدمها الإنسان لإثارة المشاعر والعواطف وبخاصة عاطفة الجمال، كالتصوير والموسيقى والشعر"، و"ومهارة يحكمها الذوق والمواهب"(11). 
وقد تتسع دائرة الفن لتشمل كل ما ليس علما، أي كل ما استبعده العلم من دائرته، فإذا عرفنا أن باحثا أمريكيا معاصرا أحصى حوالي مائة فن من الفنون البصرية والسمعية أمكننا أن ندرك إلى أي حد اتسعت دائرة المفهوم حتى العصر الحديث. والكلمة في أصليها اليوناني واللاتيني لم تكن تعني سوى: "النشاط الصناعي النافع بصفة عامة"، غير أن أرسطو ميز بين "الفن" و"المعارف العملية"(12). 

وإذا حاولنا تتبع رحلة العقل الفلسفي اليوناني مع الموسيقى بوصفها أحد أكثر الفنون ارتباطا بالتصوف كتجربة دينية وجدنا أن فيثاغورث منشئ "العلم الموسيقي" عند اليونان كان هو نفسه مؤلف فرقة دينية/ فلسفية ذات تعاليم سرية وكان تلاميذه أشد غلوا منه في التصوف. وهناك أدلة قوية تبعث على الاعتقاد بأنه سافر إلى مصر وعاد منها إلى اليونان ناقلا إليها بعض النظريات البسيطة في علم الصوت ومنها أن الموسيقى البشرية الفانية إن هي إلا أنموذج أرضي للانسجام العلوي بين الأفلاك، أما الفيثاغوريون المتأخرون فاعتقدوا أن السماوات تنبعث منها موسيقى بالفعل. ولم ينفرد الفيثاغوريون بمقولة الأصل السماوي للموسيقى، فقد روى أرسطو في الساعات الأخيرة من حياته حلما سجله أفلاطون في محاورة فيدون رأى فيه أرسطو أن الوحي أتاه ليأمره بتأليف الموسيقى ويعني هذا الحلم ضمنا أن للموسيقى قدرة تفوق العلم على تقريبنا من الحقيقة النهائية، وقد نقل عنه قوله: "بعض الناس يغيبون في حالة تشنج ديني فإذا استخدم هؤلاء من الألحان المقدسة ما يثير في النفوس حالة من الوجد الصوفي فإنهم يبرأون". وفي الأدب اليوناني إشارات إلى حالات كان الكهنة يجمعون فيها النساء ذوات العقول المضطربة في المعبد للعلاج بالموسيقى حيث يرقصن على موسيقى صاخبة حتى يسقطن في غيبوبة وعندما يفقن يكن قد شفين شفاء نهائيا أو مؤقتا. وحسب هيرودوت فإن المصريين كانوا يعتقدون أن لألحانهم الدينية أصلا مقدسا ولذا كانوا شديدي الحرص على حمايتها من أي تغيير أو مؤثر أجنبي، كما أنه امتدح قدرتهم على خلق ألحان يمكنها قهر الانفعالات الغريزية في الإنسان وتنقية الروح(13).

وفي العصور الوسطى المسيحية بقيت الكلمة تشير إلى الحرفة أو الصناعة وأصبحت تنطبق على طيف واسع من النشاطات الإنسانية ضمنها: النحو والمنطق والسحر والتنجيم. . . .وفي معجم لالاند الفلسفي نجد أن البعد الجمالي يصبح أكثر وضوحا حيث الفن "كل إنتاج للجمال يتحقق في أعمال يقوم بها موجود واع أو متصف بالشعور" وقد سار الكثير من الكتاب المحدثين على هذا النهج مؤكدين البعد الجمالي في الفن على حساب أي اعتبارات عملية، وعليه أيضا سارت "دائرة المعارف البريطانية" و"معجم أوكسفورد" وغيرهما. ويرى أصحاب هذه النزعة أنه لا يمكن أن يتولد الفن إلا حينما تدع هموم الحياة ومطالب المعيشة متسعا من الوقت لظهور "الحلم"(14)، وهذا البعد الوجداني للفن أحد أهم ملامح التشابه البنيوي مع التصوف إذ هو (الفن) تجربة "شبه دينية" شخصية وجدانية تتم خارج نطاق الحواس فلا تقيدها قيود الواقع ولا المنطق. 

بل إن الدكتور زكريا إبراهيم يعتبر الفن "قوة روحية" خلاقة توجد من العدم مخلوقات لا مادية كالموسيقى والشعر وموجودات مرئية كالنقوش والرسوم، أما تلك المخلوقات التي يبدعونها فهي كائنات عجيبة يجمع بينها كلمة "الفن"(15). 
وإذا كان الدكتور عبد الرحمن بدوي قد أشار – كما أسلفنا – إلى ملكة خاصة عند المتصوف تمكنه من ممارسة التجربة الصوفية في السعي للاتحاد بالإله، فإن بعض مدارس علم النفس الحديث ترى ذلك في الفنان، فحسب كارل يونج فإن الفنان ليس مخلوقا عاديا يبدع أعماله عن قصد وتفكير وروية بل هو مجرد أداة في يد "قوة عليا" لا شعورية(16)، ويتسم مفهوم يونج على مستوى البنية بروح قدرية تعد هي الأخرى ملمحا من ملامح التشابه بين الفن والتصوف، فالعمل الفني يصنع الفنان وليس العكس ومن العبث مطالبة الفنان بتفسير عمله وهو أقرب إلى الحلم لا بد أن يظل غامضا ملتبسا(17).

وعلى يد هنري برجسون وصل مفهوم الفن إلى قمة الصوفية فالفن في فلسفته "عين ميتافيزيقية" والفنان قادر عبر الإدراك المباشر على النفاذ إلى "باطن الحياة" وعين الفنان تملك مقدرة صوفية هائلة على الاتحاد مع موضوعها(18)، وفي النهاية فإن الفن عند برجسون حدس يستولي على الذات العارفة فيجعلها تتطابق مع موضوع معرفتها على نحو شبه صوفي. وفي فلسفة شوبنهور يصل الأمر إلى نوع من المطابقة بين المتصوف والفنان، فالفنان هو الذات العارفة الخالصة المتحررة من الإرادة وأسر الجسد وعبودية الأهواء، فهو لا يعود يعيش إلا بوصفه مرآة لموضوعه، بعد أن فقد ذاته واستحال ذاتا عارفة خالصة عارية من الإرادة. وفي نهاية معمار فكرته اعتبر شوبنهور أن الفن "أداة للمعرفة والعرفان"(19)، وتحتل الموسيقى مكانا خاصا في مفهوم شوبنهور للفن حد أنه يعتبر أن "السيمفونية السديدة قد تكون نسخة ميتافيزيقة كاملة للوجود"(20).

الطبيعة التأويلية للفن والتصوف :

وقد يكون البعد التأويلي في الفن والتصوف هو الرابطة أعمق بينهما، فمع تحول الفن بشكل واضح خلال العصور الحديثة إلى الغموض والذاتية والانفلات المتسارع من الأطر كافة: دينية واجتماعية وحضارية ليصبح تعبيرا فردانيا عن مكنون مبدعه تأتي أهمية استحضار مفهوم "الغنوصية" كنموذج تفسيري لهذه العلاقة. 

و"الغنوصية" من الكلمة اليونانية "غنوصيص" ومعناها "علم" أو "معرفة" أو "حكمة" أو "عرفان"، وفي التراث العربي الإسلامي تستخدم كلمة "عرفان" عند المتصوفين لتدل على نوع من أسمى من المعرفة يلقى في القلب في صورة "كشف " أو "إلهام"، والعرفان "هو العلم بأسرار الحقائق الدينية والخصائص الإلهية"، وهو من وجهة نظر صاحب العرفان أرقى من العلم الذي يحصله عامة المؤمنين البسطاء أو لأهل الظاهر من العلم الديني الذين يعتمدون النظر العقلي، والعرفاني هو من لا يقنع بظاهر الحقيقة الدينية بل يغوص في باطنها لمعرفة أسرارها. وهي معرفة تقوم على تعميق الحياة الروحية وإحلال "الإرادة" محل "العقل"، فالمعرفة هنا لا تعني اكتساب معارف بل بذل مجهود متواصل بقصد التطهر والوصول للصيغة الغنوصية اللازمة للاندماج في العالم الإلهي الذي جاء منه الإنسان. وترى الغنوصية أن ثمة جوهرا واحدا يجمع كل الديانات، ولذا لا تقدم نفسها كديانة جديدة بل كباطن للشريعة القائمة، ومهمتها الكشف عن المغزى العميق للعقيدة التي ينتمي إليها الغنوصي بواسطة معرفة باطنية وكاملة لأمور الدين(21). 

ومن ثم فهي شيعة دينية مبدؤها أن العرفان الحق ليس المعرفة بواسطة المعاني المجردة والاستدلال إنما هو العرفان الحدسي الحاصل من اتحاد العارف بالمعروف وغايتها الوصول إلى عرفان الله. وكانت الغنوصية تعدو على الأديان والمذاهب بالتأويل والتحوير مدعية تحويلها عبر التأويل والتحوير إلى معان أعمق(22)، ومن المصادر المهمة لفكرة التأويل في تاريخ التصوف على نحو خاص الرافد التأويلي لفلاسفة الإسكندرية اليهود الذين كانوا يشرحون التوراة شرحا رمزيا على غرار شرح الفيثاغوريين لقصص الميثولوجيا وعبادات الأسرار(23).

وأيا كان القول الفصل في من أثر ومن تأثر بين اليونان واليهود فإن التأويلية وازدواج المعنى وبخاصة بالنسبة لمعنى نصوص التوراة قد استقر على نحو راسخ في التراث اليهودي بحيث صار هناك تفسيران متمايزان كل التمايز أحدهما ظاهري والآخر باطني، وهي سمة انتقلت من اليهودية إلى الفكر الصوفي الإسلامي منذ زمن بعيد، فلا يكاد مفهوم الحلول والاتحاد عند بعض الصوفية الحلوليين في التاريخ الإسلامي يختلف ع المفوه المقابل في التصوف اليهودي "القبالاه"، فمفهوم "التوحد بالإله والالتصاق به" يعني: "الحب العميق للإله الذي يؤدي إلى التوحد معه. . . . والالتصاق بالإله لا يعني الخضوع له أو الفناء فيه بل التوحد به وهو توحد يؤدي إلى معرفة الإنسان سر الإله وطبيعته وكنهه"(24).

وحديثا يكتسب السؤال عن المفهوم حدّة بالغة فيما يخص النتاج الفني الراهن. فهذه المرتبة تدعو إلى أن يكون في العمل الفني شيء قابل للفهم موضوعيا، وإذا لم نرد أن نجعل من الفهم مسألة داخلية للجهة الفاعلة فنحن نحكم عليها بالنسبية. ولكن إذا كان علي العمل الفني أن يعبّر عن المغلق علي الفهم، فهو يشتت في داخله ما هو مفهوم، حينها تتعرض للانكسار كامل تراتبية الفهم التقليدية ومن ثم يأخذ مكانها التأمل المكرس لطبيعة الفن الغامضة(25). 

العلاقة من منظور فلسفة الدين :

وعند تناول العلاقة بين التصوف والفن كظاهرتين يغلب عليهما الطابع الوجداني ينبغي الانتباه إلى ما يكتنف مفهوم "الدين" في أدبياتها التي تتنازعها تعريفات متباينة للدين تأثرت في نشأتها بالمذاهب الفلسفية الغربية، ذلك أن الراحج عند باحثيها أنها "ليست جزءا من التعاليم الدينية ولا ينبغي أن تعالج من وجهة نظر دينية"، وهناك العديد من المفاهيم المتباينة للدين منها ما هو ظاهراتي يحاول عرض ما هو مشترك بين كل الأشكال المعروفة للأديان مثل تعريف قاموس أوكسفورد: "الدين اعتراف بشري بوجود سلطة فوق بشرية مسيطرة هي الإله أو الآلهة المؤهلون لأن يطاعوا ويعبدوا"، وهناك تعريفات سيكولوجية مثل تعريف وليام جيمس: "الدين هو الأحاسيس والأعمال وتجارب البشر في العزلة حينما يعلمون أنهم مرتبطون بالشيء الذي يعتبرونه إلها"، وثالث اجتماعي كتعريف تالكوت بارسونز: "الدين هم مجموعة الاعتقادات والممارسات والمؤسسات الاجتماعية التي طورها البشر في مجتمعات مختلفة"(26).

وتأتي أهمية التعريف الدقيق في سياق هذه الدراسة مما أشار إليه الدكتور يوسف كرم من أن البذرة التاريخية للأديان السرية بطبيعتها الغنوصية (الصوفية) نشأت في اليونان طموحا إلى مفهوم للدين مغاير لما هو سائد وبحثا عن علاقة بين العابد والمعبود لا تقوم على علاقة السيد بالعبد.

وللأديان بشكل عام خصائص عامة هي :

أولا: التسليم الأولي أو "الاعتقاد" الذي لا يشترط البرهان.
ثانيا: وجود مجموعة من المبادئ العليا التي لا يمكن الاستغناء عنها، ومع ذلك فهي غير قابلة للبرهنة.
ثالثا: الإيمان بموجود لا يمكن إدراكه بالحواس سواء كان هذا الإدراك مباشرا أو غير مباشر.
رابعا: الخضوع أو التعبد لقانون أو (و) إرادة ذلك الموجود(27).

وفي الأديان التوحيدية فإن العلاقة بين الإله والإنسان تقوم على الاتصال والانفصال بينهما حيث لا يحل الإله في الإنسان ولا في الطبيعة بينما النظم الدينية الحلولية تعبر عن رغبة غي التحاد وصولا للامتزاج ما يعني نفي الثنائية والمسافة(28). ويمثل مفهوم "المجاز" الحل الوسط المركب بين "الحرفية" و"الباطنية"، وهو وسيلتنا لإدراك الإله إذ يربط بين صفات الإله التي تتجاوز حدود الإدراك الإنساني: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" (الأنعام: 103)، وبين بعض الشواهد المادية التي تدركها الأبصار والأسماع، فالمجاز بهذا المعنى رابط بين الإنساني المحدود والإلهي اللامحدود. ورغم محاولة الإنسان إدراك الإله من خلال المجاز فإنه – في الإطار التوحيدي – يعرف أنه لن يدركه في كل جوانبه فهو "ليس كمثله شيء" (الشورى: 11)(29).

ومهما بلغ المجاز من العمق والتركيب والجمال فإن المسافة تظل واسعة إذ لا يستطيع المؤمن أن يشبه الله بشيء وهو لا يتواصل مع البشر من خلال التجسد أو الكمون أو الحلول أو اختزال المسافات، وهو رغم ذلك يرسل للإنسان رسالة مكتوبة. ولأن الرسالة صادرة عن الله فإن مضمونها أكثر تركيبا من قدرة الإنسان على الإحاطة. ولأن الإله يريد التواصل مع الإنسان فقد أرسل رسالته بلغة بشرية مفهومة "لسان عربي مبين" (النحل: 103). غير أنه سبحانه وتعالى يقول: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا" (الكهف: 109) والآية تؤكد عجز "المادي" عن احتواء "الإلهي"، وقد استخدمت التعبير المجازي كحل لمعضلة التواصل(30).

والمجاز في الآيات القرآنية التي تتحدث عن الله تعبر عن هذه العلاقة المركبة: الاتصال/ الانفصال، التواصل/ التجاوز: "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء" (النور: 35). والبنية العامة للمجاز هنا هي تقريب الله من العبد من خلال استخدام عناصر من عالم الإنسان المحسوس يتم الربط بينها وبين الله (الله مثل النور) وتتم عملية الفصل وتأكيد التجاوز وغياب الحلول والكمون على نطاق مركب جدا. ويظهر ذلك في تكثيف المجاز حتى لا نرى مركزا واضحا ولا علاقة محددة بين الله والنور، إلى أن نصل إلى الصورة المجازية "نور على نور" وهي صورة بلا مركز خالية من الحلول والكمون والتجسد وتعبر عن المركز المتجاوز. وحين نفقد الإحساس بالمركز فإننا ندرك الإله من خلال تشبيهه بعناصر أرضية على سبيل التقريب للأذهان، إذ يظل إحساسنا به عميقا، فهو "ليس كمثله شئ"(31).

من ناحية أخرى فإن لفكرة "ختام النبوة" دورا مركزيا في مفهوم من حيث كونه ممارسة عملية، ولمحمد إقبال في ذلك رؤية تعبر عن بصيرة ثاقبة، فهو يرى في "ختام النبوة" ميلادا للاستدلال العقلي كقانون للعالم الحديث الذي افتتحته نبوة محمد (ص) ولهذا أبطل إقبال كل قول بامتداد الوحي عبر نظريات الاتصال المشائية الإسلامية والدوائر الصوفية التابعة لها وهو لا ينفي بقوله هذا "الرياضات الصوفية" بل يقطع الصلة بينها وبين المقولات الإشراقية(32).

وهكذا فإن الفن قد تبادل مع التصوف التأثير والتأثر ليس فقط على مستوى العلاقة التاريخية والاشتراك في البعد الوجداني الواضح فيهما، بل تجاوزت العلاقة ذلك لتصل إلى تشابه بنيوي ملفت من حيث السمات العامة والطموح إلى الإعادة تعريف الأشياء عبر قدرة يتصور المتصوف (والفنان) أنه يملكها وأنه قادر باستخدامها على الإحاطة (أو الخلق من عدم) بناء على "الإرادة".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الدراسة :

(*) كاتب ومفكر إسلامي – مصر.
(1) تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1978، ص 5 بتصرف.
(2) تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1978، ص 15 - 16 بتصرف.
- المعجم الوسيط – مجمع اللغة العربية – مصر – الطبعة الثانية – 1972 – المجلد الأول – ص 549. 
(3) تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1978، ص 18 بتصرف.
(4) تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1978، ص 18.
(5) تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1978، ص 19 بتصرف.
(6) تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1978، ص 19 بتصرف.
(7) جامع الأصول في الأولياء – الجزء الثالث: معجم الكلمات الصوفية – أحمد النقشبندي الخالدي – تحقيق أديب نصر الدين – دار الانتشار العربي – لبنان – الطبعة الأولى – 1997 – ص 22.
(8) تاريخ الفلسفة اليونانية، الدكتور يوسف كرم، السلسلة الفلسفية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، الطبعة السادسة، 1976، ص 5 – 6 بتصرف.
(9) تاريخ الفلسفة اليونانية، الدكتور يوسف كرم، السلسلة الفلسفية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، الطبعة السادسة، 1976، ص 6 – 7 بتصرف
(10) الرقص الشرقي من أروقة المعابد إلى شاشات التلفزة، مقال، أحمد القطب، الموقع الإليكتروني لقناة العربية الفضائية على شبكة المعلومات الدولية (الاتنرنت)، 18 أكتوبر 2004.
(11) المعجم الوسيط – مجمع اللغة العربية – مصر – الطبعة الثانية – 1972 – المجلد الثاني – ص 729.
(12) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979، ص 7 – 14 باختصار شديد.
(13) الفيلسوف وفن الموسيقى، جوليوس بورتنوي، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، مراجعة الدكتور حسين فوزي، وزارة الثقافة، مصر، المكتبة العربية، 1974، ص 28 – 48.
(14) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979، ص 14
(15) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979، ص 29.
(16) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979، ص 183.
(17) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979، ص 184.
(18) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979، ص 187.
(19) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979، ص 193 – 194.
(20) الفنون والإنسان: مقدمة موجزة لعلم الجمال، إروين إدمان، ترجمة مصطفى الحبيب، مكتبة مصر، مصر د .ت، ص 116.
(21) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 1999، المجلد الخامس - ص 38.
(22) تاريخ الفلسفة اليونانية، الدكتور يوسف كرم، السلسلة الفلسفية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، الطبعة السادسة، 1976، ص 244.
(23) تاريخ الفلسفة اليونانية، الدكتور يوسف كرم، السلسلة الفلسفية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، الطبعة السادسة، 1976، ص 284.
(24) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 1999، المجلد الخامس - ص 178.
(25) مفهوم الحداثة عند تيودور أدورنو: الحداثة مرة أخري.. التنافر بدل الهارموني – مقال - عدنان المبارك - جريدة الزمان اللندنية - العدد 1402 – 10 – 1 – 2003
(26) مقدمة في فلسفة الدين، جون هيك، ترجمة: طارق عسيلي، مجلة المحجة، لبنان، العدد الثامن، شتاء 2004، ص 43.
(27) حقيقة العلمانية بين الخرافة والتخريب، الدكتور يحيي هاشم حسن فرغل، الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، مصر، د. ت.، ص 55.
(28) اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 2002، ص 165 بتصرف.
(29) اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 2002، ص 158 بتصرف يسير.
(30) اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 2002، ص 159 بتصرف يسير.
(31) اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 2002، ص 159 بتصرف يسير.
(32) الفكر الإسلامي والفلسفات المعارضة في القديم والحديث، الدكتور عبد القادر محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر ، الطبعة الثانية 1986، ص 373 – 374.
ــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر الدراسة :

(1) تاريخ التصوف الإسلامي: من البداية حتى نهاية القرن الثاني، الدكتور عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1978
(2) المعجم الوسيط – مجمع اللغة العربية – مصر – الطبعة الثانية – 1972 – المجلد الأول – ص 549. 
(3) جامع الأصول في الأولياء – الجزء الثالث: معجم الكلمات الصوفية – أحمد النقشبندي الخالدي – تحقيق أديب نصر الدين – دار الانتشار العربي – لبنان – الطبعة الأولى – 1997.
(4) تاريخ الفلسفة اليونانية، الدكتور يوسف كرم، السلسلة الفلسفية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، الطبعة السادسة، 1976. 
(5) حقيقة العلمانية بين الخرافة والتخريب، الدكتور يحيي هاشم حسن فرغل، الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، مصر، د. ت.
(6) مشكلة الفن، الدكتور زكريا إبراهيم، سلسلة مشكلات فلسفية، رقم 3، مكتبة مصر، مصر، 1979.
(7) الفيلسوف وفن الموسيقى، جوليوس بورتنوي، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، مراجعة الدكتور حسين فوزي، وزارة الثقافة، مصر، المكتبة العربية، 1974.
(8) الفنون والإنسان: مقدمة موجزة لعلم الجمال، إروين إدمان، ترجمة مصطفى الحبيب، مكتبة مصر، مصر، د .ت.
(9) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 1999.
(10) مفهوم الحداثة عند تيودور أدورنو: الحداثة مرة أخري.. التنافر بدل الهارموني – مقال - عدنان المبارك - جريدة الزمان اللندنية - العدد 1402 – 10 – 1 – 2003
(11) الرقص الشرقي من أروقة المعابد إلى شاشات التلفزة، مقال، أحمد القطب، الموقع الإليكتروني لقناة العربية الفضائية على شبكة المعلومات الدولية (الاتنرنت)، 18 أكتوبر 2004.
(12) مقدمة في فلسفة الدين، جون هيك، ترجمة: طارق عسيلي، مجلة المحجة، لبنان، العدد الثامن، شتاء 2004، ص 43.
13 - اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 2002
14 - الفكر الإسلامي والفلسفات المعارضة في القديم والحديث، الدكتور عبد القادر محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر ، الطبعة الثانية 1986.

(*) المصدر: التصوف والفن من منظور فلسفة الدين
(*) مصدر اللوحة 

الأحد، 29 مايو 2016

ماذا قدّم جلال الدين الرومي للإنسان؟

بقلم: خالد محمد عبده




جلال الدّين الرّومي صوفي مسلمٌ وُلد في رِحاب الإسلام، ونشأ في بيت صوفيّ حسبما تروي المصادر، وإذا لم يكن هناك تأكيد تاريخي حول انتساب والده إلى الطريقة الكبروية لصاحبها (نجم الدّين كُبرى صانع الأولياء) إلاّ أن والده بما ترك من آثار (كتاب المعارف) يتأكد لنا أنه كان صوفيًا راقيًا وله نظرته الخاصة وطريقه الروحاني، الذي ورّثه من بعده لتلاميذ، كان منهم (برهان الدين محقق ترمذي) الذي خلف والده في تربية جلال الدين تربية صوفية.

شأن الطلبة المتأهلين حصّل الرّومي المعارف الدينية، كما كان قد حصّل المعارف الروحية على يد أب صوفي وشيخ عارف، ثم تابع على يد محقق ترمذي العارف أيضًا، وبعد سنوات لا أيام كما يظن المريد اليوم، اعتمده شيخه سالكًا صادقًا وصوفيًّا متحققًا، ورأى فيه تمام الإتقان، وإذا كانت صفة الأسد لا تطلق إلا على الملك والشجاع، فقد قرن أستاذه بينه وبين الرومي قبل أن يرحل عن قونيه معللاً ذلك بقوله: لا يجتمع أسدان في مكان واحد!.

ومن الرحلة البدنية والعقلية والصوفية الطُرقية بدأت الرحلة الروحية التي لا تنتهي وفُتحت أبواب السماوات السبع على مدينة وإن قلّت فيها أعداد البشر إلاّ أن من فيها تحسدهم الملائكة لنقائهم وجمالهم وصدقهم مع أنفسهم، التقى الرّومي شمس الدين والدليل الذي سيُحرق من أجل أن ينير الرومي العوالم، وكان لقاؤه غير مرتّب أو مطلوب، فقد كان الرومي يسير في رحلته التي نجد لها نظائر في سير السابقين (زاهد – شيخ يعلّم – خطيب منبر- صوفيٌّ يربّي مريدين).

ثم حدث ما غيّر مجرى حياته، وجعل العالم أجمع بعد وفاته ينشغل بما قدّمه للإنسان. أشرق شمس على الرومي أو تلألأت روح الرومي من النظام والحركة الاعتيادية إلى الانبساط والتلقائية، ومن الوِردِ المرتّب إلى الذّكر الدائم، ومن الصورة إلى المعنى، ومن الحكاية إلى أن أصبح هو بطل الحكاية، فإذا كنّا قد اعتدنا أن نقرأ آية القرآن في الأعلى ومن بعدها التأويل والتفسير والمعنى، فإن الآية هنا أمست فعلاً وحياة وعالم بأسره يمكنك إن تعرّفت عليه أن تتعرّف على الكتب السماوية وحكايات الأولين وحكم السابقين أنبياء وفلاسفة وسالكين وغير ذلك. وإذا كان الحلاج قد صُلب وقتل بحد الشريعة، فإن الرّومي الذي عاش ما قاله الحلاج وأكثر من ذلك انتقل من الظاهرة الصوفية السابقة التي قدّست الأسماء والأفكار ليسجّل فكرته الخاصة، التي لم تقطع مع السابق أو تتماهى فيه ناسية عيش حياتها وأنها بذاتها حقّ ينبغي أن يتحقق، فتلاوة الذكّر لا تُنسي المذكور، والحضور مع المذكور لا يلغي الذاكر.

وكما كان النبي قرآنا ًيمشي على الأرض، حاول الرومي أن يحيا ذلك لا ترديدًا لكلمات فحسب، أو النقل عن السابق بالصورة والحرف دون أن يستوعب المعنى أو يستوعبه النصّ دون معنى! فكانت آثار الرومي آثار رجلٍ حيّ ترى أثر الفقه الإسلامي فيها، وكما ترى الظلال الأعجمية في حروف آيات القرآن ترى من آثار اليونان في مثنوي مولانا، وكما تسمع عن عيسى الذي جعله الله آية من آيات الجمال ترى في المثنوي مريم الطاهرة التي تحمل في بطنها عيسى الذي لم نسمع عنه يومًا أنه ضرب أو شتم أو أهان أحد، وكما تسمع عن أم موسى في القران، يتردد ذكر موسى وفرعون مئات المرّات في المثنوي. وإذا قيل لك أن العشق والحب محصّلته الشهوة التي تتشابك فيها أغصان العنب وبعد الاشتباك تنتهي المحبة، فإن الرّومي يعلّمك أن العشق أكبر مما تراه العين وتسمعه الأذن أو يعبّر عنه آلاف البشر من حولك.

وإذا كانت المرأة موضوعًا اليوم للوصول أو الانتهازية أو الطعن أو السب أو البحث لها عن قبر أو ميدان أو شاغلاً من مشاغل أهل العمامة أو أدعياء البحث عن الحقوق وهم لا يعرفون من الحق سوى رسم الحاء والقاف، فإن المرأة في المثنوي باب من أبواب الجنّة خالقة لا مخلوقة فحسب، كما كانت في حياة نبيّه الأكرم حاضنة مُدثّرة عاطفة حنون قوية صاحبة رأي.  وإذا كان بعض الفقهاء انشغل بالأمرد والصبي الجميل وجعلوه خلف ظهورهم أو في أواخر مجلسهم، فإن الرومي لم ير في صُنع الله ما يدين صاحبه أو يجعله مختصرًا في قولة مسكين غلب جسده على عقله فأنساه احترام الإنسان وتبجيل صُنع الله، وكما بدأ أحدهم من ظاهر القول وأدان الرومي وانتقل من الإدانة إلى تقديس الرومي، كذلك ترى الرومي لم يقنع بما قاله الفقيه عن السلطان أنه ظلّ في الأرض، بل رأى الإنسان أيًّا كانت صورته أو جنسه أو ديانته صورة الله في الأرض.

قدّم الرّومي للإنسان اليوم صورة من صور المسلم الصادق مع نفسه، الذي إن قرأ استفاد، وإن أكل ما حرم غيره من الطعام، وإن قصده محتاج وجد عنده الملاذ، وإن خالفه في معتقده أحد بسط فراشه له وأجلسه بإكبار واحترام وما حرمه الحديث، بل عنّف من نظر إليه باعتبار جنسه وديانته وعرّفه أن القلوب تتشابه في المقصد وإن اختلفت الألسنة والتعابير.قدّم الرومي للبشر احترامًا للفنون فالنفخ في الصور الذي قرأه في القرآن علّمه أن النفخ في الناي ليس من أنغام الشيطان، ومن يستمع إلى الكائنات ويتذكّر ما قاله ربّه عن تسبيحها وأنينها لا بد أن يخشع لذكرها، فالناي إنسان آخر وليس كما هو صامت في صورة العصا.

قدّم الرومي رقصًا لا يكتفي بكشف الصدر أو الفخذ أو التركيز على إثارة الشهوات، بل نقل حركة الجسد من الانغماس في الصورة والطين إلى العلو والارتفاع عن هموم البشر والمساكين، فالدرويش الراقص في الأصل لا اليوم رقص وجدًا وطربًا من ذكر المحبوب دار أو سقط وقف أو استمر هو لا يدرك ما يفعل ولا يُسأل عنه كما كان بالأمس أثر الوجد والذوق كلمًا سُمي بالشطح، أصبح هنا حركة تؤدي إلى فقد الفائت وتلتحق بالحق!.

حوّل الرّومي الشعر من موضوع للمدح والثناء والهجاء والتغني إلى قالب صبّ فيه الرموز والإشارات، وفصّل فيه المجمل من الكلمات، ورتّل فيه الآيات، واستعاد آلاف الحكم والأحاديث وما خلا نبض الحياة من كلّ كلمة مما قال، فلم يراع نظامًا لقوالب حُددت سلفًا ولم يشغله الترتيب والتنسيق عن سرد الأفكار، فهو ليس أعظم شاعر وإن قال عنه أحد الأعاجم أنه أعظم من شكسبير لكن يمكن أن تقول إنه إنسان صوفي متدين سجّل في آلاف الأبيات من الشعر ما استعصى على غيره أن يسجله بهذا الشكل.

إن أردت أن تتعرف على صورة من صور القرآن الكريم، فاقرأ المثنوي المعنوي الذي اعتبره صاحبه أصل (أصل) أصول الدين، واعتبره محبّوه من بعده بهذا الكتاب فريدًا في تاريخ البشر وقالوا عنه: إنه ليس نبيًّا لكنه أوتي الكتاب، وبعضهم اعتبر كتابه هذا تمجيدًا ومبالغة: (قرآن العجم) ولم يمنعهم هذا من تبجيل كتاب الله وتعظيمه، ولا يزالون يتدبرون الكتاب. -إن أردت أن تتعرف على صورة الشيخ الذي تلقّى عن المشايخ يعظك ويذكّرك بآيات الله وتتعرّف منه على إشارات ومعاني دينية راقية، فاقرأ في كتاب الرومي (فيه ما فيه) فهو من كتبه النثرية المفيدة في التعرّف على عالمه. وكذلك مجالسه. -إن أردت أن تتعرف على علاقته بالسلاطين والحكّام فاقرأ رسائله. -إن أردت أن تتعرف على قلبه وروحه الجميلة التي ذابت عشقًا فاقرأ في غزلياته التي سماها باسم حبيبه وبابه إلى الوصول شمس تبريزي.



الخميس، 26 مايو 2016

جماليات التصوُّف ورومانسيته: بُعدان مميَّزان (*)

شكِيلُ الرَّحمن (**)

ترجمة عن الأُردية: هاني السعيد




كان حسين بن منصور الحلاَّج يسير راقصًا نحو المشنقة، حيث يواجه العقوبة عن قوله: "أنا الحق".
كان كل الواقفين هناك يرجمونه بالحجارة.
فأمسى غارقًا في دمائه، حتى بدا تجسيدًا لها.
غير أنَّ صوت "أنا الحق" وإيقاع رقص الحلاَّج ... كانا منجذبين إلى بعضهما، فيما تتناثر دماؤه بسرعة متناهية هنا وهناك مصاحبةً هذا الصوت: "أنا الحق .. أنا الحق"، وهو ما زال يسير ضاحكًا.
كان بين الواقفين الذين يرجمونه بالحجارة ثمة رجل يعرِف المنصور حقَّ المعرفة، ويَعِي أيضًا ما يقوله، ولِمَ يرقص وهو متَّجهٌ صوب المشنقة، كما يعرِف أيضاً لِمَ تتجاوبُ أصداء صوت "أنا الحق". لقد كان يعلم أنَّ المنصور بريء؛ فأَنَّى لحسين بن منصور الحلاَّج أن يكون هناك، ما هنالِك سوى صوت الله. وما رقصُ الحلاج إلا حركةً  مترنِّمة لهذا الصوت، وما ينبثق عنه من وَجد إنما هو أثره الفعَّال.
تقدَّم هذا الرجل - الذي كان واقفًا بين الرَّاجمين بالحجارة- إلى الأمام،
ورجم المنصور مترَفِّقًا بوردة جميلة.
ثم تاه بين الناس ... إذ كان يتوجَّسُ أن يلحظ أحدهم هذا الذي رجم الحلاَّج بوردةٍ جميلة وسْط وابل الأحجار.
أما حسين بن منصور الحلاَّج - الذي كان مغمورًا بدمائه وسْط معمعة الرَّجم المتلاحق.
هذا الذي كان يحتفل راقصًا بأبهج فرحةٍ في حياته.
هذا الذي كان يضحك بلا انقطاع، و ما زال يسير كما هو ضاحكًا.
إذا به يصمت على نحو مفاجئ.
ثم راحت الدموع تتقاطر من عينيه.
ولما استخبره أحد الواقفين إلى جواره قائلًا: "لقد كنت تضحك لتوِّك، و على الرَّغم من انغماسك في الدماء كان رقصك متواصلًا، وصوتك صَدَّاحًا. فما الذي أصابك بغتةً حتي تبكي؟"
ولِمَ أجهشت بالبكاء فجأةً بعد أن رجمك أحدهم بوردة؟
ردَّ عليه المنصور بقوله:

قال مولانا الرومي: يرقص البواسل في دمائهم, وينقر مطربوهم الدفوف داخلهم، فتصفق البحور مع تصاعد نشوتهم، إنك لم تر الأوراق على الأغصان، يصفقن راقصات بهفهفات الصَّبَا، لا ترآها أنت لكن من أجل سماعهم تصْطَكّ الأوراق مصفقات على الأغصان، لا تبصر عيناك رقص الأوراق، ولا يتناهى إلى سمعك تصفيقها.
إن صوفيًا مثل المنصور حين يرقص في دمائه المتدفقة أثناء سيره نحو المشنقة لا بد أن رقصه هذا ينطوي على رقص العناصر والأشياء كلها، ويكتنز بداخله ألحانها وإيقاعاتها، وما مثل هذا الرقص إلا رقص تجربة حياة مدهشة للغاية، وهو يرمز إلى الفرحة والبهجة والاحتفاء بالحياة؛ ففي هذا الرقص يتناثر بهاء الحياة في شتى الأرجاء، إنه رقص ينبع من أعماق الباطن حيث أولئك المنشدون الذين ينقرون الدفوف داخل الوجود فيتناهى صوتها إلى كل مكان في الخارج. وهذا بُعد رفيع وبالغ الوضوح لجماليَّات التصوُّف وسمو رومانسيته وسعتها وعمقها والتباسها.

يكمن جمال و جلال و رومانسية البعد الأول في أن المنصور قد صعد إلى المشنقة راقصًا وهو يحمل تجربته الحافلة بالأسرار والعامرة بالأنوار بكل ماهيتها، وظل سرُّها كما هو سرًا لم يُفش أو ينكشف، وظلت الأسرار المكنونة لكل ما استلهمه وجدانه كما هي أسرارًا؛ فهي محض همسات هُمست عن جمال وجلال خالق الأكوان، ظل سرُّها دفينًا كما هو في صدره.
أما جمال وجلال ورومانسية البعد الثاني فيتجلَّى لنا في قول مولانا الرومي:
أفش سر كل الأسرار!
ثم إنه يعرِّفنا شيئًا فشيئًا حقائقَ الحياة وخبراته الوجدانية. فهو راقص يعتريه الوجد، وهو أيضاً يدور ويدور. ويُسمى بالدرويش الراقص لابتكاره تقليد هذا الرقص. يشرح لنا وجود الإنسان وحقائق الحياة فيقول ما معناه أن: أول كل إنسان صورته ثم تليها روحه التي هي جوهر جمال سريرته، وأول كل فاكهة صورتها ثم تليها لذاذتها التي هي جوهر غايتها.
                           
                                  ***

نبّه مولانا الرومي على قوة الباطن وعطر الوجود بأشكال شتى، يقول: مثلما يحتاج الرَّشَأُ إلى آثار خطوات أمه الغزالة لبعض الوقت ثم تغدو نافجة الغزالة ذاتها دليله، كذلك أيضًا يتعرَّف الإنسان على عطر وجوده شيئًا فشيئًا حتى يصير عطره دليله.
لا بد أن يثق المرء في وجدانه و"رؤيته" الخاصة، فقوة الباطن وعطر الوجود نعمتان لا مثيل لهما؛ إذ إن سير مرحلة واحدة على هدي مسك النافجة يفوق تجوال مئات المراحل.
إن عطر الوجود يقرب المرء من الله، فهي علاقة مفعمة بالأسرار بين العطر والعطر، فالعطر الذي محله القلب يصل المرء بالإله الحق، وتُفتَّح به أبواب المعارف، فقلب العارف يكون له بابًا وليس جدارًا، دُّرًّا وليس حجرًا. وما نراه نحن في المرآة يراه العارف قبل ذلك في قطعة من حديد. فقلبه هذا مطلع شموس عديدة.
نقول هذا نحن كاشفي الأسرار والرموز، مهمتنا هي استخراج الأسرار من خزائن الكتمان.
                           
لقد أخبرنا أن العلم هو الثروة العظمى، فبالعلم والعرفان فقط يتمكن الإنسان من مشاهدة وقائع الأحداث في قطعة من حديد، كما يتسنى له تذوق عصير الثمار قبل زراعتها، وهو إذ يسير على هدي مسك نافجته يتلقى عرفان الإيقاع ووحدة الإيقاع. ولشدة إحساس مولانا الرومي بإيقاع الكون وتناغمه المترع بالأسرار فقد قال: إن آلات الطرب التي صنعها الإنسان تتمازج مع آلات الكون، فثمة علاقة حافلة بالأسرار بين الأصوات الحادة والإيقاعات المهدهدة "للبوق" أو "النفير"، و"للطبلة" أو "النقَّاريه"، وبين أصوات وإيقاعات الكون. لقد استلهمنا معازفنا من وحي التموجات العذبة والخلابة التي لمسناها في ألحان الكون، وسواء أكانت الأصوات حادة أم مرتفعة لدرجة تبدو فيها حالة من الصراخ. وسواء أكانت أصوات "بوق" و"نفير" أم أصوات  "طبلة " و "نقَّاريه "، أم كانت أصواتًا مشوبةً بالنعومة والهدوء أم تُشيع مجرَّد حالة من الشجن - فإنها جميعًا تُصدِّر لنا إحساسًا ما بانسجامها مع الإيقاع الكوني. لقد أسبغ الإيقاع العظيم جمالًا ما على كل الأصوات، والذين يقفون على هذا السر هم بالضرورة عاشقون، "فالسماع" غذاء العاشقين؛ إذ لا تنبثق الحركة من الإيقاع العظيم والأعظم  إلا في حالة السَّكينة التامَّة للعقل والقلب. فتتَّقد المُخَيِّلَةُ، وتنطلق طاقات العقل والقلب الخفية، وعندئذ تبدأ عملية الفانتازيا؛ إذ كل ما يُبتدع من صور جمالية هو هبة هذه الحركة؛ ذلك أن إيقاع الكون يُؤجِّج نار العشق إلى أقصى ما يكون.

يقول مولانا الرومي: إن القلب قدَّاحة فيها نار مستترة، وهي إذ تخرج راقصةً على أنغام الموسيقى تخلق فضاءات مفعمةً بالوَجد، ما هذا؟ إنه حتمًا صدى إيقاع تجلِّيات مركز النور، والرقص المتواصل للألحان في هذه الأجواء هو الذي يُستمد منه عرفان العلائق بين الإنسان والإنسان ومفردات الكون، ندرك مثل هذا العمق المذهل لعاطفة العشق؛ لأنه ما من أحد يستطيع تحليلها أو توضيحها؛ ذلك أنه لا يمكن بحال حصر أبعاد الرقص الذي يتبدَّى لمرآنا، وما يقوم عليه من إيقاع، كما تصعب معرفة أحواله البليغة، حيث تختلف صورته وحالته بالتأكيد في أعماق الوجود؛ إذ تقوم العلاقة بين الرقص والإيقاع كليهما وبين القلب ونار القلب، فتمثُل في الداخل بانوراما "رقص النار" ، وسواء أكان الرقص والإيقاع ماديين أم حدسيين، رومانسيين أم كونيين، فليس من الصعب إدراك أساليب  وأحوال  "رقص النار". وقد بيّن مولانا الرومي نفسه ماهية مثل هذه التجارب، فقال: إذا لم ننظر إلى "الشكل" و"التجربة الخارجية" فقط بل وفَّقنا بين الحالة الباطنية والتجربة الداخلية للموضوع وبين خيالنا ووجداننا فستتبدى لنا الحقيقة.
       

****************************


(*) الفصل الأول والتمهيدي من كتاب أُردي بعنوان "جماليَّات مولانا الرُّومي" لمؤلفه الهندي: شكيل الرحمن، والصادر في مدينة گُرگَاون بولاية هَريانه في الهند، سنة 2002م.
(**) شكيل الرحمن:
- باحث وناقد وأكاديمي وكاتب درامي هندي كبير.
- وُلد في 18 فبراير سنة 1931م في مدينة موتيهاري (التي وُلد فيها جورج أورويل) بولاية بِهار في الهند.
- توفى في مساء يوم الإثنين الموافق 9 مايو سنة 2016م بمستشفى فورتس بمدينة گُرگَاون في الهند.
- حصل بتفوق كبير على شهادات الدي. لِتّ (أو الدكتوراه العليا في الآداب)، والماجستير، والليسانس في اللغة الأُردية وآدابها من جامعة پَتنه بولاية بِهار في الهند.
- شغل عدة مناصب أكاديمية مهمة في جامعتي كشمير وبِهار،
كما اشتغل بالسياسة لفترة ما من حياته حيث فاز بعضوية البرلمان الهندي، ثم عُين بعدها وزيرًا للصحة والرعاية الأسرية بالهند.
- كتب ما يزيد عن أربعين كتابًا أغلبها عن الجمال وتجلياته الأدبية والفنية والحضارية.
- كما كتب أكثر من خمسين عملًا دراميًا بين مسرحي، وإذاعي، وتليفزيوني.
- كُتبت عنه وعن أعماله العديد من المقالات، وخُصصت له عدة كتب وأعداد خاصة من المجلات الأدبية والثقافية الجادة.
- حصل على جائزة الدولة، وجائزة غالب، وجائزة مجمع اللغة الأردية في دلهي، وجائزة أحمد نديم قاسمي.
********


الجمعة، 6 مايو 2016

جنة المأوي : ابتهال يونس


ابتهال يونس
كلية الاداب، جامعة القاهرة

تعد الابداعات الفنية للتصوف من أبرز تجليات الفن بالقرآن. يستمد التصوف جذوره، سواء علي المستوي الفلسفي او المستوي الشعري، من سيرة النبي محمد صلي الله عليه و سلم و من القرآن الكريم. التصوف إذن هو رؤية للاسلام تقوم علي الحب و التسامح و التواضع و عبادة الله و تنمية الذات من خلال الانضباط الذاتي و المسؤلية. لذلك فإن منهاج حياة المتصوف هو حب و خدمة الاخرين و التخلي عن الذات الزائفة و كل الاوهام الزائلة حتي يصل الي النضج و الكمال و يتمكن اخيرا من الوصول الي الله، الحق و الواقع "المتعين". هو باختصار دين الحب الذي نجده عند كافة المتصوفة من ابراهيم بن ادهم الي رابعة العدوية و  عمربن الفارض، و علي وجه الخصوص الامام الاكبر محي الدين بن عربي و مولانا جلال الدين الرومي.

و من أهم طرق الحب للوصول إلي مرحلة الكمال طريقة مولانا جلال الدين الرومي الذي ما أحوجنا اليوم للكثير من تعاليمه و أهمها: إذا كانت علاقتنا بالله هي علاقة حب فيجب علينا أن نحب كافة مخلوقاته علي أختلاف أنواعها و أجناسها ودياناتها. و من سمات هذا الحب خدمة هذه المخلوقات كما فعل مولانا الذي كان يقوم بنفسه علي خدمة المسافرين و عابري السبيل حتي أنه كان يقوم بنفسه بغسل أقدامهم. لذلك لم يكن من المستغرب انه عندما توفي صار في جنازته المسلمون و المسيحيون و اليهود و العرب و الروم ألخ...

لكن ما يهمنا في هذا البحث هو الإبداع الفني المرتبط بالقرآن. و من أهم الإبداعات الفنية لطريقة مولانا جلال الدين الرومي هو ما يسمي بطقس رقصة المتصوفة الدوارة و هو أهم ما يميز الطريقة المولوية و التي امتدت علي مدي سبعة قرون. يعتمد هذا الطقس علي تعاليم مولانا جلال الدين الرومي بالإضافة لتأثره بالعادات و الثقافة التركية.

يرتكز المعني العميق لهذا الطقس علي حقيقة علمية مؤكدة و هي أن الوجود بأكمله يقوم علي الدوران، سواء في الكون الكبير (العالم) أو الكون الصغير (الإنسان). ففي الكون الكبيرنري دوران الأرض حول الشمس و دوران النجوم في المجرات و الالكترونات في الذرة بالإضافة إلي دوران فصول السنة إلخ... أما في الكون الصغير فنجد الدورة الدموية في الجسم و دورة مراحل الحياة من ضعف الطفولة إلي وهن الشيخوخة

سُوۡرَةُ الرُّوم

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٍ۬ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٍ۬ قُوَّةً۬ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ۬ ضَعۡفً۬ا وَشَيۡبَةً۬‌ۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ‌ۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ (٥٤)

بالإضافة إلي الخلق من تراب و العودة إلي التراب عند الممات. إذن فالطبيعة و الإنسان يتشاركان في الدوران بصورة طبيعية و تلقائية

سُوۡرَةُ  الإسرَاء

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٲتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيہِنَّ‌ۚ وَإِن مِّن شَىۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡ‌ۗ إِنَّهُ ۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورً۬ا (٤٤)

و إذا كانت الكائنات الأخري تقوم بالدوران دون أن تعي ذلك، فإن الإنسان يتميز بالعقل و الإدراك. لذلك يقوم المتصوف بالدوران عن وعي و بكامل إرادته ليتناغم مع كل شئ في الطبيعة، من أصغر الخلايا إلي النجوم في السماء ليؤكد عظمة الخالق و يحمده و يسبحه، مجسدا بذلك الأية الأولي من سورة التغابن:

سُوۡرَةُ التّغَابُن
بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَمَا فِى ٱلۡأَرۡضِ‌ۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ‌ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىۡءٍ۬ قَدِيرٌ (١)

إذا كان تسبيح المخلوقات للخالق قد ورد في عدة سور في القرآن مثل سورة الإسراء (أية 44) و سورة النور (أية 41) و سورة الحديد (أية 1) و سورة الحشر (أية 1 و 24) و سورة الصف (أية 1) و سورة الجمعة (أية 1)، إلا انه يقتصر فقط علي ذكر فعل التسبيح. أما الأية الأولي من سورة التغابن فهي تكشف عن ماهية و وظيفة التسبيح: لله الملك و بالتالي القدرة، و علي المخلوقات الحمد.
و لا يجب أن ننسي أهمية رمز الدائرة (وهو أحد تجليات الدوران) لدي فلاسفة التصوف مثل محي الدين بن عربي و كتابه "إنشاء الدوائر" علي سبيل المثال.
و من أهم ما يميز هذا التعبير الفني للطريقة المولوية، و الذي لا نجده في غيرها من الطرق، هي وحدة العناصر الثلاثة المكونة للطبيعة الإنسانية و هي العقل، أي المعرفة و الفكر، و القلب، أي التعبير عن الأحاسيس بالإضافة إلي الشعر و الموسيقي، و الجسد، أي تنشيط الحياة و الدوران.
و من المعروف علميا أن تكرار الدوران و سرعته يؤدي إلي التصاعد للأعلي كما نري في ظاهرة الإعصار علي سبيل المثال حيث تدور الرياح فتتصاعد بشكل دائري. لذلك فإن دوران متصوف طقس الطريقة المولوية يوصله إلي السمو و الإرتقاء.

يمكنا القول أن هذا الطقس يمثل رحلة الإنسان الروحية للصعود من خلال الفكر و الحب إلي الكمال، أي ما يعرف بالمعراج الصوفي المستلهم من معراج النبي صلي الله عليه و سلم. فبالدوران حول الحقيقة ينمو الإنسان من خلال الحب و يتخطي ذاته فيلتقي بالحقيقة و يصل إلي الكمال. ثم يعود من معراجه الصوفي بعد أن نضج و اكتمل، ليحب ويخدم الخلق بأكمله و كافة مخلوقات الله علي اختلاف معتقداتها و جنسها و نوعها. الحب إذن هو المفهوم الأساسي و الطريق الأوحد. فقد خلق الإنسان بحب و لكي يحب. و كما قال مولانا جلال الدين الرومي :"كل أنواع الحب ما هي إلا جسور للوصول إلي الحب الإلهي. لكن الذين لم يتذوقوه بعد لا يعرفون".

ننتقل الأن إلي رداء متصوفة الطريقة المولوية الذين يؤدون هذا الطقس و ما يرمز إليه. يظهر المولوي و هو يرتدي قميصا أبيض فوقه عباءة سوداء و غطاء رأس مصنوع من وبر الجمل. يرمز القميص الأبيض إلي قبر الذات و غطاء الرأس إلي شاهد هذا القبر. و عندما يقوم بخلع العباءة السوداء يولد من جديد علي مستوي الروح لتلقي الحقيقة.

قبل أن نبدأ في استعراض مراحل هذا الطقس يجب توضيح و التأكيد علي أن متصوفي الطريقة المولوية الذين يؤدون رقصتهم لا يقدمون عرضا للجمهور بل يعيشون فعلا تجربة المعراج الصوفي. لذا وجب علي الذين يشاهدونهم إلتزام الصمت التام احتراما للتجربة الروحية المعاشة، و عدم التصفيق أو حتي إبداء الإعجاب إلا عندما يغادر المولويون الساحة.
في البداية يظهر المولويون و قد عقد كل منهم ذراعيه مجسدا رقم 1، مشيرا بذلك إلي وحدانية الله. يجب الإشارة هنا إلي أهمية رقم 1 و مرادفه حرف الألف كرمز من رموز التصوف لأنهما خط مستقيم يشير إلي وحدانية الله. عندما يبدأ المولوي في الدوران يتجه ذراعه الأيمن نحو السماء لتلقي النفحات الإلهية. أما ذراعه الأيسر، و الذي يركز نظره عليه، فيتجه نحو الأرض ليشرك الذين يشاهدونه في المنح الإلهية التي تلقاها. اتجاه الدوران من اليمين إلي اليسار حول القلب يعني أن المولوي يحتضن الإنسانية كلها بحب.
يتكون طقس المولوية من عدة مراحل تحمل كل واحدة منها معني مختلف عن الأخري. المرحلة الأولي تسمي "نعت الشريف" و هي مديح رسول الإسلام و كافة الرسل الذين سبقوه و الذين يمثلون الحب. هذا المديح هو حمد لله الذي خلقهم و ارسلهم، كرحمة منه، إلي الإنسانية. مما يجسد مفهوم "الرحمة المهداة" النابع من الأية الكريمة:
سُوۡرَةُ الاٴنبیَاء

وَمَآ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةً۬ لِّلۡعَـٰلَمِينَ (١٠٧)

يقوم مفهوم "الرحمة المهداة" عند المتصوفة علي علاقة الحب بين الله و عباده: لأن الله يحب عباده فقد أرسل لهم، رحمة منه، هدية حب: النبي محمد عليه الصلاة و السلام و كافة الأنبياء الذين سبقوه. يلي هذا المديح قرع طبول يسمي "قدوم" و هو يرمز للأمر الإلهي "كن" الذي خلق به الله الكون بأكمله. و هو أيضا تجسيد للأية الكريمة:
سُوۡرَةُ مَریَم

ۤ‌ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرً۬ا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ ۥ كُن فَيَكُونُ (٣٥)
سُوۡرَةُ یسٓ

إِنَّمَآ أَمۡرُهُ ۥۤ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ ۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)

سُوۡرَةُ  غَافر

هُوَ ٱلَّذِى يُحۡىِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرً۬ا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ ۥ كُن فَيَكُونُ (٦٨)


يلي "نعت الشريف" مرحلة تسمي "تقسيم" و هي عزف منفرد علي الناي يشير إلي مفهوم "النفس الإلهي الخلاق" أي النفخ في الروح، تجسيدا للأيات الكريمة:

سُوۡرَةُ الحِجر

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُ ۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ۥ سَـٰجِدِينَ (٢٩)

سُوۡرَةُ الاٴنبیَاء

وَٱلَّتِىٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَـٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةً۬ لِّلۡعَـٰلَمِينَ (٩١)

سُوۡرَةُ صٓ

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُ ۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ۥ سَـٰجِدِينَ (٧٢)

سُوۡرَةُ التّحْریم

وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٲنَ ٱلَّتِىٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّہَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَـٰنِتِينَ (١٢)

و المرتبطة بخلق أدم و خلق عيسي:
سُوۡرَةُ آل عِمرَان

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ‌ۖ خَلَقَهُ ۥ مِن تُرَابٍ۬ ثُمَّ قَالَ لَهُ ۥ كُن فَيَكُونُ (٥٩)


و إذا كان الأمر الإلهي "كن" يخلق المادة، فإن النفس الإلهي الخلاق يهب الحياة المادة ولكل شئ نطلق عليه كلمة "حي".

ثم يلي ذلك مرحلة "سلطان وليد" أو "دور وليد" و هي حركة دائرية عكس عقارب الساعة يؤديها المولويون مجسدين بذلك المراحل الثلاثة للمعرفة: "علم اليقين" أي المعرفة المكتسبة عن طريق الغير و عبر الدراسة، و"عين اليقين" أي المعرفة المكتسبة عن طريق الرؤية و الملاحظة، و "حق اليقين" أي المعرفة المكتسبة عبر التجربة الشخصية المباشرة أوما يسمي بالعرفان.
يبدأ بعد ذلك الطقس الأساسي و هو مكون من أربع حركات موسيقية مختلفة تسمي "سلام". في بداية و نهاية كل "سلام" يقوم المولويون بالأقرار بوجود الله و وحدانيته و جلاله و قدرته.
و إذا تعمقنا في معني هذه الحركات الأربعة نجد أنها مبنية علي الأيات الثمانية عشر الأولي من سورة النجم، و خاصة من الأية 6 حتي الأية 18 علي وجه الخصوص. تتسم هذه الأيات بالغموض و بقدر كبير من الروحانية. و مع التعمق في القراءة نجد أنها تتحدث عن معراج النبي صلي الله عليه و سلم. و بما أن المعراج الصوفي مستلهم من معراج النبي الكريم نجد أن هذه الحركات الأربعة تمثل خطوات هذا المعراج الصوفي و تجسد تلك الأيات الأولي من سورة النجم. يمثل "السلام" الأول مولد الإنسان للحقيقة من خلال الإحساس و العقل، كما يمثل تسليم الإنسان بأنه مخلوق من مخلوقات الله و عبد من عباده. ثم تبدأ رحلة الصعود و الإرتقاء نحو المرحلة الأولي للتجربة الروحية و هي مرحلة الرؤية عن طريق القلب:

سُوۡرَةُ النّجْم

مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ (١١)

و من خلال الروحانية الخالصة و تكرار الدوران، يصل إلي مرحلة الرؤية العينية أو المعاينة وفقا للتعبير الصوفي، كما نري في "السلام" الثاني حيث يري روعة الخلق و عظمة و قدرة الخالق:
سُوۡرَةُ النّجْم

مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (١٧) لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ (١٨)

بفضل الانصهار في الحب و التضحية بكل ما سواه، نصل في "السلام" الثالث إلي التسليم و التوحد و إنعدام الذات في المحبوب حيث يحتضنه الحب الإلهي. أي ما يعرف في التصوف بالفناء في الله:
سُوۡرَةُ النّجْم

عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ (١٥)

يجب الإشارة هنا إلي أن "المأوي" و مرادفاته كالملاذ و الحمى هي من أهم مفردات التصوف، حيث الذوبان في أحضان الحبيب و الفناء فيه.
من جهة أخري، "جنة المأوي" التي نجدها في سورة النجم تختلف تماما عن جنات عدن و وصف الجنة التي اعدت للمؤمنين في مختلف سور و آيات القرآن الكريم. فتعبير "جنة المأوي" لم يذكر إلا مرة واحدة فقط، أي في سورة النجم. و نجد تعبير قريب منه، مرة واحدة ايضا، في سورة السجدة وهو "جنات المأوي"(أية 19). هي إذن شئ مميز و مختلف تماما عن الجنة التي يتكرر وصفها في القرآن الكريم. هي منزلة خاصة، هي الملجأ و الملاذ للذين يتوقون لأحضان الحبيب و الفناء فيه. يشير القرآن الكريم علي مدي آياته و سوره إلي الذين آمنوا و الذين كفروا، إلي أصحاب اليمين و أصحاب الشمال، الذين سيدخلون الجنة و الذين مصيرهم إلي النار. أي مجموعتين، إلا في سورة الواقعة حيث نجد، بالإضافة إلي أصحاب الميمنة و أصحاب المشئمة، مجموعة ثالثة:
سُوۡرَةُ الواقِعَة

وَكُنتُمۡ أَزۡوَٲجً۬ا ثَلَـٰثَةً۬ (٧) فَأَصۡحَـٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ (٨) وَأَصۡحَـٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ (٩) وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ (١٠) أُوْلَـٰٓٮِٕكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ (١١)

من هم هؤلاء "المقربون"؟ تصفهم الأية بأنهم:
سُوۡرَةُ الواقِعَة

ثُلَّةٌ۬ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ۬ مِّنَ ٱلۡأَخِرِينَ (١٤)

و هو وصف عام و غير محدد. لكن من أقرب من الذي يتوق للذوبان في أحضان الحبيب و الفناء فيه؟ من جهة أخري، إذا كانت سورة الرحمن تتحدث عن جنتين:
سُوۡرَةُ الرَّحمٰن

وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ (٤٦)
وَمِن دُونِہِمَا جَنَّتَانِ ( 62)

إلا أننا لا نجد إلا وصفا عاما لا يميز بين الجنتين. كما أن سورة الرحمن بأكملها مبنية علي صيغة المثني. أما في سورة الواقعة فنجد تأكيدا علي وجود جنتين و وصف لكل منهما: جنة المقربين و جنة أصحاب اليمين. إذا قارنا بينهما نجد أن جنة أصحاب اليمين تتسم بالمتع الحسية كالمأكل و المشرب و الحور العين. أما جنة المقربين فنجد من جهة أن المتع أكثر تعددا و ثراءا من جنة أصحاب اليمين فهم:

لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡہَا وَلَا يُنزِفُونَ ( 19)

و لكن الأهم أننا ، من جهة أخري، نجدها أكثر روحانية و ذلك من خلال آيات لا نجدها في وصف الجنة الأولي، علي سبيل المثال:

سُوۡرَةُ الواقِعَة

لَا يَسۡمَعُونَ فِيہَا لَغۡوً۬ا وَلَا تَأۡثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلاً۬ سَلَـٰمً۬ا سَلَـٰمً۬ا (٢٦)

أما جزاء يوم الحساب فنجده في نهاية سورة الواقعة حيث يتميز المقربون عن أصحاب اليمين:
سُوۡرَةُ الواقِعَة

فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوۡحٌ۬ وَرَيۡحَانٌ۬ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ۬ (٨٩)

يمكن أن نعتبر أن هذا الوصف ينطبق علي جنة المأوي التي ذكرت في سورة النجم حيث أن الفناء في الله هو "سلام و روح و ريحان".
نعود مرة أخري لطقس المولوية و إلي "السلام" الرابع حيث إنكار الذات و نبذ الأنانية و التضحية من أجل باقي البشر علي الأرض. تماما كما فعل النبي صلي الله عليه و سلم عندما وصل من خلال معراجه الروحي إلي "العرش" لكنه عاد مرة أخري إلي الأرض ليتم مهمته كعبد الله و رسوله إلي الإنسانية. كذلك يفعل  المولوي بعد أن وصل إلي مبتغاه في الفناء في الحبيب من خلال معراجه الصوفي، عليه أن يعود مرة أخري لمهمته علي الأرض: عبوديته لله و خدمة كتبه و رسله و كافة خلقه.
يلي ذلك تلاوة سورة مريم حيث معجزة ميلاد المسيح و رسالته من خلال مفهومين نجدهما في طقس المولوية و هما الأمر الإلهي "كن":

سُوۡرَةُ مَریَم

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ۬‌ۖ سُبۡحَـٰنَهُ ۥۤ‌ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرً۬ا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ ۥ كُن فَيَكُونُ (٣٥)

و النفخ في الروح الذي لا نجده بصورة مباشرة كما في سورة الأنبياء:
سُوۡرَةُ الاٴنبیَاء

وَٱلَّتِىٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَـٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةً۬ لِّلۡعَـٰلَمِينَ (٩١)

لكننا نجده بالمعني المجازي في سورة مريم:

سُوۡرَةُ مَریَم

فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابً۬ا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرً۬ا سَوِيًّ۬ا (١٧)

نتوقف هنا عند اختيار سورة مريم. تحتل هذه السورة مكانة خاصة في التقاليد و الثقافة التركية. فهي تقع في منتصف المصحف تقريبا (تبدأ في صفحة 305 من إجمالي 604 صفحة في المصحف) و غالبا ما تحظي صفحاتها بزخرفة خاصة تختلف عن باقي السور في المصاحف التركية. لكن الأهم هو أن سورة مريم تحتوي علي مجمل المفاهيم التي يجسدها طقس الطريقة المولوية. يمكنا القول أن المفهوم الجوهري في سورة مريم هو مفهوم الرحمة، بمشتقاته و مرادفاته. إذ ورد اسم الله "الرحمن" 16 مرة في السورة و لفظ "رحمة" خمس مرات و كلمة "حنانا" مرة واحدة. كما أن السورة تبدأ بهذا المفهوم:
سُوۡرَةُ مَریَم

ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُ ۥ زَڪَرِيَّآ (٢)

يرتبط مفهوم الرحمة في السورة ببعث الأنبياء و هو تجسيد لمفهوم "الرحمة المهداة" الذي يبدأ به طقس المولوية. فنجد علي سبيل أن السورة تصف معجزة مولد المسيح بأنها: "رحمة منا"(آية 21) و مولد يحيي: "حنانا من لدنا"(آية 13)، و اسحاق و يعقوب: "و وهبنا لهم من رحمتنا"(آية 50) و موسي: "و وهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا"(آية 53). يقترن مفهوم "الرحمة المهداة" بالعبودية لله و ذلك منذ بداية السورة: "ذكر رحمة ربك عبده زكريا"(آية 2) فالرسل و الأنبياءهم أولا عباد الله ثم رسله، كما في حال عيسي علي سبيل المثال: "قال إني عبد الله أتاني الكتاب و جعلني نبيا"(آية 30). يمتد مفهوم العبودية لله ليشمل خلق العالم و الإنسان:
سُوۡرَةُ مَریَم

إِن ڪُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٲتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحۡمَـٰنِ عَبۡدً۬ا (٩٣)

إقرار المخلوقات بقدرة الخالق و عبوديتها له يتجلي من خلال الحمد و التسبيح، أي المفهوم الذي نجده في طقس المولوية و الذي يتجسد من خلال الآية الأولي من سورة التغابن السابق ذكرها.

في نهاية الطقس يقوم المولويون مرة أخري يعقد ذراعيهم بخشوع مجسدين بذلك وحدانية الله. ثم ينسحبون بهدوء إلي خلوتهم للتأمل و ذكر الله، بعد أن قاموا يتجسيد إحدي أجمل ابداعات الفن بالقرآن.