السبت، 19 أغسطس، 2017

اللحظاتُ التي صنعتكَ
بقلم الشاعر العراقي: يحيى الشيخ

ما من مبررات في الحقيقة،
بل حقائق تستبطن حقائق أشد تعقيداً،
ومبرراتنا مقيمة فينا،
إنها بداهة، واختيار، وطريقة في مواجهة العالم.
...
ثمة ضرورات قادتني إلى نفسي،
وأنا راض أو متبرم،
حزين أو ملئ بالفرح.
...
عندما يطول بك الوقت معلقاً في شجرة الحياة،
تنضج كما يتوقع منك أن تنضج،
وتبدو أنك حسمت خياراتك مكرهاً أو راضياً،
لتعبّر عن إلحاح داخلي مثابر،
وأنت تعيش توقعا أن تسقط في غد بطريقة تليق بك،
وليس بأية طريقة أخرى،
تجد أنك بحاجة إلى تلمس عنقك الرهيف المعلق بالغصن،
لتوضح معنى وجودك،
اللحظات التي صنعتك،
والتي ملأتك بقين الحياة،
اللحظات التي هربت منك في عاصفة،
وهي تخضك لتسقطك مثل ثمرة قبل الأوان،
ورحت تطاردها لتسترد توازنك...
أو تلك اللحظات التي يدخل فيها الوجود
عبر مساماتك بصيغة هجوم ومواجهة...
...
ما من امرئ بمنأى عن هذا الاجتياح،
ولا مناص من ذلك الهرب اللذيذ نحو الحياة
حتى لو كنتَ معلقاً في زاوية،
وما من زاوية آمنة خالية من الغموض،
يمكن الركون إليها،
وما أن تبدأ،
حتى تكرر بدايات أخرى،
فيتجدد شكك بالطمأنينة.


الخميس، 17 أغسطس، 2017

باشلار قارئاً لوتريامون... شاعر الغرائز البدائية
بقلم: محمد مظلوم

يطرح كتاب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار عن «لوتريامون» الصادر عن دار الروسم/ بغداد بترجمة حسين عجَّة، السؤال المتجدِّد عن علاقة الفلسفة بالشعر، وأيهما يغذِّي الآخر، وهو السؤال الذي تداولته الفلسفة نفسها عبر مختلف العصور من الإغريق مع أفلاطون وأرسطو إلى فلاسفة القرن العشرين وكتابة هايدغر عن هولدرلين وريلكه وتراكل، ولعل ثمة ما يمكن مقارنته بين دراسة هايدغر لمسألة «الحيوان» في المرثية الثامنة من «مراثي دوينو» لريلكه وكتاب باشلار الذي رأى فيه أن لوتريامون يتقصد «حيونة» كلّ شيء حوله: الإنسان، والأزهار، والأشياء، وحتى ذاته.

هذا الكتاب الذي ألَّفه فيلسوف الحدس والشاعريات عام 1939، جاء في ذروة الانشغال المتأخر نسبياً بلوتريامون بخاصة بعدما اكتشف فيليب سوبو ديوان «أناشيد مالدورور» بالصدفة في مكتبة صغيرة ونبَّه بروتون عليه فصار مرجعاً للسريالية، التي رأى البعض أن تأثير لوتريامون عليها أقوى من تأثير رامبو.

قد لا يناسب أي تحليل آخر لظاهرة لوتريامون المثيرة و «أناشيد مالدورور» تحديداً، أكثر من منهج باشلار الذي نقل التفسيرات الفرويدية من عالم الإنسان الباطني ويقظة أحلامه، إلى غرائز الطبيعة، وذلك في تحليله النفسي لعناصرها، بخاصة أن شعر لوتريامون ينطوي على هذه الشراسة الواضحة في البلاغة المتوحشة، والعصابية النفسية في المعنى، والجسارة في المخيلة، والانحراف المتطرَّف في اللغة.

يستعير حسين عجَّة في تقديم ترجمته عبارة آنتونان آرتو في وصف لوتريامون بأنه «شاعر مسعور بالحقيقة» وهو وصف يبدو مناسباً للمحتوى المركزي في عمل باشلار الذي ركز فيه على أن لوتريامون وحش بشري في أخيلته وهو «أحد ملتهمي الزمان الكبار» بعنف لا يرتوي، وأن المركَّب الأساسي في عمله هو مزيجٌ من الحياة الحيوانية والطاقة العدوانية.

وعلى رغم تحذير عجَّة من استعادة التصورات المنهجية المعروفة في منهج باشلار في الفنومولوجيا، وحدس الظاهر والتحليل النفسي لعناصر الطبيعة، في قراءة عمله هذا إلا أن الكتاب في مجمل مضمونه، لا يبتعد كثيراً عن تلك المنهجية، فالتأويل في هذه الدراسة يسعى إلى إعادة صياغة عالم ما وراء الشعرية باعتماده على المفاهيم النيتشوية في الشهوة والقوة والتفوق، ممزوجة بفكرة الإرادة لدى شوبنهاور، لذا فهو يطبق على القوى الخفية للنفس ما طبَّقَه على السيرة الأخرى للنار والهواء والماء.

حياة غامضة

يؤكد باشلار إن قراءة لوتريامون تنطوي على مخاطرة، لأنه الخطر نفسه: غريزة ذئب وخوف إنسان كما يتمثل خطره في أنه شخص عاش في كل عناصر الخيال، بينما ظلَّ هو عاجزاً عن الحياة، ومن هنا سعيه إلى هزيمة عجزه عن عيش الحياة بقوَّة اللغة. فالشعر ينعطف نحو الغرائز بوصفها قوى، والحياة كونها مصيراً. ولأن حياة «أزيدور دوكاس» باسمه الصريح بقيت غامضة، أو شحيحة على الأقل، فإن اسم الكتابة المستعار، سيخضع للتحليل النفسي الصارم، على يد باشلار، ليس من خلال وقائع سيرته الشخصية، وإنما بتأويل رموزه الشعرية.

يضع باشلار لوتريامون مع رامبو وبودلير كأهم شعراء القرن التاسع عشر. إذ لا شيء تم استلامه في عمله الشعري النادر «أناشيد مالدورور»، لا شيء جرى انتظاره. ولا شيء تم استئنافه. ولتأكيد ذلك يحصى 185 حيواناً لدى لوتريامون في أناشيده. ويلاحظ أنه يركَّز في تحوُّله على الحيوانات السريعة والعدوانية المفترسة بوصفها رموزاً لتعقيدات ذاتية: الذئب والنمر، تعبيراً عن عقدة الحياة البدائية البرية، والقرش عن عقدة الحياة البحرية، والصقور عن التطلع إلى الطيران. بينما الأنياب والمخالب والمناقير وسمّ الأفاعي هي الوسائل العدوانية لمعظم هذه الحيوانات وهو ما يؤكد إنها ممثلة بوضوح في الأناشيد، وتصوِّر نزعة القسوة الشابة، والشعور البدائي للإرادة. لكن «العنف الدوكاسي» كما يرى ليس تعبيراً عن انتقام وكراهية، وهو يختلف عن عنف الماركيز دي ساد، فهو عنف شِعري متوقِّد، أما التحوَّل - المسخ تحديداً - فيرى فيه سعادة، لأنه يجد فيه وسيلة لتحقيق فعل القوَّة. والبحث عن زمن جديد، عكس التحوُّل لدى كافكا الذي عبَّر فيه عن تباطؤ حركة الروح وانحسار تأثيرها.

يعتمد لوتريامون في شعره وفقاً لباشلار، على غرائز الإنسان البدائي والطاقة الحيوانية المضمرة، ويعكس الديناميكية البدائية للغة، ولهذا جاء شعره إسقاطياً مما يجعل التحليل النفسي مناسباً، ويمنح الفيلسوف المولع بتقصي الظلال الخلفية للنموذج البدئي وروح العناصر وأطيافها الغائبة، القدرة على البحث في أعماق الوجود والمناطق المظلمة فيه، وهذا البحث المشترك عن البدائية هو أهم ما جمع الفيلسوف بالشاعر.

وعلى رغم أن حياته لا توحي بتمرُّد واضح كما رامبو، يحيل الفيلسوف تمرد الشاعر إلى ما يسميه جذور «ضغينة المراهق» التي تتجسد في مهاجمة الأضعف والأقوى على حد سواء، وتتسم بالغرور والاستعلاء، والتهكم من مدرِّس البلاغة المعادي لحرية المخيلة! ولأنَّ الحياة الأدبية وجه آخر للحياة المدرسية، ظل لوتريامون يحلم بالعدوِّ الأكبر، العدوّ الواعي بكل شيء، فالوعي الذي يتغذى من ندامات الماضي ومن الأسلاف ممثلاً في الأب أو المعلم أو أية سلطة أخلاقية عليا، سيمنح تحديه الثقة والقوة، ومن هنا مصدر تحديه اللا محدود: «أقدم نفسي كمدافع عن الإنسان، هذه المرة، أنا المحتقر لكل الفضائل» «اما الإله فهو يخشاني وأخشاه»

في دراسته «لمشكلة البيوغرافيا» يرى إن مجرد اختلاف كتَّاب السيرة على التاريخ الدقيق لميلاد لوتريامون وطفولته الغامضة في الأورغواي، لهو اعتراف بصعوبة ربط عبقريته بزمنه. وينتقد استسهال من قرأوا تجربته على أساس الاضطراب العقلي وإحالتها أحياناً على الجنون المطبق، لأنهم برأيه أغفلوا تعقيدات العلاقة بين الوعي واللاوعي، ما يؤدي إلى استنتاجات سايكولوجية معكوسة، كما ينتقد النقد الأدبي لتجاهله للجنون المكتوب. مستشهداً بعبارة بروتون: «المخيلة اللوتريامونية تُقدِّم لكم عوالمَ متعدِّدة إلى الحدِّ الذي توشكون فيه على عدم معرفة كيف يمكنكم التصرف في هذا العالم»

إيماءات

«الأناشيد» تجسيد للحياة التي لا يمكن عيشها، ومن هنا استلهام السورياليين للوتريامون، من خلال كسره للصور المألوفة: «ماكنة خياطة، مظلة، وطاولة تشريح» وفي تلك الإيماءات النشطة والهذيانات المفعمة بالحيرة والفزع التي يسميها لوتريامون نفسه: «طوفانٌ يفلتُ من السيطرة ومُستقيم!» أما المجاز الذي يستخدمه فيها بتطرف فهو عبقرية سايكولوجية. كما أن اهتمامه بالتجريد نوع من العزلة، لكنها العزلة المراقبة وغير الكفيفة أو المنكفئة. فحين يقدم ابتهالاً للرياضيات: «أيَّتُها الرياضيَّاتُ الصارمةُ، لَمْ أنْسَ منذُ دروسِكِ العلمِيَّةِ، الأكثرِ حلاوةً مِنَ العَسَل المتقطِّرَ في قلبي، وكأنَّهُ موجةٌ منعشة» فإن الأمر هنا يتعلق بالدقة والعنف، العنف البارد والعقلاني، وهذا على عكس تهكمه من مدرس البلاغة، لأن الرياضيات صارمة، وعنيفة، وهو ما يفضله لوتريامون. فبعض الأرواح يتفوَّق لديها التعبير على الحياة، أو أنها شيء آخر غير الحياة.

من هنا يصفه في فصل آخر بأنه «شاعر العضلات والصرخة» منطلقاً من مقولة «ليس هناك من شيء في الذهن ما لم يكن في الأعصاب أولاً» فلا يمكن تصور تأمل خامل مع شعر لوتريامون لأنه هيجان خاص لحياة مختلفة تماماً عن حياتنا، وشعوره بالجسد ليس مجرد شعور غامض، إنه يضيء بصورة عنيفة من خلال يقينه بامتلاك العضلات. فحين يقول: «وُلِدتُ بينَ ذِرَاعَي الصَّمَم» سنجد هذا الأصمّ بالولادة يصرخ لاحقاً «يبدو لي أنَّ كراهيتي وكلماتي، بَعْدَ تَجاوزِها للمسافات، تَقْضِي على قَوانينِ الصَّوتِ وتبلغُ بصورةٍ مميزةٍ آذانَهمْ التي جَعَلَها خِوارُ البَحْرِ صَامِتة» وهو ترجيع لأصوات الحياة الحيوانية المتعدِّدة التي عاشها.

تتلخَّص عقدة لوتريامون بـ «الحيوانية بوجه إنساني»، وهو ما يجعل الأمور متداخلة: الخوف والقسوة. الهروب من الواقع والحنين إلى الأعجوبة، التداخل بين العقل والجنون، الواقع والأحلام. وبالمقارنة بـ «أشعار بربرية» وهو عمل للكونت دو ليزيل سبق صدور الأناشيد ببضع سنوات، يرى أنه على رغم كثافة حضور الحيوان في «أشعار بربرية» إلا إنها تبقى أقلَّ من كثافتها الفاعلة في «أناشيد مالدورور» التي تجسد تنوعاً كبيراً لأشكال السعار وللقوة التحولية بما يحقِّق قطيعية الغرائز.
في هذا العمل النادر ثمة شراهة تبادلية بين الشاعر والفيلسوف لاختراق المسافة الواسعة من الحلم والعزلة، وهي عزلة عميقة ومأساوية. فإضافة إلى أنها مكتوبة بشراهة الغريزة وهذا الإخلاص الذي لا يقهر للقوى البــدائية، يرى باشلار أن الأناشيد تنطوي على قدرة كبيرة على الاستــجابة لكل إغواء ممكن، في المخيلة والبلاغة والمضمون، وهو ما حقَّقَ في شعر لوتريامون هذا الاختراق اللغوي الذي ميَّزه عن جميع شعراء عصره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة

اللغة .. الوظيفة الجميلة للتهور الإنساني



"هناك أيضا شعراء صامتون، يلازمون الصمت، شعراء يعملون أولا على إعادة السكينة إلى عالم صاخب جدا، وكل القسوة الرعدة. يسمعون كذلك، ما يكتبونه، في الوقت ذاته الذي يكتبون فيه، من خلال المقياس البطيء للغة مكتوبة. لا يستنسخون القصيدة، بل يؤلفونها".

 استهلال أدبي رفيع لأحد نصوص غاستون باشلار حول النقد الأدبي ينقله للعربية الباحث سعيد بوخليط يفرق بين من يستنسخون القصيدة وبين آخرين "يعزفون"مباشرة ما أبدعوه على الصفحة البيضاء. آخرون "ينشدون" بواسطة الميغافون تعابير الأبهة. هؤلاء، يتذوقون إيقاع الصفحة الأدبية حيث الفكر يتكلم، والكلام يفكر. يدركون قبل تقطيع الشعر، والاستماع، يقينية الإيقاع المكتوب، وبأن الريشة تتوقف من تلقاء ذاتها أمام تعاقب صوتين، رافضة التجانسات الصوتية غير المجدية، يتوخون أفكارا أكثر من تكرار أصوات. كم هو عذب أن تكتب كذلك، بتحريك كل أعماق الأفكار المتأملة! كيف يمكننا الإحساس بالتخلص من أزمنة سخيفة، ترشح، يغمرها ملح البارود! بفضل بطء القصيدة المكتوبة، تعثر الأفعال على تفاصيل حركيتها الأصلية. حيث يعود لكل فعل، ليس فقط زمن تعبيره، بل الزمن الصحيح لحركته. فالأفعال التي تدور ثم الأخرى التي تبعث بك، لا يخلطان أبدا حركتهما. وحينما تأتي صفة كي تزهر جوهرها، تخول لنا القصيدة المكتوبة، الصورة الأدبية، إمكانية أن نعيش على مهل زمن الازهرار ذاك.

إذن، القصيدة هي حقا الظاهرة الأولى للصمت. تترك حيا، بين طيات الصور، الصمت المنتبه. تؤسس الشعر ضمن الزمن الصامت، حيث لا شيء يطرق، يضغط أو يأمر. زمن مستعد لكل الروحيات، إنه زمن حريتنا. كم هو بئيس الوقت الجاري، لقاء الأزمنة التي تبدعها القصائد! قصيدة: هي موضوع زماني جميل يخلق مقياسه الخاص. وقد حلم بودلير بهذه التعددية، المتعلقة بالنماذج الزمانية (كتاب قصائد نثرية مقتضبة، تقديم)، قائلا: (من منا لم يحلم، خلال أيام طموحه، بمعجزة نثر شعري، موسيقى، بلا إيقاع ولا قافية، لين جدا، وغير مترابط كفاية، لكي يتكيف مع الحركات الغنائية للنفس، وتموجات التأمل الشارد، وكذا قفزات الوعي؟). هل تنبغي الإشارة أنه في ثلاثة أسطر، حدد بودلير تقريبا مختلف التجليات الأساسية للديناميكية العروضية مع استمراريتها، وتموجاتها ثم نبراتها المباغتة؟ لكن خاصة مع تعدد أصواتها، تتجاوز القصيدة المكتوبة كل إنشاد. حينما نكتب، ونتأمل، ينبعث تعدد الأصوات، كصدى لخاتمة. باستمرار، للقصيدة الحقيقية، طبقات متعددة. يمتد الفكر تارة فوق، وتارة أخرى، تحت الصوت الرخيم. ثلاث مخططات، على الأقل ظاهرة، بخصوص القياس المتعدد، الذي عليه إيجاد توافق الكلمات، الرموز ثم الأفكار. إن الإصغاء لا يمكِّن أبدا من الحلم بالصور في العمق. لقد اعتقدت دائما أن قارئا متواضعا يتذوق على نحو أفضل القصائد بإعادة كتابتها بدل إنشادها. الريشة في اليد، بالتالي سنمتلك بعض الحظ كي نمسح الامتياز الجائر للصوتي، ثم نتعلم في المقابل، أن نعيش ثانية أكثر عمليات التكامل اتساعا، تلك المتعلقة بالحلم والدلالة، تاركين للحلم الوقت، كي يجد علامته، ويرسم بهدوء دلالته.

كيف يمكن بالتالي، نسيان الفعل الدال للصورة الشعرية؟ العلامة هنا ليست استعادة، وذكرى، أو السمة المتعذر محوها بخصوص ماض بعيد. لكي تكون جديرة بلقب صورة أدبية، يحتاج الوضع إلى استحقاق أصلي. فالصورة الأدبية، معنى لحالة ناشئة، الكلمة - الكلمة القديمة- تأتي لتكتسي دلالة جديدة. لكن هذا لا يكفي أيضا: يلزم الصورة الأدبية الاغتناء بحُلُمية جديدة. الدلالة على شيء آخر، ثم الحث على الحلم بكيفية مختلفة، تلك بمثابة المهمة المزدوجة للصورة الأدبية. القصيدة، لا تعبر عن شيء غريب عنها. حتى بالنسبة لنوع من "الديداكتيكية" الشاعرية الخالصة، التي تتجلى مع القصيدة، فإنها لا تبرز الوظيفة الحقيقية للشعر. لا توجد قصيدة سابقة عن عمل الفعل الشعري، مثلما لا تقوم حقيقة قبلية عن الصورة الأدبية، ولا تأتي الأخيرة لتكسو صورة عارية، ولا إعطاء الكلام لصورة خرساء. الخيال، يتكلم فينا، تتكلم أحلامنا وأفكارنا. يرغب كل نشاط إنساني، في التكلم. وحينما يعي الكلام بذاته، يسعى النشاط الإنساني حينئذ إلى الكتابة، بمعنى تنظيم الأحلام والأفكار. يبتهج الخيال بالصورة الأدبية. إذن، ليس الأدب بديلا عن أي نشاط آخر. بل، يتمم رغبة إنسانية ويجسد انبثاقا للخيال.

تذيع الصورة الأدبية رنات، يجب تسميتها برنات مكتوبة، وفق نموذج بالكاد مجازيا. نوع من الأذن المجردة، قادرة على تناول أصوات مضمرة، تستيقظ ونحن نكتب، كما تفرض الشرائع التي تحدد الأجناس الأدبية. ومن خلال لغة مكتوبة بعشق، سيتهيأ نوع من الإصغاء المتطلع، دون أي سلبية. تقدمت طبيعة المنصت المذعن، عن تلك الأخرى المتعلقة بمجرد الاستماع. الريشة تغني! إذا استسغنا هذا المفهوم عن طبيعة الاستماع، سنتلمس كل قيمة التأملات الشاردة ليعقوب بوهمه: "لكن، كيف تفعل إذن حاسة السمع قصد الإصغاء إلى ما يرن ويتحرك؟ هل نقول بأنه يتأتى من صوت الشيء الخارجي كما يرن؟ لا، هذا يجب أن يكون شيئا يحتجز الصوت، ويكون شنيعا معه، مميزا الصوت الذي عزف أو غنى". خطوة أخرى ثم يصغي الكائن الكاتب لفعل كتب، الفعل الذي جعل للأفراد.

بالنسبة لمن يعرف التأمل الشارد المكتوب، سيدرك مع فيض القلم، كيف يحيا الواقع القصي جدا! مااستحضرناه سابقا لنقوله أزيح بسرعة كبيرة، من طرف الذي أخذناه على حين غرة لكي نكتبه، فنشعر حقا أن اللغة المكتوبة تخلق عالمها الخاص. عالم جمل، يتموضع بترتيب على الصفحة البيضاء، في إطار ترابط للجمل، تحوي غالبا قوانين جد متعددة، لكنها تحرس دائما القوانين الكبرى للخيالي. الثوارت التي تغير العوالم المكتوبة تتم لحساب عوالم حية أكثر وأقل تصنعا، لكن دون محو بالمطلق لوظائف العوالم المتخيلة. تشكل دائما البيانات الأكثر ثورية، تأسيسات أدبية جديدة. تغير لنا العالم، لكنها تأوينا دائما في عالم متخيل.

من جهة أخرى، حتى مع صور أدبية منعزلة، نحس بحركة هذه الوظائف الكونية للأدب. تكفي أحيانا صورة أدبية، كي تنقلنا من عالم إلى آخر، فتتجلى الصورة الأدبية بمثابة الوظيفة الأكثر تجددا للغة. لغة، تتطور بصورها،أكثر من مجهودها "السيمانطقي". في إطار تأمل "كيميائي"، سمع يعقوب بوهمه "صوت العناصر" بعد انفجارها، عندما دمر الانفجار"جهنم الضارية" و"اقتحم باب الظلمات". كذلك، فالصورة الأدبية متفجرة، تعمل فجأة على تشظية الجمل الجاهزة، كما تهشم الأمثال التي تتدحرج من عصر إلى آخر، وتسمعنا المواد بعد انفجارها، حينما تركت جهنم من جذرها، فاقتحمت باب الظلمات، وغيرت مادتها. باختصار، تضع الصورة الأدبية الكلمات في حركة، كما تردها إلى وظيفتها الخيالية.

بصدد الفعل المنطوق، الفعل الذي نكتبه في ظل الامتياز الكبير لاستحضار أصداء مجردة حيث تنعكس الأفكار والأحلام. يأخذ منا الكلام المعلن كثيرا من القوة، كما يقتضي حضورا أكثر مما ينبغي. لا يترك لنا السيادة الكلية على بطئنا. هناك صور أدبية، تهتدي بنا نحو تأملات لا نهائية، صامتة. فندرك لحظتها، امتزاجا عميقا للصمت داخل الصورة ذاتها. وإذا توخينا دراسة ذلك، فلا يجب أن نجعل منه مجرد جدلية خطية بين الوقفات والصيحات، خلال الإنشاد. بل من الضروري استيعاب أن مبدأ الصمت في القصيدة، يجسد فكرا مضمرا ومتواريا. فما إن يفطن فكر إلى الاختفاء تحت صور ترصد قارئا في الظل، حتى تخمد أصوات الضوضاء، ثم تبدأ القراءة المتمهلة والحالمة. تنمو جيولوجية الصمت، حين البحث عن فكر مختبئ تحت الترسبات التعبيرية. سيكشف لنا عمل ريلكه Rilke مجموعة نماذج بخصوص هذا الصمت العميق نصيا، حيث يلزم الشاعر القارئ كي يرهف السمع إلى الفكر، بعيدا عن الأصوات المدركة، وكذا الهمس القديم للأفعال الماضية. فقط حينما يتم هذا الصمت نفهم النَّفَس التعبيري الغريب.


كم هو جائر النقد الأدبي، الذي لا يرى في اللغة سوى تصلبا للتجربة الباطنية بالعكس، دائما اللغة عند مقدمة فكرنا تقريبا، شيئا ما أكثر غليانا من عشقنا، إنها الوظيفة الجميلة للتهور الإنساني، والتفاخر المقوي لطاقة الإرادة، وما يبالغ في القوة. لقد أشرنا في مناسبات عديدة خلال هذه الدراسة إلى الطبيعة الديناميكية للخيال المفرط، حيث بدونها لا يمكن للحياة التطور. عموما، تأخذ الحياة أكثر مما ينبغي، لكي تحصل على الكافي. مثلما يلزم الخيال أن يأخذ بشكل مفرط حتى يكون للفكر ما يكفي. وينبغي للإرادة أن تتخيل جدا، لكي تحقق ما يكفي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الاقتصادية

صدور كتاب: «الذاكرة والمتخيّل».. نظرية التأويل عند غاستون باشلار




صدر عن دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى من كتاب: الذاكرة والمتخيل نظرية التأويل عند غاستون باشلار للمؤلف: د.أحمد عويّز بواقع 181 صفحة.

نبذة عن الكتاب:

هذا الكتاب يُقدّمُ مقاربةً مهمّةً تُسلَّطُ الضوءَ على بُعدي «الذاكرةِ والمتخيّلِ» المركزيين المُهيمنين في العقلِ الإنسانيّ ومكوناتهِ وملكاتهِ وانطولوجيا أحلامهِ وأوهامهِ وذاته الهائمة، عبر أكوانٍ متنوّعةٍ من الصورِ التي تنتسبُ إمّا إلى الذاكرةِ في زمنٍ خطّيٍّ يبدأ من ماضٍ حافلٍ بالتجارب المنصرمةِ في ذكرياتِ الطفولةِ بشغبِها وأحلامِها وأماكنِ ألفتِها وعوالمِها البعيدةِ وإما إلى صورِ عالمٍ حاضرٍ يندفعُ فيها العقلُ إلى إنتاجِ لحظتهِ المتخيّلةِ التي قد لا تستندُ إلى الذاكرةِ، ولا تقومُ على قاعدةِ مماثلةٍ للصورةِ الأصلِ المحفوظة، فتبدأ من حاضرٍ لتتصل بالمستقبلِ، ولـربّما التـقى الاثـنـان فأصبحتْ الصورةُ محمولةً مـن ذاكرةٍ ماضيةٍ، تُنتجُ متخيّلاً حاضراً يرنو نحو مستقبلٍ قادمٍ.

يقفُ الفيلسوفُ والناقدُ الفرنسيّ غاستون باشلار في رؤيتهِ التأويليّة باهتمامٍ على هذين البُعدين «الذاكرة والمتخيّل» رؤية يربطُها بالخيالِ الإنسانيّ وملكاتهِ، وتكوينِ الصورِ بناءً على قاعدةٍ ظاهراتيّةٍ تخوضُ في بعضِ تحليلاتِها بمـا سمّـاه باشـلار بسيـكولوجيا الأعماق.

جاءَ هذا الكتاب مُتتبعاً معالم نظريّتهِ التأويليّة ليقول شيئاً جديداً عن فيلسوفِ العلمِ الشهيرِ عبر مقاربةٍ مختلفةٍ تربطُ هذين البعدين المركزيين وتُحيلُ الصورَ الحُلميّة المتخيّلة إلى ممكناتٍ أنطولوجيّةٍ في ضوءِ تأويليّةٍ باشلاريّةٍ، ومن هنا تكونُ مزيّة هذا الكتاب.

ـــــــــــــــــــــ

الأربعاء، 16 أغسطس، 2017

مقتطفات من مجموعة: "حجَر الرصّ" Ballast للشاعر الفرنسي جاك دوبَّان، غاليمار 2009.
ترجمة: محمد العرابي

جاك دوبَّانJacques Dupin  شاعر فرنسي ولد سنة 1927، قضى سنواته الأولى في مصحة عقلية، وتربى بين نزلائها بحكم أن أباه كان مديرا لهذه المصحة. عن 85 سنة توفي في باريس، في 27 أكتوبر 2012.

أسس بمعية أيف بونفوا وآخرين مجلة L'Ephémère. أصدر أولى مجاميعه الشعرية في 1950. خالط دوبان عالم الفنانين التشكليين والنحاتين واشتغل مع عدد منهم كميرو، دو ستايل، جياكوميتي. وهو ما جعل شعره مخترقا بالألوان والأشكال ك "فيض من كثافة مشعة". شعره متمرد، موجِع، محكوم بعدم الاكتمال في تجاوبه مع نوع من "الاقتضاء الصامت". وفعل الكتابة بالنسبة لدوبان هو نوع من المخاطرة الأكيدة، والاشتباك العميق بين العقل والجسد، "في متوالية ضرورية من القطائع، والانحرافات، والاحتراق"، بما يجعل من الشعر عملية تعرية ضارية للغة، في توثبها.

هذه القطائع يراها جان بيار ريشار تشتغل بعناصر ومواد مثقلة بالعنف والقسوة. يقول:
"المشهد الشعري لدوبان لا يتضح إلا إذا خان نفسه. إنه يولد من تمزقه الخاص: الانفكاك الذي يعيد ابتكار نفسه، ويسائلها بلا توقف بالميسم الأساسي للعدوانية. صواعق، زوابع، اصطدامات، ارتجاجات، مُديات، قاطعات، مجرفات، ركامات حادة، انغرازات، خدوش، سلخ، تعتيمات، تشظيات، انخلاعات، غرقى: تلكم هي بعض من أدوات وصور تحلم من خلالها دينامية الهجوم مفرطة القوة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَنْ تَكْتُبَ وَعيْنَاكَ مُغْمَضَتَانِ. أَنْ تَكْتُبَ خَطَّ الذُّرَى. أَنْ تَكْتُبَ أَعْمَاقَ البَحْرِ... مَعْنَاهُ أَنْ تَحْفِرَ أَعْمَقَ مِنْ صُرَاخِ الطِّفْلِ الوَلِيدِ، مِنْ صُرَاخِ القَنَّاصَةِ، مِنْ أَنِينِ المُعَذَّبِ... مِنْ تَشَابُكِ الجُذُورِ، وَمِنْ إِرْهَاقِ جُلُودِ الرُّعْبِ....

أَنْ تَكْتُبَ بِدُونِ تَرَاجُعٍ. فِي السَّوَادِ. فِي البِطَانَةِ. فِي المُدَاهَنَةِ، بِالسَّوَادِ....

أَنْ تَكْتُبَ: إِصْغَاءٌ - صَمَمٌ، لَامَعْقُوليةٌ–أَنْ تَكْتُبَ لِتَبْلُغَ الصَّمْتَ، لتَسْتَمْتِعَ بِمُوسِيقَى اللُّغَةِ، وَتَعْزِلَ الصَّمْتَ مِنَ الإِيقَاعِ وَالتَّرْخِيمَ مِنَ اللُّغَةِ

....

أَنْ تَكْتُبَ بِأَشْوَاكِ الصَّنَوْبَرِ الَّتِي تُصَفِّي التُّرَابَ قُبَالَةَ القَبْوِ الصَّغِيرِ لِفرَانْسِيس بُّونْج. فِي مَدِينَةِ نِيمْ، ذَاتَ عِشْرِينَ غُشْت، فِي ظَهِيرَةٍ قَائِظَةٍ، كُنَّا خَمْسَةَ عَشْرَ شَخْصًا، تَحْتَ الظِّلَالِ العَطِرَةِ لِأَشْجَارِ صَنَوْبَرِهَا... فِي بَعْثَرَةٍ فَوْضَوِيَّةٍ لِأَحْجَارِ القُدُورِ الفَخَّارِيَّةِ، فِي حَرَارَةٍ هِيَ حَرَارَتُهَا، هِيَ حَرَارَتُنَا...

....

أَنْ تَكْتُبَ وَاقِفًا عَلَى أَصَابِعِ الرِّجْلِ، أَنْ تَكْتُبَ مَاشِيًا عَلَى صَفْحَةِ المَاءِ، حِينَمَا يَكُونُ النَّهْرُ أَكْثَرَ طُولًا، أُكْثَرَ ثَرْثَرَةً عَنْ جَفَافِهِ....

أَنْ تَكْتُبَ مُنْذُ الْأَزَلِ لِأَجْلِ أَحَدٍ، لِأَجْلِ لَا أَحَدٍ، أَنْ تَكْتُبَ لِأَجْلِ الأَحْجَارِ... أَنْ تَكْتُبَ لِأَجْلِ مَجْهُولٍ، لِأَجْلِ أَعْمًى، لِأَجْلِ أَعْمًى مَجْهُولٍ... بِشَرَاسَةِ بَقِيَّةِ نَارِ الجَمْرِ، بَقِيَّةِ هَذَا الدُّخَانِ، هَذِهِ الرَّمْيَةُ لِلأَحْجَارِ نَحْوَ الآخَرِ، نَحْوَ ظِلِّ الآخَرِ، نَحْوَ هَذَا المَجْهُولِ الَّذِي يَنْتَظِرُ، المَوْجُودِ هَا هُنَا، الَّذِي كَانَ هَا هُنَا، مُنْذُ الْأَزَلِ...

أَنْ تَكْتُبَ خَارِجَ ذَاتِكَ... أَنْ تَكْتُبَ بَعِيدًا عَنْ ذَاتِكَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ قِنَاعًا، ومُوسِيقَى، وبَلَاغَةً بِدَائِيَّةً، يَلْتَصِقُونَ بِجِلْدِ كَائِنٍ حَيٍّ، بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ - أَنْ تَكْتُبَ خَارِجَ ذَاتِكَ مِثْلَمَا تَنْزَلِقُ عُقْدَةٌ تَلْتَفُّ حَوْلَ العُنُقِ، فِيمَا وَرَاءَ الصَّوْتِ...

أَنْ تَكْتُبَ مَعْنَاهُ أَنْ تُكَابِدَ، أَنْ تُرَعِبَ، أَنْ تُجَمِّدَ الزَّمَنَ بِتَكَاسُلِي، أَنْ تَكْتُبَ مَعْنَاهُ أَنْ تَخْدِشَ وَتُفَتِّتَ قَامَتِي الَّتِي هِيَ قَامَةُ مُحْتَظَر... العُشْبُ يَنْمُو، ضِدَّ كُلِّ اِنْتِظَارٍ، العُشْبُ يَنْمُو بَيْنَ سَاقَيَّ، بَيْنَ أَسْنَانِي... الحَرْفُ يَهْرُبُ، عَبْرَ الأَحْجَارِ غَيْرِ المُتَمَاسِكَةِ، مِنَ التِّلَاعِ المُنْفَلِقَةِ، الزَّمَنُ يُدَمِّرُ، المُتَعَذِّرُ إِصْلَاحُهُ مُعَلَّقًا....

أَنْ يَتَمَلَّكَنَا الخَوْفُ مِنَ الكِتَابَةِ، أَنْ نَسْتَسْلِمَ لِلخَوْفِ، مَعْنَاهُ أَنْ نَكْتُبَ وُقُوفًا، وَظُهُورُنَا إِلَى الحائِط....

أَنْ تَكْتُبَ بِدُونِ أَنْ تُلْقِيَ المِرْسَاةَ، بِدُونِ هَدَفٍ، فِي خَطَرٍ مُطْلَقٍ، وَفَضَاءٍ مَفْتُوحٍ... مُشْرِفًا عَلَىجُرْفِ اللُّغَةِ، اخْتِصَارِ البَهْلَوَانِ، - وَلَبْلَابِ المَوْتِ الَّذِي يَتَزَاوَجُ مَعَ الكِتَابَةِ، الَّذِي يَلْتَفُّ حَوْلَهَا...

أَنْ تَكْتُبَ بَيْنَ قَوَائِمِ هَذِهِ الرُّتَيْلَاءِ الأَلْفِيَّةِ. أَنْ تَكُونَ مُحَاسِبَهَا وَعَاشِقَهَا، المَاسِحَ الخَانِعَ لِحِذَاءٍ سَاقِهَا المُتَجَمِّدِ....

أَنْ تَكْتُبَ مُحْتَرِسًا مِنَالمِرْآوِيِّ، مِنَ المَظْهَرِ الخَادِعِ. مِنَ التَّفَجُّرِ. مِنَ الانْزِلَاقِ... حَوْلَ عَيْنَيْنِ، فِي عُمْقِ العَيْنِ، خَارِجَ مَجَالِ النَّظَرِ... الكِتَابَةُ بِاِعْتِبَارِهَا عُبُورًا لِلْعَصْفِ، العُبُورَ المُسْتَحِيل... بِاِعْتِبَارِهَا المُسْتَحِيل...

أَنْ تَكْتُبِي بِأَنَّكِ كُنْتِ ذَاتِي، بِأَنَّكِ كُنْتِ عَارِيَةً، بِأَنَّكِ لَمْ تَكُونِي شَيْئًا غَيْرَ ظِلِّ كَرْمَةٍ، غَيْرَ نَحَافَةِ حَرْفٍ، غَيْرَ زَهْرَةِ جَلِيدٍ خَفِيفٍ فَوْقَ الشُّبَّاكِ... غَيْرَ نُدْبَةٍ مَقْلُوبَةٍ، عَضَّةٍ مُطْفَأَةٍ... غَيْرَ الفَتْحَةِ وَالقُفْلِ. - غَيْرَ فَجْرِ الشِّتَاءِ وَلَيْلِ الصَّيْفِ - غَيْرَ أَرِيجِ الوزَّالِ فَوْقَ قَبْرٍ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ، - غَيْرَ الجُمْلَةِ نَفْسِهَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةٍ، مُكَرَّرَةٍ، مَشْطُوبَةٍ، مُتَخَلًّى عَنْهَا - مَكْتُوبَةٍ...

...

الكِتَابَةُ، مَوْتٌ لَا يَنْتَهِي مِنَ الانْطِفَاءِ بَيْنَ أَصَابِعِي، مِنَ الاحْمِرَار تَحْتَ الرَّمَادِ، وَمِنَ الاخْضِرَارِ عَلَى هَاوِيَةِ الجُرْفِ، كَمِيلَادِ أَحَدٍ يَسْتَنِدُ عَلَى احْتِضَارِ الآخَرِ، - القِسَمَةُ بِالسَّكَاكِينِ المَسْلولَةِ مِنْ تَوْأَمَتِنَا العَطِرَةِ... أَبْعَدُ كَثِيرًا عَنْ ذَاتِي، أَنَا الوَحيدُ الذِي يَصُبُّ الزَّيْتَ عَلَى نَارِ الكِتَابَةِ، مِنْ أَجْلِ إِذْكَاءِ جَمْرِ مَوْتِ الكِتَابِ، وَتَشْحِيمِ التُّرُوسِ الرَّقِيقَةِ وَالمُسَنَّنَةِ لِشِعْرِيَّةِ الحُبْسَةِ........

الكِتَابَةُ بِفِعْلِ البَرْدِ. الكِتَابَةُ عَلَى مُذَكِّرَةٍ تَخْرُجُ مِنَ الفَمِ مَعَ البُخَارِ، حِينَمَا يَتَجَمَّدُ الخَارِجُ مِنَ البَرْدِ. ويَبْدَأُ الكُلُّ، مَعَ النَّهَارِ، وَيَكُونُ اللَّا-يُقَالُ يَنْسَابُ تَحْتَ الجَفْنِ، وَعَبْرَ تَشَقُّقَاتِ وَفَرْقَعَاتِ الجَلِيدِ، تَطْبَعُ بِخَطٍّ، بِمَجْمُوعَةِ خُطُوطٍ، شَحْذَ السّوسَنِ، وَتَوْسِيعَ العَصْفِ...
أَنْ تَكْتُبَ بِخُطْوَةٍ خَفِيفَةٍ عَلَى بَرِيقِ المَاءِ فِي اِمْتِلَاءِ المَسَاءِ - تَمَامًا كَصَيَّادِ سَمَكٍ، يُجَهِّزُ الطُّعْمَ، يَرْمِي الشَّصَّ، وَيَجْذِبُ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ الغَرَامِيَّةِ - قَبْلَ أَنْ يَرْتَمِيَ فِي النَّهْرِ...
الكِتَابَةُ بِاِعْتِبَارِهَا هَذَا البَرْقَ، هَذَا العُرْسَ الغَرِيقَ، بِاِعْتِبَارِهَا سَدًّا عَارِضًا مِنْ أَغْصَانٍ وَفَجَوَاتِ ضَوْءٍ آخَرَ فِي جَسَدِ المَاءِ....

أَنْ تَكْتُبَ، أَلَّا تَكْتُبَ، أَنْ تُوَقِّعَ الحَيَاةَ، الظُّلْمَةَ الهَادِرَةَ لِلنَّهْرِ - وَأَنْ تَنْتَظِرَ مَجِيئَ اللَّيْلِ لِئَلَّا تَعُودَ أَبَدًا...

فِي المُعَانَاةِ، فِي النَّوْمِ حَادِّ الصَّوْتِ، مِنْ أَجْلِ التَّدْوِينِ المُتَفَاقِمِ لِلضِّعْفِ...

...

أَنْ تَكْتُبَ مُتَظَاهِرًا بِنِسْيَانِ المُسَوَّدَةِ وَالضَّغِينَةِ، وَالسَّوْطِ، بَيْنَمَا فِي الخَفَاءِ تُدَبِّرُ مَكِيدَةً فِي صُورَةِ قَتْلٍ، وَاِنْتِشَارٍ لِلسَّكَاكِينِ المَفْلولَةِ الَّتِي ثَارَ ضِدَّهَا آرتو، وجَعَلَتْهُ يَعْوِي وَيَحُولُ دُونَ اِنْتِشَارِهَا، يَشْحَذُهَا وَيُثِيرُ غَيْضَهَا، يَمْحَقُهَا، بِتَوْجِيهِهَا ضِدَّ جَسَدِهِ، بِعَيْنِ صَقْرٍ، بِكِتَابَةٍ فَضِيعَةٍ لِحَفَّارِ العَقْلِ....

لَقَدْ كَانَ وَحْدَهُ، بِبَصِيرَةِ مُنَكَّلٍ بِهِ، قَادِرًا عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى قُوَّتِهِ العَقْلِيَّةِ فِي وَجْهِ وُحُوشٍ الدَّاخِلِ، وَحْدَهُ قَادِرًا عَلَى اخْتِرَاقِ الجِدَارِ، والمُحَافَظَةِ عَلَى القِوَى العَقْلِيَّةِ العَنِيفَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الكُلِّ، رَغْمًا عَنْهُ، رَغْمَ قُوتِهِ المَسْلوبَةِ، رَغْمَ اِسْتِئْصَالِ الحَيَاةِ، وَحْدَهُ قَادِرًا عَلَى تَعْرِيضِ جَسَدِهِ لِلصَّاعِقَةِ، عَلَى سَبِّ الآلِهَةِ وَشُرْطَتِهَا، هُنَا، وَمِنْ أَجْلِنَا، وَهُوَ مَا رَأَتْهُ عَيْنِي ذَاتَ مَسَاءٍ، عَلَى مَسْرَحِ شَارِعِ الكُلومْبيِي القَدِيمِ...

أَنْ تَكْتُبَ بَيْنَ الحِبَال. أَنْ تَكْتُبَ كَمَا لَوْ كُنْتَ فِي سِنِّ العِشْرِينَ، عَلَى حَلَبَةِ مُلَاكَمَةٍ، فِي الضَّوَاحِي، وَالشُّرْفَةُ المُقَوَّسَةُ مَفْتُوحَةٌ، فِي كَشْفِ حِسَابِ الثَّوَانِي... وَحَاضِرًا، فِي كَشْفِ حِسَابِ السَّنَوَاتِ، الأَكْثَرِ قَذَارَةً، الأَكْثَر تَجْوِيفًا، بِلَا قَوْقَعَةٍ عَلَى العُضْوِ الجِنْسِيِّ، بِلَا رَاتِنْجٍ تَحْتَ الرِّجْلِ....

أَنْ تَكْتُبَ كَمَا نَصْلُبُ، ليَالِيَ الرِّيَاحِ العَاتِيَةِ، الرُّوحَ التَّائِهَةَ، أَوِ التَّشَرُّدَ السَّكْرَانَ، بِقَصْعِ قَمْلِ شَعْرِهِمْ الكَثِّ، بِشُرْبِ الخَمْرِ فِي أَعْنَاقِ قَنَانِيهِمْ- بِفَتْحِ الأَقْفَاصِ، وَرَمْيِ النُّقُودِ، وَوَشْمِ جِلْدِ الدُّمَّلِ، وَتَغْيِيرِ وَجْهِ السِّحْرِ الأَسْوَدِ...


الاثنين، 14 أغسطس، 2017

الشَـــــــــــــــــيْصَبانُ
بقلم: يحيى الشيخ

الفصل الأول

هو يُوقن أن الأفكار يمكنها أن تحيل صاحبها من حال إلى حال. جرّب مرة أن يكون كائناً برمائياً، مثل ضفدع، يهربُ من البر إذا ضاق به، ويقفزُ من البركة إذا نضُبت. استرخى ودخل في دوامة عقله، أسرى إلى مستنقعٍ، شعر باضطرابات باطنية وخدرٍ في أطرافه، وبرُد دمه. أنتفض مرعوباً من حاله، فهو قد يفقد السيطرة على عقله ولا يمكنه، فيما بعد، العودة إلى هيئته الأولى، وهذا يشقيه. غير أنه لم يكف عن محاولاته، وفي كل مرة يصل فيها إلى لحظة التحوّل الكلي، ينتفض ويتوقف عن التفكير.

هذه المرةُ صفى ذهنه تماماً كما ينبغي، وضع يده على قلبه يجس نبض شجاعته، أغمض عينيه واستسلم لفكرة التحوّل إلى نملة. كان قد قرأ الكثير عن الحيوان، لدى العرب وغيرهم حتى جحظت عيناه، ولم يجد ما يتمناه غير أن يكون ذكر نمل: شَيْصَبانٌ.

لم يكن اختياره للنمل محض نزوة، فقد أجهد نفسه سنيناً ليجد حيوانا نادراً يتشبّه به، فهو منذ قراءته لأصل الأنواع والاصطفاء الطبيعي، والبيان الشيوعي، كان يحلم أن يكون كائناً خارقاً، فذاً، يعيش في مجتمع مشاعي، يحكم نفسه بنفسه بنظام تكافل اجتماعي طبيعي، كما أن النمل باطنيٌّ، سويُ السريرةِ، دؤوبٌ، مشاعيٌ، نظيف، وقوي مثله تماماً.

اجتازت حالة تحوله إلى نملة مرحلتها الأولى، مرحلة وعي حاد لا عودة فيها إلى الوراء، ودخلت في طور تحققها الفعلي. لم يكن بإمكانه مراقبة كل ما كان يجري له، فالتحوّل تم دفعة واحدة؛ ظهرت له ست أرجل، ظهرت قرونه الاستشعارية، نحفت بطنه وتقسمت إلى ثلاثة فصوص، لكنه راقب بحرص شديد ودهشة بالغة، تحول جلده إلى ما يشبه الزجاج الأسود المعتم، صلبٌ وبراق. ظل فترة من الزمن يعاني من اضطرابات في جوفه، وشعر أنه فقد قلبه، ولم يعد على يسار صدره، بل أمسى انبوباً طويلاً يمتد عبر جسده.

فتح عينيه وإذا به يتبع جحفل نمل جرار، يساير واحداً فتياً في آخر القافلة، لا يحمل شيئاً، لا يجر شيئاً، يمشي إلى الوراء تارة، وعلى جنب تارة أخرى، ثم يزحف على ظهره، ومرة على رأسه... أغراه سلوكه الغريب، فهو يشبهه، التصق به كلياً واخذ يقلده، وذاك يضحك... خلال لحظات انقلابه على بطنه غدا شيصبان.

راح يدبّ على النيسب مع النمل إلى أنفاقه، دخل متأخراً والمطر يهطل بغزارة. وجدهم ينقلون الغلال إلى البيادر، يرتبونها حسب اصنافها، توجه إلى أقصى مكان، يروم العزلة، ففيه رغبه بها تفوق غلال النمل في بيادرها. في طريقه المتعرجة، التي تضيق وتنفرج، في منعطف منها، صادف نملة طويلة بأجنحة من زجاج محطمة، مقمّطة بلفائف كالمومياء، ملقاة على الأرض، رفعت رأسها حالما اقترب منها، دبّتْ فيها الروح وتدحرجت وراءه تتوسل:
"أشم فيك رائحة شهية، رائحة لحم آدمي... أعطني نتفة منه لجاه الامومة".
"انتِ ميتة! فأي طعام ينفعك؟"
"الملوك لا يموتون، تظل مومياءاهم تحكم مدى الدهر، يخدمونها ويقدمون لها الطعام والشراب كل موسم"
أسرع واختبأ في عمق نفق مهمل، رمى نفسه متعباً على قش يابس وغفى برهة. استيقظ على ضجيج ووعيد النمل يأمره بالخروج لهم، فما كان عليه غير الامتثال لرغبتهم، فهو واحد من شروط الحياة هنا؛ لا عزلة. اقترب منه ذكرٌ خشن بدين، وشم مؤخرته، نفر منه وصاح:
"أنا ذكر مثلك يا أعمى"
لم يتركه ذاك ولف حوله:
"كن ما تكون، فأنت شهي ومثير".

 اقترب من مؤخرته يشمه مرة اخرى، رفسه الشيصبان بكل قوته، قضض مفاصله وألقاه صريعاً. تقدم منه شيخ ذو لحية طويلة، يلوح عليه الورع والحكمة، بصوت خفيض قال له:
"يا بني، تبدو عليك العافية، فأنت صرعت من عجزت عنه جحافل النمل، يليق بك أن تكون بطلنا المدلل، لكن ما ضرّك لو تطعم اخوانك مما لديك؟ فنحن مشاعييون، نجمع سوية، ونأكل سوية، ننام سوية، لا يعنيننا من جمع أكثر ومن أكل أكثر ومن ضاجع أكثر... ألستَ منا؟"
"لا، لستُ منكم تماماً، فأنا متحوّلٌ، بالأحرى، في طور التحوّل، حتى أغدو مثلكم احتاج وقتاً طويلاً... امهلوني وسأعدّ لكم مائدة إلهية"
"تقصد وهمية؟"
أدرك الشيصبان أن محدثه لا يعرف معنى إلهية، وأجاب:
" لا، حقيقية لا وهم فيها".
النمل لا يكذب، بل يُصدق فقط. وكان هذا أول ما عرف عنهم.

 هجع النمل ولم ينم الشيصبان، كان المطر يقرع الأرض فوق رأسه. وجدها فرصة مواتية للتفكير، فهو لا يعرف غير التفكير، ويمكنه أن يفكر نيابة عن العالم كله. فكر: كيف يتخلص من رائحته الآدمية، ويقنعهم بمزيد من الوقت ليصل إلى ما يصبو اليه؟ ماذا لو احرنوا ولم يمنحوه فرصة للمناورة؟ كم من الوقت يلزمه ليفتح نفقاً للهرب، تحسباً للخطر؟ استثنى هذه الفكرة فهو لا يعرف على أي عمق يقطن، وما هي اتجاهاته، فكر يصنع سماً قاتلاً يسقيهم إياه في الوجبة الإلهية التي وعدهم بها، أو يصرعهم واحداً واحداً ما دام قويا باعتراف شيخهم... فكر، وفكر، بلا طائل.

في ساعة الفجر هبطت عليه أضغاث أفكار ممزوجة بحلم يقظة مبكر، أن يكون رئيساً ما دامت الملكة تحتضر، وشيخهم اصطفاه بطلا، فهو في مجتمع مهيئ، بإدارة ذاتية صارمة، وموارد غنية لن يُتعِب بناءه، غير هذا أنهم يصدّقون كل شيء ولا يعرفون معنى الرئاسة ولم يجربوا دورها في المجتمع، كيف يكون نظامها وتفاصيل لا يعرفها غيره،  بهذا ينجو من طمعهم بلحمه، ويحظى بفرصة للتقاعس عن العمل، لا يخرج لحرب، يأكل أفضل من غيره، يمسك بزمام الموارد، ويخضعهم كالعبيد... ربما، في رحلة له خارج المكان، يمكنه الهرب إلى دياره أذا ضاقت به الحال.
"يا لك من وغد" قال لنفسه... ونام قرير العين.
ظل ذاك النهار في مكانه ولم يخرج مع الجموع، ظل يفكر، يفكر فقط. سمع هسيس بجواره، كانت الملكة المومياء قد دحرجت نفسها واقتربت منه:
"ما زلتَ في فراشك أيها البطل... ما حيلتكَ في التقاعس عن العمل؟"
"أكرهه، فأنا خلقت لأفكر فقط، أفكر فقط"
"ليست هذه من شيم جماعتنا، فهي تعمل فقط، تعمل فقط!... عاداتكَ ليست من عاداتهم، تشبه عادات البشر".
"كيف عرفتِ هذا؟"
"عشتُ في بيتٍ بشريّ حياتي كلها، وعرفت طباعهم وعاداتهم وتعلمت لغتهم... حتى التهمته النار، هربت وقد احترقتُ وفقدتُ أطرافي، وكما تراني في لفائفٍ انتظرُ نهايتي... سلوككَ ورائحتكَ يؤكدان لي أنكَ بشرٌ"
"ثم ماذا؟"
"لا أحد يعرفك، فهم بالرغم من حذاقتهم يجهلون علم الأرواح".
"ثم ماذا؟"
"سيغدق عليك القوم ويدللونك كما سمعتُ، وأنا بحاجة لمن يعتني بي ويطعمني، ويقيم لي معبداً... وانتظر منك هذا مقابل كتماني سرك"
"ليس لدي سر، غير أني في طور التحوّل، وما هي إلا أياماً وأغدو نملة حقيقية"
"حتى تصبحَ نمله حقيقية أكون قد أبلغتهم الحقيقة، فيلتهموك لحماً وعظماً... إذا تعاهدنا سيبقى سرك مدفوناً في بئر سحيق، وآخذه معي إلى القبر... سأعينك على معرفة خفاياهم واقدمك لعلية القوم".
مد لها كسرة خبز وحبة ملح، وكانت هذه عهداً بينهما.

في ساعات تفكيره التي لا تنقطع، تجوّل في الانفاق وشاهد بيادر القمح والطعام الجاف. تذكر قصة يوسف مع فرعون، الذي حلم بسبعة بقرات سمان وسبعة عجاف، وجدها اطروحة يكسب بها عقول المجموعة ويضبط اقتصادها ويتحكم في حياتها، هيءَ خطابه وهو نسخة عدّلها من خطاب حفظه لرجل عاش قبل ألف وخمسمئة عام، تمرن على القائه جيداً وخرج من مخبئه إلى تقاطع واسع للأنفاق، رفع يده، فتوقف سير الجحافل وأحاط به، وخطب فيهم متعالياً:

" يا أيها النمل، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطرٌ ونباتٌ وأرزاقٌ وأقوات، وأباءٌ وأمهاتٌ وأحياءٌ وأموات، جمعٌ وأشتاتٌ وآيات، وأرضٌ ذات رتاجٍ وبحارٌ ذات أمواج. مالي أرى النملَ يذهبُ ولا يرجع، أرضَوا بالمقام فأقاموا، أم تُركوا هناك فناموا؟ أبلغكم رؤيتي؛ ستأتي سبع سنين يعم فيها خير وفير، فاجمعوا ما يتساقط وما يطير، وتأتيكم سبعُ سنوات عجاف، تأكلون فيها ما ادخررتم من جاف، تقضون على بيوض اناثكم وتلتهمون بعضكم بعضا... وعليّ البلاغ المبين، ولكم ما شئتم فهذا شأنكم، ولي ما قيّضه الزمان معكم... والسلام عليكم."
 ارتعد النمل لخطابٍ لم يسمعونه من قبل، وتعالت صيحاتهم مما ينتظرهم من مستقبل. هللوا له وبايعوه والدموع تنهمر.


الفصل الثاني

انتظر الشيصبان حتى خرج النمل للعمل وخلت الانفاق من المارة، حمل نفسه القلقة وراح للملكة، قدم لها قمح وشعير وقطعة تفاح جافة. سألها عن حالها وعن أشد النمل عزيمة وأكثرهم حنكة في العشيرة. ذكرت له قائمة طويلة بأسمائهم وأوصافهم. بعد عودتهم من العمل، استدعاهم إلى مكانه وقد فرشه بأوراق رقيقة ناعمة، وزين جدرانه بقطع احجار مزركشة وخرز ومرايا وأسنان حيوانات منقرضة، علق وراء ظهره قرن ماعز جبلي حادة. استرخى في مكانه الوثير، وتنفس عميقاً، ونطق:

"أيها السادة، اصطفيتكم من دون غيركم، لحنكتم وشدة عزمكم، فقد جئتم في رؤياي لتكونوا أعواني في إدارة شؤون البلاد، تقيمون فيها العدل بعد أن فقدت الملكة قدرتها على ذلك، وكلفت نفسي بهذا الشرف العظيم؛ شرف الرئاسة. أريدكم أن تشرفوا على مجموعات النمل، وليكن لكل مجموعة تخصصها ورئيسها، تشرفون على الجند، وتعزلون من لا يستجيب لهذا النظام، لحين تطويعه واخضاعه للعمل... وهذا يستلزم رقابة صارمة ومراقبة حثيثة..."

طيلة الوقت كان النمل يلتفت واحدهم إلى الآخر، فهم لم يسمعوا بكلام مثل هذا من قبل، ولم يفهموا المصطلحات: أعوان، إدارة، بلاد، تخصصات، عزل، تطويع، إخضاع، رقابة... غير أن "البلاد" كان السؤال الأول عن معناها:
"ما معنى البلاد؟"
"انها المكان الذي ولدتم فيه، وولد اجدادكم وأباءكم، أرضكم الخاصة التي تعيشون عليها وتدافعون عنها... وطنكم، إنها رقعة جغرافية محددة تحمل اسماً ولها رئيس وعلم ودستور"
" أنا لا اعرف أين ولدت، وأين ولد أجدادي وآبائي... كل الذي أتذكره أني أحببت واحدة ذات خصر نحيل ولحقت بها، وكنت وحيداً جائعاً، فآوتني حتى أصبحتُ واحداً من المجموعة بالمعاشرة، و.."
رفع الشيصبان يده ضجراً، وأشار إلى آخر يسمح له بالكلام.
"فهمت ما تقصده أيها الأخ..."
رفع يده مرة أخرى، وصَحَحَ القول:
"أنا الرئيس... خاطبوني بهذا اللقب"
"حسناً، أيها الرأس..."
رفع يده، وبصوت فخم تهجأ الاسم:
"ا... ل...ر... ئ... ي... س"
"عفواً، نحن لا نجيد الكلام، فليس في فمنا غير الطعام... الذي نقضمه ولا ننطقه خارج افواهنا، أنه رئيسنا"
"آن لكم أن تنطقونه... ولا تقضمونه" وضحك ملئ صدره.
"ليس لبلائنا اسماً وكنا منذ الأزل نتمتع بكامل حريتنا وامننا"
رفع يده، وصَحَحَ:
"تقصد لبلادنا وليس لبلائنا... أليس كذلك؟"
"نعم، ولم افهم الفرق بينهما"
"ماذا تقترح، أيها الرئيس، اسماً؟"
"اسمّيها المدافن... وهو اسم يشبه المسمى، ألسنا مدفونين تحت الأرض"
"غيرنا كثير من الكائنات تعيش تحت الأرض، الأموات والأرانب والخلد والفئران والأفاعي والديدان والغرير والميركات والمرموط والعناكب، ملايين الكائنات لها انفاقها الدفينة بلا أسم ولا علم"
رفع يده:
"لنكن المتميزين بينهم... ويكن لنا اسم ورئيس وعلم"
انبرى واحدٌ منهم، تتحرك اطرافه كلها، وتتعطف مفاصله، يمسح على وجهه بلا انقطاع، وقف وتكلم:
"اسمحوا لي أن أقرأ لكم قصيدتي بحقكم"
أذِنَ له الشيصبان بإشارة من رأسه، واسترخى منتشاً في مكانه.
"كنَّ سبعين جيلاً، وما كنَّ سبعين ليلة،
غير أن البشير يقف في كل باب،
فابشري يا ام عبد الوهاب"
تعالى التصفيق والهتاف، وغطى على صوت الشاعر، فازداد الشيصبان زهواً، نهض من مكانه ودس في فم الشاعر حبة سكر كبيرة.
انتهى اللقاء وأبقى الشيصبان بعض الحاضرين النشطاء الذين تحدثوا بجدية وحرص، لأمر سري للغاية. فرش لهم الطعام وسقاهم، واطعهم عسلا. بعد يومين عمّ لغط وعويل ملأ الأنفاق. جاءت الملكة المومياء مثل جذع نخلة يتدهور من علٍ:
"الفاجعة، الفاجعة، مصيبتك عظيمة أيها الشيصبان"
"ما بكِ تولولين وكأنك فقدت تاجك؟"
"وجدوا اعوانك موتى في جحورهم، موتى زرق"
"يا ويلي... يا ويل من امتدت يده الغاشمة إلى سواعدي، اخوتي، قادة البلاد"
خرج وكأن النار في أطرافه، يدفع الجموع المحتشدة.
"أين أحبتي، أين فلذات كبدي؟"
وقف يتأملهم، قلّبهم واحدا واحدا ليصدّق موتهم، قبّلهم ورفع يده للجموع:
"شيعوهم بعلم البلاد، كللوهم بالغار، ادفنوهم كما يدفن الأبطال، أقيموا مجالس العزاء بما يليق بالفاجعة، انحتوا لهم انصاباً تخلدهم، أطلقوا أسماءهم على الأنفاق والساحات"
بعض من الجمع كان يتهامس:
"هل للبلاد علمٌ؟ هل لديها نحّاتون يصنعون الأنصاب؟ فنحن نموت ويأكلنا اخواننا مغفرة لنا وثواباً لهم".
ما أن انقضت أيام الحداد، دعا الشيصبان مجموعة أخرى يحاورها، قال:
"البلاد يلزمها علمٌ وشعارٌ"
"سيدي يليق بنا حبة قمح شعاراً"
"لا سيدي، بل حبة شعير"
"أرى أن فتات الموائد أدق تعبيراً لوجودنا"
رفع يده وقال:
"ألسنا أبناء المدافن!، فشعارنا قبرٌ، وعلمنا شاهدة قبرٍ، أخطُ عليه بقلمي _ إنا لله وإنا إليه راجعون_".
"لكن يا رئيس، جل حياتنا فوق الأرض، ننبش في البراري، ليكن شعارنا محراث، وعلمنا ورقة زيتون"
"أرجوكم! وجدّتها؛ شعارنا: صورة الرئيس، وعلمنا صورة الرئيس"
رفع الشيصبان يده يحيي مَن وجدها.
بعد ساعات ملأت صور الرئيس الجدران والساحات، في كل مدخل نفق صورة جبارة، ورفرفت رايات البلاد الجديدة. بين يوم وآخر تخرج الجموع تشيع الأبطال إلى مثواهم الأخير، ملفعين بعلم البلاد، تتعطل الأعمال، تغلق البيادر، وتنصب سرادقات في العراء لاستقبال المعزين.


الفصل الثالث

تقسمت العشيرة الكبيرة إلى عشائر أصغر، لكل واحدة رئيس يحكمها بالنيابة، كثٌر الأعوان والمخبرين وكتبة التقارير السرية. انشغل الشيصبان بحياكة شبكة واقية من أعوانه تحميه من غائلة الطامعين بحكمه، أنشأ مراكز خاصة ولجان يشرف عليها بنفسه، ولم يعد في حياته غير التفكير في هذا. بين فينة وأخرى كان يستضيف الملكة يشاورها ويسمع منها أخبار البلاد الدفينة.

"يا سيدي، لم يعد في حياة الجماعة غير الحديث عنك، وكل فرد فيهم يتسابق على نيل رضاك... وأنا ما زلت أنتظر وعدك بإقامة معبد لي يحفظ لي اسمي وتاريخي من بعدك"
"تقولين من بعدك! وهل من بعدي تقوم قائمة وتستوي أرض؟"
"لا أقصد هذا، إنما كنت أقصد من بعد إذنك"
" حسناً، لك ما ترومين إليه بعد اعلانك مبايعتي، مبايعة كاملة غير منقوصة، وتباركين مكانتي".

في حفل لم تشهده الأرض ولا الخنادق، وضعوا الملكة في تابوت خشبي مزركش، ربطوها جيداً واقاموه عمودياً في وسط أكبر الساحات، فأصبحت عمودية لأول مرة بعد ان قُمطت باللفائف في سنواتها الأخيرة وعاشت افقية. إلى جانبها، وقف الشيصبان، يقرأ بالنيابة عنها:
"يا شعبي، ها أنا اغادركم وكلي ثقة أنكم ستعيشون في رغد وهناء بقيادة رئيسكم الشيصبان ذو النسب والحسب الرفيع... أُودعكم وأتمنى أن يظل اسمي بينكم مثار اعتزاز وتكريم... والسلام عليكم".

من الجموع تقدمت كوكبة من الأشداء، حملوا التابوت على ظهورهم وهم يهزجون. لأول مرة، بعد فقدانها زمام أمور البلاد، شعرت الملكة بفخر واعتزاز وهم يحملونها كما كانوا يحملون هودجها في الخنادق، تبسمت وهي تتأتئ، وقد شعرت بنهايتها، بكلمات متقطعة غطت عليها زغاريد الاناث واهازيج القوم. الأشداء الذين حملوها سمعوا كلماتها الأخيرة وواصلوا قدماً نحو كومة حطب كبيرة، وضعوا التابوت فوقها وأشعلوا النار فيها. لم تمضِ دقائق حتى كنس الخدم رماد الملكة وألقوه خارج الأنفاق... واصل الأشداء اهزوجتهم، وردد الجمع الغفير وراءهم:
"ضحكتك سيدي تريح 15 مليون،
مِنْ تبتسم سيدي،
كل الناس يبتسمون،
بالنار مسيسة، ومحروقة...
بالنار مسيسة، ومحروقة...
بالنار مسيسة، ومحروقة"
ردد الجمع الغفير وراءهم وبحماسة لا مثيل لها، حتى كادت أصواتهم تهدَّ الأنفاق وتهدمها:
"بالنار مسيسة... ومحروقة".
المقيمون في المناطق المتاخمة للبلاد، سمعوا الأهازيج، وشموا رائحة الحريق، وشاهدوا دخانه، فأعدوا العدة مخافة أن تسري النار إليهم.
بسرية تامة، في قبو تحت الأنفاق، في العتمة، اجتمع الأشداء يتداولون ما بينهم ويفسرون كلمات الملكة الأخيرة، التي أقلقهم تعدد صيغها ومعانيها. التمع بينهم ضوء خافت من قرص معلق بسلسة تتدلى من رقبة أحدهم. سألوه عنها، أجاب:
"انها حلية عثرت عليها أمي وهي تحفر نفقاً عبر المقبرة، قالت إنها من عهد سحيق لكائنات تدفن الحلي مع موتاها، اهدتني إياها في عيد ميلادي الأول، البسها تبركا ومحبة بها".
"حسنا فعلت، فنحن بحاجة إلى بصيص ضوء لنكتب ما تناثر من كلمات الملكة ونرتبها في جملة نفهمها".
أخذوا يجمعون الكلمات ويرتبونها، ويعيدون تفكيكها وترتيبها من جديد. انتهوا قبل الفجر على اوضح معنى: إنه بشر وليس شيصبان حقيقي.
"من كانت تقصد وهي تتلفت للرئيس؟"
"ربما كانت تنوي إبلاغه بأمر أحدهم"
"أو ... كانت تعنيه هو" قال صاحب السلسة.
"إنها فكرة سخيفة، فهي ذاتها قالت في خطابها: أنه ذا نسب وحسب رفيع".
"لكنه هو من قرأ الخطاب وليست هي".
" تقصد أنه... أنه هو من كتب ذلك".
"لا أدري، الأمر محيّر".
"دعونا ندعوه إلى جلسة خاصة ونشم رائحته"
اتفقوا على ذلك وتفرقوا على موعد. لم يذهب صاحب السلسة إلى جحره، وتوجه خلسة إلى مقر الرئيس. فتح الشيصبان الحلية وسمع ما فيها، مرات ومرات، ودعا عونه الوفي إلى الإفطار ودراسة الوضع لتدارك مفاجآت الغد. سقط العون ميتا حالما خرج من الباب.
أرسل للأشداء يستدعيهم، لم يحضر أحدا منهم. سمع هياج وزعيق خلف بابه يطالبونه بالخروج إليهم، تذكر ليلته الأولى في الخنادق وهو مازال ينطوي على رائحته الأدمية... "هل أفشوا أمره للعامة؟" سأل نفسه.
"نعم!" أجاب نفسه.

تمنطق بقرن الماعز الجبلي وتسلل من نفق سري يؤدي إلى خارج المكان، وجد نفسه في العراء لأول مرة بعد أن دخل الخنادق ولم يخرج منها، سمعهم يهرولون وراءه ويهزجون، اختبأ في جحر للأرانب قريبا منه. غير أن رائحته الأدمية التي طفحت بفعل الخوف، فضحت مكانه، اخرجوه أشعثاً، مغّبراً، وتقاطروا عليه ينهشونه لحماً وعظماً ودماً.