الاثنين، 21 يوليو، 2014

النقد الأسطوري والتايبولوجيا : حنا عبود

النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري
استفاد النقد الأسطوري من الأنتروبولوجيا إلى أقصى حد، حتى يمكننا القول أن إسهام الأنتروبولوجيين في نظرية النقد الأسطوري لا يقل عن إسهام النقاد. وقد لاحظنا كيف أن مود بوتكين استفادت من الدراسات الأنتروبولوجية وفاقها في ذلك نورثروب فراي الذي أضاف إلى أدواته النقدية التايبولوجيا. ولا نعتقد أن ناقداً جاراه في الاستفادة من التايبولوجيا.

فقد بين أنها في الأصل تقليد أدبي مشترك بين جميع الشعوب، منذ العهود الطوطمية والفيتيشية.

لا يوجد حتى الآن اتفاق على الكلمة البديلة للتايبولوجيا، مع أننا لو سميناها"علم الأنماط" تجاوزاً لما كان في ذلك غضاضة. إنها مثل كلمة الأنتربولوجيا التي فشلنا في إيجاد بديل عربي يقابلها. وهي كلمة فضفاضة نجدها في الفلسفة والاجتماع والدين، بل حتى في الرياضيات. وهي ترجع إلى الكلمة اليونانية تايبوس وتعني الرمز أو النمط أو المثال. وربما كان أبيمينيدس الكريتي، الذي عاش أرسطو بعدة قرون، أول من استخدمها(97) للدلالة على الصفات التي لا توجد كاملة في فرد من الأفراد أو ظاهرة من الظواهر.

والنمط الأولي عند أفلاطون هو المثال الأصلي الذي تعد الأشياء أشباحاً وصوراً له(98).

ففي هذه الأشياء نعثر على صفات المثال، أو ربما معظم صفات المثال إلا أننا لا يمكن أن نعثر عليها كاملة.

وقد استخدمت المسيحية هذا المصطلح اليوناني في لاهوتها وحولته لصالحها، كما فعلت بكل ما أخذته عن الفكر الإغريقي. وقد استخدم اللاهوت لفظة تايبوس اليونانية للدلالة على أكثر أنواع الرمزية أصالة الواردة في الكتاب المقدس. وقد وضع اللاهوتيون عدة كلمات وحددوا دلالتها بالنسبة إلى التايبوس. فهناك مثلاً الأنتي تايبوس ويقصدون به الوجه المقابل للأصل. فالسابقة أنتي هنا لا تعني الضد، بل تعني المقابل. فالمعمودية هي الأنتي تايبوس للتايبوس الأصلي وهو"الطوفان"، ومعنى ذلك أن النموذج الأصلي لا يتكرر بحرفيته، أو أن النموذج المقابل أضاف معنى جديداً لم يكن موجوداً في النموذج السابق أو النموذج الأصلي.
وهناك كلمة هيبودغما وتعني الصورة المسبقة. أما البارادغما فهي المثال المضروب على هذه الصورة، فخيمة الاجتماع على جبل سيناء، التي جمعت بين الله وموسى هي هيبودغما أما المظلة التي جعل اليهود لها عيداً فهي باردغما أي مثال مضروب ضرباً على خيمة الاجتماع.

أما الميمس فهي المحاكاة للنموذج الأصلي، فهيكل سليمان هو محاكاة لخيمة الاجتماع وليس كالمظلة المضروبة ضرباً على هذه الخيمة.

وهناك كلمتان أخريان تتعلقان بالتايبولوجيا اللاهوتية وهما السوما والأسكيا. أما السوما فإنها نمط أولي ولكنه حقيقة كاملة إلا أن الأسكيا تمثل ظل هذه الحقيقة فقط. فالمسيح في عرفهم هو سوما أي حقيقة أما الاقتداء به فإنه اسكيا، أي الظل(99).

إما ألا يكون(الصورة) فإنها تعني تكرار التايبوس كاملاً. الفردوس المفقود هو تيبوس أما الفردوس المستعاد، والذي تسعى نحوه البشرية فإنه لا يختلف عن الفردوس المفقود، بل أنه هو نفسه، لذلك لا يمكن أن يكون بارادغما ولا انتي تايبوس ولا اسكيا(ظلا) بل إنه إيكون(صورة) أي هو نفسه.

وقد غير القديس بولس من هذه الاصطلاحات فاعتبر أن كل ما جاء في العهد القديم هو بارابول(رمز) للمسيح. فصعود اسحق إلى المحرقة، حيث استبدل بكبش، رمز لصعود المسيح إلى جبل الجلجلة... وهكذا.

يرى القارئ أننا أمام علم واسع جداً من الأنماط فهناك الأنماط الأخلاقية والترميزية والأنماط الأرضية التي هي محاكاة للأنماط السماوية، وهناك أنماط اسكاتالوجية، إذ صار التاريخ بنظرهم هو عبارة عن خط سير مستقيم نحو تحقيق هدف محدد، فكل نمط، على هذا الأساس يكون خطوة تصاعدية نحو تحقيق الإرادة الإلهية التي تسوق البشر إلى الآخرة، حيث الفردوس المنتظر. فحياة العبريين في العهد القديم هي-في اعتبارهم- حياة فريدة من نوعها لأنها تحقق في الأرض ما طلب منها في السماء. وقد يكون ثمة ثورة وتمرد، كما حدث في التيه، إلا أن هذه الثورة نفسها نوع من تحقيق إرادة الذات الإلهية، فالسماء هي التي تهدي مسيرة هؤلاء القوم في هذه الأرض.



وقد ظن العبريون أنهم قوم خصوا بهذه الميزة، فهم ينفردون من دون سائر الشعوب بإلهامات السماء وتوجيهها، وما أعيادهم واحتفالاتهم وطقوسهم وشعائرهم وعاداتهم... بل ما حياتهم سوى خصيصة انحدرت إليهم من السماء وانحصرت بهم.


الفولكلور في العهد القديم

لكن جيمس فريزر في كتابه المكرس لدراسة هذه الظواهر المعتقدية والطقسية والعادات والتقاليد الشعبية عند العبريين"الفولكلور في العهد القديم" (100) أُبت أن البشرية جمعاء تملك ما يشبه هذه العقائد والتقاليد والفولكلور ضمن انزياحات تفرضها ظروف كثيرة، فالأنماط هي ظاهرة عامة مشتركة بين شعوب الأرض قاطبة، صغيرها وكبيرها، قديمها وحديثها، فمنذ الانتقال من الوحشية إلى المجتمع المدني ظهرت هذه الأنماط.


يبين فريزر في الفصل الأول من كتابه كيف أن سفر التكوين وقع رهين مصدرين في"خلق الإنسان": قصة الخليقة المنحدرة من أصل كهنوتي، وقصة الخليقة المنحدرة من أصل يهودي، وثمة تناقض كبير بين القصتين، فصله المؤلف تفصيلاً موجزاً، ثم عرض قصة الخلق في الثقافات الإنسانية المختلفة، ففي الثقافة اليونانية يجبل بروميثوس طيناً ويخلق منه البشرية، تماماً كما في التكوين العبراني. وحتى لو خرجنا من دائرة الثقافة المتوسطية وابتعدنا كثيراً وجدنا أن القصة ذاتها مع بعض الاختلافات في التفاصيل تتكرر. فقرب ملبورن، في استراليا، يروي البدائيون قصة مشابهة فمن ثلاث شرائح من لحاء الشجر قطعها الخالق"يند- جل" بسكينه، ووضع عليها طيناً وراح يسويها بسكينه إلى أن ظهر الشكل الذي أعجبه فنفخ فيه من أنفاسه وظهر الإنسان بنوعيه الذكر والأنثى.


وفي تاهيتي يخلق"تاروا" الإنسان على شكل زوجين أولين من طين أحمر، ومن هذين الزوجين تنحدر البشرية.



أما قصة خلق المرأة من ضلع الرجل، فموجودة في كثير من الفولكلور لدى كثير من الشعوب، فنجدها بتمامها تقريباً عند سكان بورما، فقد جاء فيها أن الخالق"أخذ ضلعاً من أضلاع الرجل وصنع منه امرأة" ويروي تتار سيبريا قصة مشابهة، وهي أن الرجل كان المخلوق الوحيد لكنه نام مرة فبرزت عظمة من أضلاعه إثر لمسة شيطانية، فسقطت على الأرض وأخذت تنمو فصارت المرأة الأولى.

وحتى قصة خلق الجلد وفصل المياه عن اليابسة والظلمة عن النور، وخلق الحيوان والشجر والبشر والشمس والقمر.... نجدها لدى كثير من الشعوب.

وفي الفصل الخامس يبين المؤلف أن برج بابل ليس خاصاً بالعبريين الذين يزعمون أن البرج أقيم تمرداً على الخالق الذي"بلبل" ألسنتهم وأحبط عملهم. ومع أن معنى بابل"بوابة السماء" فإن الحكواتي العبري جعلها بلبل ليستغلها في تفريق الألسنة. وكما يزعم العبريون أن لغتهم هي التي كانت متداولة قبل البلبلة وأنها لغة أهل الجنة، فإن السويديين يزعمون هذا الزعم وكذلك الهولنديون والدانمرك لنوازع قومية. وقصة برج بابل وتبلبل الألسنة موجودة لدى كثير من الشعوب، ففي المكسيك نسمع القصة ذاتها تقريباً. وفي قبيلة"ميكير" في التيبيت البورمية تتكرر قصة برج بابل. ويبدو أن البرج الذي يشمخ إلى السماء هو رمز للتمرد والعصيان لأن القصص"البرجية" كلها تجمع على ذلك.



ويطالعنا فريزر أن"سقوط آدم" ليس عقيدة خاصة بالعهد القديم، بل إنها منتشرة انتشاراً واسعاً. وكذلك الميثاق الذي يعقده الخالق والمخلوق، فهو موجود في الفولكلور العالمي.



والشيء نفسه يقال عن الطوفان و"علامة قابيل" و"جلد الجدي" و"قدح يوسف" وبقية القص التي يشتمل عليها العهد القديم. بل إنه يظهر كيف أن القانون الذي يعتقد اليهود أنه خاص بهم، لا يختلف عن بقية"القوانين" البشرية. والعادات الخاصة بذلك ليست وقفاً عليهم فالنهي عن طبخ الجدي بلبن أمه نجده لدى كثير من الشعوب، وكذلك إيذاء الجسد حزناً على الميت وغير ذلك من الظواهر الفولكلورية.

وخلاصة"الفولكلور في العهد القديم" هي أن هذا الفولكلور ما هو إلا تكرار لأنماط عرفتها معظم الشعوب، مع بعض التعديلات والانزياحات التي تفرضها المشاعر القومية أو الظروف البيئية. ولكن حتى في حالة تباين البيئات نجد ثمة مماثلة بين عقائد الشعوب. فالعقيدة المصرية مثلاً هي عقيدة شمسية صرفة، ولكننا نرى هذه العقيدة موجودة حتى في البلاد التي يعز فيها اللقاء مع أشعة الشمس كاليونان مثلاً وكالبلاد السكندنافية. ويجب ألا تخدعنا الفروقات والتباينات وأحياناً التناقضات، عن إدراك العالم المشترك بين عقائد الشعوب التي تعكس أنماطاً أولية كبرى، وقد تتقارب الأنماط الصغرى، أو حتى أقسام وأجزاء متشظية من هذه الأنماط. إن الدراسة العلمية الواسعة التي قدمها فريزر في هذا الكتاب، أظهرت أن التباينات العرقية والقومية والدينية والبيئية تتضاءل كثيراً أمام العالم المشترك.

التايبولوجيا-إذن- ليست علماً لاهوتياً، ولا هي خصيصة للعهد القديم والعهد الجديد بل إنها"العام المشترك" لجميع ثقافات الشعوب. بل يمكن الزعم أن اللاهوت هو الذي أخضع التايبولوجيا لميدانه وجعلها حكراً عليه. والمصطلحات التي استخدمها في التايبولوجيا هي مصطلحات مسبوق إليها، لكنه أضفى عليها المعاني التي تخدم عقيدته، بحيث صرنا عندما نسمع كلمة لاهوت(ثيولوجيا) نلصقها بالمسيحية فقط، وننسى أنها علم قائم بذاته وموجود لدى أقدم الشعوب(كالأستراليين) وأورقاها(الإغريق) وعلى هذا فإن"قصة يوسف" مع امرأة فوطيفار تتحول إلى"مغزى لاهوتي" في حين أن"قصة الأخوين" المصرية، وهي النسخة الأصلية لقصة يوسف، لا يسمح لها أن تدخل حرم اللاهوت. والسقوط له معنى لاهوتي في العهد القديم، بينما"السقوطات" التي لا حصر لها والتي عرفتها شعوب العالم لا دخل لها في اللاهوت.



لقد حرر فريزر بكتابه الدقيق"الفولكلور في العهد القديم" العقائد والتصورات والعادات من أسر اللاهوت وارتفع بها إلى مستوى المشترك العام بين البشر، فسقوط آدم ما هو إلا صورة لكثير من أنماط السلوك التي عرفتها البشرية. ورحلة يونان المائية ما هي إلا تكرار للرحلات تحت الماء التي تتردد في ثقافة الشعوب وآدابها، وإن لم تكن شعوباً مائية. ولا يكاد معتقد من المعتقدات القديمة يخلو من قتل التنين أو اليهموت المخيف أو الغيلان أو الهولات، فهي عقيدة مشتركة وليست حكراً على العهد القديم أو العهد الجديد.



ولكن على الرغم مما بين الأنتروبولوجيا والأدب من صلة فإن الدراسة المسيحية التي قدمها فريزر تظل مقيدة بحدود انتروبولوجية، وإن كانت على صلة وثيقة بالآداب والثقافات الفنية. وقد عزز فريزر نظرته في العهد القديم بالأمثلة الموسعة والغزيرة لقبائل وشعوب ومجتمعات وتجمعات، كثيرة جداً ومختلفة عرقاً وديناً ولغةً وبيئةً. فمن الهند وحتى كندا، ومن الاستواء إلى القطب ومن استراليا إلى الهنود الأصليين في أميركا، ومن سكان الجبال إلى سكان السهول، ومن سكان الصحارى إلى سكان السواحل، ومن ضفاف الأنهار حتى شواطئ البحار... تبين له أن ما يتراءى خاصاً في العهد القديم إنما هو عام بين جميع أنماط الوجود البشري.



الناحية الأدبية في هذا الكتاب ذابلة ذاوية إن لم تكن معدومة، فإشاراته إلى الآثار الأدبية قليلة جداً. ولكن من البديهي جداً أن الاشتراك في الثقافة والمعتقدات يعني الاشتراك في الأدب كإطار عام. ولذلك فإن ناقداً من أمثال نورثروب فراي لم يطرح على نفسه هذا السؤال وهو هل هناك مشترك أدبي بين الشعوب والعهد القديم، مثلما أن هناك مشتركاً أنتروبولوجياً بينها؟ إنه سؤال نافل ما دام الاشتراك بالثقافة والعقائد سوف يؤدي من دون شك إلى الاشتراك في الأدب.

ليس هذا وحسب، بل إن التايبولوجيا في الكتاب المقدس بشقيه: القديم والجديد هي نفسها التايبولوجيا الأدبية. ونورثروب فراي لا تنقصه أدوات البحث الأدبي، فإلى جانب تخصصه الأدبي تخصص باللاهوت الكتابي، كما درس الفلسفة وثقفها ثقافة مكينة، وإن لم يمارس النشاط الفلسفي المستقل.



كانت مود بوتكين قبله قد استفادت من اللاهوت في دراستها للأنماط الأولية في الشعر، أما هو فإنه من قلب اللاهوت أثبت رسوخ الأنماط الأولية الأدبية، وما التايبولوجيا اللاهوتية سوى تايبولوجيا عامة مشتركة بين الناس أجمعين. ولا شك أن رسوخ قدمه في اللاهوت من جهة والنقد الأدبي من جهة أخرى مكنه من أن يستبدل أسماء الشعوب والقبائل والعادات بأسماء الشعراء والأدباء والآثار الأدبية منذ القديم وحتى العصر الحديث. وبالطبع اقتصرت أمثلته على الأدب المطبوع المحرر وليس على الأدب الشفهي الدارس الذي لو كان سجل لكان سنداً قويّاً له في بحثه.



إن الكتاب الذي عرض فيه هذه الآراء هو "الشيفرة الكبرى(101). وقد أوضح في المقدمة أن كتابه هذا يحاول دراسة الكتاب المقدس من جهة الناقد الأدبي الذي يقوم بمسح معمق للتصور والسرد في العهد القديم والجديد، شارحاً كيف أن عناصر هذا الكتاب هي التي أدخلت الإطار التخييلي-أو الكون الميثولوجي كما يسميه- في الأدب الغربي حتى القرن الثامن عشر، وما يزال هذا الكون الأسطوري مستمراً في تأثيره حتى هذه الأيام(102).



وقد أحسن صنعاً عندما أضاف العهد الجديد إلى العهد القديم، فلم يقتصر على العهد القديم كما فعل فريزر. وربما كان مضطراً إلى اتخاذ هذه الخطوة لأن العهد الجديد يستخدم الأنماط ذاتها الموجودة في العهد القديم، فكلا العهدين يقوم على التصور الميثولوجي للكون والحياة. ثم إن الغرب يعتقد أن الرموز في العهد القديم ما هي إلا إشارات إلى العهد الجديد، وإن العهد الجديد جاء توكيداً لهذه الإشارات، فالتصور الميثولوجي مستمر في العهد الجديد، وهو قاسم مشترك بين هذين العهدين والآداب العالمية التي تقوم هي الأخرى على التصور ذاته: "الكون الميثولوجي". ولهذا لم يخطئ عندما عامل الكتاب بعهديه على أنه كتاب أدبي يعكس المخيلة الميثولوجية بأوسع معانيها.



أبحاث الكتاب تنحصر في اللغة والأسطورة والاستعارة، وأخيراً في التايبولوجيا وهي الجزء الذي يستحق التريث عنده، مع أن الأبحاث السابقة لا تقل أهمية عن التايبولوجيا. فقد بين أن اللغة الأدبية واحدة. والدليل على ذلك أن هذه اللغة كانت مستخدمة في آداب العالم، كل شعب حسب لغته، ومستخدمة في الأدب الغربي الذي لم يعرف الكتاب بعهديه إلا عن طريق الترجمة. ولو لم تكن هناك لغة أدبية مشتركة، لكان من المحال أن يؤثر الكتاب المقدس في الأدب الغربي كل هذا التأثير.

والأسطورة لغة، وهي أيضاً لغة مشتركة. هنا يعتمد على ما أثبته فريزر في كتابه"الفولكلورفي العهد القديم". ومن الأمثلة التي اعتمد عليها فراي مثال الطوفان، إذ أن هذا الطوفان موجود لدى شعوب العالم قاطبة، فلكل شعب قصة طوفانه. وفي كل حالة كان الطوفان سبباً لنشوء الأسطورة.

لاشك أن الفيضان غمر جنوب سومر كما تخبرنا بذلك ملحمة كلكاميش. فالطوفان هنا طريق إلى الأسطورة، سواء كان بطلها أو تنابشتيم أو نوح. ولكن هل يعقل أن الطوفان حصل في كل المعمورة؟... أليس من المعقول أن التصور الميثولوجي هو الذي أوجد الطوفان مثلما أوجد العالم السماوي والعالم الجهنمي؟ ولماذا نسلم بالخلق الميثولوجي لذينك العالمين ولا نسلم بالخلق الميثولوجي للعالم المائي، والقسم الأعظم من كرتنا الأرضية تغمره المياه؟



ولا تختلف الاستعارة في أصولها عن الأسطورة، بل هي من فعل التصور الميثولوجي الذي يجعل العالم الأرضي منصاعاً للعالم السماوي. وعندما يقول الكتاب"إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم" فإنما يتبع ما تعورف عليه في كثير من الشعوب ففي الطوفان اليوناني ينجو ديوكالين وبيرها اللذان أمرا أن يرميا الحجارة خلفهما، وكانا الناجيين الوحيدين ففعلاً فإذا الحجارة تصير بشراً. فالاستعارة مصدرها التصور الميثولوجي وليس التصور الواقعي، وبما أنها لغة الأدب فإنها أسبق من اللغة الواقعية، لغة العلم. ولو أن الإنسان بدأ بالواقع بعيداً عن أي تصور ميثولوجي، وهذا مستحيل، لكانت اللغة على غير ما هي عليه الآن، ولخلت من أي نوع من الاستعارة والتورية. ففي البدء كانت الاستعارة وليس الواقع. أو يمكن القول أنه الواقع منظوراً إليه نظرة ميثولوجية تجعله رهين إرادة العالم الفوقي.



وإذا كانت الاستعارة في الكتاب مشابهة للاستعارة اليونانية فإن هذا لا يعني حصر هذه اللغة الأدبية بدائرة البحر المتوسط الثقافية. إن كل لغات العالم تقوم على الاستعارة، بل إنها في البداية كانت لغة استعارية صرفة، إلا أننا نشدنا"العلم" فحاولنا الابتعاد عن هذه اللغة(103) فالاستعارات ليست ذات بعد أفقي(انتشاري) وحسب، بل إنها أيضاً ذات بعد عمودي(عمقي) فأعظم أنماط الاستعارة صيغت قديماً، ما يجعل بعض المغرورين بعلومهم الحديثة يتباهون بأنهم ينأون عن هذه اللغة القديمة، في حين لا يستطيع الكاتب أن يستغني عنها.



ويذكرنا كلام فراي هنا بمقالة للمازني"الحقيقة والمجاز في اللغة" (104) يميل فيها إلى الرأي القائل إن اللغة انحدرت من المجاز أولاً، وليس كما يذهب بعضهم من أنها نشأت من التماس مع المحسوسات والأشياء المادية، وإنما العبرة في النظرة إلى هذه المحسوسات ذاتها هل هي نظرة علمية أو ميثولوجية؟ ولو أنها كانت نظرة علمية بمفهومها هذه الأيام، لكنا الآن نحن الذين"نصنع" الاستعارة ولم نرثها عن الأقدمين وراثة، فالموقف الميثولوجي هو الأساس في نشأة المجاز في اللغة بشكل عام. وفرق كبير بين أن نعامل المحسوسات المادية من موقف واقعي وبين أن نعاملها من موقف ميثولوجي. إن التعامل الميثولوجي مع الواقع هو الذي أوجد الاستعارة، أو اللغة الأدبية التي تكاد تكون واحدة في كل أرجاء المسكونة.



ومن الاستعارة نشأت التيبولوجيا. فالاستعارة هي تراث اشتراك لا تراث حكر، فلا يوجد شعب يزعم أن التعبير الاستعاري عنده لا مثيل له لدى الشعوب الأخرى. فما دام المعتقد الميثولوجي هو الذي كان سائداً، فإن من البديهي أن تبدأ اللغة بالمجاز لا بالحقيقة.

أينما وجهنا بصرنا نجد التايبولوجيا التي تنتظم فيها كل هذه الفروع المتشعبة. وما التايبولوجيا سوى نتاج المعتقد الميثولوجي. فمن الميثولوجيا نشأ الكون المادي، أو بالتحديد هكذا تصوره الإنسان وفقاً لرؤاه هو وليس وفقاً لجغرافية هذا الكون المادية. فالكون هو ما يرغب الإنسان أن يكونه، وليس ما هو كائنه. وهذا ما يفسر لنا ظهور النزعات الفيتيشية والأرواحية والهيلويزمية(الاعتقاد بأن لكل شيء طاقة حياتية حتى للخشب والحجر) والطوطمية في فجر البشرية. فالريشة التي رسمت الكون والحياة هي ريشة ميثولوجية، إنها الأنماط الأولية، إنها الرغائب والدفائن النفسية. فالحقيقة نابعة من سلالة مجازية، ولذلك تأخر العلم، ولذلك سبقه السحر سبقاً زمنياً متقدماً جداً. والسحر هو العلم الذي أفرزته الميثولوجيا، والعلم هو ابنه وقاتله في الوقت ذاته، تماماً مثلما قتل زيوس أباه كرونوس وعزله عن كرسي الألوهية، وهذا ما عبر عنه أدغار آلن بو في قصيدته"سوناتة إلى العلم":



أيها العلم أنت سليل الزمن القديم

الذي غيرت كل الأشياء بعينيك الثاقبتين،

وافترست قلب الشاعر
يا نسراً جناحاه من مادة الواقع الكئيب،
من سوف يحبك؟ أو يصغي إلى حكمتك؟
ألست أنت الذي أنزلت ديانا من عربتها؟
وطردت جنية الغابات من غابتها
لتبحث عن ملجأ لها في نجمة أكثر سعادة
من كوكبنا؟
ألست المنتزع النيادة(حورية الماء) من طوفانها؟
والمنتزع إيفلين(حورية الربيع) من عشبها الأخضر؟
والمنتزع من قلبي حلمه الصيفي
تحت شجرة التمر هندي؟ (105)



فالعصر الذهبي في هذه النظرة يقع خلفنا وليس أمامنا كما ترى بعض المذاهب الفلسفية والاجتماعية. فمن الحقائق الإيمانية انطلقت تصورات البشر وليس من حقائق مادية، فالحقيقة المادية خاضعة للإيمان، للتصور الميثولوجي.



لقد رأى فراي في التايبولوجيا أنماطاً أدبية كاملة. فالأسفار هي نتاج الأدب، نتاج التصور الميثولوجي. وقد رأى أن التايبولوجيا في هذه الأسفار تنحصر في سبعة أنماط هي الخلق والثورة والشريعة والحكمة والنبوءة والبشارة والرؤيا الأخروية(الاسكاتالوجيا).
1- الخلق: إن أسطورة الخلق في العهد القديم هي أسطورة ضعيفة، فالخليقة انحدرت من أب سماوي. وهذا الخلق عبارة عن خلق أدبي، فأشكال الحياة ظهرت بناءً على منطوق كلامي، فهي لم تصنع من"شيء ما". إنها إرادة كائن فائق. يسميه الكتاب الأب السماوي.



وحتى يكتمل الخلق لابد من ذكر وأنثى وكذلك فإن الأم هي دائماً أرضية خرجت من الذكر واستقلت عنه. والخلق هو خلق أبدي، إلا أن المخلوق يخالف أوامر الأب السماوي، فيكتب عليه العذاب والموت. إلا أن وجوده مع الأم الأرضية يعوض عن الموت بالولادة الجديدة فأبدية الخلق اتخذت منحى جديداً، فما دام ثمة موت، فإن ثمة ولادة جديدة. وهذا لا يخص الإنسان وحده، أو بالأحرى لم يتصوره الإنسان عن نفسه فحسب، وإنما رآه أيضاً في مظاهر الطبيعة.



فحبة الحنطة التي تموت تحت التراب تطأ الموت بالموت وتعوض عن نفسها بعشرات الحبات الجديدة... وهكذا(106).

وكما أثبت فريزر أن هذا التايبوس(النمط) موجود لدى كل الشعوب، أثبت فراي وجوده في كل الآداب العالمية.



وفي اعتقادنا أن الأب السماوي يشبه الديمرجوس في الأدب اليوناني الذي تحدث عنه أفلاطون في محاورته"طيماوس"(107). وفي كل الآداب العالمية نجد أن الخلق يتم بكلمة، وهذا شيء منطقي، فقبل وجود الشيء لا يمكن أن يوجد شيء، ففي البدء كانت الكلمة والكلمة هي التي أخذت على عاتقها فعل الخلق، خلق الأكوان الميثولوجية قبل أي فعل آخر.



إن أفلاطون يسمي الديمرجوس"العلة الفاعلة" فأي علة هذه التي يتحدث عنها مادام لا وجود لشيء؟ إنها الكلمة، فالفعل الأول بهذا المعنى هو الكلمة، أي الأدب.



قد تختلف آداب الخلق من شعب إلى شعب، فعقيدة قدامى المكسيك تتركز حول الإله الذي أوجد الخلق عن طريق زواج كوني غامض بين الإله وذاته، فالأم الأرضية هنا مندمجة بالأب السماوي(108).



ولو نظرنا في المخلوقات الأدبية لرأينا أنها في معظمها تعاني من مشكلة الخلق. فأوديب في لحظة وعي مفاجئة يبحث عن أصله، ومل فلاندرز التي لا تعرف شيئاً عن أصلها تعشق شاباً وتنجب من أخيه الأصغر بعد أن تتزوجه. وتستمر في الإنجاب من عدة زيجات إحداها من أخيها، فكأن هذه الرواية تطرح مشكلة الخلق التي طرحتها الشعوب على نفسها. ماذا يكون هذا من هذا، وما علاقة هذا بذاك؟ وتبدأ رواية"بيدروبارامو" لخوان رولفو، وهي من الروايات الحديثة لأميركا اللاتينية، على النحو التالي: أتيت إلى كومالا، لأنهم قالوا لي أن والدي يعيش هنا، إنه شخص يدعى بيدروبارامو. وتقول له أمه: لا تستعطه شيئاً، بل طالبه بحقنا. طالبه بما كان مجبراً على تقديمه لي ولم يعطني إياه أبداً. خذ منه غالياً ثمن النسيان الذي تركنا فيه.



ويقول لأمه بأن هذا ما سيفعله إلا أنه لم يفكر أبداً بتنفيذ وعده... إنها المشكلة الأوديبية ذاتها، مشكلة البحث عن أب(109). وفي رواية الطريق لنجيب محفوظ، يدور حوار بين البطل وأمه المحتضرة، تخبره أن أباه لم يمت قبل ولادته، كما كانت تقول له، بل ما يزال حياً وعليه أن يبحث عنه وهو المجهول الإقامة، مثل بيدروبارامو. والرواية من أولها إلى آخرها هي"البحث عن أب". وقد طرح نجيب محفوظ هذه المشكلة الأبدية وهي علاقة الأدنى بالأعلى، وواجب الأعلى نحو الأدنى... علاقة الخالق بالمخلوق ومكابدة المخلوق من فقدان الخالق أو تذمره من تجاهله. وتنتهي الرواية من غير أن يعثر البطل على أبيه. فالبحث عن الأصول والجذور هو أهم الهموم الكبرى للأدب، وعلى الأخص الأدب الدرامي. فالمخلوق إما أن ينظر إلى ما فوقه باحثاً عن الخالق، أو ينظر إلى ما تحته في علاقة متشابكة مع ابنه(أو أبنائه). والأغلب أن ينظر الأعلى إلى الأدنى على أنه ولادة الشر من الخبر، أما الأدنى فهو المستاء دائماً والساخط أبداً. إنه يبحث عن مكان له تحت الشمس مؤمناً بجدارته وبالأخطاء التي اقترفها الأعلى بحقه، مما يجعل الطرفين في علاقة ساخطة: لا الأعلى يرضيه تصرف الأدنى، ولا الأدنى يقنع بما كتبه له الأعلى... إنها مشكلة أبدية. إنه نمط أولي.

2- الثورة(العصيان أو التمرد بكل أشكاله...): عندما دخلت البوذية تعارضت مع ديانة الشينتو، فما كان من أحد اللاهوتيين البوذيين إلا أن ادعى أن الكامي(الآلهة المتعددة وأرواح الطبيعة وأرواح الأجداد في عقيدة الشنتو) ما هي إلا تجليات لبوذا، وبذلك صالح بين الديانتين، وهذا ما لم يفعله الدين العبري وما شابهه. فهناك دائماً ثورة حقيقية في رفض كل العقائد الأخرى سوى عقيدتهم الخاصة. والوصية الثانية لموسى هي القرار رقم واحد في برنامج الثورة، فهي تحرم صنع أي صورة أو تمثال، أي باختصار أنها تعلن الثورة ضد المعتقدات الأخرى بآلهتها التي جسدها أصحابها بصور أو بتماثيل. وفي المسيحية جاء:



يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بزوجته"، مما يدل أن هناك انتقالاً من طور إلى طور، أي أنها بداية جديدة(110). والإيمان في المسيحية بإمكانه أن ينقل الجبل من هنا إلى هناك.



إنه صانع المعجزات، أي يتمرد على نظام الطبيعة وشكل الوجود.



هذا العصيان التايبولوجي موجود في كل أدب، منذ ثورة زيوس ضد أبيه وحتى آخر أثر أدبي حديث. قد تكون الثورة صاخبة مثل ثورة دون كيشوت أو ثورة صهري الملك لير، وقد تتم بصمت ثقيل مثل مأساة الأب غوريو. ومل فلاندرز دائماً هناك احتجاج على ما هو قائم. وقد يستسلم البطل للواقع بمعنى أنه لا يريد أن يواجهه, وهذه ثورة سلبية، فبطل سارتر في رواية"الغثيان" يمثل ثورة من هذا القبيل، الثورة الصامتة. وما هذه الثورة سوى نشدان المزيد من الحرية، ففي مسرحية"الذباب" يدفع سارتر أورست إلى مواجهة جوبيتر وإعلان ثورته في وجهه:



جوبيتر: ألست ملكك أيها الدودة الوقحة؟ من خلقك إذن؟

أورست: أنت ولكن كان ينبغي ألا تخلقني حراً.

جوبيتر: لقد وهبتك الحرية لتخدمني.
أورست: ربما ولكنها انقلبت عليك، فنحن، أنت وأنا، لا نستطيع شيئاً.
جوبيتر: وأخيراً هذا هو العذر.
أورست: لست أعتذر. (111).



وفي لقاء بين جوبيتر وايجست يقول الأخير: منذ حكمت كانت كل أفعالي وكل أقوالي تهدف إلى تأليف صورتي. أريد من كل فرد في رعيتي أن يحملها في نفسه، وأن يشعر حتى في وحدته، بنظرتي القاسية تجثم على أشد أفكاره خفاء. ولكني كنت أنا أول ضحاياي، إذ صرت لا أرى نفسي إلا كما يرونني، انحني على بئرا أرواحهم الفاغرة. رأيت صورتي هناك، في أقصى القعر تنفرني وتسحرني، فيا أيها الإله القدير، من أنا إن لم أكن الخوف الذي ألقيه في نفوس الآخرين؟



والمعلوم إن هذا الكلام كان رداً على كلام جوبيتر: فأنت ترى حقاً أننا متشابهان(112).



وما ظهرت شخصية الابن في أثر أدبي إلا كان له هذا الموقف. إنه شبيه أبيه من جهة والمتمرد عليه من جهة ثانية. إنه يريد أن يستقل فيأتي بكل الحجج التي تناهض أباه، لكنه يفعل فعل أبيه: توطيد نظامه الخاص الذي لا يختلف، في النهاية، عن نظام أبيه. لقد تمرد كرونوس على أبيه أورانوس، ولكن نظامه الوطيد لم يكن مقبولاً أيضاً من أخلافه، فعمد إلى قمعهم، إلى أن ينجح زيوس في طرده عن عرشه. وبعد أن لقنه درساً يهبط إلى الأرض تائباً ويؤسس في إيطاليا"العصر الذهبي". أليس هذا العصر من أحلام الفاشلين والمطرودين؟ لم يكن كرونوس ليفكر في إقامة الفردوس الأرضي لو لم يكن مطروداً منبوذاً.



يستلم زيوس العرش فيقيم نظامه هو الآخر. وتأتيه وشاية أ بروميثوس يعرف خليفته الذي سيثور عليه، فيطالبه بالبوح فيرفض، فيصمت زيوس على مضض، وينتظر الفرصة السانحة التي يراها في سرقة بروميثوس النار وتقديمها للإنسان، فيحكم عليه، بموافقة البقية من أنصاره، بالصلب على جبل القفقاس تحت هذه الذريعة، خافياً السبب الحقيقي لحنقه، مسلطاً نسراً على كبده ينهشه نهاراً فينمو ليلاً، حرصاً على حياة بروميثوس، حتى لا يموت السر بموته.



إن كل ابن يسعى إلى توطيد نفسه(113). وفي عمله هذا تكمن الثورة، أو الاحتجاج على أقل تقدير. ومن هنا كان الأدب، كما يقولون، احتجاجاً على الواقع القائم، بل إن هذا الاحتجاج هو المحفز الأكبر للإنتاج الأدبي.

3- الشريعة أو النظام: يرى فراي أن الشريعة أعقبت الخروج من مصر مباشرة. فبنزول موسى من طور سيناء نزلت معه الشريعة أو القانون أو النظام الذي يجب أن يسير عليه العبريون. وأضيفت على القانون هالة من القداسة تعادل القداسة التي يتمتع بها قانون الطبيعة، بل أكثر. لقد احترم الناس قانون الطبيعة لاعتقادهم أنه قانون إلهي، فلابد من أن تكون القوانين البشرية في مستوى قوانين الطبيعة لتنافسها من جهة وتتفوق عليها، وتكون نافذة من جهة ثانية. وحتى يضفوا على القانون هالة القدسية مارسوا العقاب الفظيع على من يخالفه حتى إن مرتكب الإثم يعاقب بالحرق مع كل عائلته ونسله وإن كانوا أبرياء(يوشع 7)، كما مارسوا الخوارق. والخوارق لا يختص بها إلا الملتزمون بالقانون والذين يخدمون النظام بثقة وإخلاص. وبهذا يكونون قد ضمنوا احترام الشرائع البشرية، فقانون الطبيعة لا يعرف الخوارق ولا المعجزات، مع أنه فعل سماوي. قانون البشر فقط هو الذي يقوم على الخوارق. ولهذا يرى فراي أن العلم أسرع تقدماً في البلدان التي تتعدد عقائدها، من البلدان التي تمكث عند عقيدة واحدة، وقد كانت اليونان سباقة إلى العلم، وبالتالي إلى القانون المدني(114).



والذي نراه أن النظام البشري كان دائماً في حالة عوز إلى المقدس. فانقسام الأجناد السماوية إلى قسمين متحاربين، قسم فاز بالجنة، وقسم اندحر إلى جهنم، إنما هو تصوير مجسم لما يجب أن يكون عليه عالم البشر. إن المدينة المقدسة أورشليم تقابلها مدينة الشيطان"بابل" وعندما تنصرت الإمبراطورية الرومانية صارت روما هي المدينة المقدسة.



وتكون المدينة المقدسة حيث يكون أصحاب الميثاق المقدس أو النظام المقدس أو الشريعة الإلهية. والقانون الاجتماعي دائماً يستنجد بالمقدس من أجل توطيد ذاته وضمانة استمراره(115).



ما دور الأدب في كل ذلك؟ ألم يسهم في إنشاء المقدس؟ ألم يتمرد في وجه النظام الوحداني الذي يرفض التعددية؟... ألا نرى شيئاً من التناقض في أن الأدب ينشئ الأشياء ويتمرد عليها؟



المقدس الذي نشأ من أعماق الدنيوي واعتلى عليه، إنما غرضه خدمة هذا المخلوق البائس. فالأسطورة انبثقت لا عن عبث بل عن هدف وهو جعل الإنسان قادراً على التلاؤم مع البيئة. والأدب هو استمرار لهذا العمل غرضه خلق نظام متوازن بين الكائن والطبيعة. انتيغوني عندما تعصى أوامر الملك كانت تطيع قانوناً تحدر من رحم الأسطورة وهو أن الأموات يجب أن يدفنوا، لأنهم إن لم يدفنوا، وبقيت أجسادهم في العراء، فلن يتاح لهم الصعود إلى مركب خارون، ولا عبور نهر أخيرون لدخول العالم الآخر. والأجساد التي لم توار في الأجداث تظل أرواحها هائمة على شاطئ النهر إلى أن تدفن فيسمح لها عندئذ بالعبور. فالقانون ذو منشأ بعيد، منشأ أسطوري، إلا أنه يرمي إلى غاية أخلاقية. وكل عقائد الشعوب تقوم على دفن الجثث أو حرقها. ولو لم تظهر مثل هذه القوانين المقدسة، لواجه الإنسان كثيراً من الأوبئة التي تنشرها الجثث غبّ تعفنها.



وهنا لابد أن نشير إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الأدب يسهم في إنشاء المقدس مادام المقدس يعمل على خلق التوازن بين البشر وإتاحة المزيد من الحرية لهم. ولكن عندما تنقلب الشريعة إلى طغيان، إلى قانون يرفض التعامل مع بقية الفعاليات الفكرية، فإن الأدب لا يسكت عن ذلك. ولو نظرنا في العصور الوسطى وقارنا بيننا وبين أوروبا لوجدنا البون شاسعاً في هذا المجال. لقد وقعت أوروبا الوسطوية أسيرة عقيدة كنسية غربية قمعية تأبى التعامل مع الرأي الآخر، في حين تفاعلت ثقافتنا الإسلامية مع كل الثقافات الأخرى فأنتجت وأبدعت. وكان على أوروبا أن تنتظر عصر النهضة حتى تتخلص من هذه الشريعة القمعية.



ولكن كيف حدثت النهضة؟... لقد حدثت عندما عاد الأوروبيون إلى الفكر اليوناني لأنهم وجدوا فيه شريعة تبيح لهم من الحرية مالا تبيحه قوانينهم"المقدسة"، أي أنهم فعلوا ما سبقهم إليه العرب بمئات السنين، بل إنهم اعتمدوا في ذلك اعتماداً كبيراً على العرب وجهودهم في هذا المجال.



والنهضة الأوروبية هي في صميمها نهضة أدبية، بكل ما تعنيه كلمة"أدب" اللاتينية من معنى وشمولية.



الأدب هو تلك الفعالية التي يبذلها الإنسان من أجل وضع قانون أخلاقي يبيح له المزيد من الحرية الفردية والاجتماعية الراقية. وعندما تبلى القوانين يظهر المتمردون في الأدب الذين يخرقون هذه القوانين، والذين يتمسكون بالوظيفة الأسطورية لا عادة التوازن بين النظام الاجتماعي والنظام الطبيعي. دون كيشوت ثار على النظام الجديد المذل للإنسان الذي يهدر كرامته، وسعى إلى إعادة نظام الفروسية الذي يرفض الغدر والقتل غيلة والابتزاز وإهدار كرامة"الليدي". لقد أدرك أن النظام الساري هو نظام فردي يقوم على الحيازة والأنانية ويستخدم أنذل الطرق من أجل بناء مجد زائف يقوم على آلاف الجماجم.



سانشو بانزا كان أكثر عقلانية من دون كيشوت. فعندما يمنح مقاطعة ويعين حاكماً فيها يذهل الجميع بقوانينه التي تسمح بالمزيد من الحرية مع الضبط الاجتماعي. فتكييف القانون خير من إلغائه وإحلال القديم محله. ولكن كل هذه المحاولات ترمي للوصول إلى القانون المقدس، أي إلى القانون المثالي الأعلى. وهذا ما بينه دانتي في الكوميديا الإلهية، فأظهر أن الارتفاع إلى هذا القانون يستوجب حكاماً بعيدين عن الغرضية والاستبداد.

4- الحكمة: يتألف الكتاب المقدس من ثلاثة أقسام: الشريعة والحكمة والنبوءة(116). ويرى فراي أن الحكمة ذات معنيين: الأول هو أن الحكيم يسير في الطريق القويم الذي سبق توطيده من الأسلاف بعد تراكم خبراتهم، والثاني هو المتابعة، أي الحفاظ على هذا الطريق القويم في المستقبل. والحكمة التي تواجه المستقبل تسمى الحصافة(برودنس) كما جاء في سفر الأمثال(8: 12) والحكمة تستوحي الشريعة والطبيعة والتأمل في الحياة. فحكمة الجامعة"لكل شيء أوان" تعتمد دورة الطبيعة ودورة اليوم الشمسي. فلا يوجد شيء إلا بأوانه، ولهذا جاء الشتاء في أوانه والربيع في أوانه... فلا يعقل أن يشذ شيء عن دورة الطبيعة هذه طالما أنه مشمول بالطبيعة. وقد ظهر ارتباط الحكمة بالقانون المقدس في مصر قبل العبريين بزمن طويل. فالإرشادات في كتاب الموتى هي حكم تأخذ النظام المقدس بعين الاعتبار. كذلك نجد لدى المصريين حكمة فردية تتعلق بالحياة وأساليب العيش، وهي نابعة من التجربة البشرية. ويؤكد فراي أن حضارات الشرق الأدنى قد عرفت الكثير من الحكمة التي لم تقتصر على المصريين وحدهم. ليس هذا وحسب بل إن بعض الأمثال-والمصرية على وجه الخصوص- قد ظهرت كما هي في الكتاب المقدس. فأسفار: الأمثال والجامعة وحكمة ابن سيراخ تمثل ثقافة متوسطية ناضجة، والسورة العاشرة في القرآن ملأى بالحكم الرفيعة(117). وفي الضفة الأخرى للمتوسط تطالعنا حكم أيسوب المستخلصة من التجربة المباشرة في الحياة..



والحكمة ليست بنت العفوية. إنها التأمل المتأني في التجارب المتكررة التي تتكرر كما تتكرر دورة الطبيعة. إنها لصيقة بممارسات البشر. وحتى الحكمة التي تحافظ على النظام المقدس تنظر في حياة البشر لتذكرهم بالقانون الأمثل من أجل تحقيق حياة بشرية متوازنة. وحتى هذا القانون"الشريعة" كان يراعي دائماً نظام الطبيعة، فلا وجود فيه لأمر يناقض دورة الطبيعة.



وقد اتخذت الحكمة منحى خاصاً عند الإغريق، فالفيلسوف هو"محبّ الحكمة"، وقد جعلهم شغفهم بالحكمة أول الفلاسفة في العالم. وتحتل الحكمة في الأدب حيزاً كبيراً جداً. فدائماً نجد الآثار الأدبية تلح على"الشخصية الحكيمة" مقابل لفيف من الحمقى والمتسرعين.

ومنذ أدب أيسوب وحتى اليوم نواجه في الأدب بؤرة الحكمة في بيئة مشوشة. وأدب أيسوب، هو باختصار أدب المقابلة بين الحكمة والحماقة. إنه تقليد أدبي لا يستطيع أديب تجنبه. فالأديب ضد الحماقة، يسخر من أبطالها وممثليها ويرفع من قيمة الحكمة ويبين سلامة نتائجها. في مسرحيات موليير نلاحظ أن الحبكة المسرحية كلها تدور حول الحماقة، كما في"النساء المتحذلقات" وكما في"مريض بالوهم" أو البرجوازي النبيل" ... ويربط شكسبير الحكمة بالتجربة، أو بالأحرى بالمعاناة الإنسانية. وعنده أن من الممكن تبادل المواقف أو عكسها، فمكبث مثلاً حكيماً يعرف لغة السلطة، إلا أن زوجته بحماقتها تدفعه إلى الانحراف عن حكمته والانجراف إلى اقتراف"فعل أحمق" فتقع الكارثة. ولو كان في رأس عطيل شيء من الحكمة لقد أقدم على قتل ديدمونة. فالحكمة رفيقة التأني وذات نفس طويل. إنها تعمل على الموجة الطويلة، عكس الحماقة المتسرعة الطائشة الرعناء، البعيدة عن التأمل العميق. وعلى هذا فإن هاملت أشد حكمة وحصافة من مكبث. إنه لا يقدم على فعلته إلا بعد أمد طويل من التحقق والاختبار. وفي الأدب العربي احتلت الحكمة مكانة رفيعة حتى أُفرد لها بابٌ خاص هو"باب الحكمة والاعتبار". وأي أدب لا يلتزم بالحكمة يسقط وينبذ.



على أن الأدب انتبه إلى ما نسميه"الحماقة الجماعية" وهي نمط الحياة المشوشة. فالحماقة في"أوديب" لا تصدر عن فرد بعينه وإنما تصدر عن العلاقات الاجتماعية التي تعاني من خلل كبير، ولذلك تحدث المأساة.



وبهذا الصدد نشير إلى الكتاب الشهير الذي ظهر في عصر النهضة، وهو كتاب"تقريظ الحماقة"لاراسموس، فقد عمد بأسلوب ساخر أخاذ إلى امتداح الحماقة وإظهار فضائلها الكبرى فلولا الحماقة لفني الجنس البشري، فالحماقة هي التي تدفع المرأة إلى الحمل والولادة مع أنها تعرف سلفاً ما ستكابده من ألم وعذاب، وهي التي تدفع الرجل إلى الإنجاب مع أنه بإنجابه يقضي على سعادته، والحماقة هي التي جعلت الناس تنساق وراء رجال الدين، فيقبلون منهم صكوك الغفران، ومحاكم التفتيش، ولولا حماقة الناس لما كان ثمة كهنوت يفعل ما يفعل والناس تؤمن وتصدق. ثم إن الحماقة هي التي جعلت الناس يتأنقون وينفقون الأموال الضخمة على زينتهم ولولا ذلك لما أعجب شاب بفتاة ولا نظرت صبية إلى ذكر غندور. والزينة التي يصطنعها الناس لا هدف لها إلا الغش والخداع، ولولا حماقة البشر لما وقعوا فريسة الغش والخداع. الأغنياء والمستغلون ورجال الدين والتجار والصناعيون والباعة المتجولون يعتمدون على حماقة الناس التي لولاها لقضي عليهم وعلى أسباب رزقهم. والحماقة هي التي تدفع المسكين إلى الإيمان بما يقوله رجل الدين والغني والتاجر. والحماقة هي التي تدفع الأب إلى الكدح من أجل ابن عاق أو زوجة ناشزة، ولو ظهرت الحقيقة لكانت شراً وبيلاً على الجنس البشري. والحماقة هنا تلعب دوراً عظيماً في طمس الحقائق. فهي التي جعلت الناس تؤمن بأن العذراء يمكن أن تحبل، وأن الله تعالى يختار شعباً بعينه دون سائر الخلق...



بهذا الأسلوب الساخر والساحر يقدم أراسموس حكمة بالغة غرضها كشف الممارسات البشرية المخالفة للعقل والمنطق، وفضح رجال الدين في تلك الأيام، وقد كان الكاتب نفسه واحداً منهم يعرف الخفايا والأسرار التي تدور في الأديرة والمؤسسات الدينية. أليس من الحماقة أن يقبل الناس أبناء الكهنة من غير تسمية أمهاتهم؟

5- النبوءة: يرى فراي أن النبوءة في الكتاب هي نظرة استيعابية تحيط بالزمن الكلي، منذ الخلق وحتى القيامة. أنها لا تقف عند حدود الحكمة بل تتجاوزها. إنها مستقبلية أكثر من الحكمة التي غالباً ما تكون"خلاصة" لتجارب الماضي. وعندما تنظر إلى المستقبل فإنها لا تنظر بعين المخيلة الإبداعية التي للنبوة، بل بعين الماضي المتكرر(118). والنبوة ليست خاصة بالكتاب، ففراي يشير إلى مقطع من صموئيل الأول 10: 5-6 وهو:



سوف تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من المرتفع وأمامهم ربابة ودف وناي وقيثارة وهم يتنبأون، فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر.



فالكتاب المقدس يتابع ما كان عليه الناس في تلك الأزمان ولم يذم الأنبياء الكذبة الذين لا يتمتعون بالمخيلة الإبداعية التي تتلقف كلمة الرب، فتدرك المصائر قبل أن تقع. وهناك اتفاق على أن النبي يتمتع بقدرة فائقة في المخيلة ، سواء عند العبريين أو عند غيرهم.وعرافة دلفي في اليونان كانت مرجعاً يلجأ إليه الناس في معرفة مصائرهم.



لسنا بصدد التفريق بين النبوة والكهانة، فقد تجتمع الوظيفتان، وقد تفترقان. لكن النبوة كانت في القديم ملازمة للمعابد. ولكن لابد أن نشير إلى أهم صفات النبي وهي الإيمان والجرأة والترميز، فكل نبي لابد أن يؤمن بصدق نبوته، واندماجه بها اندماجاً كاملاً، ولابد أن يكون جزئياً يرمي نبوته في زحمة الطرقات، كما يلقيها أمام الملوك، غير هياب من سطوتهم وسيفهم. إلا أن النبوات لا تكون دائماً واضحة كل الوضوح، بل قد تكون على شيء من الغموض، فيعمد النبي إلى الرموز التي تنقل إحساسه أو تجسده بأقرب ما يكون إلى غرضه.



في مصر وبابل، في الهند واليونان، في كل مكان نجد انتشاراً كبيراً للنبوات كنوع أدبي.



إن مسرحية أوديب تبدأ، من حيث البناء الدرامي، بنبوة يتلقاها لايوس وهي أنه إذا رزق ببكر ذكر فإن ابنه سوف يقتله ويتزوج امرأته، ولكن إذا كان البكر بنتاً فإن عمره يطول وحكمه يوطد.



والساحرات في"مكبث" أقل صراحة وأكثر ترميزاً في نبوتهم من النبوة التي تلقاها لايوس. وفي مسرحية"يوليوس قيصر" تبصر كالفورنيا زوجته حلماً مفزعاً يتكرر عليها كأنما يحذرها، فتهيب بزوجها ألا يذهب إلى مجلس الشيوخ. وكان العراف قد سبق هذه الزوجة، إذ من الفصل الأول يحذر قيصر من يوم الخامس عشر من آذار. وفي الفصل الثالث يهزأ قيصر من العراف وهو في طريقه إلى مجلس الشيوخ، فيقول له: ها قد حل الخامس عشر، فيرد العراف: ولكنه لم ينته.



والنبوة قائمة أصلاً في صميم العمل الأدبي. فمنذ البدء يفكر الكاتب بالمآل. ووفقاً لهذا المآل يوجه عمله، فكأنه يمارس نوعاً من النبوة. إن الكاتب هو أول المطلعين على نبوة العمل الأدبي، وقد يمارس نوعاً من التحاليل ليجعل بعض المنعطفات مفاجئة. فسوفوكليس يعرف قبل غيره مصير أوديب ولكنه يقوم بلعبة فنية تفرضها التقاليد الأدبية. ولا فرق بين فنجان قهوة نزار القباني وساحرات مكبث، فالعمل الفني يستلزم مسبقاً العمل النبوئي.



وتكثر النبوات في الأزمات القومية وفي الظروف العصبية. وتلعب الانتماءات القومية دوراً كبيراً في هذا المجال.


6- البشارة: البشارة، في رأي فراي، هي توسيع للرؤيا النبوئية. والبشارة الكبرى هي البشارة بعودة الفردوس المفقود. والبشارة هي عكس النذير. إنها"خبر سار" وأعظم الأخبار مسرة هو خبر استعادة الفردوس. والنذير ينبئ بأشياء سيئة، لكن النذير الأسوأ هو الذي"يبشر" بالنار والمصير الجهنمي. وبهذا يكون الخبر السار الحقيقي هو ذاك الذي يبشر بالولادة الروحية الثانية. فالنذير يبنى على الخطيئة، والبشارة تبنى على النقاء الروحي.



والملاحظ أنه خارج السياق الميثولوجي لا معنى للنذير ولا للبشارة. وفي العصور الوسطى صنفت الخطايا المميتة التي ترمي النفوس في الجحيم كمايلي: الكبرياء، والغضب، والكسل والحسد والبخل والجشع والشهوة. والخطيئة هي الوقوف في وجه الأمر المقدس، أي نظام الطبيعة وهي -أي الخطيئة- مصادرة للحرية الإنسانية، سواء حرية الفرد نفسه أو حرية جاره. إن الخطيئة ليست إساءة إلى الآخرين وحسب، بل إنّها تسيء أيضاً إلى الخاطئ نفسه، فتسد عليه طريق الفردوس وتنذره بعذاب الجحيم (119).



ولكننا نلاحظ أن البشارة (والكلمة يونانية وتعني الخبر السعيد). تكاد تكون مختصة بالمساكين والمظلومين. وعندما تأتي البشارة إلى الملك فإنها تعني "النصر" على الأشرار والكافرين. فالمعنى الأخلاقي موجود دائماً في سياقها. ويحمل إلينا القرآن أعظم بشارة أخلاقية وهي بشارة لأولئك الصابرين على ضيم الحياة الدنيا. إنها تعدهم بالفردوس الأبدي، وبالمتعة الروحية وبحياة المسرة

وفي التعاليم المسيحية تقوم البشارة (الإنجيل) على رواية الميلاد والتجربة والموت، وعلى القيامة، وسواء ظهرت البشارة في الميلاد أو التجربة أو الموت فإنها تعني النهاية السعيدة أي البعث أو الولادة الثانية التي تعقب الموت.

هذه البشارة التي تقف إلى جانب المضطهدين والمعذبين والمظلومين، نجدها بكثرة في الآداب العالمية، منذ حمورابي وحتى آخر قصة حديثة، أو آخر مقطوعة شعرية طازجة، فالبشارة تقوم بعملية فرز أخلاقي، أبدع القرآن في تفصيله ووصل الغاية في التحديد، حتى أنه بشر الذين يكنزون الذهب والفضة بعذاب جهنم، فالعبد (الإنسان) لا يحق له أن يحجب ثروته عن بقية العباد، وإن جمعها بالطرق المشروعة، فالقرآن يلاحق الأغنياء حتى وإن لم يقترفوا إثماً سوى احتجاز الأموال وعدم تشغيلها لفائدة العباد، ولخلق نوع من الفاعلية الاجتماعية الدافعة إلى التضامن... وهذه هي السنة التي يسير عليها الأدب منذ القديم وحتى أيامنا هذه.



لقد جاءت الماركسية لتعلن التزام الأدب. ولكنها بهذا الإعلان لم تقدم جديداً أبداً. فحتى الآن لم نسمع بأثر أدبي أيد الظلم والاضطهاد والقمع والسرقة والنهب ومصادرة الحريات.

إن الأدب بشارة بالمعنى الذي وردت فيه: في الأدب اليوناني والكتاب المقدس والقرآن الكريم وفي الأدب الحديث. وحتى الاضطهاد الكنسي في العصور الوسطى كان بحجة حماية "النظام المقدس" ولكن سرعان ما فند الأدب هذه الحجة وأظهر زيفها.

لكننا نلاحظ في الأدب الحديث موت البشارة، وهو موقف ضدي يجعل الأدب في إطار نوع من التيبولوجيا هو "الثورة". فكراسي يونسكو تشير إلى موت البشارة. وسانين ارتسيباشيف يشرب البيرة على قبر صديقه معلناً وداع أحد الحمقى من البشر. ولكن حتى "موت البشارة" نلحظه في الآداب القديمة عند كلكامش وسيزيف وغيرهما، مثلما نجد البشارة فيها بكثرة. فافيجينيا يوربيدس في تاورس هي نوع من البشارة، مما يجعلنا نميل إلى أن الثنائية الضدية هي قانون عام للأدب فيما يتعلق بالأنماط الأولية، لكن الهدف النهائي يظل واحداً وهو الوصول إلى نظام أخلاقي مثالي للإنسان، سواء عن طريق "الثورة" أو عن طريق البشارة. أن سارتر الملحد يتوخى مثل هذا النظام الذي يتيح المزيد من الحرية الإنسانية، مثل أي كاتب مؤمن آخر.

7- الرؤيا: وردت في العهدين بمعنيين: حلم وإعلان (120). ولكن المعنيين متقاربان، فالحلم هو الدخول في عالم الحقيقة، مثلما أن الإعلان هو التجلي لهذه الحقيقة. وهناك عشرات النصوص في العهدين القديم والحديث، كحزقيال وأشعيا وزكريا ودانيال ويوحنا ومرقس وبولس.

يقول فراي بأن كلمة رؤيا باليونانية (ابوكاليبس) تعني تماماً الكشف أو رفع الغطاء، ولكن "الحقيقة" باليونانية (أليثيا) تعني رفع أستار النسيان عن العقل، مما يسمح بكشف الحقائق وتجليها(121).

ولن نعيد هنا كلام يونغ وفرويد والسيريالية في دور الحلم في عملية الإبداع الأدبي. ولكننا نشير إلى أن الحقيقة التي تحملها الرؤيا هي تلك الدفينة في رغائبنا وأمنياتنا، والتي تنزع إلى خلق عالم من الحرية. يعتبر سفر الرؤيا ليوحنا مثالاً نموذجياً لهذا النمط من التايبولوجيا. وهو لايختلف عما سبقه من نصوص رؤيوية في العهد القديم أو في الآداب القديمة. وإننا لنميل إلى الرأي القائل بأن الأدب الرؤيوي يكثر في أيام الشدة والصراعات والحروب والمجاعات والنزوحات الكبرى والقمع والتنكيل، فهذا السفر كتب على الأرجح أيام نيرون، يوم سرت الشائعات بأنه جرح قرب الشاطئ ولم يقتل، معنى هذا أن هناك مزيداً من المذابح المنتظرة (122). فرؤيا يوحنا هي حرب تدور بين الأبرار والأشرار. وتنتهي بانتصار الفريق الأول حيث يتربع الإله على العرش ويندحر الفريق الثاني إلى عالم للظلام، ومنهم الوحش الجريح (نيرون).

رحلة أوديسيوس إلى العالم الآخر هي نوع من الرؤيا الأدبية، ترسخت على مر العصور وكانت بداية لرسم جغرافية بيت الموتى أو مستقر الأرواح. إلا أن التفاصيل الكاملة نجدها في إنياذة فرجيل، الكتاب السادس (123). ولو قارنا بين رؤيا فرجيل ورؤيا يوحنا لوجدنا وجه الشبه قائماً في أن الاثنين قسما العالم الآخر إلى فئتين، صالحة وطالحة، الأولى مثواها الجنة والثانية مصيرها العذاب الأبدي. أما الوحوش والمخلوقات ذات الرؤوس المتعددة والوجوه الشائهة، والأجساد الممسوخة، فكثيراً في العملين الرؤيويين، مثلما هي كثيرة في الآداب الرؤيوية على مر العصور: ثورة كلكامش الذي ينفث لهباً - سيربريوس حارس الجحيم- المخلوقات المتعددة الرؤوس من تنانين وأفاع. وما مؤسسات كافكا سوى من هذا القبيل.

إن كل كاتب يقوم بعملية خلق إنما ينطلق من رؤيا. وهذه الرؤيا تقوده إلى قسمة العالم إلى قسمين في مكانين متعارضين، فهناك الأبرياء والأشقياء، وهناك عالم النور وعالم الظلام. إن تارتاروس لا تختلف عن سجن الكونت دي مونت كريستو، وحقول الإليزيه المصرية واليونانية لا تختلف عن فردوس جون ملتون. فالرؤيا لا يمكن أن تتم في خط واحد وإلا فقدت العنصر الدرامي الذي يحركها. لابد من وجود صراع بين المقدس والمدنس، وما كوميديا دانتي سوى رؤيا شمولية تجمعت فيها المخيلة البشرية بعوالمها وكائناتها. وعندما يحارب دون كيشوت طواحين الهواء يتخيلها كائنات شيطانية، وعندما يدحر غارغانتوا خصومه كان يرمي إلى إقامة فردوس جديد.

* * *

لقد أثبت فراي أن هذه التايبولوجيا عريقة في الآداب القديمة ومستمرة في الآداب الحديثة. وربما كانت مصر بداياناتها القديمة أول بلدان العالم في خلق هذه الأنماط، وقد قطعت في ذلك شوطاً أبعد مما قطعه الأدب الفراتي الذي ظل مشدوداً إلى الأرض والواقع. وقد أسهم اليونان في هذه التايبولوجيا إسهاماً كبيراً. إن كل أنواع التايبولوجيا نجدها في الأدب اليوناني. ولولا اللاهوت المنبثق من العهد الجديد لظلت تيبولوجيا العهد القديم ضبابية، إذ كان العبريون منقسمين إلى فئتين فيما يتعلق بالاسكاتالوجيا، فمنهم من آمن بها ومنهم من رفضها رفضاَ قاطعاً.

فالصدوقيون مثلاً أنكروا القيامة والثواب زاعمين أن النفس تموت بموت الجسد، ولم يؤمنوا بوجود ملائكة وأجناد سماوية، ولا اعتنقوا مبدأ الجبرية، بل زعموا أن الإنسان حر في تصرفاته، وعلى عاتقه تقع مسؤولية ذلك (124).

والخلاصة أن التايبولوجيا، حتى بمعناها اللاهوتي، لا تشكل فرادة خاصة، ولا تشذ عن المسار العام للأدب، ولا تنفرد عن المخيلة الأدبية لدى بقية الشعوب، وبخاصة مصر واليونان. ولا نظن أن التايبولوجيا اللاهوتية أغنى مثلاً من التايبولوجيا المصرية، فمصر أصل الكهنوت في العهد الفرعوني والعهد المسيحي، وآداب الفرس والهند والاسكيمو وسكان البيرو والمكسيك والبرازيل.. ملأى بهذه الأنماط التي يفرزها اللاوعي الجمعي.

إن النقد الأسطوري يلح على وحدة الأدب. إنه نشاط مشترك، فالتقليد الأدبي يكاد يكون واحداً، بل هو واحد. فالأنماط الأولية والعوالم التخييلية والتايبولوجيا الأدبية هي التي تشكل هذا التقليد الراسخ. وحتى الآن لا نعثر على أثر أدبي خالف هذا التقليد.

و"الأرض اليباب" قصيدة اليوت التي أغرم بها الشبان واعتبروها فاتحة الشعر الحديث، لا تختلف عن العالم السفلي الذي حدثنا عنه هوميروس أو فرجيل أو دانتي. وأخيل العالم السفلي لا يختلف عن سكان "الأرض اليباب" أو "الرجال الجوف".

كلمات تندثر وكلمات تظهر، وتعابير تتقادم وتعابير جديدة تطفو، أسلوب مكثف قد يحل محل أسلوب ممدد، وأجرومية سهلة قد تحل محل أجرومية معقدة، ولغة وليدة قد تنفصل عن لغة عتيدة، وقد يغدو الفارق كبيراً بين اللغة الأم ووليدتها، وربما حلت لغة محل لغة.. إلا أن كل ذلك لا يؤثر في التقليد الأدبي، لا من قريب ولا من بعيد.

إن المخيلة البشرية واحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) حنا عبود / ناقد من سوريا
---- الاشارات :

(97) "معجم الفلسفة" بالإنكليزية، تحرير جانفيير سبيك ، منشورات "بان" 1979 ص332.

(98) جميل صليبا " المعجم الفلسفي " دار الكتاب اللبناني 1982ج2 ص 332.
(99) اعتمدنا في هذا التحديد علي:
      أ- "معجم اللاهوت الكتابي" ترجمة لجنة من اللاهوتيين ، دار المشرق ، بيروت 1986.
      ب- "معجم اللاهوت الكاثوليكي" ترجمة المطران عبده خليفة ، دار المشرق ، بيروت ،1986.
وهذه المعلومات موجود في المعجمين تحت مادة "مثال".
(100) جيمس فريزر "الفولكلور في العهد القديم" ترجمة نبيلة إبراهيم ، مراجعة حسن ظاظا، الهيئة المصرية للكتاب ،جـ 1 ،1972، جـ 2 ، 1974.

المصدر: كتاب "النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري :دراسة" تأليف حنا عبود ،من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999،ص 104:83.


الأربعاء، 16 يوليو، 2014

باشلار ومالارميه : سعيد بوخليط

ستيفان مالارميه

الدينامية، الغموض، خيال التناقض... . مفاهيم، سعى باشلار في إطارها تلمس الخصائص الأنطولوجية لقصيدة الشاعر مالارميه( Mallarmé(1، الذي تصور نوعيا مفهوم الشعري كلحظة جديدة في ممارساتنا وعاداتنا الشعرية خاصة. يقول باشلار : (بالنسبة لفيلسوف، يأخذ على عاتقه مهمة تحليل الخيال الأدبي من خلال تحديد المواد الشعرية للصور وحركات الإلهام المتعددة، فإن عمل مالارميه Mallarmé يطرح ألغازا لا نهائية. لقد رفض بالفعل هذا الشاعر النادر الإغراءات الأولى للجوهر المختفي داخل الكلمات، لكي يتمرن على قوى الاعتقاد الشعري. بالنسبة، إليه فإن القصيدة من الضروري أن تشكل قطيعة مع عاداتنا. عاداتنا الشعرية أولا )(2).

يمثل مالارميه Mallarmé، بالنسبة لباشلار لغزا وسرا، لا يمكن الحكم عليه جيدا، إذا اكتفينا بالنظر إلى تجربته من خلال الأفكار. بل، يجب استحضار البعد الديناميكي والحركي، المؤسس لقصيدته : (إن موضوع مالارميه Mallarmé ، معجزة الحركة وليس لغز فكرة. على القارئ، أن يتهيأ ديناميكيا حتى يتمثل رؤيته النشطة. ويستفيد بذلك من تجربة جديدة عن أكبر الحركات الحية : الحركة المتخيلة )(3).

تنهض قصيدة مالارميه Mallarmé على الدياليكتيك والجدل : (ينتعش في قلب الحركات المستلهمة. داخل عمل مالارميه Mallarmé، ترتد دائـما الحركة الشعرية على ذاتها) (4). بالتالي، فإن قراءة سطحية عاجزة عن التقاط هذا النفس الشعري، تعطي الاعتقاد بأن الشاعر هنا يتردد : ( إنه يرتج، على العكس من ذلك، متوخيا إيجاد إيقاع أكثر عمقا وحرية في الآن ذاته. ارتجاج أنطولوجي )(5).

حين نلج عمق هذا التأويل الديناميكي للقصائد، وقصيدة مالارميه Mallarmé نموذج دال في هذا السياق، تتجلى بشكل كبير القيمة التأويلية لمفهوم التحليل الإيقاعي. مادام أن هاته اللحظة الشعرية، تتميز باهتزازها وتذبذبها مكسرة رتابة العادة الشعرية. حينئذ، تحملنا إلى النقطة (المركزية حيث يتبادل الثقل والضجر قيمتهما الديناميكية، ثم يضعان الكائن في اهتزاز )(6).

تتوخى الحركة عند مالارميه Mallarmé نقيضها. وحده، الخيال يعيش صيرورة كتلك. إمكانية، تجعلنا وجوديا عند منبع الكائن الديناميكي.

--------------------
هـــوامـش :


(1) Gaston Bachelard ; le droit de rêver, Presse Universitaire de France, 6ème édition 1988, page 159/164.
(2) Ibid, page 157.
(3) Ibidem.
(4) Ibid, page 157/158.
(5) Ibidem.
(6) Ibid, page 161.




باشلار فيلسوف الزمان / ترجمة : سعيد بوخليط

بقلم : Maryvonne Perrot

ترجمة : د. سعيد بوخليط 


مع نهاية بحثنا إذن، نلاحظ في الآن ذاته وجود عدد وافر من الزمان داخل عمل باشلار Bachelard، ثم بداهة عمق وحدة فكره بخصوص الزمان مع تطور هذا العمل. الأهمية الممنوحة للحطة l'instant، تهيمن في الواقع علي تأمل يخدمها إن صح القول بداية ونهاية.

فرانسوا داغوني  Fran‡ois dagognet، باعتباره أحد الشارحين المقنعين للفلسفة الباشلارية، اهتم بالتأكيد علي وحدة البناء فيها، بين الإبستمولوجيا والشعرية، مع التركيز علي فكرة التحول. لأن باشلار Bachelard هو بالفعل، من هؤلاء الفلاسفة الذين ظل فكرهم في صيرورة دائمة. لقد توخينا احترام مسار هذه الوحدة الجدلية، بأن اقتفينا بصدق الترتيب الذي صدرت وفقه الأعمال ، وهو شيء أساسي في حالة باشلار من أجل فهم فكره، وبشكل خاص التيمة التي تشغلنا هنا. لأن، اكتشاف إحالات علي اللحظة مع بداية ونهاية فلسفة في نفس الآن، وهي ليست بالنسق المنغلق، من الضروري أن يقودنا إلي توضيح المراحل المقدماتية لفلسفلة زمان منفصل، انتهت في الأخير إلي شعرية حقيقية للزمان، كرست فصلها الرئيسي للحظة.


في مرحلة أولي، يتحول باشلار العلمي إلي التاريخ والأدب. وقد اكتشف بأن العلم والقصيدة يمكنان من تأكيد الخاصية الانفصالية للزمان، وكون التعددية الزمانية التي ظهرت مع النسبية La relativit‚ تتوافق مع الإقرار باللحظة الميتافيزيقية وكذا أزمنة متطابقة وخاضعة لإيقاع جدلي. أن تكون شاعرا، يعني ذلك مضاعفة الجدليات الزمانية وتنضيد مستويات الكوجيطو Cogito. يوطد التحليل الإيقاعي تناغم العلم والقصيدة. وحده الزمان الأفقي، أي زمان نثر العالم، وابتدالية الذهنية الاختزالية تم استبعاده من هذا الانسجام.

ثم تقوم ظاهرة قطيعة. تتناسب مع توظيف التحليل النفسي، لتمكين الفكر العلمي من التشكل. حيث تصنع إذن الصورة ظهورها الحقيقي، لكنه ظهـور بمثابة تطفل مادام أنه يبدأ بالتشويش علي النفاذ إلي موضوعية المعرفة. لا تتمركز فقط، مع تشديدنا علي ذلك، تأملات باشلار Bachelard الأولي علي الزمان بشكل متميز، مقارنة مع الصورة، لكن التدخل الثاني للصورة هو الذي سيزعج إن صح القول اتفاقا أوليا بين العلم والشعر، سيعمل الزمان علي ترسيخه. لن تخفي القصائد النظريات إلا بعد كتابه : La formation de l'esprit scientifique.

La psychanalyse du feu
تمكن هذه القطيعة من الوصول إلي مرحلة ثانية، توجد مقدماتها المنطقية مع نهاية عمل باشلارBachelard : La psychanalyse du feu ، ثم دشنها كتابه الآخر : La philosophie du non. ذلك أن فلسفة بديلة للزمان، عليها أن تثير الصدى في فكر علمي جديد. العقلانية المطبقة التي طورها، تقوم علي الاعتقاد بأن كل فكر علمي يتضاعف. لأن الوعي داخل مجهود الفكر العلمي يقيم حكمه، ظاهرة سيكون لها تأثير علي مفهوم الزمان : إذ رفض كثير من الفلاسفة هذه الازدواجية، يؤكد باشلار Bachelard، فذلك لأنهم يحققون زمان الفكر بأن يجعلوا منه زمانا معاشا (...). يتأسس الفكر العقلاني في فترات لا زمانية (2) . سيفقد الزمان في هذه الفترات ضروراته الحيوية. وبالتأكيد، ستبعث الحياة علي الفور إلزاماتها، لكن هذا لا يلغي أبدا إمكانية تنسيق أفكارها من زمان إلي آخر"في إطار زمانية جديدة". بخصوص هذه الزمانية الجديدة، تكلم باشلار هنا عن "زمان معلق".

يبدو لنا، في نهاية هذه الدراسة، بأنه في مرحلة ثالثة والتي تميزت بتداخل الخيال المادي وخيال الشعريات، سيذهب باشلار Bachelard من جديد لكي يعثر ثانية علي رؤية متماثلة للزمـــان في العلم والأدب، لكنه ملتزم هذه المرة بزمان معـــــلق، زمان خارج الزمان.
إنها في الواقع، تعابير قريبة جدا أوحتهـــا له قصيدة الزمان الناري، ذلك المتعلق بنار تحدثنا عن اللازماني. لكن يوجد ما هو برهاني أكثـــــر، بخصوص حالم العزلة، الـــذي يغدو كذلك حــالم بالعالم. يكتب باشلار في : la poetique de la rˆverie . عمقان يتوحدان، وينعكسان في صدي ينطلق من عمق كائن العالم إلي جوهر الكائن الحالم. الزمان معلق، ليس له أمس ولا غد (3). تنتهي القصيدة والعلم، بأن يتواصلا من جديد علي نفس المفهوم للزمان لأن التحليل الشعري، خطا خطوة قياسا للتحليل النفسي.

لكن من أجل ذلك، كان علي باشلار كما يشير هو نفسه، تغيير المنهجية لضبط الصور الأدبية. قبل كل شيء يصرح : أعتقد بأنه علي دراسة الصور مثلما تعودت علي دراسة الأفكار العلمية، بشكل موضوعي قدر الإمكان .

لذلك، وفي حين يعتقــد علماء النفس بأن الموضوعية متلازمة مع عدد ملاحظاتهم : أتوخي، يؤكد باشلار بتكثيف قراءاتي، تشكيل آفاق علم إنساني للقول الشعري، يبرز بإرادة الكتابة (4) . ذهنية "عالم النبات" هاته فيما يخص الصور يضاعفها مجهود تصنيفي يرتكز علي العناصر الأربعة.

لا تتمكن معشبة كتلك للصور من فهم، كيف يمكننا أن نعيش حرية للنفسية بالقصيدة. لكن باشلار Bachelard ، سيقتنع شيئا فشيئا بأنه ليس فقط التحاور العلاجي La talking cure هو ما يجب أن يثير مداواة باللغة. ولكن جمالية اللغة تلعب دورا أساسيا بخصوص الصحة النفسية. لذا، من الضروري تناول اللحظات التي يخلق فيها الإنساني الكــلام، اليوم ومثل دائما . (5) يجب الذهاب إذا أمكن إلي أصل سعادة التكلم. إذن كل شيء يمكنه التغير : صارت وحدها القصيدة عــندي ـ الصورة الشعرية نفسها ـ ظاهرة سيكولوجية جديرة بدراسة خاصة (6) . وليست هذه الدراسة مشوبة بالذاتية، لأنها تقوم فقط علي صيغة خاصة للموضوعية : تنفتح لنا، أمام الموضوع الشعري، منهجية موضوعية، تحافظ بشكل فعال علي فضول لا يسأم ولا يقنع أبدا .

بالطبع، لا يتخلي باشلار عن فكرة خطر : يقينيات الصور عند المشتغل بالفكر العلمي . بقدر ماهو صحيح بالنسبة إليه : أن لا نتخيل الأفكار. فضلا، علي أنه حينما نشتغل داخل حقل للأفكار، من الضروري استبعاد الصور . (7) ويضيف : أن تبدع داخل نظام الأفكار وتتخيل الصور، هما صنائع سيكولوجية مختلفة جدا. لا نبلور أفكارا دون تقويم للماضي. من تقويمات إلي أخري، قد نتوخى استخلاص فكرة حقيقية. تنهض الفكرة العلمية علي ماض طويل من الأخطاء. بينما الخيال الشعري، ليس له من ماض، فهو يخل بكل تهيئ. الصورة الشعرية هي حق لحظــــة للكلام.

لحظة قد نتناولها بشكل سيء إذا توخينا موضعتها في إطار وعي برجسوني يتعذر تمزيقه. من أجل تمثل كل لا توقعات اللغة الشعرية، يجب الاستسلام للوعي المشكاليKalcidoscopique . (8) لذلك، حينما نلقي علي فكره رؤية ثانية، فإن باشلارBachelard في كتابه غير التام حول شعرية النار، توخي دائما توضيـح مرحلة التعارض هاته بين الصـورة والمفهـوم وقد التزم برؤية للصورة والزمان ترفض بالفعل المفهوم البرجسوني للوعي والزمان.

بالموازاة إذن مع مرحلة التعارض هاته، كان باشلار Bachelard واعيا بنمطين من الحياة يتبناهما : عرفت العمل الهادئ يؤكد، بعدما انقسمت حياتي العملية بوضوح إلي نصفين شبه مستقلين، واحدة تحت إشارة المفهوم، والأخرى تتجلي علي ضوء الصورة. بالتأكيد نصفان للفيلسوف، لا يصنعان ميتافيزيقيا أبدا))(9). لكن كيف يمكن التوفيق بين هذا التأكيد الأخير، مع ذلك المرتبط بالبحث عن ميتافيزيقيا للزمان والحدس البشلاري الذي جعله يقول بأن الإنسان يمكنه تغيير الميتافيزيقا، لكن ليس بإمكانه تجاوز الميتافيزيقا ؟ (10)

كذلك، سيذهب باشلار Bachelard من جديد للإعلان عن تغير في المنهجية أثناء أبحاثه في الخيال : يعطي أحيانا تغيير المنهجية فرصة إضافية من أجل التعلم يضيف باشلار Bachelard. حيث يحدد هو نفسه القطع بين حلم يقظة الصور المادية والشعريات : ارتبطت كل مؤلفاتي حول حلم يقظة الصور المادية بالعناصر الأربعة التقليدية، يمكنها أن تكون كتابات للبداية، دون الانشغال بمعرفة تمهيدية. وستحمل علي اختلافها دعوة للتخيل (11) . لقد تغير كل شيء مع الشعريتين الأوليتين، لأن باشلار Bachelard أراد توخي إدخال فرضية جديدة: فرضية "شعرية" فعالة سيكولوجيا . مع الشعرية الثالثة ، فإن الحركة تتحدد، حيث أمكننا أن نقرأ من خلالها ما يلي : مع العمل الحالي، في مجال لا زال بلا شك منحصر في مجال ضيق. أريد إنجاز شعرية للغة، وأن أظهر بأن القصيدة تؤسس لغة مستقلة، مع وجود معني للتحدث عن جمالية اللغة . (12)

هذا التغير الجديد في المنظور داخل أبحاثه، أعاد بلا شك التساؤل في القطع وكذا التوازي بين حياتي نصفي الفيلسوف. عدم اكتمال الشعرية الثالثة، لا يتيح لنا إلا تخمينات حول مصالحة(13) ممكنة. تقوم شعريتنها علي الزمان، وانزياح شعرية النار اتجاه شعرية الزمان. وهو زمان تخلص من ذهنية متحجرة، كان دائما في عمل باشلار Bachelard، يغني للتناغم بين العقلاني والخيالي.

صيغة تمت الإشارة إليها، تثير انتباهنا من جديد، حينما يكتب باشلار : يكفي تغيير الصور حتى يتغير الزمان . تظهر الصورة، كما لو أنها تخول لنا إمكانية التخلص من الواحدية الاختزالية لمطلق خاطئ، ذلك المتعلق بزمان لا يقربه العلم كما هو، أليست الصورة لذلك ميتاكسو metaxu ، يمكن من التطابق مع مشكالLa kalcidoscope الآنا وكذا تعددية الزمان في قلب شعرية الزمان، نوع من الإينشتاينيةEinsteinisme الموضحة. لا تعمل فقط الصورة علي تزييف الإدراك والمعرفة، إنها بالفعل العنصر الدينامي الذي يفتح ذاتنا علي أزمنة أخري. ذاتنا المتحولة والفنيقية.

لأنه بقدر اختلاف مستويات الكوجيطو Cogito يتحدد كل من نصفي الذات، وهذا ما سيشير إله باشلار Bachelard بتعدد وتنوع الآنا، كما اشتغلت، يكتب هذا المجتهد الذي لا يكل، كلما تنوعت. للوقوف علي وحدة الوجود، يستلزم ذلك معرفة كل الأعمار في الآن ذاته (14) . لا تمكن بلا شك الصورة من هذه المعجزة، إلا أنها تثير باندفاعها أوجه مشكال La kal‚idoscope الذات وأعمارها. فضلا عن ذلك، يبين الزمان وبشكل خاص الزمان الناري، فـــــــكرة عـدم البحث عن وحدة الوجود، من خلال تــطابق مستحيل أو تركيب علي طريقة هيغل Hegel، ويذكـــــرنا بأن العقلانية، لن تكون تحت أي عنوان وجودية للعـقل .

لكن لأن التنوع يمكنه السير علي المستوي ذاته مع العمودية، من اللازم أن نفهم بأن التوحد هنا يعني الارتقاء والعثور ثانية علي قوي العمق. ما دام كل ما يصعد يخفي قوي العمق .

لذلك ربما، فيما وراء عزلة الموت والتي استنزفت بحسبنا كتـــابة باشلار، دون أن تنجــــح في إسكاتها. قد يمكنـــــنا تخيل الفيلســــوف تحت قنديله، عند طاولة وجوده يعيش شكل أقصي الوجود بـ نزوغ نحو الأعلى. فيلسوف، كان بإمكانه التوفيق بين النصفين إلي أبعد حد، والعمل علي إدخالها في صورة واحدة.

تبقي الإشــارة أخيرا، حتى نستخلص الرباط الحميمي بين الزمان واللوغوس ثم الوجـــود، كما لاحظ جون بروان Jean Brun ، وقد حـــرصنا علي أن نـــهدي له هذه الدراسة تقـديرا لإعجابه الــودي بباشلار Bachelard، والذي كان بدوره يبادله الحميمية ذاتها : اللغة هي ما يمر عبره الزمان إلينا حيث ننساب داخل الزمان. لكن الزمان يتأتي لنا باللغة (15) . يظهر لنا بهذه الملاحظة قد أعدنا إشارة باشلار Bachelard المؤرخة سنة 1962، والتي تقول : أن تحيا داخل اللغة، باللغة لصالح الكلام، هو الوجودية الوحيدة الممكنة بالنسبة إلي . (16)

إذن لا نبحث عنSilo‰ الأرض الموعودة" في أقاصي منيعة لأنها فينا، واكتشافها ينهض فعلا علي شعرية للزمان والتي اعتمادا علي اللوغوس logos كما يشتغل في إبداع الشاعر، يوحي لنا بميتافيزيقا جدية للزمان، وطريقة جدية لمماهاة هذا الزمان.

Saidboukhlet@hotmail.com
-------------------
1 ـ للاطلاع علي النص في أصله، أنظر

Maryvonne Perrot : Bachelard, philosophe du temps, in : Bachelard et la po‚tique du temps, peter lang Gmbh, Frankfurt am main 2000, PP : 149/155.

Le rationalisme Aliqu‚, Paris 1949 , P 26-2
La po‚tique de la rˆverie, Paris 1960, P 148-3
Fragment d'une po‚tique du feu, Paris 1988, P 28-4
Op.cit, P 29-5
Op. cit, P 31-6
Op. cit, P 32-7
Ibid-8
Op. cit, P 33-9
philosophie du non, Paris 1940, P : 2-10
Op. cit, P 35-11
Op. cit, P 36-12
Op. cit, P 35-13
Op. cit, P 54-14
Jean Brun, les conquˆtes de l'homme et la s‚paration ontologique, Paris 1961, P 247-15
Gaston Bachelard : Fragments d'une po‚tique du feu, Paris 1988, P 46-16


القدس العربي

10/11/2006