‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابن خلدون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابن خلدون. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 نوفمبر 2016

عبد الرحمن بن خلدون : السقطة التاريخية


بقلم الباحث: سعيد بوخليط


ستلبث، صورة سقراط متجرعا السم، فداء للحقيقة.المرجعية المثلى لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، أو العارف بسر النار.اعتبارا،لأفق عصره وكذا مصير المجموعة الإنسانية التي ينتمي إليها. فنادرا، إن لم يكن منعدما، استساغة حديث سلبي عن مثقف وازن، فما بالك بمؤسس من بناة الحضارة،كما الشأن مع ابن خلدون،ومن على منواله.
في مقام كهذا،يختلط لدينا غالبا التهيب بالانذهال، إلى درجة التوثين والتقديس. هكذا ،لن تذهب الجرأة العقلية،بأي واحد منا،مهما بلغ دماغه فطنة و اتساعا لحمولة الاختلاف، كي يعثر لدى ديكارت مثلا،عن فضيحة بشكل من الأشكال، تخلخل صرحه الفلسفي. أو، يبرز عند ابن رشد تناقضا فجائعيا بين مادعا إليه فكره، ثم تصرفاته على مستوى حياته اليومية. إلخ.
بمعنى، ذاك التطابق الهوياتي، في أقصى تجليه الميتافيزيقي،بين الإنتاج المذهبي للمفكر، وممارسته التجريبية. اللهم، ما كان يدخل في إطار الجانب الشخصي، المحض لحيواتهم، ولا يمس من قريب أو بعيد منظومتهم المفهومية، أو يخل بقاعدة مماهاة المفكر لفكره، حينما يختبره الموقف و المسؤولية.
لقد نمذج لنا التاريخ، حالات كثيرة عن علماء وفلاسفة و أدباء وروائيين، مارسوا الشذوذ واللواط ومختلف الانحرافات الجنسية، وعاشوا يومياتهم متسكعين وبوهيميين ومعربدين ... .ذلك شأنهم الخاص،واختياراتهم الفردية، ولايحق لأي محاكمتهم عليها.
ما يهم أساسا، السلوكات الموضوعية المفصلية، التي بانتقالها إلى دائرة العام، تحول مجرى التاريخ نحو هذا المنحى أو ذاك المنتهى.عندما، تطرح الأبعاد الأنطولوجية الكبرى: الشجاعة، الوفاء ،الاختيار، المصير،الرهان، التحدي، المجابهة، إلخ. وهي المرتكزات، التي استفاض في تحليلها، الفلاسفة الوجوديون وجل منظري التجارب اليسارية، إلى حد أن سارتر سيتنكر مطلقا لجدوى الأدب، حينما يعجز هذا الأدب،عن القيام بشيء لصالح الإنسان في لحظاته المأساوية.
بالنسبة، لبيوغرافيا مفكري أوروبا البارزين، تموضعت حالات رصدها المختصون، لاسيما المولعون بالخبايا السيرية، من بينها مثلا، تصنيف النسق الفلسفي الهيجيلي ضمن الاتجاهات الرجعية، وتمهيده الطريق أمام أنظمة حديدية كما الشأن مع بسمارك وهيتلر.
أو أن ألتوسير ، استمر في فترة من الفترات منتجا إيديولوجيا للحزب الشيوعي الفرنسي،على الرغم من الأخير أضحى كتلة عقائدية جامدة، يبرر كليا الممارسات السياسية لموسكو التي تحولت بدورها إلى وجه إمبريالي، مع أن ألتوسير مفكرلامع، ولايبدو أنه حقا منسجم بانفتاح تأويلاته الفلسفية الذكية، مع انتمائه التنظيمي البيروقراطي.أو، شيطنة الموقف السارتيري من الفلسطينيين والعرب إبان حرب1967 ، وتصنيفه ضمن الدعاية الصهيونية، بالرغم من شهرة سارتر الواسعة، كمدافع صلب بالقلم والقول والممارسة،عن كل الشعوب المناضلة من أجل حقوقها... .
لكن أبرز حالة، في هذا الإطار تلك النقطة السوداء التي ظلت لصيقة بمسار مارتن هيدغر، لأنه رغم عقله الجبار ونظريته الغارقة في التجريد، رضي لنفسه الانسياق المستلب وراء المنظور النازي، الذي يتنكر لأبسط أوليات العقل، و إن كان هيدغر يعثر بسهولة لكبوته ، عن أسبابها ودواعيها المقنعة من خلال الفوهرر وذات القائد التي تبلور نداء القوة.
لم أكن أعلم قطعا،أن ابن خلدون العالم الاجتماعي الجليل، سيخذل فكره وتراثه وقومه، موظفا بطريقة أكثر من ميكيافلية، رمزيته المعرفية وشهرته وحظوته لدى علّية القوم، وخاصة تطلعه السياسي، كي ينتهي في أواخر حياته منحنيا جاثما على ركبتيه، يقبّل يد تيمورلنك زعيم التتار، الذي كانت جيوشه تحاصر أسوار دمشق. ابن خلدون، لم يكن يطلب خلاصا للمدينة وأهلها، بل يلتمس فقط لنفسه ملجأ آمنا.
الفقيد الكبير،الروائي عبد الرحمن منيف، استعاد حيثيات هذه الواقعة، عبر دراسته لمسرحية سعد الله ونوس" منمنمات تاريخية". نص، يطرح مضمرا إشكالية المثقف ودوره التاريخي وكذا حدود ارتباطه الأخلاقي بما يؤمن به:(( العلاقة بين المعرفة والسلوك،دور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان، أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف...هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟)).(عبد الرحمن منيف:   لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.والمركز الثقافي للنشر والتوزيع.الطبعة الثالثة 2003. ص 30).
التقط، سعد الله ونوس، فترة زمانية قصيرة لا تتعدى الشهرين، لكنها مفصلية في حياة ابن خلدون. وتشير أساسا إلى حقبة إقامته بدمشق أثناء حصار تيمورلنك لها، ومايقتضيه الوضع من ترقب لنوعية التصرف الممكن صدوره عن رجل من عينة ابن خلدون. هو ذاته الإشكال، الذي يتربص بجميع المثقفين في علاقة أولا بذواتهم وضمائرهم، إلى أن تبلغ أحيانا تصوفية الربط بين النظر والعمل، ثم تلك الاختيارات واللحظات الحدية،التي تكشف حقا وبوضوح عن معدن كل مثقف كما يقال.
ابن خلدون، صاحب نظرية في التاريخ والعمران، ومن علماء الإنسانية الأفذاذ، يريد أن ينأى بنفسه عن ابتذالية دوامة كهذه ، لكنها الحقيقة الساطعة التي لاغبار عليها. منيف بدوره، لم يستسلم من الوهلة الأولى للادعاء، مما أجبره على قراءة ثانية لعدد من المصادر التي تناولت الحدث:((لأني كنت،مثل كثيرين، أميل إلى تركيز نظري على الجانب الايجابي في هذه الشخصية ، ووضعها في سياق من اليقين أقرب إلى الثبات، رغم المرارة الدائمة التي كنت أحس بها نتيجة سقطة ابن خلدون تجاه تيمورلنك)).(نفسه. ص31).
طبعا، سيمكن ترميم جزئيات المعطى التاريخي، من بلورة موضوعية، تقوّم شخصية ابن خلدون في أبعادها، بعدم إغفال جوانب وقائعية في حياته، مادام يجب أن نضع دائما في الاعتبار.هذا التمييز: ((بين ابن خلدون العالم،صاحب النظرية، وابن خلدون السياسي.الذي وظف معارفه وكفاءاته من أجل الوصول إلى السلطة. ومعظم الذين كتبوا عن ابن خلدون كان يعنيهم، بالدرجة الأولى، الجانب النظري. لذلك أهملوا، أو تغاضوا عن الجانب الآخر))(نفسه ص32).وهذا ربما، ما يقود إلى انقسام في الآراء، وتعدد الأحكام، حسب ما ينبغي  استثماره من ذاكرة ابن خلدون. هل ينبغي التقاط زبدة فكره الرائع دون التفات إلى حياته الشخصية التي يكتنفها الغموض والالتباس؟.أم يلزمنا  فعلا، تشرب منطق الثقافة ذاته، والتحلي بالنزاهة بغية قياس العالِم بمكيال من ذهب، حيث عقله جنس غرائزه، و الأخيرة توأم لروحه.  فيغدو، المثقف كل هذا: معتقد وسلوك وواجب وموقف.
مع كل ذلك، لايمكن حسب الروايات الواردة في هذا المقام، فصل خذلان ابن خلدون لشعبه و انبطاحه غير المتوقع أمام تيمورلنك، عن مسارات هذه الشخصية السياسية الطموحة بكل الصيغ، و تواجده الدائم في المواقع الأمامية لجهاز الدولة، وعلاقاته الواسعة بالحكام والأمراء والولاة، ودأبه على حياة البلاط، فازدادت تطلعاته وكبرت:(( الاعتماد أو الاقتصار على أحد   المرتكزين اللذين شكلا حياته :  الممارسة العلمية او الكتابات النظرية، لابد أن يقود إلى فهم ناقص أو خاطئ لهذه الاشكالية الشديدة الغنى والتعقيد والتنوع والتناقض في آن واحد))(نفسه.ص39). وبالرغم من مغامراته السياسية، وتقلده لمناصب عديدة، وامتلاكه للأموال، وماينعم به من حياة الترف، فقد حرص ابن خلدون دائما، على الارتباط بمهنة التدريس : ((كوسيلة لايصال أفكاره وبث آرائه، ولكسب الأنصار والمؤيدين، وأيضا لمعرفة كيف يفكر الآخرون، وماهي المشاكل والهموم التي تشغلهم أكثر من غيرها))(نفسه.ص.39)
إذن، حين بدأ تداول الأخبار، عن فضائح الغزو التتري وما ارتكبوه في حلب، انطلق السلطان "الناصر فرج" على رأس جيشه من مصر للتصدي لهذا الغزو، فاصطحب معه هيئة ، تضم كبار موظفي الدولة، ومن بينهم ابن خلدون :   ((الذي يحاول السير في الحملة، لكن حاجب السلطان "بلين القول وجزيل العطاء")) (نفسه .ص.43.) سيرغمه على تغيير رأيه. إشارة أساسية أوردها منيف، تكشف عن الطبيعة الزئبقية لشخصيته.
تواجه الجيشان، وكانت الكفة مائلة إلى جانب معسكر السلطان، نظرا لشدة الدافع النفسي وشدة العزم، من أجل الدفاع عن دمشق ضد الغزو التتري. لكن، فجأة وقع تفكك في صفوف جيش الناصر، لما انسحب عدد من الأمراء وقرروا العودة إلى مصر. لذا، اضطر السلطان إلى ترك المعركة، وأخذ الطريق ثانية وجهة مصر، كي يلاحق المتمردين. طبعا، في خضم أجواء كهذه تراجع زخم المقاومة، وأصبحت دمشق مستباحة أمام تيمورلنك.
بقي ابن خلدون مع المجموعة، التي لم تغادر. بعد أن حدس بعقليته السياسية الذرائعية، موازين القوى فقرر تجنب الهلاك قبل فوات الأوان، بالارتماء في أحضان التتار،لأنهم منتصرون لامحالة. يقول ابن خلدون : (( وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ماوقع من الاستنامة إلى القول، وبلغني الخبر فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات الخبر))(نفسه.ص.45). ثم،التقى ابن خلدون بتيمورلنك : ((فلما دخلت عليه فاتحته بالسلام،وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إلي فقبّلتها، وأشار بالجلوس حيث انتهيت، ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم بيننا))(نفسه.ص.45). لم يفصح فقط ابن خلدون، عن موافقته غير المشروطة لتسليم دمشق، بل، أقر طلبا لتيمورلنك، يحيل مضمونه على ماننعته بلغتنا المعاصرة، إنجاز تقرير استخباراتي عن أحوال المغرب، حين كلفه بكتابة وصف لبلاد المغرب، وكل مايتعلق بجغرافيتها و أماكنها.
عاد ابن خلدون إلى جماعته، وشرع في لعب دور جوهري كي يقنع الوجهاء والقادة، بضرورة تسليم مفاتيح المدينة إلى تيمورلنك، الذي سيدلي أمامه ابن خلدون، بشهادة تنم عن أقصى دلالات التملق والمداهنة السياسية ((إنك سلطان العالم،وملك الدنيا،وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك))(نفسه.ص.46). لم يقف ابن خلدون عند هذا الحد، بل دفعه موقفه الغريب، ملتمسا : ((أن يكون في بطانة تيمورلنك، وفي خدمته،كما فعل مع أمراء وسلاطين عديدين سابقا،وربما طمع بلعب دور سياسي جديد،لكن تيمورلنك لم يستجب لمثل هذه الرغبة.ومع ذلك لم ينقطع ابن خلدون عن الزيارة وتقديم الهدايا)).(نفسه.ص.47).
إضافة، إلى هذا الحدث التاريخي، الملغى من طرف الباحثين،ربما حفاظا على نقاء صورة ابن خلدون، أدرج عبدالرحمن منيف ، على ضوء مسرحية ونوس، حوارا في غاية الإثارة بين العالِم الجليل وتلميذه شرف الدين، بحيث يبدو ابن خلدون متهافتا كل التهافت.
تتزاحم أسئلة شتى، داخل رأس التلميذ التابع حد الحرقة، نتيجة المواقف غير المفهومة لأستاذه، الذي يحاول الدفاع عن قناعاته، محتميا بقيم العلم وصرامته الموضوعية، مما يدعو إلى التخلي عن كل نزوعات الهوى و الانفعالات والميول القومية والوطنية. لذلك، وباسم قانون-موجها الكلام لشرف الدين-((حين تريد أن تسجل الوقائع، ينبغي أن تسيطر على الانفعالات والعواطف أو تلغيها))(نفسه.ص.50) ، يرفض ابن خلدون تماما، تعبئة الناس وتحريضهم وشحذ هممهم، كي يجاهدوا دفاعا عن مدينتهم: (( لايتحدث عن الجهاد هذه الأيام، إلا رجل يضرب في الوهم، أو يريد أن يلبس على الناس))(نفسه.ص50). إذن، سينأى بنفسه  عن دائرة المؤدلِج كي يظل عالما. قد يبدو كلامه صحيحا، لو اتصف ابن خلدون بنزاهة العلماء وحيادهم منذ البداية، ولم يتدلى من سور المدينة، مسرعا نحو النجاة بجلده. كما أنه مارس التضليل، فأوهم الناس،ومارس في حقهم خديعة لا تغتفر، لما ساهم إلى جانب آخرين طبعا، على إقناعهم بضرورة تسليم دمشق سلما كي يتجنبوا الوحشية التتارية. لكن العكس ماسيحدث، فرغم ميثاق الأمان، غدت دمشق أنقاضا خربة. إذن، حتى ولو أخل تيمورلنك بوعده، و أطلق العنان لهمجيته اتجاه المدينة و أهلها، فابن خلدون على إيمان مطلق: ((أنك، إذا لم تسيطر على قدرة عواطفك فلن تحوز ملكة العالِم وشروطه))(نفسه.ص.51). بل، ويستهجن سلوك عالم آخر، من نفس طبقته، وهو هياج التاذلي الذي قتل في المعركة، فقد وصفه ابن خلدون، بأنه تغلبت لديه :(( انفعالية الدهماء ،على حكمة العلماء))(نفسه.ص.51). كما، أن هذا التاذلي: ((لم يكن إلا موسوسا، وأنا أنفر من الموسوسين))(نفسه.ص51).
يستنكر ابن خلدون، وصفه بالحياد إزاء محنة أهله، كما جاء على لسان تلميذه، بل يفسر تصرفه كونه رجل واقعي يلم إلماما واسعا، بقوانين الأحداث ومجريات الوقائع، لذلك فلا علاقة للعالِم بمهمة، أن يتلمس الناس بواسطته طريق الحقيقة. بل، دوره يقف عن مستوى(( أن يحلل الواقع كما هو، وأن يكشف كيفيات الأحداث و أسبابها العميقة))(نفسه.ص.52).
يلح، ابن خلدون في التشبث بقيمة المعرفة المجردة ، مفندا رأي تابعه المؤمن بالمضمون النهضوي والتحفيزي لكل معرفة ، و إلا فما جدواها.
 فالمعرفة في منظورها الخلدوني ،تجعلنا نفهم سبب تآكل حكم السلطان ، مقابل تألق تيمورلنك ، الذي سيمثل له في نهاية المطاف ،فرصة كي:((يلتقي الملك على الطبيعة))(نفسه.ص53). فرغم ماضيه الحافل ، بمعاشرة الحكام والآخذين بزمام الشأن العام ، إلا أن ابن خلدون يقر لتلميذه عدم اقتناعه الصميمي بتجاربه السابقة ، واليوم يلاقي في طريقه تيمورلنك الذي يجسد نموذجه المبحوث عنه:(( طول حياتي وأنا أعاشر وأخدم أمراء وسلاطين ناقصين ،لاتتوفر لهم من شروط الإمارة إلا أقلها... ،لقد سرت في ركاب أمراء وسلاطين لا يستحقون أن يكونوا جزمة لتيمور))(نفسه.ص.53/54).
أخيرا ، قرر التلميذ الباحث بصدق وشغف عن علم يستجيب للحق ويحارب كل أشكال الظلم والطغيان ، تبني طريق المقاومة ،لأن دعوة الواجب يحتم عليه الأمر،والانفصال عن ابن خلدون الذي يريد إفراغ العلم من نبله الإنساني. لكن قبل رحيل شرف الدين ، استجمع أنفاسه وفجر أمام أستاذه تلك القنبلة الخانقة: ماذا سيقول التاريخ في ابن خلدون ،حينما يستحضر موقف الإذعان؟ سيعتقد القارئ ، أن الرجل تلقى ضربة قاضية بالتالي لن ينطق بعدها ببنت شفة ، لكن ابن خلدون أجاب بهدوء الواثق جدا من صنيعه: (( لن يذكر التاريخ إلا العلم الذي أبدعته ، والكتاب الذي دفعته. أما الأحداث والمواقف العابرة ، فلن يذكرها أو يهتم بها إلا موسوس مثلك))(نفسه.ص55).
سقطة ابن خلدون ، صاغها سعد الله ونوس ثانية ، قصدا وعمدا في قطعة مسرحية ، كي يثير الانتباه مرة أخرى ،إلى قضية تأسيسية لازلنا نعاني سلبياتها ، في مجتمع عربي لم يحسم بعد معادلاته الصائبة حول منظومته الجوهرية. أقصد هنا ، موقع المثقف داخل السياق المجتمعي وطبيعة الدور الموكول إليه قياسا إلى شعبه. ثم، الموقف النقدي والمسافة التأملية التي ينبغي عليه الاحتفاظ بها ، حيال السلطة والمال والإغراءات التي تستهدف تدجينه كليا ،وإفراغ مشروعه من أية قيمة مضافة.
استخلص منيف ،أفكارا أهمها: الثقافة موقف ،لذا لايمكنها أبدا أن تكون محايدة ، كما أن مسؤولية المثقف تكبر وتصبح أكثر حساسية ، بالتناسب مع الموقع الذي يحتله المثقف في سلم الارتقاء المعرفي ، بحيث تبرز حاجة الآخرين إلى معرفته ، فيمتلك حيزا واسعا من التوجيه و والتأثير التأطير.
يفرض الوضع الطبيعي للمثقف ، الارتباط بقضايا عصره ، مستوعبا حمولتها،  مجتهدا في سبيل إيصالها إلى الآخرين ، لكن مستويات إشعاعه متوقفة على:((الجدية والنزاهة والجرأة))(نفسه.ص60). عليه أن يميز ، عصره بطابعه كمثقف، انطلاقا من مواقفه المبدئية التي تروم استشراف بدائل أكثر إنسانية ، فالثقافة سند لصاحبها ، لكنها خاصة فعل وفيصل.
هذا المثقف الرمز، يقابله نوع ثان ، يتوخى فقط المصلحة الشخصية ويبحث من أجل صقل مهارة الثقافة بمختلف الأساليب المشروعة وغير المشروعة ، فينحدر بالثقافة إلى مجرد سلعة وكأي سلعة: (( دون أن تلزم صاحبها ، أو لا تعني له إلا بمقدار ماتدره من ربح. فعندئد تصبح الكلمات –الأفكار لعنة ، ويصبح الأكثر إتقانا لهذه "الصنعة"هو الأكثر خطرا))(نفسه.ص61). فيتحول ،إلى مجرد خادم للسلطة و أصحاب الماليغير الحقائق ويزيف، الأشياء ويضلل عن مدارج الحقيقة والحرية. إنه المثقف المرتزق المماثل ، تماما ل:(( الجندي المرتزق الذي يحمل السلاح ليس من أجل قضية يؤمن بها ويدافع عنها ،و إنما من أجل المال ،ولمن يدفع هذا المال))(نفسه.ص.62).
وتتضاعف مسؤولية المثقف،وتشتد محاسبته ، خلال الظروف التاريخية الاستثنائية. فتعبيره عن الضمير الجمعي ،يمكنه من شفرة سرية في غاية الدقة، يديرها حسب معاييره الخاصة ، إن إيجابا أو سلبا.         

الجمعة، 25 نوفمبر 2016

هل كان ابن خلدون تونسيا؟


ترجمة الباحث: سعيد بوخليط


تقديم: مؤرخ كبير،وأب السوسيولوجيا الحديثة. إنه،ابن خلدون،الشخصية المشهورة،على امتداد كل أرض تونس.لكن،هل يلزم حقا اعتباره تونسيا،وهو المنحدر من أسرة يمنية، استقرت في الأندلس،وعاش لفترة طويلة بمصر؟.
خلال الحقبة التي عاصرها ابن خلدون،كان العالم العربي يعيش أوج إعادة تشكله.هكذا،يسيطر الكاثوليكيون على قسم كبير من الأندلس،ومصر تحت كنف سلاطين المماليك،أما الشرق الأوسط،فقد اكتسحه الجيش التركي-المنغولي،بقيادة تيمورلنك.
بعد سقوط الموحدين،الذين تمكنوا من توحيد بلاد المغرب،من نهاية القرن الثاني عشر،إلى أواسط القرن الثالث عشر،صار الغرب الإسلامي تحت رحمة ثلاثة دول،هي:المرينيون والزيانيون و الحفصيون.نتيجة لترحاله الدائم،التقى ابن خلدون، أغلب أمراء المنطقة، بل كان رهن إشارتهم.   
وسط ساحة يقطعها شارع بورقيبة،الشارع الأساسي للعاصمة التونسية،وأمام كاتدرائية كاثوليكية وكذا سفارة فرنسا،ينتصب تمثال برونزي،الوحيد من نوعه في هذا المحيط،يظهر شخصا،مهيب الجانب،مرتديا البرنس والعمامة،وممسكا في يده اليمنى كتابا،باعتباره شيئا ثمينا. 
هذا الرجل المبجل بهذه الكيفية،هو عبد الرحمن بن خلدون(1332 -1406)،قاضيا ودبلوماسيا،ورجل بلاط خلال القرن الرابع عشر،لكنه خاصة مفكرا عبقريا، وأحد مؤسسي العلوم الإنسانية الحديثة،وبالنسبة لتونس فتعتبره أحد أبنائها.
فضاءات أخرى عديدة،في العاصمة، تؤبد ذاكرته :شارع على بعد خطوتين من التمثال، دار للثقافة متواجدة في المدينة،غير بعيدة عن هنا،ثم حاضرة سكنية عند ضاحية قريبة،وجامعة خاصة ثم مدارس عديدة،إلخ. إنه حاضر كليا، بين ثنايا الخيال المحلي،كما أن صورته تؤثث العديد من الطوابع، مثلما زينت ورقة عشرة دينار،لمدة طويلة.
يكشف ابن خلدون،عبر كتاباته عن مفهوم يعكس بكيفية مدهشة مفهوما حديثا عن عمل المؤرخ.كتابه ''المقدمة'' الأكثر شهرة،هو توطئة لمؤلفه الضخم :كتاب العبر.الذي تطرق من خلاله،دون خلفية فلسفية أو ميتافيزيقية قبلية،إلى تطور المجتمعات الإسلامية،آخذا بعين الاعتبار معطيات مثل الجغرافية،والثقافية،والاقتصاد.وبنفس كيفية، باحث ينتمي إلى اللحظة الراهنة،فقد ألح على أهمية المصادر،وأصالتها وكذا جدتها وفحصها.
عمله الفكري الجليل،غير قابل للانفصال،عن مسار حياة شخصية اتسمت خاصة بكونها قلقة،وكذا صورة حقبة مضطربة، انتمى إلى سياقها التاريخي.خلال القرن الرابع عشر،أضحى بهاء الغرب الإسلامي مجرد ذكرى،والعالم العربي في مجموعه ينهار.سيطر الإسبان على الأندلس، وأعادوا إخضاع جزء كبير منها.أيضا،المنطقة التي كانت مستقرة في ظل حكم الدولة الموحدية،وبعد انهيار الأخيرة،ستتفكك إلى ثلاثة دول متنافسة تقاسمت المغرب : المرينيون غربا،وآل عبد الودود في الوسط ،ثم الحفصيين شرقا،بحيث ضم مجالهم إفريقيا(الإسم السابق لتونس) وقسنطينة،وطرابلس. لكن، جراء وفاة أي أمير، يصبح استقرار كل واحدة من هذه المملكات، عرضة لأزمات عنيفة، تهم الخلافة على الحكم.
منذ 1250،كانت مصر وسوريا،تحت سيطرة المماليك،وهي دولة عسكرية أسسها عبيد قدامى، ينحدرون من القوقاز.وفي الشرق،سيطر المغوليون، بشكل شبه كلي تقريبا على آسيا الشرقية والوسطى،ويهاجمون البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط،فاستولوا على بغداد ودمشق سنة1400- 1401 .
ولد عبد الرحمان بن خلدون،في تونس عام 1332م(732هجرية).عائلته المنحدرة من اليمن،استقرت في الأندلس،منذ انطلاق الغزو العربي،ثم طردتها معارك الاسترداد الإسبانية، فانتهى بها الأمر،كي تستقر في تونس بعد مرورها من سبتة ،مع بداية القرن الثالث عشر الميلادي.
الفتى ابن خلدون،والذي كان أبوه صاحب تكوين علمي رفيع،سيخضع بدوره لتلقين علمي متين ومتعدد في العلوم القرآنية،وكذا التاريخ والفلسفة والطب.سنة 1348،وفي عمر السادسة عشر،أودى وباء الطاعون بحياة أسرته. لذلك، لم يعد يفكر، سوى في شيء واحد :الوصول إلى مدينة فاس،المركز الثقافي للغرب الإسلامي.في انتظار ذلك،سيختار من طرف إدارة سلطان تونس،فصار اسمه ''كاتب العلامة"،مكلفا بالمراسلات الرسمية للسلطان.
  نتيجة،اجتياح إفريقيا أو تونس من طرف أمير قسنطينة،وجدها بن خلدون فرصة كي ينسحب، قاصدا تبسة  ثم بسكرة وتلمسان،قبل وصوله سنة1354،إلى قصر المرينيين في فاس،حيث مكث هناك لعشر سنين،يشغل وظائف عليا،مثل مستشار وقاض.
بانتقاله إلى غرناطة سنة 1362، صار سياسيا محنكا،وصاحب تجربة، صقلها جراء تقلبات السلطة، وقد اعتقل مابين 1357-1359،مما ساعده على تبلور تأمله حول المجتمعات السياسية.أجبرته دسائس القصر،كي يبتعد عن الأندلس،عائدا إلى المغرب.
بعد، بجاية حيث عاود الخدمة ثانية مع الحفصيين،قادته الأزمات السياسية تباعا نحو تلمسان وبسكرة وفاس.قصد تونس سنة 1378،ثم حج إلى مكة،واختار الاستقرار في القاهرة سنة1383،متقلدا هناك وظيفة القاضي الكبير للمذهب المالكي، وخلال مهمة في دمشق، التقى تيمورلنك، لكنه أخفق في الحصول من قائد الغزاة، التركي-المنغولي،على وعد بخصوص أمن  المدينة.لما عاد إلى القاهرة، استعاد وظيفته القضائية،وتوفي سنة1406،عن عمر يناهز الرابعة والسبعين.
إذا كان إسهام ابن خلدون،في التاريخ والسوسيولوجيا السياسية،محط اتفاق،بل ويراه البعض مصدر إلهام لميكيافيلي ومونتسكيو و أوغست كونت وكارل ماركس وماكس فيبر،ستنصب في المقابل على حياته الشخصية انتقادات قاسية،مؤاخذة عليه جانبه السلوكي الوقح والمنتفع والانتهازي.نندهش،لأنه كان في نفس الوقت،خادما وعدوا،للبعض والآخر،دون إبدائه لأبسط حس وطني.
لكننا ننسى،أن مفاهيم الوطن والأمة، انعدمت  خلال تلك الحقبة، وتحتم انتظار القرن التاسع عشر،بعد الاحتكاك مع الغرب،كي يعرفها الفكر الإسلامي.لم يكن،للولاء من دلالة،سوى في إطار روابط الإنسان بالإنسان.هكذا ، لن يتوانى البعض، عن تغيير ديانته،إن أجبرته الظروف، كما حدث مع المماليك، العبيد السابقين، الذين تحولوا إلى الإسلام.وعلى منوال بربروس،ابن خزفي يوناني،فقد كان القراصنة ''الباربيروسيين''غالبا مسيحيي الولادة،ومجرد مغامرين أو عبيدا ارتدوا عن الدين.
من خلال نسبه وكذا مساره الخاص،يعتبر ابن خلدون شاهدا عن وضعية جد مرنة  ميزت العالم العربي،فترة القرون الوسطى،فقد انتفت الحدود،وتيسر الانتقال بسهولة من منطقة إلى أخرى،كما أن العربية هي ذاتها في كل مكان باعتبارها،لغة للنخب.يستقر الفنانون،المثقفون ورجال الدين،هنا أو هناك،حسب علاقاتهم بالأمراء.
بانتقالنا إلى أوروبا،يمكننا أن نستحضر في السياق نفسه، بيترارك أحد أعمدة الأدب الايطالي،وقد قضى حياته بين فرنسا وإيطاليا.ثم الثيولوجي والفيلسوف إيكهارت ،الذي ألقى دروسه ومواعظه في ألمانيا وكذا فرنسا،ثم ثيولوجي آخر هو غيوم دو كهام،المولود في إنجلترا،وأقام لفترة طويلة في ''أفينون ''Avignon وميونيخ.
طبعا،عاش ابن خلدون قسما كبيرا من حياته، خارج بلده الأصلي، من بينها عشرين سنة في مصر،لكنه لم ينفصل قط عن الغرب الإسلامي وكذا أصوله.ففي القاهرة،واصل ارتداء البرنس الداكن،أي اللباس الخاص بتونس والمغرب عامة. 
إذا أردنا، أن ننسب له تحديدا جنسية معينة،في حالة عدم وجود أي بلد ،يبادر إلى ذلك، فسيبقى في نظر التاريخ، ابنا وفيا لتونس، تبعا لسلالة،حنبعل و يوغورطة وعقبة بن نافع، مؤسس جامع القيروان الكبير أو الوزير المصلح،خير الدين باشا.
هامش:
*للإطلاع  على النص  الأصلي  يمكن  الرجوع  إلى:
 La revue :novembre-décembre ;2015 ;pp ;167-169 .