‏إظهار الرسائل ذات التسميات اميل سيوران. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اميل سيوران. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 يوليو 2016

إيميل سيوران في «مثالب الولادة»: الفيلسوف الباهر في الحكمة

هاشم شفيق

تاريخ النشر: 19-12-2015


إيميل سيوران، هو آخر الفلاسفة المتشائمين العظام، وأكثرهم تأثيراً وحفراً في الذات الإنسانية وفي حضارتها الآلية السريعة، طاردة التأمل الإنساني وهدأة الروح والأعماق لدى الكائن الحديث المتعصرن، مع الأفكار الجديدة لعالم الرأسمال وعالم السوق والمتسق، شاء أم أبى، مع التطوّر الهائل للأتمتة وللمنظومة التكنولوجية الصاعدة باتجاه مستقبل سريع للآلة العصرية.

اختزل إيميل سيوران فلسفات العالم الحديث والقديم بفلسفته هو، فلسفته اليومية المُستمدّة ومضتها من الأحوال والمقامات الإنسانية بشتى صنوفها وتنوّعها، وكذلك بشتى تحولاتها البشرية وتفاصيلها الحديثة، اليومية والتاريخية، منذ نشأة الكون عبر الوعي الإنساني، بادئاً بفلاسفة اليونان الشهيرين ومثيري الجدل حول النزعات الإنسانية ومصيرها الآيل إلى الموت والنهاية، من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو الذين بنوا اللبنات الأولى لعالم الديمقراطيات والتساؤلات حول قيم الماهية والوجود، ووضعوا أسئلة حول الولادة والموت وحول الحقيقة أين تكون وما هو دور الإنسان فيها، مروراً بالهراطقة ومدارس الديالكتيك في البانتيون التي كانت تقام ويأتي كل فيلسوف ليقول ما عنده من رؤى وأفكار حول الحياة والإنسان والعالم.

ليس هناك فيلسوف ومؤرخ وعالم اجتماع، ذاع صيته، أو كان مغموراً، لم يسلط سيوران ضوءه الحاد والكاشف عليه، مفنداً براعات الجميع وناقداً الآخرين، حتى نيتشه معلمه الأمثل لم يسلم من نقد مقولاته ورؤاه الشذرية المتنوّرة، القاسية والأليمة واللامعة والمضيفة من ناحية أخرى.

كم أحببت أن أكتب عن هذا الفيلسوف الذي وجدته الأقرب إلى حالي وتصوّري ورؤيتي تجاه العالم التي لم تكن رؤية متشائمة بعمق، ولكنها تكاد أنْ تكون رمادية، ماسيّة، حول مفهوم الحياة والوجود والكون وحول معنى الذات العليا ومُسيّر الكون الذي يناقشه سيوران في الصغيرة والكبيرة، كفيلسوف لديه الحق في الجدل حتى مع خالقه وخالق هذه العوالم والأكوان

لماذا سيوران؟

الفيلسوف إيميل سيوران، الفرنسي من أصل رومانيّ، تشبّع، وهذه وجهة نظر شخصية بحتة، بفلسفة الشارع، فلسفة اليومي، هذه الفلسفة التي جعلها لأول مرة في تاريخ الفلسفة الكونية، فلسفة مقبولة إلى حدٍّ ما لدى الجميع، كونها نازحة من فلسفة الإنسان نفسه، من يومياته وتاريخه وتكوينه وأسئلته اليومية حول مصيره وحياته، البدء والتكوين، الولادة والحياة والموت، العيش والعمل ومشاركة الإنسان الآخر، الدين والعلم والأفكار التي صاحبت الإنسان منذ ولادته، تحوّلات الطبيعة والكون وتطور البشرية ونزعة الأنا والاستحواذ، وظهور التوحيد الذي تجسّد في أديان ثلاثة، ظهور التاريخ منذ هيروديت وقبله، نشأة المدن والدول والأقوام والترحال الأبدي للأقوام، تمازج الثقافات وتعدّدها وتعدّد الهويات ولغاتها وملازمة الشعر والفن والخيال للعقل الإنساني، وغيرها من مفاهيم وتصورّات وأفكار ومنظومات وعوالم ويوتوبيات وأساطير وملاحم وهرطقات، وحروب ومنازعات واندثار عوالم وكائنات ومدن وسلالات، وتحوّلات أركيولوجية وميثولوجية، وأبستمولوجيات وفيلولوجيات وثيوقراطيات ومفاهيم فلسفية أخرى، كُتب لها أن تصبح أمثولات وكيانات، وغيرها من علوم أنطولوجية ، كلها تمرّ من تحت قلم الفيلسوف الأمثل إيميل سيوران، الذي كتب الكثير حول كل هذه القضايا بروح شاعرية، يمرح فيها الخيال ليضيء الأفكار الجميلة المطعّمة بلغة الشعر والمخيال والفن، ليصبّها في فكرة مستخلصة، ستُصبح مع مرور الأيام حكمة ولقية وشذرة رؤيوية تقي الإنسان الحديث شرور العالم الحديث.

انطلاقاً من هذه الرؤية أحببت هذا الفيلسوف الشاعري، المتمرّد والصادق مع عمله الرؤيوي، ومع ما يكتب من رؤى فلسفية تمس مباشرة قاع الإنسان، فتحس أنه يتحدث عنك، عن حياتك وسؤالك أنت ومشكلتك الوجودية أنت، وعن نوع حياتك وتأطرها في أفق هذا الكون والعالم.

فلاسفة كبار تحدثوا عن الوجود والعدم وعن غاية الإنسان وهدفه على الأرض، بدءاً من دي كارت، وماركس، وسارتر وكامو وميرلو بونتي وسيمون دي بوفوار، وهيدغر ونيتشة، لكن سيوران جاء مختلفاً، ليكون هو، ذلك الفيلسوف المختزل للرؤى والافكار والتصورات، مختزل أقرب أساتذته إلى عالمه الشكاك غير اليقيني، من أمثال هيدغر ونيتشة ودي كارت وشابنهاور.

عطفاً على ما مرّ أعلاه، فمناسبة هذا الاستطراد هو صدور كتاب جديد بالعربية لإيميل سيوران بعنوان «مثالب الولادة» وهو كتاب راق في طرح مفهومته النظرية. وعنوان الكتاب يوضح على نحو تام ما يقصده سيوران من وراء ذلك. وهو مليء وحافل ومترع بالأمثولات الفلسفية والتواريخ والأسماء العظيمة التي بنت التاريخ ووضعت من ثم التسلسل الكرونولوجي للحياة الإنسانية على هذا الكوكب.

ميزة الكتاب هذا، تأتي أيضاً من مترجمه اللامع الشاعر التونسي آدم فتحي، الذي ما عَتمَ يقدم المزيد من عالم سيوران بلغة جذابة وفاتنة ودقيقة وحريصة على إيصال الفكرة والمعلومة والشاهد الزمني والتاريخي، بهوامشه وشروحه الثرية، التي خلت من التعاضل اللغوي والاعتياص البنيوي اللذين يشوبان بعض الترجمات عن الفرنسية، وبخاصة حقل الفلسفة بشكل عام.

لقد ترجم آدم فتحي سيوران بلغة سلسة، منعت مدوّنات سيوران من أن تصبح فلسفة جافة، خشنة، وفيها تعمية وإبهام في مشكلات الترجمة وفنها ، وما أكثرها في عالمنا العربي.
حتى الآن ترجم آدم فتحي العديد من كتب ومفاهيم ويوميات سيوران الفلسفية التنويرية الذكية التي تلاحق مصير الإنسان وحياته العصرية

إذاً «مثالب الولادة» يأتي مُكمِّلاً لمشروع سيوران الكبير، ليخالف فيه فلاسفة سبقوه، أو ليؤيد بعضاً ممن أحبّهم، والشذرة الفلسفية عموماً هي من ابتكار نيتشة، لكن تلميذه أضفى عليها المزيد من الشعاع و الابتكار الذاتي السيوراني. ومضة سيوران صادمة، متألقة وجديدة، بفعل عمق ما يحمله كاتبها من خيال وتفرّد وخصوصية استثنائية، وكذلك فيما يحمله من مضامين ومعارف متطورة وحديثة، تلائم زمانها ومكانها اللذين كتبت فيهما، وكذلك هو الأمر بخصوص الشاعرية التي وظف هايدغر بعضا من أحلامها حول أشعار شاعره الأثير هولدرلن، دون أن ننسى جان بول سارتر الذي كتب مقدمة لكتاب جان جينيه الروائي والمسرحي الفرنسي المتمرّد، وكان هو نفسه، أي سارتر، كاتبا مسرحيا، غير أنّ سيوران يأتي بلهجة فلسفية جديدة وأنيقة، فيها الكثير من معاناة البشرية وأسئلتها الكثيرة التي تحاصر عالمها المعاصر والحديث.

يُقسّم سيوران كتابه هذا، إلى وحدات فكرية وفلسفية ومعرفية، كل وحدة لها منظومتها التنويرية وهدفها في إضاءة محمولها الجمالي والفلسفي، وتبيان ما يسعى إليه من رؤيا كلية، تخص الآخر، لتضيء وعيه الإنساني، وتحاول أن توصل له المغزى والمرام والدلالة، علها تعينه في تخطي مصاعبه اليومية، الوجودية والكونية.
ففي الوحدة الأولى على سبيل المثال، يركز سيوران على قضية الولادة والوجود وعوائق الحياة أمام هذا الوجود وأمام الرحم الذي جاء بالكائن إلى هذا الكون، لتولد معه كل مزاياه السلبية والإيجابية، بينما في الوحدة الثالثة يذهب إلى معاني الحيرة والخيبة والتعبّد في الديانات عامة وانهاك الوعي البشري، مستشهداً بكتاب الكابالا اليهودي والقديسة تيريزا الأفيلية وورد زورث وكولريدج و «فينومينولوجيا الروح» ليهغل وغيرهم من عمالقة الفن والأدب والفلسفة.

بينما في الوحدة المعرفية السادسة يتوقف عند علم النفس، والمصائب اليومية التي تحدث للإنسان مثل الكوابيس والأرق والشك والغيرة وتخبط الذات والأنا، متوقّفاً عند سيغموند فرويد وبعض الأعمال الشكسبيرية والكتب البوذية، مروراً بفكرة «التبديوم فيتايي» والتي تعني التعب من الحياة والسأم منها.
في الوحدة المعرفية الأخيرة نجده، يسلط الضوء على مفهومي الحياة والموت، والتناقض الذي يعيشه الإنسان بين هذين القطبين، وهو في هذه الوحدة لا يبدي إلا التشاؤم وإظهار فكرة اللا جدوى من الوجود بشكل عام.

وفق هذا المساق، يذهب إيميل سيوران ليفكك بطريقته الخاصة، وبعيداً عن الفيلسوف دريدا عوالم الإنسان في كتابه هذا، مثل الوحدة، العزلة، الكراهية، سيادة الآخر، انحراف الأنا، الذات ومشاغلها، الأرق، النوم، الوقت، الزمن ومفهومه اليومي لدى الإنسان، دامجاً حياته بحياة الآخرين ليستخلص عبر كل هذه المفاهيم، وهذه الشذرات الفلسفية التي يطرحها هو كأفكار جديدة لفلسفته هو، ونحن هنا قد لا نشاطره الرأي في الكثير من الآراء التي يطرحها، وقد نتقاطع مع البعض الآخر منها كون «على الأرض ما يستحق الحياة» كما قال محمود درويش يوماً.

مختارات من ومضاته الفلسفية 

"نحن لا نركض نحو الموت، نحن نفرّ من كارثة الولادة، نتخبط مثل ناجين يحاولون نسيانها".
"اقترفت كل الجرائم باستثناء أن أكون أباً".
"التواصل الحقيقي بين الكائنات، لا يتم إلا عن طريق الحضور الصامت، عن طريق اللا تواصل الظاهر، عن طريق التبادل الملغز، والخالي من الكلام، الشبيه بالصلاة الباطنية".
"كلما كان أحدهم مغموراً بالمواهب، قلّ تطوّره على الصعيد الروحي، الموهبة عقبة أمام الحياة الباطنية".
"أن تعيش، يعني أن تتقهقر".
"الطريقة الوحيدة التي تتيح للمرء حماية عزلته تتمثل في أنْ يجرح الجميع، بادئاً بالذين يحبّهم".
"كلّ صداقة هي مأساة غير ظاهرة، سلسلة من الجراح غير المرئية".


إيميل سيوران: "مثالب الولادة"
ترجمة ـ آدم فتحي ـ دار الجمل ـ بيروت 2015
263 صفحة

هاشم شفيق

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاثنين، 27 يونيو 2016

اعترافات ولعنات (مقتطفات من الكتاب) - إميل سيوران

ترجمة: محمد علي اليوسفي




ما أعرف يقوِّض ما أريد.
*
يأتي وقت لا يقلد المرء فيه إلا نفسه.
*
الكآبة تتغذى من ذاتها، ولهذا لا تعرف كيف تتجدد.
*
على أية حال، لم أُضِع وقتي، أنا أيضا تمرغت، كأي إنسان، في هذا الكون الزائغ.
*
إن تطبيق المعاملة ذاتها على الشاعر وعلى المفكر تبدو لي خطأ في الذوق. ثمة مجالات لا ينبغي أن يقترب منها الفلاسفة. تفكيك القصيدة كما تفكك منظومة (فلسفية) هو جريمة، بل عمل تدنيسي وانتهاك حرمات.
أمر مثير للفضول: الشعراء يبتهجون عندما لا يفهمون ما يكتب عنهم. ذلك أن الرطانة تغريهم وتوهمهم بتحقيق تقدُّم. هذا الضعف يجعلهم دون مستوى نقادهم وشارحيهم.
*
أفضل طريقة للتخلص من العدو هي أن تمدحه أينما حللت. سوف ينقلون إليه ذلك فلا تبقى لديه قوة لإزعاجك: لقد حطَّمتَ قوته …  وسوف يواصل حملته ضدك دائما، لكن من دون صرامة وبأس، إذ يكون قد كف لا شعوريا عن كرهك. لقد هُزم وهو يجهل هزيمته.
*
أولئك الأبناء الذين لم أرغب في مجيئهم ، ليتهم يدركون السعادة التي يدينون لي بها!
*
لا يسكن المرء بلادا، بل يسكن لغة. ذلك هو الوطن ولا شيء غيره.
*
الانتعاظ أو هزَّة الجماع ،ذروة؛ اليأس أيضا. أحدهما يدوم لحظة؛ والثاني يدوم حياة.
*
من يعِشِ الخلود يفوِّتْ… سيرته الذاتية. وفي خاتمة المطاف لا تكون ناجزه أو مكتملة إلا المصائر المحطمة.
*
الحلم، بإلغائه للزمن، يلغي الموت. والموتى يستغلون ذلك كي يزعجونا. البارحة رأيت أبي. كان كما عرفته دائما. ومع ذلك ترددت قليلا. وإذا لم يكن هو؟ تعانقنا على الطريقة الرومانية، لكن كما هي الحال معه دائما؛ من دون دفق حنان، من دون حرارة، من دون إظهار مشاعر الفرح مثلما هو متبع لدى شعب منفتح. وبسبب تلك القبلة المتحفظة، الثلجية، تيقنت أنه هو، فعلا. استيقظت وأنا أقول لنفسي إن المرء لا يبعث من الموت إلا دخيلا، منغِّصا، وإن ذلك الخلود المزعج هو الوحيد الموجود.
*
النقد تفسير خاطئ ومعكوس: ينبغي أن تتم القراءة من أجل فهم الذات، لا من أجل فهم الآخر.
*
كل رغبة تبعث في داخلي رغبة مضادة، بحيث، مهما فعلت، لا أجد قيمة إلا لما لم أفعل.
*
"سوف تحل نهاية الإنسانية عندما يصير الجميع مثلي" هكذا قلت ذات يوم، في سَوْرَةٍ لست مؤهَّلاً لوصفها.
*
ما أشدَّ ما كان البشر يتبادلون الكراهية في الظلمة وعفونة الكهوف! هذا ما يجعلنا نفهم لماذا لم يرغب الرسامون الذين كانوا يتعيَّشون داخل تلك الكهوف، في تخليد وجوه مَنْ يشبهونهم وفضلوا عليهم وجوه الحيوانات.
*
كثيرا ما ينبجس الجوهري إثر حديث طويل. الحقائق الكبرى تقال على العتبات.
*
الرسالة الجديرة بهذا الاسم تكتب تحت وطأة الإعجاب أو الاستنكار، أي المبالغة في كلتا الحالتين. لهذا نفهم لماذا تكون الرسالة الجدِّية رسالة ميتة في المهد.
*
تغيير الكاتب لغتَه يعادل كتابةَ رسالةِ حبّ بوساطة قاموس.
*
ليس غير الموسيقى لربط صلة لا تنفصم بين كائنين. أيُّ هوًى هو هوًى فانٍ. إنه ينحط ، شأنه شأن كل ماله صلة بالحياة، في حين أن الموسيقى ذات جوهر أسمى من الحياة، وبالتالي أسمى من الموت.
*
من الملاحظ أن الرطانة الفلسفية، وهذا عين الصواب، سريعة الانتشار، شأنها شأن اللهجة العامية. والسبب؟ الأولى مفرطة في تكلفها، والثانية مفرطة في حيويتها، إفراطان مدمِّران.
*
حقيقة أن الحياة ليس لها معنى، هو مبرر للعيش، وهو الوحيد على أية حال.
*
في بحثها عن صيغة قابلة لإرضاء الجميع، ركزت الطبيعة اختيارها على الموت. والموت، كما كان متوقَّعًا، لم يكن ليُرضي أحدا.
*
يعيش أيامه الأخيرة، منذ شهور، منذ أعوام، ويتحدث عن نهايته بصيغة الماضي، عن وجود يلي الممات. استغربت كيف أنه لا يأكل شيئا تقريبا ويتوصل إلى البقاء: "جسدي وروحي استغرقا الكثير من الزمن والضراوة من أجل الالتحام، إلى درجة أنهما لا يتوصلان الآن إلى الانفصال."
وإذا لم يكن له صوت تشوبه نوبة احتضار فإن مرد ذلك إلى كونه لم يعد على قيد الحياة منذ زمن طويل. " أنا شمعة مطفأة." هذه أصح عبارة قالها بخصوص تحَوُّله الأخير. وعندما حدثته عن احتمال حدوث معجزة، كان جوابه: "يتطلب الأمر الكثير من المعجزات." 
*
كان علينا ألا نتكلم إلا عن الأحاسيس والرؤى: وليس عن الأفكار أبدا، لأنها لا تنبثق من دواخلنا ولا تكون ملكنا حقا، أبدا.
*
مدمِّر ومكتسِح بالسأم ، هذا الإعصار على البطيء…
*
توجد كآبتان؛ الأولى يعالجها الدواء، والثانية تلازمنا: إنها الأنا في مواجهة ذاتها إلى الأبد.
*
في التخلص من الحياة حرمان من سعادة السخرية منها. هذا هو الرد الوحيد على من يخبرك بأنه يرغب في التخلص منها.
*
المادح: كثيرا ما يكون عدوًّا مستقبليا.
*
أجدى طريقة لاكتساب أصدقاء أوفياء أن تهنئهم على فشلهم.
*
المبالغة في الحديث عن الجنس تفسده. الذروة الجنسية لم تكن حدثا فلسفيا قط.
*
ما من عائق أمام الخلاص اكبر من الحاجة إلى الفشل.
*
الإشراق إطلالة أخيرة على الوهم.
*
عندما نموت نصير سادة العالم.
*
التدفق الخالص للزمن، الزمن العاري والمختزل في جوهر متدفق بلا انقطاع للَّحظات، ندركه في الأرق. كل شيء يختفي. ويتسرب الصمت إلى كل مكان. ننصت فلا نسمع شيئا. تكف الحواس عن التوجه نحو الخارج. نحو أي خارج ؟ إنه انغمار لا يبقى فيه إلا هذا التدفق الخالص من خلالنا، وهو نحن أيضا، ولن ينتهي إلا مع النوم أو طلوع النهار.
*
إذا كنت أفضل النساء على الرجال فلأنهن يتميزن عن الرجال باختلالٍ أشد في التوازن، وبالتالي، بتعقيدٍ أكثر، وتوقدِ ذهنٍ وصلافة، من دون نسيان ذلك السمو الغامض الذي تمنحهن إياه عبودية القرون.
*
إن الندم، كهجرة في الاتجاه المعاكس، إذْ يمتِّعنا باستعادة حياتنا، يوهمنا بأننا عشنا الكثير من الحيوات.
*
يقاس عمق أي هوى بالمشاعر الدنيئة التي تسكنه والتي تضمن كثافته وديمومته.
*
لا توجد الموسيقى إلا بمقدار زمن الاستماع، مثل الإله لا يوجد إلا بمقدار ديمومة الوجد.
*
الفن السامي والكائن السامي يشتركان في كونهما يتوقفان علينا كليا.
*
كلما تألمنا أكثر طالبنا بالأقل. الاحتجاج علامة على أن الإنسان لم يجتز أي جحيم.
*
موقعنا في مكان ما، بين الوجود والعدم، أي ما بين وهمين.
*
"عندما هفا طائر النوم إلى بناء عشه في حدقتي، رأى الأهداب فارتعب من الشبكة" من الذي استطاع، أفضل من ابن الحمراء، هذا الشاعر العربي الأندلسي، أن يسبر ما لا يُسبر من أعماق الأرق؟
*
رفعتُ جبال الهِمَالايا طيلة الليل – كيف أسمِّي ذلك نوما ؟
*
بعد كلام كثير لمدة ساعات هاأنذا يغزوني الفراغ، الفراغ والخزي. أليس من البذاءة أن يكشف المرء أسراره ويعري كيانه، أن يحكي ويستمع إلى من يحكي، في حين أن أكثر لحظات حياته امتلاء قد عرفها خلال الصمت، خلال الإدراك الحسي للصمت؟
*
أنت الآن هادئ، لقد نسيت عدوك. أما هو فيسهر ويترقب. ومع ذلك عليك أن تكون مستعدا عندما يهجم. سوف تنتصر عليه لأن الضعف تمكن منه بسبب ذلك الهدر الهائل للطاقة، أي الحقد.
*
ما لا يهمنا هو الذي لم ننجزه، ما لم نستطع إنجازه، بحيث لا يتبقى لنا من حياتنا إلا ما لم تكنه.
*
لا جدوى من تخليك عن هذا المعتقد الديني أو ذاك المعتقد السياسي، سوف تحافظ على التصلب والتعصب اللذين دفعا بك إلى تبنِّيه، سوف تظل حانقا دوما، لكنّ غضبك سوف يكون موجها ضد المعتقد المتروك؛ أما التعصب فإنه يظل ملتحما بجوهرك، وسوف يبقى، بصرف النظر عن القناعات التي تستطيع الدفاع عنها أو رفضها. العمق هو عمقك، جوهرك، سوف يبقى هو ذاته، ولن تستطيع تحويره بمجرد تغيير آرائك.
*
" ورأى الرب أن النور حسن "
هذا أيضا هو رأي الفانين، ماعدا الأرِقين. فالضوء عندهم اعتداء، جحيم أقسى من جحيم الليل.
*
لا شيء أشد ازعاجا لاستمرارية التأمل من الشعور بالحضور الملحّ للدماغ. ربما هنا، يكمن السبب في أن المجانين لا يفكرون إلا من خلال بروق (ومضات).
*
منذ القِدم ونحن نموت. ومع ذلك لم يفقد الموت شيئا من نضارته. هنا يكمن سر الأسرار.
*
أن تقرأ يعني أنك تترك آخرَ يجهد من أجلك. إنه الشكل الأكثر لطفا في درجات الاستغلال.
*
ما أن أخرج من "أنا " حتى أنام.
*
لكي تبني المحارة قوقعتها عليها أن تمرِّرَ في جسمها ما يعادل وزنها خمسين ألف مرة من مياه البحر .
   …إلى أين ذهبت أبحث عن دروس في الصبر!
*
أن نكون أو لا نكون.
      …لا هذا ولا ذاك.
*
حذار من المفكرين الذين لا تعمل عقولهم إلا انطلاقا من الاقتباس.
*
إذا كانت الروابط بين البشر على هذه الدرجة من الصعوبة فلأنهم خلقوا للعراك وليس لإقامة  "روابط ".
*
الارتياب يتسلل إلى كل شيء، لكن مع استثناء مهم: لا وجود لموسيقى ارتيابية.
*
آخر شاعر مهم في روما، جوفنال، وآخر كاتب لامع في اليونان، لوسيان، كلاهما تعامل مع السخرية التي انتهى إليها أدبهما، كما ينبغي لكل شيء، سواء أكان أدبا أم لا، أن ينتهي.
*
يا للحظّ الذي يتمتع به الروائي أو المؤلف المسرحي في التعبير متنكرا، وفي التخلص من صراعاته، وأكثر من ذلك، في التخلص من كل أولئك الشخوص الذين يتعاركون داخله! الأمر مختلف بالنسبة للباحث فهو محصور في جنس جاحد لا يسقط فيه تعارضاته الخاصة إلا عبر مناقضة نفسه في كل مرة. في الحكمة تحرر أوسع – انتصار للأنا المجزَّأة…
*
آراء، نعم؛ قناعات، لا. هذه هي نقطة البدء للافتخار الفكري.
*
لا شيء يعادل الظهور المفاجئ "للصرصور" لحظة الاستيقاظ . إنه يعيدك إلى الوراء مليارات السنين حتى العلامات الأولى، حتى أمارات الوجود، أي في الواقع، حتى المبدأ ذاته للصرصور.
*
كل ما نستطيع تصنيفه قابل للتلف. لا يدوم إلا ما هو قابل لتعدد التآويل.
*
في أوج الليالي، لا أحد غير مجتمع الدقائق. كل دقيقة تتظاهر بمرافقتنا ثم تهرب – فرار يليه فرار.
*
كلما تقدمنا في السن أدركنا أننا نتوهم أنفسنا متحررين من كل شيء وأننا في الواقع لسنا متحررين من أي شيء.
*
الأوراق الأخيرة تسقط متراقصة. لا بد من جرعة كبيرة من فقدان الحس كي نواجه الخريف.
*
في لغة أخرى مستعارة (غير اللغة الأم) نكون واعين بالكلمات. فهي لا تكون موجودة فيك بل خارجك. هذا البون بينك وبين وسيلتك للتعبير يفسر صعوبة، بل استحالة، أن يكون المرء شاعرا في غير لغته. كيف عساك تستخلص جوهر كلمات ليست متجذرة فيك؟ إن القادم الجديد يعيش على سطح الكلمة، ولا يمكنه، في لغة تعلمها متأخرا، أن يترجم ذلك الاحتضار الباطني الذي ينبجس منه الشعر.
*
" لماذا الشذرات؟ " سألني ذلك الفيلسوف الشاب مؤاخذا. – "بسبب الكسل، بسبب النزق، بسبب القرف، لكنْ لأسباب أخرى أيضا…" – وبما أنني لم أجِدْ منها سببا واحدا، أطنبت في تفسيراتٍ بدَتْ له جادَّة وانتهت بإقناعه.

_____
ترجمة محمد علي اليوسفي

اميل سيوران فيلسوف السخرية يسائل فعل الولادة

شادي كسحو (كاتب سوري)



مثالب الولادة ترجمة آدم فتحي
اميل سيوران، رسول العدم أو فيلسوف الخواء كما يحلو للبعض تسميته، هو الابن الشرعي لانهيار البنى التقليدية للفكر الغربي، وتفكك عصر الحكايات الكبرى، وربما هو الوارث شبه الوحيد لـ «فيلسوف المطرقة» فريدرك نيتشه. وخيراً فعل الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي إذ أضاف إلى المكتبة العربية كتاباً ثالثاً لسيوران، نقله عن الفرنسية بعنوان «مثالب الولادة» (دار الجمل)، إضافةً، إلى كتابين آخرين كان فتحي نقلهما إلى العربية وهما: المياه كلها بلون الغرق، وتاريخ ويوتوبيا.
ربما أصبحوا قلّة أولئك الكتّاب، الذين تنطبق عليهم مقولة نيتشه الشهيرة: أحلم أن أقول بجملة واحدة، ما يقوله غيري في كتاب. كاتب الشذرات أو الأفوريزمات الفلسفية الروماني المولد - الفرنسي الثقافة واللغة، اميل سيوران (1911- 1995)، ربما هو واحد من هؤلاء القلّة الذين ساروا على هدى نيتشه في القرن العشرين، من دون أن يعفي هذا صاحب «الإنسان الأعلى» من تهكم سيوران وسخريته اللاذعة.
للتو، وعند أول مطالعة لهذا الكتاب الجديد، تكتشف أنك أمام نصوص من نوع خاص، فالولادة، أو قل: كارثة الولادة، والتي هي التيمة الأساسية لهذا الكتاب، هي مغامرة عبثية لا جدوى منها، لأن مصير الإنسان مرتبط بنهاية حتمية يغيب فيها وعيه ووجوده، ويكون مصيره كمصير أي كائن آخر... إذاً لمَ كل هذا النواح؟ فإذا كان مصير الإنسان هو الموت، ما قيمة الولادة أصلاً، هل ولد الإنسان ليموت؟.
قد تفوح هنا رائحة النزعة الشوبنهورية (نسبة إلى الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور)، التي تزعم بأن هذا الوجود برمته هو مجرد عبث لا طائل من ورائه، أي بمعنى ليس ثمة هدف أو غاية لهذا الوجود، فالإنسان محكوم عليه بالوجود في هذا العالم مسلوب الإرادة، والأنكى من ذلك أنه محكوم عليه بالموت أيضاً. فهل نحن نستحق فعلاً هذا القدر المحتوم؟ أليس علينا أن نصرخ دائماً: من العبث أن نولد ومن العبث أن نموت.
ولدتم جزافاً... هذه هي رسالة سيوران الأولى والأخيرة للبشرية. مدهش وفريد، ذاك التماهي شبه التام بين أفكار هذا الفيلسوف وحياته، ولا نبالغ لو قلنا: إن فلسفة سيوران، هي أيقونة نفسه القلقة وروحه المتمردة ومزاجه الحاد، ونتيجة لهذه العلاقة الوثيقة بين فكر سيوران وحياته، جاء نتاجه لا يشبه الفلسفة بمعناها التقليدي، فقد جعل سيوران من نصوصه وشذراته حرباً مفتوحة على الخواء والعدم واللامعنى، فهو لم يكتف بتأملات باردة حول الوجود، بل دخل إلى دهاليز الكينونة، كاشفاً، منقباً، باحثاً، عن كل ما يجول في أفكارنا من دون أن نقدر على التعبير عنه.

يكتب سيوران في مثالب الولادة: «اقترفت كل الجرائم، باستثناء أن أكون أباً. كابوس الولادة حين ينقلنا إلى ما قبل ماضينا، يجعلنا نفقد الرغبة في المستقبل والحاضر والماضي أيضاً. بمجرد التفكير في أن لا أكون ولدت، أي سعادة! أي حرية! أي مدى».
في الشكل، لا يخرج سيوران عن أسلوبه المعتاد باعتماد الشذرة شكلاً كتابياً، مكثفاً وموجزاً، بل وربما متقشفاً، للتعبير عن علاقته المأزومة بالوجود، تلك العلاقة التي لطالما ألحّ عليها سيوران قائلاً: ليس لدي أفكار وإنما هي مجرد وساوس. ثمة قرابة خفية يمكن الشعور بها عند المقارنة، بين هذه الشذرات، التي تتخذ من مثالب أو مساوئ الولادة موضوعاً لها، وبين ما كتبه شاعرنا الكبير أبي العلاء المعري القائل مثلاً: هذا ما جناه أبي عليّ، وما جنيت على أحد.
أما في المضمون، والمحتوى الفكري والفلسفي والدلالي، فربما بلغ الاختلاف بين ما كتبه الرجلان حد القطيعة والتعارض التام. وهذا طبيعي بين فيلسوف وشاعر عاش في ذروة انحطاط الحضارة العربية، وبين كاتب عاش القرن العشرين بكل أهواله وفظائعه طولاً وعرضاً.

عن هذا الكتاب يحدثنا اميل سيوران قائلاً: «ألتزم بكل كلمة في هذا الكتاب، الذي نستطيع فتحه من أي صفحة وليس من الضروري قراءته كله». وأما عن سبب تأليف هذا الكتاب، فيروي سيوران، بأنه دخل يوماً على أمه وارتمى على الأريكة وهو يصرخ «لم أعد أحتمل هذه الحياة»، فردت والدته: «لو كنت علمت ذلك لأجهضتك». يقول سيوران: «لقد أصابتني هذه الكلمات بهلع ميتافيزيقي وبإهانة وجودية، وألهمتني بتأليف كتاب مثالب الولادة».
من سيقرأ هذا الكتاب، سيكون مدعواً ليبذل مزيداً من الجهد، فهذا النوع من النصوص، إنما كُتب خصيصاً لتأزيم الفكــر وخلخلة مسلماته، إنه ينتمي إلى تلك الكتابة التي تمتدح الأنانية لا التضحية، وتمجـــد الانتحار على الاستمرار الساذج في الحياة، وتضع متعة الهدم والتفكيك مقابل متعة البناء والتركيب، لتبدو كأنها نشيد للعزلة وليس للاحتفال بالجمهور، إنها تهكم متعمّد من العقل الوثوقي والعقلاني وامتداح مطول للجنون والهذيان. لذلك فهي كثيراً ما تبدو، كتابة لاذعة متهكمة، تسخر من كل الأكاذيب الكبرى التي أنتجها العقل البشري.

إننا بحاجة إلى كتب بقيمة «مثالب الولادة»، ليس لأن مشكلة الولادة، ظلت الهاجس الوحيد لسيوران طوال حياته، كما يروي صديق عمره سيمون بويه، بل لعلنا - عبر مثل هذه الأفكار- نتمكن من الوقوف على كثير من نقاط التشابه والتقاطع، بين العدمية الغربية كما تجلت على لسان أبرز كتابها المعاصرين اميل سيوران، وبين تلك العدمية المبتذلة التي تلفّ عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج، آملين أن يأتي ذلك اليوم، الذي نسهم فيه بتعميق هذه العدمية وتجذيرها، والدفع بها إلى حدودها القصوى، لنهيئ الانتقال والعبور من العدمية المبتذلة بما هي انحطاط وتراجع، إلى طور «العدمية الأنيقة» بما هي أفق وتجاوز.
على أية حال، قد نتفق مع سيوران أو نختلف معه على كثير من القضايا والمواضيع، لكن المميز حقاً في كتاب «مثالب الولادة»، هو تلك الرؤيا التي تقلب كل الأسئلة المصيرية رأساً على عقب، وكأني بسيوران يريد بساعتنا الوجودية أن تعود للوراء. فبدل الحديث عن الموت وعن هاجس الموت، يطرح سيوران سؤالاً أكثر جذرية من سابقه، وهو لماذا الولادة أصلاً؟. نحن هنا أمام استفزاز في غاية المراوغة والعبث، يراد منه بلبلة وتشويش أفكارنا، لا حباً في الاستفزاز وإنما رغبة في حَرف علاقتنا بالوجود، فالكارثة أو النكبة، ليست هي الموت، وإنما هي الولادة ولا شيء غير الولادة.

المصدر: اميل سيوران فيلسوف السخرية يسائل فعل الولادة ، جريدة الحياة اللندنية.