‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميشيل سير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ميشيل سير. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 12 سبتمبر 2019


السفر الأخير لميشيل سير،مفكر الطبيعة
ترجمة :سعيد بوخليط

بخصوص الجواب عن سؤال : ماذا يلزم كي تصبح فيلسوفا؟" رد ميشيل سير باستمرار : ''ينبغي أن تسافر".هكذا سافر الفيلسوف بعيدا عن هذا العالم،وعمره يقارب الثامنة والثمانين.
"تشير بطاقة هويتيإلى اسم سيرSerres. هو اسم جبل،كما الشأن معسييرا في إسبانيا والبرتغال؛ يحمل آلاف الأشخاص اسما من هذا القبيل،على الأقل في ثلاثة بلدان.في حين،بالنسبة لميشيل، يتضاعف أكثر عدد الأشخاص الذين يلقبون بهذا الاسم".
يعود بنا التاريخ إلى يوم18نوفمبر2009.وسط حشد من الزملاء،كان ميشيل سير حاضرا داخل مكتب جريدة ''ليبراسيون"،شارع بيرونجي،كي يشرف على إنجاز متكامل لإحدى الملفات الفلسفية المخصصة للجريدة ،خلال حقبة ميزها نقاش صاخب حول مسألة الهوية الوطنية.أوكل إليه إذن طاقم ليبراسيونمهمة رئاسة التحرير،وكذاتدبيج المقال الافتتاحي.
صاحب حاجبين وشعر أبيضين أشعثين،مرتديا سروالا ناعم النسيج وقميصا أحمر،جَبَليا.بعدانتهاء اجتماع هيئة التحرير، مكث وحده داخل القاعة الكبرى التي استحسن اسمها"الكوة" .وضعنا رهن  إشارته حاسوبا،غير أنه فضل فقط بعض الأوراق، مضيفا : ''لدي قلم".
شرع يكتب، فعلا بقلم صغير،يقارب مداه طول سيجارة.خلال ساعة،كانت الافتتاحية جاهزة.اكتشفنا،خلال الأيام الموالية، بأن العديد من الأساتذة قرأوها داخل حجرات الدراسة على مسامع تلامذتهم. تقول:"أعرف الكثير من ميشيل سير:أنحدر من هذه المجموعة، مثلما أنتسب إلى هؤلاء الأشخاص الذين ولدوا في منطقة لوت وغارون.باختصار،لاشيء يتحدث عن هويتي في بطاقتي الشخصيةبل تشير،إلى انتماءات عدة.تبرز أيضا خاصيتين: الأشخاص البالغ طولهم 1.80،ثم أصحاب الجنسية الفرنسية. يعتبر الخلط بين الهوية والانتماء خطأ منطقيا ،ضبطه المتخصصونفي الرياضيات.إما تقولون :"أ هي أ" ، "أنا هو أنا" ، ثم تحققت الهوية؛أو تقولون : "تنتمي أ إلى مجموعة معينة"،ثم يتجلى الانتماء. خطأ،يجازف بأي شيء. لكنه يُضاعف بجريمة سياسية :العنصرية.فأن تنعت، حقيقة،هذا الشيء أو ذاك،كونه أسود أو يهوديا أو امرأة يعتبر جملة عنصرية مادامت تخلط بين الانتماء والهوية. أنا لست فرنسيا ولا غاسكونيا (منطقة غاسكون)،بل منحدرا من الجماعات التي تطوي في جيبها بطاقة كتبت بنفس لغة بطاقتي، الحالمين أحيانا،بلهجة سكان جنوب فرنسا.اختزال شخص  إلى واحد من انتماءاته قد يحكم عليه بالاضطهاد.والحال أنه خطأ،وشتيمة نمارسهما حينالقول : هوية دينية،ثقافية، وطنية لا،بل  مجرد انتماءات. من أنا إذن؟أنا هو أنا،هذا كل مافي الأمر؛أنا أيضا حصيلة انتماءات لن أكتشفها سوى حين وفاتي، مادام يرتكز كل تطور على الولوجإلى مجموعة جديدة :متكلمي اللغة التركية،إنتعلمت الحديث بهذه اللغة،أو الذين يعرفون إصلاح دراجة نارية أو طهي بيض مسلوق،إلخ.أما الوقوف عند حدود هوية وطنية :يعتبر خطأ و جريمة".
-فلسفة فكر علمي جديد :
توفي ميشيل سير يوم 1يونيو 2019عن سن يناهز الثامنة والثمانين.بوسعنا، من الآن فصاعدا، القول، بأنه كان:فيلسوفا منقطع النظير،يسكنه تطلع بلا حدود،ويميزه سخاء غير قابل للمضاهاة. مفكر لايشبه الآخرين، لأنه حينمايحتفي بالثقافة والطبيعة، يضفى على الفلسفة ألوانا، روائح،ويستحضر عبر مختلف ذلك ماء الأنهار وأتربة الأرض التي يمسكها القروي  بينأصابعه قصد تذوقها ،ثم الأسفار، المراعي، الذئاب، العجول، طيور البوم. سئل ذات يوم : "لكن ماذا ستفعلون بذهابكم صوب أعالي الجبل وقد بلغتم هذا العمر؟''.أجاب : ''حتى أعمل على تهيئماسأكتبه. بالتأكيد،ادرسوا، تعلموا،لكن سيظل دائما شيئا عالقا،فلتمرنوا خاصة هذا الجسد،وليكن موضوع ثقتكم،لأنه يتذكر مختلف الوقائع دون ثِقل ولاعائق ".
منذكتابه : "نظام ليبنتز ونماذجه الرياضية''(1968)،أصدر ميشيل سير أكثر من ستين عملا.القارئ الذي لم يطلع على أي دراسة من تلك العناوين لن يصادف قط عملا فلسفيا أو في تاريخ العلوم يمكنه :''التحلي بجسد"، وفق نفس المنوال الذي نتحدث بحسبه عن خمر،بأنه قد يجعلك تسمع صوت ارتداد الأمواج أو جرس قادم من بعيد،تتذوق التبن،وكذااليود البحري.
مع ذلك، وإن حظيت أعماله منذ البداية ،بالتقدير من طرف زملائه، فقد ظلت بعيدة عن إثارة انتباه الجمهور الواسع :سلسلته العبقرية المعنونة ب هرمس،التي شملت كل حقول المعرفة،ورسمت فلسفة فكر علمي جديد، بحيث حدد ميشيل سير انطلاقا من دراسته لفيزياء القرن التاسع عشر –الديناميكا الحرارية- نظرية للمعلومة قادرة على خلق جسور بين علوم الانسان والمناهج الخاصة بالعلوم الطبيعية.
غير أنه ، سريعا جدا،شرع يرسم خريطة ترحال أكثر غرابة :عاد إلىلوكريس،كي يعاين ولادة الفيزياء، وبجانب ليبنتز،قصد اكتشاف حساب التفاضل،أو ديدرو و لورندالمبير،ثم صحبة جول فيرن، منتقلا فيما بعد وجهة :''إشارات وايحاءات الضباب''لإميل زولا، ويجازف نحو مهاوي : ''الممر الشمالي الغربي"، كي يحقق انفتاحا من العلم على الأدب، حيث أبان ميشيل سير عن افتتانه ب :نيكولا بوسان،بلدة لاتور،جوزيف تيرنر،فيتور كارباسيو،ويصاحب باستمرار جول ميشليهأو ويليام فوكنر،ثم الضجة !حين إصداره: صديقي هيرجيه(مبدع شخصية تان تان).
مع كتاب الحواس الخمس(1985) سيقتحم ميشيل سير بنوع من الحبور –لكن هذه المرة محدثا إزعاجا كبيرا لأصدقائه-كل فاصل بين الأجناس واللغات :منذئذ أضحى ''متن'' فلسفته جسما حقيقيا، بجلده ،أحشائه، فكره ،عضلاته، أياديه الخشنة، ثم روائحه وآلامه.
-''العقد الطبيعي" :
بالتأكيد، جاءت مختلف خرائط ميشيل سير، حسب الأصول : حصل على التبريز من المدرسة العليا للأساتذة، ثم شهادة الدكتوراه بأطروحة حول ليبنتز، والانتقال للتدريس في جامعة كليرمون فيرون(خلال نفس فترة ميشيل فوكو)،ثم جامعة فانسين ،قبل رحيله إلى ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية،ثم عضوية  الأكاديمية الفرنسية سنة 1990.
لكن لننظر شيئا ما إلى هذا المسار من زاويةمغايرة .حينمااستدعي مثلا إلى مدرجات باريس /السوربون1،قصد تدريس الابستموجيا وتاريخ العلوم،سيكتشف نفسه ضمن أعضاء أساتذة التاريخ، وليس الفلسفة. لأن المدافعين عن "فلسفة قوية"، تقنية، برهانية، استهدفوا إزاحته تقريبا نحو هوامش الفلسفة ،جهة الأدب أو ''الشعر''، فلسفة "سهلة''،تعزيمية،تداعب اللغة وتدغدغها بحكمة ،لغة مبتهجة وهي ترى نفسها جميلة جدا في مرآتها. بالتأكيد لم يهتم بمختلف ذلك،بيد انه لحظة انتخابه عضوا في الأكاديمية، أدلى بتصريح يكشف من خلاله عن سعادته بهذا المقعد مادامت الجامعة الفرنسية – كما حدث أيضا مع جيل دولوز- لم تمنحه سوى مقاعد ثانوية.
بعد كتابه الحواس الخمس، أصدر ميشيل سير  نصوصاأخرى جعلته متداولا أكثر فأكثر، بتخليصها من كل رطانة أو نظام نقدي متحذلق.صار يطرح مع كل عنوان جديد، بلغة رائعة كيفيةتحولات العالم وكيف ينبغي للفكر تأمل ذلك، مهتديا بمعاركه حسب القوة الهادئة المعهودة لدى ملاّح أو قروي.لقد حثّ أفراد العالم كي يشتغلوامستثمرين قوتهم ضمن الحدود المعقولة،وبكيفية لايفسدونبحسبها جمال الطبيعة المرهفكي تتجلى انعكاساتها على مستوى الفن، والعلم ثم الثقافة عموما. لذلك،دعاهم  إلى توقيع ''عقد طبيعي"يجعل من الطبيعة ليس فقط فضاء لاكتساحه بل موضوعايحظى لدى الانسان بالحماية القانونية يعيد في إطاره تجديد فاعلية التحفظ ،الحياء ،الاعتدال، وكذا أقصى دلالات الانصاف والعدالة انطلاقا من توزيع الموارد. لذلك أصبح ميشيل سير،أحد الفلاسفة الأكثر شعبية، وقد بلغ أوج شهرته مع كتابه '' الإصبع الصغيرة'' (تجاوز سقف المبيعات في فرنسا 200 ألف نسخة) : انطلاقا من هذه الحركة اليومية للأنامل التي تكتب على الجهاز المحمول، بقياس سرعة الميل،بحيث انصب وصفه على واقع الثورة الرقمية الجارية،التي غيرت تقريبا كل شيء،الممارسات،رؤية العالم،الاهتمام بالأشياء، العلاقة مع الآخرين،كيفيات التعلم، القانون، السياسة، الأخلاق، ثم وجودنا  ذاته وسط العالم.
- "ثعلب متحمس" :
ولد ميشيل سير يوم 1شتنبر 1930في مدينة أجين،ثم ترعرع ضمن كنف حمولة منطقة انتمائه لاغارون وعشقه لعبة الريغبي،وسط عائلة''جمهورية حتى النخاع ومناهضة للاكليروس".خاض والده فالمي Valmyالحرب الكبرى،فكان شاهدا على "المذبحة"،هناك في قلب ساحة المعركة،عاش تجربة التعميد وصار لقبه يوحنا.
يحيل اسم سير Serresعلى مخالب طائر النسر والعُقاب، لكن يبقى الماء ''مسكنهما''. انتمى ميشيل سير، فترة مراهقتهطيلة سنوات،إلى فريق من الكشافة  يسمى''دورية النمور''، متقنِّعا على نحو مضحك بالطوطم الشخصي ل''الثعلب المتحمس".لكنه في حقيقة أمره، يظل سمكة،ضمن وسط غير مؤهل، يقول بهذا الخصوص :"لم يكن أبي البحار يعرف السباحة، ولا المسؤول عن الصيد بالشبكة، ولا المتمرن لديه،ولا ربان القارب الذي يفرغ الكثبان الرملية من الحصى،ولا المكلف بالرافعة".لذلك لم يتوانى، خلال ظهيرة كل أيام الخميس (خلال حقبة كان يوم الخميس عطلة بالنسبة للمدارس)على تعلم سباحة الصدر :"متدليا على بطنه بواسطة حبل مشدود إلى إحدى الرافعات الراسية عند الرصيف"، و"يتعرض للغرق بين الفينة والأخرى"، فيتم إنقاذه بواسطة آلية التنفس الاصطناعي بتقنية من فم لفم :"خُلقتُأصلا أسود ، تخنقني ثلاث لفات حبل تشد عنقي، بالتالي هنا ،أولد من جديد".يولد ثانية سمكة بيضاء،من فصيلة الشبوط أو ربما السمك النهري،ثم يتمثل مختلف تجليات ذلك داخل''حوض السعادة".
يذهب رفقة أخيه كلود و''متسكعين'' آخرين،"باعتبارهم متعلمين وليس مجرد كونهم مبتدئين"،للغوص" تحت الكاسحة قصد سبر الهياكل الخضراء للبواخر"،فصاروا يأوون إلى النهر أكثر من منازلهم :"أصبحنا نعلم صبيب الأنهار والتيارات المضادة، الحصى المستدير واللزج، الصخور الحادة، الوحل عديم الطعم ثم قصب الساحل ".لم يتوقف قط ميشيل سير عن وصف نفسه باعتباره :"آخر ممثلي القبيلة الأخيرة،لآخر بَحَّاري منطقة لاغارون".
كان في وسعه إذن اختيارالذهاب نحو مؤسسة جامعية والانزواء الى مقاعد متعِبة ثمالاكتفاء باستنشاق هواء المدرجات الممتلئ دخانا؟ لا،لميفعل ذلك.بل آثر ولوج أبواب المدرسة البحرية،وسيشارك كضابط ،في الحملة العسكرية على السويس. غير أن ''يومياته خلف المدفعية، وعلى متن سفن القتال" تعارضت ضمنيا مع مثله العليا السلمية،التي ورثها عن والده.لذلك،حول اتجاهه نحو المدرسة العليا للأساتذة و الفلسفة. أكثر تحديدا،قصد الارتباط ب ''فتاة السعادة"،أي، المعرفة،حيث يعلم سلفا بأنها ستكون متجذرة في الأرض ،مهتزة بالرياح والأمواج : "دائما تحت المحك، متغيرة وصبورة، خفيفة ومتحركة، تائهة غالبا،مضطربة دائما، شغوفة غاية الجنون، مستسلمة لحدوس غريبة تخبرها  أن لاتستمتع قط بالانتصار".
بين طيات صفحات مؤلفاته الأخيرة،مثل: الأيسر المضطرب، علماء وفلاسفة يجولون العالم، لا يتردد ميشل سير،كي يقترح بشجاعة،''سردا كبيرا عن العالم"،مع التغير الحالي نتيجة نظرية المعلومة.لايوجد كائن حي، يضيف، قد نقولبصدده أنه لا يبعث خبرا،أو يتلقاه أو يحتفظ به  أو يصفه.سواء ما تعلق بالبيولوجي : بلورة، صخرة، نجمة. ثم بخصوص ماهوإنساني :شخص ،عائلة،مزرعة ،قرية ،حاضرة والحال أن التفكير، يعني أيضا،أنك :تتلقى، وترسل،تحتفظ، وتبحث في المعلومة.
-عمال يدويون :
إذا كان الفكر إبداعا، وليس تكرارا،فلا يبدو مستحيلا،تبعا لنفس القواعد أن كل موجود،بوسعه تناول مستجدات الكون،ثم تطور العالم،عبر مختلف تشعباته، وتفرعاته…. من أجل تحقيق ذلك،لايمكننا الاكتفاء بتوظيف مفاهيم فاترة تمكننا من تأسيس كاتدرائيات نظرية مدهشة لكنهاتفتقد إلى روح الحياة، فلاشيء يسكن الذهن، وقد انطفأت همة الجسد،"إذا لم يرتعش الأنف أبدا مقتفيا آثار طريق التوابل''،ولم يتذوق اللسان"فاكهة إجاص فصل الشتاء أو الكمثرى"،إذا كان الجسد أثيريا والفكر دون جسد.
أيضا،عبر مختلف عناوين كتبه ،من الخطاب الفلسفي إلى الابستمولوجيحاول ميشيل سير، تجاوز التحليل الفاتر للمفاهيم، باستحضاره ''كلام'' : ''العمال اليدويين لمختلف المهن '' :الحطابون، الصيادون،أو بهلوانيو الحبال :"لا يسمعون ولا يتكلمون،خجلون، ساذجون"،تحتويهم أفعالهم،خفة حركاتهم،أوضاعهم الشخصية،العَرَق والنَّفَس،ثم تندرج ''مادة العضلات''،كي تعيد للمعرفة نكهتها، وللأشياء بِشرتها وتجاعيدها،وللذات المفكرة بطنا وأحشاء وأظافر وعضلات.
استطاع تحديدا إعداد فلسفة للجسد : لقد فضل إعطاء ''جسد'' للغته الفلسفية الخاصة،التي" نسمع صوتها الأجش"، عبر مختلف الصفحات التي كتبها.ماذا ينبغي لك فعله كي تصبح فيلسوفا؟ أجاب ميشيل سير دائما :"ينبغي أن تسافر !"جعل الخيال محلقا بالفكر،مثل بساط طائر، ثم كبح الخيال بالواقع، الواقع الحقيقي، بالذهاب من الدراسات العلمية نحو الشعر،محاورة اللغات والمفاهيم، التهجين،التواصل ،أن تكتشف بين حقول المعرفة عن سبل الوحدة الجمركية الجامعة بينهافيلسوف ذاك،من قام ب"ثلاث جولات حول العالم": زيارة مناطق الجليد ، مشاهدة الزلازل والبراكين، عبور الصحاري،"منتشيا بجمال الكون الهادئ"،ثم"يائسا لكن صبورا"،ساعياإلى "برج المعرفة".ثم  أخيرا،يباشر" صرح البشرية''، اللغات ،الثقافات ،الديانات.دون التفكير في إنهاء ذلك.
-''عمر رائع'' :
حينما كان ميشيل سير مؤرخا شابا للعلوم،فقد  أكدباستمرار عن تقديره ل ليبنتز. وبقدر تراكم كتابته،وجه دائما التحية إلى''الذين علموه التفكير"،مستشهدا بالأحرى بأساتذة الألعاب الرياضية وكذا مرشديه في الجبال،معتبرا إياهم لايقلون أهمية فيما يتعلق بتبادل المعارف، والإبحار بين المعارف الإنسانية وكذا مناهج العلوم الطبيعية.امتزجت منذئذ، بغية تقديم احتفال مشاهد طبيعية،حكماء، نظريات، قصائد لوحات تشكيلية :عندما نقتفي خطى ميشيل سير،نفاجأ بحضوربرنارد ريمان،كارل لينوس، غاليلي أو أوقليدسخلف انعراج نهر أو عند قمة طريق صخري،ونلمح ديكارت وبرجسونفترة موسم جني العنب،ثم نتبين لافونتين،فلوبير، بروست،وبكيفية جد عابرة بيتر بروغل، فرانسوا رابليه ،أفلاطون أو  إيغور سترانفسكي تحت قطرات مطر صيفي.
أحبَّ، ميشيل سير المعرفة،كما نهوى شخصا،ومثلما نعشق تناول مرطب من القشدة بالشوكولاتة أو السباحة وسط بحر في المناطق الاستوائية. عشقها دون أن يتأتى له بالتأكيد''حصرها''-كان بالنسبة إليه كارثة أن يراها ''مغلقة'' !–لكنه ما فتئ يعاود زيارة تلك المعرفة عبر أسفار عدة"، ''في  إطارسعادة شبه صوفية"، كل البطائق ماثلة : تاريخ العلوم، والطبيعة ثم المجتمعات. ثم كل هذا الترحال البحري، الذي عاد منه بعبرةكلما ذهبت أبعد نحو اكتشاف ثقافات،الإسكيموأوالبرغنديون،الفيجيون،البامبارا، المايا أو الأرمانياك فلن تعثر قط سوى على أخوة وأبناء عمومة.
كان ميشيل سير شخصا في غاية اللطف، ينذهل أمام كل شيء ويعرف بفضل سحر فعله كيفية الاكتواء بلهيب أشعة شمس الجنوب الغربي، مثلما يفتنه كل حضور. رجل قلب وعقل، ليّن ومتسامح، يتبيّن مع الأفق دون "نبوءة''أو''تبشير''،عهدا جديدا يبدو له بأنه سيكون سلاما: ''عهدارائعا''.جرفه غموض قلق وعميق،نتيجة متابعته للطريقة التي شرع  وفقهاالعالم يدور، أزمة تعقبها أخرى، ومن العنف إلى الرعب. لكنه ''يقاوم''، مواصلا زرع حقول المعرفة،وغرس أشجارها.لم يستحسن قط  ميشيل سير، تلك الجذوع المستقيمة مثل حقائق مكتملة بالمطلق،وعقائديات صلبة، متطابقة.في المقابل، كان شغوفا بالقمم، عاشقا ل"أغصان الأشجار"، والتي مع أنها أكثر ضعفا وخضوعا، تتجاور، وتتبادل، وتتعانق،ثم تدمدم لذات الريح،بل تبدو أحيانا أنها تتحدث معها.
مرجع المقالة :
Libération :2juin 2019.


الثلاثاء، 30 يوليو 2019



            

حوار مع ميشيل سير: التفكير سعادة عميقة (*).

ترجمة : سعيد بوخليط



       تقديم :
ولد ميشيل سير Michel Serresسنة 1930، في إقليم غارون.ولج بداية المدرسة البحرية قبل انتقاله إلى فصول المدرسة العليا للأساتذة، شارع أولم. حصل على الميتريز في الفلسفة، وأصبح  أستاذا في جامعة ستانفورد،كاليفورنيا،ثم عضوا في الأكاديمية الفرنسية.ألّف أكثر من ثلاث وستين كتابا. 
دعا ميشيل سير في كتابه الجديد،التفكير كي يتسكع أكثر خارج نطاق دروب مبتذلة، ثم يغادر للتخلص من المنهج لأن الإنسان لا يبدع سوى حينما يتيه.
يعتبر ميشيل سير في الوقت ذاته فيلسوفا وقصاصا،وأحد أكبر المفكرين الفرنسيين إنتاجا.كتب ما يقارب ستين عملا،وهو صاحب رأي يدلي به عبر أثير''فرانس أنفو''،يهتم بمجالات عدة :الانفجار الكوني العظيم، التكنولوجيات الجديدة، اللغات، علم الجينوم، معنى التاريخ….ثم لاتحدثوه قط عن "ميادين بحثه"،فالتعبير يحدث لديه الطفح الجلدي.وتمتلك الفلسفة لديه، سرعة السيارات الرباعية الدفع : تماثل هذه العربات القادرة على اختراق مختلف الحقول وعبور جل الأراضي دون اهتمامها بالحدود المصطنعة التي رسمتها اليد البشرية.أما بخصوص المفاهيم،فإن ميشيل سير يرفض تحليلها،مادامت  تتجسد،على شاكلة عناوين كتبه : الإبهام الصغير، هرمس، الثلث المتعلم وكذا آخر إصداراته : الأيسر المضطرب.  
استقبلنا في منزله الذي يشبهه،على بعد خطوتين من باريس.يستيقظ يوميا مع حلول الفجر كي يكتب ويقرأ.زوايا البيت غير مستقيمة، وغرف أضحت بكيفية طارئة عند أقصى الممرات، تمثال صغير يجسم تانتان وُضع إلى جانب أعمال أوغست كونت.إناء زجاجي جميل يفتح الأفق.
يتوجه ميشيل سير مخاطبا، بفضول رجل كهل، التلميذ باستيان، الشاب البالغ من العمر ستة عشر سنة، والذي يمضي فترة تدريبية داخل مجلة العلوم الإنسانية.يبدو بأن لهجة منطقة جاسكوني لازالت تجرف شيئا من أسلوب منطقة ولادته،أي إقليم غارون العليا.  
يجيب أحيانا على أسئلتي بدهاء شارلوك هولمز :"الأمر بسيط جدا، صديقتي العزيزة".  
س- تحددون ذاتكم باعتباركم ابنا، أخا، وعاشقا لمنطقة غارون.تعودون إلى هذا المكان باستمرار،مع كل كتاب تصدرونه. فلماذا يعتبر أساسيا بالنسبة إليكم الولادة في مكان ما؟
ج- لم أولد في مكان ما؛بل وسط المجال المائي.فقد كان أبي بحارا منتميا إلى إقليم غارون.يعيش داخل آلة كاسحة تستخرج الرمال وكذا الحصى.بالتالي،قضيت طفولتي على متن السفن.بل إني سافرت بحرا حتى''قبل ولادتي"،لأنه في يوم من الأيام عرفت منطقتنا لاغارون فيضانا كارثيا، فتدخل أبي كي ينقذ أمي،الحاملة بي آنذاك، بحيث انتشلها بفضل قارِبه من داخل المنزل .هكذا ترسخت داخلي هذه الصلة الجوهرية مع الماء، الذي يعتبر عنصر مختلفا جدا عن الأرض.هل أثر الأمر على الكيفية التي رأيتُ وفقها العالم؟لا أدري.لكن لنقول بأنها طريقة كي أنتمي إليه شعريا. 
س- لقد بدأتم دراسات علمية.كيف ولماذا تحولتم صوب الفلسفة؟
ج-كنت أبلغ من العمر سنة 1945، أربعة عشر عاما،حين انتهاء الحرب. ماوقع في ناكازاكي وهيروشيما،أحدث لدي صدمة مهولة.لذلك فجأة، العلم الذي عشقناه، لأنه جاء لنا بالرفاهية، والدواء،ومختلف ما يفترض أنه يحدد نمط الحياة الجيدة،صار نفسه العلم الذي أنتج جريمة شنيعة :القنبلة الذرية. ساد عمى هنا وهناك. لتقديم مثال بهذا الخصوص،كنت تلميذا لغاستون باشلار في السوربون،الذي كتب بعد مرور عشرين سنة على مأساة هيروشيما،رثاء للفيزياء المعاصرة ! الجيل الذي أتى بعده، أقصد جيلي،عاش أزمة ضمير :جانب كبير من الباحثين، أشاح بوجهه عن الفيزياء متجها نحو الكيمياء الحيوية،التي حققت تطورات هائلة.فيما يتعلق بي،غادرت المدرسة البحرية كي أدرس فلسفة العلوم في المدرسة العليا للأساتذة.  
س- لديكم طريقة على مستوى التفلسف غير نمطية شيئا ما.تظهرون نوعا من الاحتقار للمنهج،ولا تستشهدون إلا نادرا بمرجعيات،وتوظفون المجاز…. فما الذي يميزكم أساسا عن الكاتب؟
ج-أنا لست استثنائيا جدا.بل على العكس،أنتمي بشكل مباشر جدا إلى تقليد فلسفي فرنسي قائم منذ مونتين. لنستحضر ديدرو : حينما توخى الحديث عن الصدفة والحتمية، لم يحلل المفاهيم؛بل وضع فوق الحصان شخصين،جاك القدري وأستاذه،بحيث يدافع أحدهما عن أطروحة القدرية، بينما انحاز الثاني إلى جانب الحرية.هكذا أخرج إلى العالم بكيفية رائدة إحدى أجمل النصوص الروائية،التي بلورت في ذات الوقت دراسة عميقة على الوجه الأكمل حول الصدفة والحتمية.الخرافة،على النقيض من العلم،تتفادى تجزئة الواقع إلى قطع مختلفة. أنتمي إلى هذا التقليد، الذي فضلا عن ذلك لا يتبجح أمام قرائه.المعرفة هنا،لكن من غير المجدي استظهارها  أمام الملأ وفق استشهادات، وهوامش تؤثث أسفل الصفحة ثم وضع فهارس هائلة.راهنا،ينبغي بالضرورة الاستشهاد بسبينوزا حين الحديث عن السعادة.ليس الأمر ضروريا،عندما أود مقاربة موضوع السعادة،فإني ببساطة أتكلم عنها،ولاشيء غير ذلك.أن يكون سبينوزا،قد تحدث عن الموضوع،تعتبر مسألة في غاية الأهمية،وقد اطلعت على مضامين ذلك،لكني غير ملزم للتباهي بهذه المرجعية. علما، أننا نتوفر اليوم على ويكيبيديا تهم مختلف هوامش النصوص. 
س-إذن ماهي الكفاءة النوعية للفيلسوف؟
ج-هناك رواية ل جول فيرن،جال أحد شخصياتها يسمى فاليValet العالم قاطبة، فأُطلق عليه لقب مفتاح عمومي.هكذا حقيقة الفلسفة :مفتاح لكل القضايا.عربة صالحة لمختلف التضاريس،تطوي كل العالم،تجوب الحقول المعرفية،وتحيط بأفراد البشر.إنها ميزتها.يشكل ذلك أيضا قوتها بالنسبة للعالم الحالي،وقد تداخلت جل مشاكله بكيفية شاملة.لنأخذ مثلا قضية المناخ : تتطلب في الوقت ذاته الفيزياء، الكيمياء، البيولوجيا، الكيمياء الحيوية، الكوسمولوجيا، ثم الاقتصاد…. لذلك، إن حاولتم التطرق إلى مشكلة بيئية حسب منهجية تحليلية، فبالتأكيد ستواجهون إخفاقا. مثلا،يعتبر من السذاجة تفعيل مخطط لإنعاش الضفادع إن كان المناخ نفسه يعرف اختلالا،فسيقتل ثانية مختلف الضفادع التي أنتجها مخططكم ! إحدى أكبر المشاكل،حاضرا،إفراز الجامعة لفئتين من البلهاء : الأدبيين،وهم أصحاب تكوين ثقافي لكنهم أغبياء.ثم صنف العلميين،جماعة متحذلقين لكنهم أميين.هنا يلزم الفلسفة تحديدا القيام بدور معين،يتمثل  في إعادة رتق ماوقع بتره بكيفية تعسفية. 
س- يظهر كتابكم الأخير بمثابة تأمل في ماهية التفكير.تعريف يمكنه اختزاله إلى المعادلة التالية:''أن تفكر، يعني تبدع''.ألا يوجد تفكير غير أن تبدع؟
ج-نعم،بالضبط ذلك.طبعا،من المهم بالنسبة للتثقيف التعلّم ثم الترسيخ في الذاكرة.لكن بقدر مايستمر سعيكم ضمن حدود التثقيف، فستظلون أيضا عند حدود مجرد ترتيب المعلومات.على العكس، يقتضي التفكير التحرر من ذلك.أشرتم،منذ قليل،إلى المنهج.تعلمون بأن أصل كلمة ''منهج''يعود إلى ''ميتودوس''الإغريقية التي تعني"الطريق".والحال،أنه إذا سلكتم طريقا داخل مدينة ''لاندرنو''،فستظلون دائما عند حدود أسوارها.أيضا يعيدك الطريق السيار (A6)باستمرار إلى محيط باريس.يمكن قول نفس التصور على وصفة للطهي : إذا اتبعتم بدقة مراحل إعداد وصفة طهي فطيرة تاتان، فقد اكتفيتم في نهاية المطاف بتحضير فطيرة تاتان.لكن يحق لنا التوقف لدقيقة، قصد التساؤل عن ما فعلته الأختان تاتان من أجل صنع هذه الكعكة الشهيرة.الجواب أنهما أحدثتا ارتباكا،أدى إلى قلب نظام الكعكة،رأسا على عقب.أعتقد أن الفكر الحقيقي يصدر حسب هذا المنوال:إما بالتفريع أو حدوث اللامتوقع .هكذا نصادف مالانبحث عنه.تتحقق التطورات نتيجة الخطأ.
س-هل يسكن الخطأ نواة الفكر؟
ج-بل جوهر الإنسان.فعندما يقول المثل :''الخطأ إنساني''، فلا يعني قط تصور من هذا القبيل،أنه ليس مهمّا ارتكاب"الإنسان" للخطأ.بل يعني أساسا أن الخطأ سمة بشرية.الأبقار لاتغلط أبدا، والعناكب تنسج خيوط بيتها بإتقان.على العكس، يبدع الإنسان عندما يخطئ.ما الإنسان؟ إنه الذي يقترف الأخطاء.
س- تتطلعون في نهاية المطاف إلى العثور عن جواب لسؤال فلسفي قديم :ماهو الإنسان؟
ج-نعم، لكن قبل إنجاز أنثروبولوجيا،أتطلع إلى البحث في كتابة كوسمولوجيا.فمن يبدع أولا ؟في البدء تجلى الكون.حينما وقع الانفجار العظيم، تناثر في هذا الكون سيل من الإبداعات والكائنات الجديدة.تضاعفت كواكب مختلفة جدا.من بينها الأرض،التي جسّدت حين برودها،حالة خلق مدهشة: الحياة. ذرة أولى استنسخت نفسها ثم شرعت في إنتاج عوالم متعددة الخلايا.هكذا ظهرت أنواع جديدة.فلا صلة جامعة،بين صَدَفة، سمكة، وشامبنزيه. إذن كيف نفسر ذلك؟الأمر بسيط جدا : يستنسخ الحمض النووي،ثم فجأة،وخلال لحظة النسخ الجديدة،ينتج خطأ على مستوى القراءة.خطأ بسيط ينجم عنه مانسميه وحشا واعدا ! يتصدّع،في حالة عجزه عن التكيف. غير ذلك، يعيش ويخلق حوله محيطا جديدا.أساسا،تنطوي الطبيعة على الخطأ،بل ويكمن داخل نواة الحياة نفسها.لذلك لا أعتقد في إمكانية وجود أنثروبولوجيا دون كوسمولوجيا قبلية تؤسسها. بالتالي، فالأنثروبولوجيا التي تتجاهل هذا المبدأ تعتبر فاقدة للمعنى.
س- هل تنحدر الحيوانات نفسها من ذات الصنيع.فما الذي يميزنا عنهم ؟ 
ج- التاريخ.لقد غاصت الإنسانية في التاريخ، بينما انحصرت باقي الكائنات الحيوانية الأخرى عند حدود النشوء.ولماذا امتلك الإنسان هذه الثنائية على مستوى الإرساء؟نتيجة العَرَج الذي يجبرنا على التخلص من القبضة الصارمة للنشوء.حينما يخرج الحيوان الصغير من البطن الأمومي،فقد توفر سلفا على بيئة، بيضة أو بيت طبيعي.في حين،يفتقد الإنسان إلى وضع كهذا،مما يجعله مضطرا لبناء مأوى.هكذا بكيفية فورية، ينتقل الإنسان الصغير، الذي أخذ منحى جديدا، من الطبيعة إلى الثقافة.هنا يتجلى شذوذنا المفصلي،الباعِث للتاريخ.حينما تحظون بتوازن ثابت،لن تكونوا أبدا في حاجة إلى التقدم.لذلك،لا يتبلور،المشي أو الركض،سوى من أجل تعويض التوازن. نحدث اختلالا للتوازن، ثم حين استعادته، ننتج اختلالا ثانيا،إلخ.هكذا نسير،ونتطور.يعتبر الانحراف عن التوازن حيويا بخصوص تشكيل النوع البشري.  
س – أنتم أيضا شخص أعسر مزعجا. هل أثرت سمة من هذا القبيل على علاقتكم بالعالم؟
ج- لا أحب عبارة ''الأيسر المزعج''؛ وأفضل بدلا عنها الأيسر المكتمل.على النقيض من الشخص الأيمن، الفالِج، بقيت طيلة حياتي آخذا مطرقة بيد،في حين تمسك الثانية قلما. أعتقد، بصيغة ما، امتلاكي جسدا تامّا .لكن بالفعل، يتحتم على كل شخص أيسر التأقلم بشكل مستمر.أضطر مثلا، داخل قطار المترو،إلى المكوث مكتوف اليدين وأنا أدلي للمراقب بتذكرتي قصد دمغها.فاللغة شأن للشخص الأيمن. عندما يقال :"أتوجّه''،فهذا يعني حرفيا"سأذهب نحو الشرق''،بمعنى جهة اليمين. فالاتجاهات الإنسانية خاضعة لتقنين نظام يسمى اليمين.الكتابة نفسها تسعى من اليسار إلى اليمين، بحيث ترغم ذوي اليسرى على إخفاء- وغالبا تلطيخ- ما كتبوه بيدهم.كل هذا يوضح أنه تقع على كاهلنا قضية تأسيس ثقافي عميق.فالأشياء واللغة عموما وُضِعت من أجل أصحاب اليد اليمنى،مما يرغم أصحاب اليسرى على تبني وضعية ساخرة نحو العالم.
س-أكدتم بأن إنسانية جديدة بصدد التحقق. وفق أي سياق تختلف عن السابقة؟
ج-نعيش اهتزازا ثقافيا مرّ حسب ثلاثة وقائع ضخمة. تشير الأولى إلى اختفاء طبقة الفلاحين.خلال القرن التاسع عشرة،في بلدان تقارن بلداننا،شكَّلت الساكنة 90% من المزارعين، مقابل0.8% حاليا.تبلور عالم القرويين هذا منذ العصر الحجري الأخير.نعيش إذن نهاية هذه الحقبة.لم يعد هناك شيء أكثر أهمية بالنسبة للتاريخ الإنساني، لأن عالم الفلاحين اختلف كليا عن عالم أفراد المدن.
الانقلاب الثاني،ديمغرافيا. حينما ولدت سنة 1930،قارب عدد سكان الأرض بالكاد ملياري نسمة. حاليا، أوشكنا على بلوغ ثمان مليارات.فهل علمتم،عبر التاريخ،حياة بشرية معينة،تضاعفت مرتين؟كانت الأرض فارغة؛بينما اليوم ممتلئة نتيجة ارتفاع مؤشر الأمل في البقاء.معدل لم يكن يتجاوز 32 سنة، حينما عقد قران  والدة ووالد جدّتكم،في منطقة دوبيغور(الفرنسية).لقد عاهدتْ على الإخلاص لمدة خمس سنوات ! بينما راهنا،عندما تتزوج ابنتي الصغيرة،فسيمتد وفاؤها لخمسة وستين سنة.إنها ليست نفس الزيجات،ولا ذات الحياة !
أخيرا،حدث انقلاب ثالث ابتداء من سنة 1995 مع ظهور تقنيات جديدة. فالقطيعة عامة وذاتية في الوقت نفسه،لأنها خلقت انقلابا على مستوى مِهَنِنا،وكذا طريقتنا في الحصول على المعلومة،ثم علاقتنا مع الطبيب وكذا المسؤولين السياسيين. 
س- حددتم حقبتنا باعتبارها ''فترة ناعمة'' ماالذي يبرر تفاؤلكم هذا؟
ج-يعتبر تفاؤلي، تفاؤلا نضاليا.طبعا ليس كل شيء ورديا،ولا نعيش بالتأكيد حكايات السيدة تارتان، حيث كل شيء قشدة طرية ولوز محلى.ستصادفون دائما أجدادا يتأففون كي يخبروكم  أنّ الوضع كان أفضل سابقا.أنا عشت تلك الحقبة،أشرف على أمورنا خلالها شخصيات  من صنف هيتلر، ستالين، فرانكو، موسوليني، ماوتسي تونغ، تشاوتشيسكو،خلفوا ثمانين مليون قتيلا.بينما اليوم،نتمتع بحظ غير عادي يتمثل في كوننا نحيا غاية عمر الخامسة والثمانين وسط عالم هادئ؟وهذا ما ينطبق على حالتي! يتمثل المهم بالنسبة إلي، في توليد هذا العالم الجديد، والمجتمع المغاير الماثل أمامنا ونجابه كثيرا من الصعوبات في سبيل جعله يلد.هنا تتجلى مهنتي :فأنا المولِّدة.هكذا تعريفي للفلسفة.ينبغي على الفيلسوف الاشتغال ليس فقط من أجل خلق العقول الفردية،مثلما تصور سقراط،بل المجتمع المستقبلي.لذلك،لايحق للمرأة القَابِلة الاتصاف بالتشاؤم.بل حرصها  على أن تمر الولادات الجديدة في ظروف حسنة.
س-ماهي مشاريعكم المعرفية مستقبلا؟هل أنتم على دأب التفلسف غاية النهاية؟
ج- حتما !فالاسكافي يستمر في صنع أحذية حتى اللحظة الأخيرة.أشتغل حاليا على فلسفة للتاريخ.فماذا يعني،بالنسبة لفيلسوف،أن يتقاعد؟والتوقف عن التفكير؟إن وجد شيء مذهل في مهنتي،فالأمر يتعلق بهيمنة واستمرار سعادة التأمل.ببساطة،هي إحدى مباهج الحياة الأكثر إثارة. 
    سؤال تقدم به باستيان بابيBabi،تلميذ يبلغ عمره ستة عشر سنة،يمارس الآن تدريبا داخل مقر مجلة العلوم الإنسانية :
س- كنتُ شغوفا جدا بالتكنولوجيات الرقمية حد الاستلاب، ثم عاودت الرجوع إليها مؤخرا رويدا رويدا. ما العمل صحبة أفراد جيلي حتى لا تجرفنا كليا العوالم الافتراضية؟
ج-قبل الخوف من التقنية،يلزمنا التساؤل حول مبررات تفوقها. لماذا بلغت تقنيات الافتراضي هذا المستوى من النجاح؟الجواب في غاية البساطة : الإنسان نفسه كائن افتراضي. يقضي أهم وقته في الاستيهام، الحلم، التخيل. نستحضر مثلا إيما بوفاري (رواية مدام بوفاري )التي تمثلت الحب جل الأوقات خياليا أكثر من الواقع.كما الشأن بالنسبة لنا جميعا. لم تعمل التكنولوجيات الجديدة سوى على تبني هذا النزوع الطبيعي الرائع لدى الإنسان كي يحلم بعوالم أخرى ثم سعيه إلى تغيير عالمه.بالتالي،من غير المجدي توخي مقاومة ذلك. فالافتراضي ميزة الإنسان ومفتاح بقائه. 

*مصدر الحوار :
Sciences Humains : numéro 274.septembre-octobre ;2015.
       
الموقع الاليكتروني ل سعيد بوخليط :
http://saidboukhlet.com