الأحد، 13 أغسطس، 2017


النقطةُ العمياء، فوقَ بطنِ الوطن
قصيدة، للشاعر المصريّ
محمد عيد إبراهيم


كانَ الوطن فيكِ، مِسحاةً للذكرياتِ
وأنتِ بعيدةٌ... جداً؛ يترادفُ والفراغُ.

على كرسيٍّ من القشِّ، ثارَ  دُخانكِ، في شطٍّ
ماؤهُ رَفِيفٌ شفّافٌ، قابلٌ للتلوّنِ، كعينَيكِ.

شطٌّ يموجُ، في الناحيةِ الأخرى من العالمِ،
إلى الجنوبِ، مِن ظلّكِ، وهو  مُستلقٍ.

وكانَ الوطنُ شاباً في عزّ  الستّينِ،
يحدّقُ في ثديَيكِ، البارقَين، بحبّاتِ العرَق والأرق.
§       

وجهكِ هادئٌ وبَصيرٌ، والعَجائزُ  حولَكِ في بُقَعٍ،
فوقَ السّياجِ، أزاهيرُ  ذابلةٌ، ونَحلٌ داخَ؛ ثمةَ

طَيرٌ  غريبٌ، يسجَعُ، كالقيثارةِ.
فتلَمّسكِ طَيفٌ، وبطنكِ كالطّبلِ "أينَ راحَ، وراحَ؟"

هو  الأمانُ مفقودٌ، ماثلٌ بينَ عينَيكِ
رايةً تمزّقَت حُروفُها، كمَن باعَ للريحِ نبتاً ونامَ.

بغتةً، بينَ ماءِ البكاءِ، طَلّ الوطن، لاهثاً،
باسَ يدَكِ، إيهٍ ومِن بعدُ فَخْذَكِ، وتَبلّلَ.
§       

شُعلةٌ، بعينَيكِ، تَعلَقُ. مثلَ حاسّةٍ نيئةٍ،
حَطّت، على مُسنَدِ الرّكبة، فَراشةٌ زرقاءُ

في زَغَبٍ وحَريرٍ ، معَ الوقتِ، تنعَسُ
منَ الشمسِ. بانَ تُوَيجٌ على الرملِ. وسطَ

البحرِ  عاريةٌ، خَطُّ ظَهرها مَيّاسٌ. هَلّ الماثلُ
بينَ عينَيكِ: "الجَمالُ قابلٌ للتلَفِ". ونطّت

غرفةٌ علويةٌ في الهواءِ، بمِلحٍ على شفتَيكِ.
سِيقَ الغرامُ، كانَ يحُكّكِ مَنْبِتُهُ فوقَ اللزومِ.
§     

بعيداً عن الولَدَين؛ ينمو  وقتٌ للخَفيّ،
الواقعيّ، الخليّ، حتى يرقَى مِهبَلُكِ كالجَفنِ

طولياً؛ من اللّغو والرَّغو. ثَمّ هَسِيسٌ وحَسِيسٌ.
فاصلٌ من مُنادَىً ومُنادٍ، لكأنكِ المسكونُ والمختَرَق.

مرةً، نبّهَتْ صرختُكِ، بدلُوجهِ، ولَداً. رُحتِ
شاحِبةً، مبلّلةً، شِبهَ عاريةٍ، تُربّتينَ يدَيهِ؛

وكانَ الوطن يتمدّدُ، حينَما عدتِ، في غُلمَةٍ 
يفقأُ، بينَ رِجليهِ، فَرْجَ دُميةٍ؛ هي لُعبتكِ
§      

من زمانٍ، بضَفيرتَين، وبطنُها مهتوكٌ.
أعصابكِ في حريقٍ، وهو  يعجنُ قاعَها القُطنيّ.

قَدّمتِ كاساً، ولاذِعةً، ليشربَ من فَمكِ؛
فيقومُ ليلٌ، كانَ من ريشِ الطيورِ، وشَعّثتهِ...

مُصطافَةٌ مرّت، بمُشطٍ، كلّها ماءٌ. ترشّشَ
وجهُكِ. أيقَظَكِ لَهو الهواءِ، ما بينَ ساقيكِ.

وانسلّت خُنفُساءُ. خَيطٌّ بانَ كالزّمنِ. وظَلّ
خيالُكِ على وجههِ، في الرمالِ، جَنِياً سَخِياً؛
§      

ساخِناً وسَخِيناً. بُرِّزَت ــــــ في آخرِ  الشطّ ــــــ
حوريةٌ، هائجةٌ، بعينَين كالحَصَى، وهي تنثرُ

توتاً، للجميعِ؛ ريثما يتقَطّعُ النهارُ، غيرَ  عابئةٍ
بما يتسَقّطُ من مَلبَسِ البحرِ، في البحرِ.

ومِن بُخارِ اللّغةِ، صُراخٌ، كالمصروعِ:
"هذا جَزاءُ من احترقَ، ومَركَبهُ غرَق". 

غابَ منكِ الوطنُ، كمِلعَقةٍ في العَجينِ،
ولاحَ، جنبَ شَعرِ  العانةِ، عِرقٌ ينتَفِض.
..............................

(*) اللوحات، للفنان الإسبانيّ: خوان ميرو 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق