الأحد، 27 أغسطس، 2017

أسبوع "لاميتا" الأخضر
سردية شعرية
محمد علاء الدين عبد المولى
سوريا (ألمانيا)


·       خاص بمدونة غاستون باشلار

 (1)

ليلةَ الميلادِ، تستعادُ لغتكِ من تفاحةٍ تتلألأُ في شجرةِ ربّ قادمٍ
أحتفلُ: حبري الأخضرُ، قلبي، ورنينُ وقتي،
فلّةٌ كامنةٌ في إناءِ ذاكرةِ،
أحتفلُ بعودتكِ...
أتنادى أنا وجزيئاتُ جسدي، متهالكةً، إلى أن نرحّب بكِ،
لأنّكِ بالروح تحفّينَ قبابَ الجسد
وبالفجرِ تلفّين ظلامي أفتحُ لكِ غابةَ كلامي
يا "لامي"
فأرى جسدي تدلّى شجراً تغتسلُ فواكهه بفحيحِ الخمر
وأفاجأ بجسدكِ يتشهّى القولَ:
ميلاداً مجيداً
حباً جديداً

(2)

سأقيمُ تحت أهدابكِ استراحةً لفراشات الحلم تطيرُ من يدي
وأتجرّأ على نهديكِ صديقيَّ القديمينِ منذ الأزل لأزفّ لهما بدءَ القرنفل بين شفتيّ
وأكثرَ مما تظنين سأفتتح أنهارا بدءاً من ينابيع جسدك
وأخضرَ مما يرتسم في شجرة الزّيتون الحارسة خلف سريري سيكون قلبي
اهتمّي بأشياء يومي وفي غيابي داعبي مرآتي
اتركي على نفسي نفسَكِ على سجيّةِ حنينها
هاأنا أخاطبُ الشَّعبَ الحالم في روحكِ أنني أميرهُ الضّعيفُ
فليصنع بي شعبكِ ما يشاء
وليتصرّف بي وكأني خادِمُ أبدِك الأزرقِ
كثيراً عملتُ على تنقية كلماتك من الأنين
كثيراً عملتُ من أطيافكِ حمّاماتٍ لعرسٍ
تزغردُ فيه نحلاتٌ من أزيز نشوةٍ وهي تمصّ ما يتاحُ من براعمَ وما لا يتاح
كثيراً حاولتُ رفعَ صوتي إلى شرفتكِ
كثيراً حاولتُ نقلَ معابري إلى خطواتكِ
وها أنذا أحاولُ صياغتكِ في فضاءٍ من نثرٍ
لأقرأ بعضاً من شعركِ...

(3)

أذهبُ فيكِ أدراجَ الحنين...
شرقَ الجسدِ: شمسٌ تتأهّبُ لاغتسالٍ بينَ نهديكِ
أذهبُ فيكِ ثمرةً ثمرةً لفصولٍ منها أولدُ
فردوساً أزرقَ أُجلِسُ على أرائكهِ قصائدي عاريةً
تبحثُ عمّن يُنقِصُ ظلامها
وتشير إليكِ حيث لا أحد سواكِ يهدم قلعة الليّل

وقتي جسدكِ: دقائقهُ أصابعكِ
جوَلانهُ الدائمُ بين يديكِ
جسدكِ يعتقُ ذاكرتي من الأسلاك
يعيد لي مرح الفراشاتِ قبيلَ الرحيل اللانهائي
جسدكِ الآن شجرةُ موسيقى أتفيّأُ سلالمَ جنونها
اصعدي فوق المواسم
اهبطي بسلامٍ
صعوداً موفّقاً / هبوطاً عالياً...

(4)

تصيبكِ الريحُ بشوكةٍ عابرة
أرسلُ لك منديلَ عطري سهرتُ عليه وردتينِ وعشرين نداءً أطهّره بشفاهي تلتهب
هل أوصلَ ملاكُ النّبع منديلي ؟
ربما لا ... لهذا، أنتظركِ على إيقاع النبع تأتين بخفّين من موسيقى عتيقة
وتتدلّى من أذنيكِ عناقيدُ كرزٍ وفي صدركِ فلّتانِ زهريّتانِ
خلفكِ ديوانٌ تلقيهِ عصافير
وعندما تجلسين قربي أطير إلى ذاتي أوقظها من بئرها
أُخرجُ من قلبي منديلاً سرياً ألفّ به نهديكِ فيطيبُ العناقُ مع الفلّ
أنتظركِ في عمقِ الزّمَن
تطلين قصيدةً بثيابِ نومٍ زرقاء تكشفُ عن عنوانها المؤلّفِ من كلمتين لا ثالث لهما
قصيدة تطيح بمفرداتِ الخريف النّعسانِ
وتجلس على عرشها دون هوادة

 (5)

شفتان بنبوّةِ القبلِ مقدّستان
لأنثى أعيّد في جسدها الأخضر عيدين لهما ثالثٌ ورابعٌ
أضحّي فيهما بزمنٍ يابس
وأولد من مجدهما نبيّا لعناقٍ في بريّةِ نُورٍ
شفتان من ضوءٍ بعيدٍ عارٍ من قناديل الشّبق
شفتان أصلّي بينهما بقبلاتي أرضع منهما كرزَ أسطورة آدم لا تفّاحته
شفتان ألعقُ فيهما شفقَ أنوثةٍ محمومةٍ تتمرّد
شفتان طيبتان أسهر حولهما ليلتين / سنتين / عشقين
شفتانِ يبلّلهما ندى قمرٍ يفارقُ لغة الشّيخوخة
حين يحدّق في ليونةِ الكونِ الصّغير من انفراجهما
وهو يهزمُ صورةَ الموتِ المعلّقة في زاوية من فراغه
شفتانِ تنشئان أعمالا موسيقيةً يبحث عنها المحتفلون بميلادٍ أزرق
وتهيئُ نبيذاً كافياً للشّاعر متداعياً للرّقص على سفح القصيدة
شفتان تُنضجان الجسد على أكثر من نجمتين
شفتان لأنثى تسمّي باسمِ الصّيفِ أطفالَ القصائد وعناوينَ البيوتِ المنتشرة في هبوبِ الرّيح
شفتان
وعلى القُبَلِ اتّكلتُ لأسترجعَ أنفاسي من أعالي الزّوالِ
أنا شاعرُ الكهولة المؤجّلة
أجدُ أخيراً وصفاً جديداً للوجود:
هو ما يتبقّى من القُبلِ بعد الموت...

(6)

القدَحُ الرّابعُ بعد الميلاد يؤرّخ لي سقوطي نيزكاً مشرّداً
تائهٌ أنا في فراغكِ / فراغُكِ معرّى يعربدُ
أينَ تذهبُ قطراتُ المجرّة عندما أعتصرُ القمرَ ؟
ألمّ غبار الذّهبِ من عناق بين " زحل " و" الزّهرة "
أُلبِسُ كلّ كوكبٍ بستاناً متوّجاً بمحيطٍ
أعرّي كلّ بستانٍ من خريف الجدّاتِ وخرافاتهنّ
ولا أبْقي عليك سوى يقين الوجدِ يومَ لا يقين سواهُ
أجدُكِ من عطشٍ يدمنُ جسدكِ
أؤلفُ لجسدكِ شلالاً أظنّه لائقاً بمنحدراتِ لذّتكِ
لا حول ولا قوة للخريف عليكِ الآن...
سنختفي عنه في ابتهال البراعمِ للشّمس
ندحرُ حطب الزمن ونتدفّأُ نحن وفراشاتنا
وأصواتنا المنحنية بجمرنا الجديد
يوم لا جمر إلا جمرنا
يوم نُبعث ونهنّئُ جسدينا فجرَ الميلاد...

(7)

ما الذي لديكِ من غيومٍ غامضةٍ تدفعها الرّياحُ؟
أشرحُ لكِ غموضها بأحوالٍ لا تبلى ولا يُعلى عليها
آيةٌ منكِ واحدة تكفي لتراتيل جمعةٍ كاملة من الفرح
أيّامها كاملةٌ مكمّلةٌ من أنواع العنبرِ والبخورِ والبهارِ
المطعّمِ بأنفاسٍ الهند القابعة في الطّبقة الأخيرة من حواسّكِ
آيةٌ منكِ وتأويلٌ مني ويصبح الوحيُ صديقنا
حيثُ ما أُغلقَ بابٌ على رجل وامرأةٍ إلا كان الوحيُ ثالثهما
ما الذي لديكِ لنُجري تعديلاً على نصّ الوجودِ
المسطّرِ بحبرٍ غير ملائمٍ للخيل ؟
ما الذي لديكِ؟ إنني أحبّكِ، وهذا كل ما لديّ...

(8)

أنتشرُ معلَّقاتٍ تسعاً فوق لانهائيّاتِ اللّغةِ
وأتركُ لكِ القافية الأخيرةَ من كل معلقةٍ
بأناملِكِ وتنتقينها من لآلئَ صغيرةٍ
استخرجها الرحالةُ الغاوي من أصدافِ ما بعد الفرح...
ليس على أنثى بمستوى النّشيدِ، حرجٌ أن تُخرجَ
جسدَ المعلقة التاسعة من غيابات الحبّ لتلتقطه طيورٌ ملوّنةٌ
تهاجرُ وتعودُ محمّلةً بمفرداتٍ جديدة
ليس عليك عتبٌ من قبيلة ولا مدينةٍ أن تجمعي في البيت الواحد:
نهدَكِ، والماءَ المقدّسَ، وندى اللّوزِ، وقبلةً
مأخوذةً من أوّلِ قطفة زيتون أخضر...

 (9)

شبابيكُ مائيةٌ في جسدٍ يتذكّر مستقبله
تهبطُ نوارسُ على منحنياتِ الشبابيكِ وتُصدِرُ من أجنحتها ألف شفق وغسقٍ
ليبصرَها قلبي المتشكّلُ على هيئة زورقٍ يرفع لواء الياقوت...

شبابيكُ تأخذُ إلى بحرٍ داخلَ بحركِ
ما الذي يرتديه بحرُكِ هذا الصباحَ
أيةَ موجةٍ ليّنةٍ يضعُ على كلّ شهقةِ ماء؟
أيةَ علامات زرقةٍ يرتسمُ هواؤكِ؟
أيّ نداء بحّارةٍ يتعلمون صيدَ اللؤلؤ والمرجانِ، تطلقين من بين شفتيكِ
ماذا يفعل الماءُ فيكِ الآن في هذه الساعةِ المشمومةِ كعطر غاردينيا؟
أنا الآن نغمةٌ تدفعُ نغمةً، كمانٌ ظمآنُ إلى كتف موجة عارية،
نايٌ تسحبُ الماضي من بئري الجريحةِ ،
تَعاشُقُ الوتر والرّيشة في كفّ حوريةٍ تولد لتوّها من شبقٍ عشتروتيّ...
انتبهي لكل مقامات صوتي، يأخذ بعضٌ من بعضٍ،
تعيدُ تهيئة الجسدِ للإصغاءِ إلى لازوردكِ المشعشعِ بشعلةِ القدح النشوان...
زُوري نغماتي كلَّها وادفعي بها إلى آلاتِ الماءِ،
قيثارةً، قانوناً، عوداً، بيانو...
أنا الآن مستعدّ لألقي أشجارَ جسدِي في نار الموسيقى
غابةً واحدةً...

 (10)

إلى الأعلى تصعد صلاةُ النّهر الصّغيرِ يأخذُ مجراه
من أعلى ظهركِ حتى آخر فقرةٍ أسفله
نهركِ الزهريّ الأبيضُ الماورديّ الحَليبيّ عندما نامَ ليلةَ البارحة،
أفاقَتْ فيه جميعُ الأسماك اللّينةِ تبحث عمّنْ يُهَدِهدُ روعَها البارد...
أسماكٌ بحجم حبّات اللؤلؤِ الفوضويةِ
تتّخذُ مسرباً لها عبر ظهرك الحاملِ مواقيتَ الفرح
ثمة شاعرٌ صيادٌ يجثو كعادته في أعلى تنهيدةٍ يُتْعِبُها الاختباءُ في حنجرتكِ
يتأملُ آلامكِ يمسّدُ قدميكِ يمسحُ بماءٍ دافئٍ أصابعَ نعاسكِ المحمومِ
لتكتمل تهويدةُ العناقِ بين الجسدِ والحلم النّازل من قبابٍ ترتعشُ
يصلي إليكِ الإيقاع كدرويشٍ يجولُ حول ظلاله
التي تعانقُ ظلالكِ في حركة مائيةٍ تنعشُ ذاكرة الرّيح بالورد...
درويشكِ الأنيقُ عدّتهُ: أقداحٌ عنبيّةٌ،
وشمسٌ في كيسِ من غيم طريّ،
كمانٌ معجونٌ بغاباتٍ غير مرئيةٍ،
ومعه معجمٌ فارغٌ من المفردات،
وقبلٌ كعصافير البراعمِ تتلمّسُ شفتيكِ...
درويشٌ باذخُ القلبِ، ذابحُ الليلِ بنيزكٍ باهرٍ،
يناديكِ يا أميرةَ ماء الزهرِ أطلّي بأبيضكِ
ابعثي مشتهياتكِ في عروقي حتى يشتعل الكمانُ
وأطلق لكِ شمسي من غيمها
ثم أعود وقدْ امتلأَ مُعجَمي من أنفاسِكِ كلماتٍ لم تعرفْها فتنةُ اللّغةِ
تلك مفرداتٌ خاصّةٌ كلمةٌ تسندُ كلمةً
كما يسند فيكِ عطرٌ نهداً، أو قدحٌ كأساً، أو ليلٌ عرساً...

(11)

القصيدةُ فسحتكِ الأخيرةُ
تتشكّلين حسب مشيئةِ اللّغة
تبادلكِ اللّغةُ بلاغة الغنج وغوايةً تتغرغرُ حناجرها بمسحوق اللّوزِ
والجوز وثمالةِ العسل...
القصيدة صوتُكِ: مستحمّاً برائحة الغابة بعد مطرٍ أوّل
صوتكِ أفق معبّأ في هدايا رأس السّنة
وهو يعلو في مدارج السّالكين إلى فرحهم
مغمورين بمسفوح لغتكِ المعطّر...
القصيدةُ: يدكِ حين تزيحُ السّتارة عن كيان الفجر السّاحبِ وراءه
قطاراتِ الوجود كلَّها تتسابقُ لتفوز بالنّظرة الأولى
وأنت تهبّينَ من بركة نومكِ نافورةَ قزحٍ...
القصيدة: نومُكِ حين يغرقُ في منجم التّداعيات وهي تتصبّبُ ألقاً
وأشباحاً من كلّ صنفٍ وشكلٍ ولونٍ...
القصيدةُ: عيناكِ بعد أن تتحولا إلى ماسَتينِ غائِمتينِ في تدرّجٍ لونّي لا ينتهي...
القصيدةُ: صدركِ في شتائه الصّيفيّ مائلاً للرّبيع قليلا أو كثيراً أو غزيراً...
القصيدة: أعضاؤكِ المنثورة ورداً على سريرٍ يتّسع لنهرين متجاورين،
كلّ نهرٍ ساقٌ، كل ساقٍ معرض لوحات إيروتيكيّة،
كلّ لوحة ينقصها وردة...
القصيدةُ: سريركِ الطّائرُ بساطَ ريحٍ في ليلة من ليالي شهرزاد...
القصيدةُ: وجودُك إلى جانب النّبعِ في حكايةٍ قيد الانهمار
وحمّامكِ كحمامةٍ عائدة في نهايةِ أسطورةِ الطّوفانِ...
القصيدةُ: ليلُكِ الآخذ من كلّ أغنية بمطلع
سهركِ المحتشدُة على قناديلهِ ألعاب الماء مع حرّاسِ القمرِ...
يا قمر الوادي المطلّ على سفوحي
أصلّي لك خمس تراتيل في اللّيلة الواحدة
أتمرّغ بلهيبك الفضيّ حتى أغلب السّهر
تفضَّلْ إذاً بقبولي في ضفائركَ نجمةً تدور وتدورُ بحكم جاذبيّة القمر...
القصيدة: ما ذكرتُه أعلاه وما لم أذكره أدناه
قولي: القصيدةُ اسمُكِ الحرَكيّ الجديدُ...

(12)

عندما وشوشتُ كلماتي: سأكتبُ عنكِ؛ لم تبصري كيف غنّت ورقَصَتْ
وأصابَها دوارُ اللّغة وهذيانُ الوجد
اغتسلتْ بنبعٍ مسحورٍ
نظّفتْ أشجارها من آثار الخريفِ
وصّتْ بيّاعَ النّبيذِ أن يسرعَ في إنضاجِ اللّيل على جمر العناقيد
طلبتْ من ربّات العشق أن يحضرْنَ جميعاً لفرح طارئٍ
لتختار منهن وصيفةً لكِ
رشّت حتى على مداخل الحدائق قوارير عطر هنديّ
يرقّصُ الحواسّ حتى بلوغ نيرفانا الرّعشةِ الأخيرة
كلماتي فقدتْ صوابَها، أو من المؤكّدِ أنّها بلغت صوابها
حين أعلنت جنونها بكِ..
لهذا لن تعثري فيها على انكسار ولا انحناء ولا لون أسود
ولن تجدي فيها لا جرّة مهشّمة ولا مرآةً مخدوشةً لا كتابا شاحباً
ولا دلالة مغلقةً لا ثوبا أصفر ولا سرّا مغطّى لا سريرا فارغاً
لا شجرتين منفصلتين ولا خاتماً صدئاً ولا شاهدةً ولا شهيداً
لا ناراً في الأصابع البلوريّة
ولا مدينة ملوّثةً بأشرسِ الدّيناصورات الخبيثة
لا علَماً مهزوما ولا حلماً أعرجَ ولا طفلاً من دم ولا خيالاً مريضاً
لا طاغية يتلذّذُ بأناشيدِ الحذاء العسكريّ
لا ناياتٍ صامتةً ولا منشدين غافلين عن ذكركِ
لا عشّاقاً من جليد ولا ستائرَ حديديّةً
لا جسداً معطوباً ولا صمتا عاطلاً عن العمل
لا وجوداً فقدَ بوصلةَ القيامة...
كلماتي تنتظر مروركِ لتعتاد أن
تكمنَ لكِ كلّ مرة خلفَ وردةٍ لا تشبهُ وردةً
وتخفي لك كلّ مفاجأة أجمل وأشهى من أختها وأندى
وتمارس معك كرنفال القمح على إيقاع أغنيات
الحصّادين وهم يتواجدون صباحا على رأس أملهم
يجمعون لك البيدر
ينقّون الهواء من دخان الحروب
يسترجعون الرّاية من بين الأنقاض
ويصيبونك بأعراض الفرح من الياء إلى ما بعد الجنّة
هي جنّتكِ أوسعُ من حلمي
أخضرُ من وشاح الزّيتون
جنّتكِ التي من غيرِ جَمالٍ لا تُطالُ ولا تُطاق...

(13)

سماءٌ مبحوحةٌ من قبلٍ عمّرتها لأجلِكِ
نقشتها بزهور ليلكيّة مثنى وثلاث ورباع
هل يصل رأسكِ إلى سماء القبل والزّهور؟
إذاً سأحملكِ بين ذراعيّ ليصل جسدُكِ إلى الشفق العالي
اقطفي من الفضاء ذكرياتكِ الجديدة
من يزيّنُ خيالك بالطّيران مع ملائكة السّنونو
عند التقاء الشّتاء المنكّه برماد الخريفِ ؟
هناك أبصرتكِ تحلّقين خلفك الطّيورُ
تصفّقُ تفرَحُ بانتظارِ هنيهاتِ الوُجودِ المُتلَصّص عَليكِ
هناك استمعتُ إلى صلاةٍ تشرّق وتغرّبُ مع حركة الطّيورِ
كان إلهٌ جميل يتراءى في ملامح جسدكِ...
أيها الإلهُ القادمُ في فيئكَ تستلقي مجرّاتٌ ملوّنةٌ
ساعدْها على الخروجِ من الألم
واصفحْ عن عشاقٍ تعمّدوا أنْ يُصيبوا البيئةَ برقصِ الفَراشِ
وميولِ الياسمين إلى صدور البنات السّقيمات من شوقِ الصّباح،
وما كان في نيّتهم تدميرُ ما تبقى من النّهر المغدور
اصفحْ عنهم...
حلّقوا مع الطّيور بعدما ضاقت بأجنحتهم دهاليزُ المدينة...

في طُيور السّنونو رأيتكِ إلهةً تقلّمُ الخريفَ من ذاكرةِ الطّيور
وتملأُ موازينَ الرّيح بأمواج عاشقةٍ
مباركٌ رحيلكِ في أجنحةٍ يعلّق فيها الهواء قُبَلاً شتّى

متى تصلين إلى تمامِ الجسدينِ بعد كل هذا الطّواف؟
متى تغيّر أصابعكِ عقاربَ السّاعة
ليبدأ يومي بزهرتي فلّ من صدركِ
وينتهي التّعبُ بتنويمةٍ يغزل صوتَها لسانكِ،
وهو يلمّ حصاد الشّهوة من جسدي...
متى ترجعين من غامضِ علمِ الشّهوة المعطّرة،
تحتفلين باسمي مرتعشاً بين شفتيك؟
يا جسداً من سنونو مهاجر
هنا في جسدي مغامرتكَ الأخيرة...

(14)

الجبلُ ليسَ هذا الارتفاعَ الممتدّ من الأخضر حتى السّماء
الجبلُ هو حبّي لكِ صاعداً شاهداً نازلاً مشكّلاً
أوديةً وسفوحاً وأحراشاً وغماماً تدخلهُ مناقيرُ العصافير
فينزل النّورُ هادئاً على سطوح القرميد
يطمئنُ المساءات أنّ ثمةَ احتمالاً لهطول القمر...

النّبع ليس ذلك الانبثاقَ المائيّ هادراً تتغرغرُ به
الحجارة والنّباتاتُ وشجيراتُ الوردِ.
النّبعُ هو حبي لكِ يتفجّر على مدار السّاعة
وأنا ممسكٌ بيدكِ
يدكِ من ذهبٍ معطّرٍ تُذهبُ عقل يدي
وعندها يتبعثر داخلي كزوبعةٍ من أغانٍ
تجد طريقها وتنسربُ كرذاذ الماء إلى جسدكِ...

تتحوّل الطّبيعة بين أيدينا وتأخذ منحى مضيئاً جديراً باسمكِ واسْمي
اسمُكِ واسْمي نقطتانِ في نصّ معلّقٍ على بوّابة اللذّةِ
يعيدان توصيفَ العناصرِ
نلائمُ المكانَ ليكون مستحقّا لمرورِنا
نُكاثرُ الأجنحةَ لتستوعبَ دُوَارَنا كعصافير سكرانة
ندوّرُ القبلَ أقماراً على طرف سرير الليّل
نعيّد مع الأسرار صبحاً وأكثر
لهذا ستقول عنك الأسرارُ إنكِ غزالةُ الضّوء
كلّما طاردكِ الشعرُ أضأتِ
وتلألأت حوافُ الأرض خلفكِ
ولأنّي أعاني ظمأً مزمناً للضّوء
لن أكفّ عن استلهامِ الشّموس والأقمار والنّجومِ والنّهاراتِ من جسدكِ...

الضّوءُ ليس تلك الذرّات المنتقّلة بالهواء
الضّوء هو جسدكِ عاشقاً...

(15)

تقترب السّاعات الزّهريّة شيئاً فشيئاً من بلوغِ رأس السّنة
كلّ عقربٍ من ساعاتي غصن زيتون عليه أصغرُ حمامة
كلّ إشارة على محيط السّاعة نجمةٌ زرقاء تدور حول قمري
كلّ شهقةٍ نداء جسدٍ يتهيأ ملكوته لطقس تتحد فيه مرايا الأميرات
لتعكس ظلالاً عاريةً واستغاثات عميقة السّرّ
مرايا يجد فيها كل جسد مبتغاه من الجسد الآخر
يحرّضهُ يؤمّنُ له حقه من الشبق نبيلا أو شفقا من غواية
يعلقه على خصر يحفّه غنجٌ سريع الاشتعال

أميرات يتناهبن متعة الشّعر وسرد الحكايات وأقنعة المسرح
ينثرن شفّافَ كنوزهنّ على موائد عشتروت رضي النبع عنها
ويغتسلن بملهوف بحيرتها إذ تشلح مياهها عن بكرةِ أبيها ونهرها

أميراتُ ألوانِ الطّيفِ يتدبّرْنَ توريطَ قصيدتي في امتداحِ أجسادهنّ       
وهي تضيء كثريّاتٍ تقطر ورداً وعناقيدَ كريستال تذهب
بكلّ علوّها إلى أسفل اللّذّة الخالقة

سأمتدح أميراتي وأطلق فيهن نحلَ اللّغةِ
تمصّ من ربيعهنّ الصّاحي على ضفاف الينابيع
وأرشّ بوّابةَ جسدي بثمالاتهنّ المترسّبة في قاع النّهود
وهي ترفّ وتتماثلُ للصّعود والانطلاق كمنصّة
تطلقُ وردا وعطرا وتصيبني في مياهي الإقليميّة
وتعتدي على كلّ نار تسترخي في مجمرة قصائدي

أمتدح آثارهنّ المتبقّية على ثيابي
أتذوق طعومهنّ الإغريقيّة وأحتسي نبيذهنّ المأخوذَ
من ألسنة اللّهيب وهي تُنضجُ مساكبَ العنب

أميراتٌ... أنتِ أحلاهنّ وتلك أحلاهنّ وهذه أغلاهنّ
وهذه أيضا وتلك وتلكم.................. كلّكن أحلاكنّ
وأشهاكنّ وأنداكنّ وأطوعكنّ في بَنان اللذّة الباهرة
وأكتمَكنّ لسرّ لا يُكتَمُ...

أمتدح ضعفَ ندائك وهو يستعذب تقليد بحّة البلابل
أمتدحُ ثوبَ صوتك الدّاخليّ قادراً على إنعاشِ الموسيقى
في كلّ الكمنجاتِ المهجورةِ
أمتدحُ قدرتكِ على زرع الهواء بعطور إيروتيكيّة
وسقايتك لها على مدار الوقت بشهوات لا تحول ولا تزول...
أمتدحُ شتاءكِ الصّغيرَ بين نهديكِ يتدفأ بذكرياتِ
الصّيف الخامسِ والعشرين بعدَ الميلاد...
أمتدحُ أقداح نبيذ لم تُلمس
مغارةَ نبيّ لم يبلَّغْ رسالةً في الرّاح والأرواح بعد
داليةً سكرى بعناقيد لم يثقب دوريٌّ شبقٌ حبّاتِها بعد
صدراً يُعاني من حَجلين لم يتدرّجا على حوافي الوادي بعد
خصراً لم يحط به ما يكفي من الأصابع
ساقين لم تبلّلهما بحيرةُ البجع بما فيه الغواية بعد
- مع أنهما سوف يشكّلان الحركةَ الأخيرة من السّمفونيّة -
ردفين لم يتسلّقهما عصفورُ الجمرِ بعد
سرداباً من لحم زهريّ لم تضئه شمس تمّوز بعد
أمتدحُ ربيعكِ من البرعم إلى القمقم العطريّ
من البلبل إلى الزّرزورِ الصّغير إلى الشّحرورِ إلى كبش القرنفلِ والمنثورِ
من القدح إلى المشلح الورديّ على كتفين يصلّيانِ على المرمر
أمتدح نهدة وتنهيدةً ونهدا ونُهَيداً ونهّوداً وناهداً
أمتدح حُلما وحَلمةً وحُليمةً وحالماً وحالمةً ومحلوماً به ومحلوماً بها

أمتدح نصوصاً تتعربش على ظهرِكِ
أمتدح إبداعاً يعلّم حبري الأخضر على تهجئة أبجديّة الحرّية
أمتدحُ الحرّية
أمتدحُ الجسد
أمتدحُ الحياة

(16)

في اليوم الأخير من سنة الوردِ
يلفظ الجسد أثوابه الأخيرةَ
ويؤهّل ذهبه للذّوبان في الليلِ وهو يشقّ السّنةَ نصفين
يحجز نصيبه من حليب اللوز وعصير اللازورد وكوكتيل الشّبق
يتعاطى الجسدُ ذاته منحنيا على شروخه
يتجاوز أنفاق الألم نفقا نفقاً
وصولاً إلى شجرةٍ لا شرقيةٍ و لا غربية
لها مائة غصن في كل غصن مائة لؤلؤة في كل لؤلؤة
مائة ذرة تدور في فلك المجموعة الشّتائيّة
جسدٌ يُصادِقُ على أغاني الميلاد
ويبصمُ بالعطرِ على أناشيدِ غروبِ آخر السّنة
اسمُ الجسدِ يعلو لا يليق به إلا العلوّ
ملمس الجسد يحلو فهو خلايا شمعٍ طريّ
يطرّي بعضها بعضاً بالمسكِ المُصفّى

كلما عدَّدتُ مزايا الجسد اكتشفتُ جهلي بمزاياه.
كلّما تصافيتُ مع مراياه آمنتُ أن وجوهي لا تُقرأُ دونه.
أذكر أنّ أبعدَ بعدٍ في أعماقي ضاع مرّةً
فسألت العرّافةَ عنه قالت بعد أن أمعنتِ النظر في فراغ عينيّ:
الجسدُ... صادقهُ وصدِّقه، بُلّه بالحلم،
خُصَّه بالتّحياتِ الفضيةِ نازلةً من أصابع الشّعر
خذْهُ أخذَ لذيذٍ مخضوضرٍ
ميِّلْ صوبه الفضاء
أرحْ ظلالَهُ على أعالي الصّنوبر
افرش له الأرض بالنّدى ليمرّ دون أذى صباحَ السّنة الجديدة
أكثرْ من الأسئلة عنه ويُفضّلُ أن تكون أسئلتكَ قيثاراتٍ
محفوفةً من أحلامٍ
أدرْ حوله فِرَقَ المنشدين تطيّبُ خاطرهُ بمعزوفات
من تأليفِ العصافير والبلابل والسّنونو والزّرازير والحمام واليمام
وعدما ينتشي الجسدُ بكل ذلك مرة واحدةً
ويتلاشى إلى آخره
سوف تعثر على بُعدكَ الضائع...

في الغروب الأخير من السّنة 
يلفّ الشّاعرُ جسده بموسيقى تحجبُ عنه ضجيج الكون
ويستغرق في بُعدهِ اللاّمتناهي
يفرك بين يديه جوهرة الأنوثة
هي متأهبة بعد قليلٍ لإطلاقِ شعاعاتٍ
ما مرّت في بالِ كوكبٍ سيّارٍ ولا نيزكٍ معطارٍ

عندما يلتقي العقربانِ وينحني القدحانِ وتدوخُ حبّاتُ الرّمّان
ويَسجدُ المَشرقان والمَغربانِ بينما تطلّ عشتارُ من نهرها
على يدها اليُمْنى قَمَرٌ جَديدٌ ومِنْ سُرّتها تَنفرطُ فَتافيتُ الزّهر
ومن بين فخذيها يسيلُ لُعابُ الجنّة
عندها تشتعلُ مجموعتي الشّمسيّةُ المؤلّفة من تسع نساء
اشتعالَها الفذّ... وتحدّد لها رفرفاً أخضرَ
تُخرجُ أنهارا لجنّة قادمة وتزوّجُ غاباتٍ من غاباتٍ
وتولجُ النارَ في الزّمن تندلعُ كائناتُ العام القادم
في عرسٍ جماعيّ يعلن فيه عريسُ الوجودِ
بدءَ أعمالهِ الماورديّة في أواني الفرح...

هنيئاً للشّعرِ يرغمهُ الجسدُ إرْغاماً بغنّةٍ
على ترتيلِ سِفرِ الخروجِ إلى الشّبق
تحت شرفاتِ العاشقِ والأميرات التّسع
هنيئاً للشعر نثرُه الأخضرُ نسجهُ جسدُكِ في أسبوعٍ
يقفُ رأسه في ذروة شجرة الميلاد
ويطلّ على ليلة رقصِ السّنة
سلاماً هياماً فرحاً قزحاً ندى مدى نسيماً نديماً
نهاراً بهاراً عطراً عطفاً شوقاً رفقاً
هللويا
هللويا
هللويا


(*) بين 24/12/2007 - 31/12/2007

جيــــم
بقلم: يحيى الشيخ
طيلة حياته، كان "ج" يقضي بعض الوقت في فراشه قبل أن ينهض، يتحسس نفسه، يفرك عضوه ويقتنع في نهاية المطاف، أن لا جدوى من ذلك، يجر لحافه إلى ذقنه ويتأمل سقف الغرفة ويبتسم. هذا الصباح قضى وقته المحايد يتحسس وسادته التي أخذت تتلبد وأمست مجموعة كتل يابسة في كيس. فكر أن يشتري واحدة جديدة، أو يفتح هذه ويندف قطنها. كانت تأسره مشاهدة ندّاف القطن وهو يندف قطن اللحف المتلبد في باحة البيت. يرفع الوتر الثقيل الموزون بذراعه اليسرى المسندة على ركبته، يُدني الوتر الجلدي المتوتر من كومة القطن، ويضربه برأس أسطواني كبير لمّاع ناعم ذي رائحة صنوبرية فواحة... يرن الوتر ويعزف، يتطاير القطن مثل فراشات ويتشظى.

مثل مصعوق، تذكّر أن لديه موعداً مع مكتب الخدمات الاجتماعية. ألقى اللحاف أرضاً وكاد أن يقوم من فراشه، اكتشف أن أعضاءه قد انفصلت عنه وتناثرت. "ج" يعرف بوعي وبلا وعي؛ أن أطرافه لا تنتمي اليه، مذ أن شاهدها مرة تتحرك كما تشاء من خارج ارادته. وهذه ليست المرة الاولى، ولولا حاجته لها لتركها وراءه. فتش في الفراش وتحت السرير، لملم نفسه على عجل وقام مسرعاً. وهو يلبس ملابسه، كان يفكر بقطعة خبز وحبة طماطم كبيرة وحبات زيتون أسود. لكنه نسي شراء الخبز مساء الأمس، فقد اجتاز الفرن وهو يتابع أرداف امرأة تمشي امامه.

التقط أطرافه بسرعة ولصقها كيفما اتفق وخرج من البيت يعرج؛ يهبط ويصعد في مشيته. تأكد من نفسه على عادته دائما، إن كانت ياقته في مكانها، وسحّاب سرواله مغلق، فلطالما عاد إلى البيت بعد جولاته في المدينة والمؤسسات الحكومية، واكتشف أن سحّاب سرواله كان مفتوحاً.

للرجل هذا خرافات يومية لا طائل تحتها، مرة اكتشف انه حيٌ فأخذ يضحك طيلة النهار. هذا الصباح لصق ساقه في خاصرته، ويده اليمنى بدل اليسرى، ولبس معطفه بالمقلوب، وفي عجلة من امره، وضع اصابعه في جيبه، فلا وقت للبناء، لا وقت لتصحيح الأخطاء.
لم يكن مبنى البلدية قريباً، فقطع الطريق بمحاذاة الجدران بعيداً عن المارة، يمشي ويأخذ حيزاً واسعاً في مشيته؛ رجله اليمنى تخطو إلى أقصى اليسار، واليسرى إلى أقصى اليمين، لم يكن يكفيه شارع بأسره، عَبَرَ الاشارة الضوئية بعسر شديد وجهد مضن. في منتصف خطوط العبور، أضاءت الاشارة الحمراء، توقف يجر انفاسه، استعاد طاقته، وأسرع يكمل عبور الشارع صوب بناية مكتب الخدمات الاجتماعية. المبنى يغص بلاجئين من مختلف القارات، جلس كيفما اتفق على أول مكان صادفه. سمع أن بعضهم اجتاز القارات في حاوية للقمامة، ونبتت له جذور درنية، وعندما القوا القبض عليه، كان قد أمسى أخضر تماماً؛ فأخذته إحدى المنظمات الدولية نموذجا للدعاية.

دخل "ج" في موعده, قدّم نفسه بلباقة وصراحة تامة، وطلب معونة اجتماعية، فهو ذو عاهة خلقية بائنة للعيان: لونه أسمر، ساقه ملصوقة بخاصرته، ذراعه اليمنى بدل اليسرى، اذناه معكوستان. ولسانه مكسور.
في آخر المطاف، مُنح مساعدة مالية مجزية، وتم تشييعه حتى الباب. قبل مغادرته، نادته الموظفة وقدمت له قبّعته، وثلاثة أصابع كان قد نسيها على الطاولة.