الاثنين، 7 أغسطس، 2017

ميشليه: جورج باتاي

ترجمة: محمد العرابي


   قلّة من الأشخاص يشتكون بسذاجة أكبر مما يفعل ميشليه حول بعض الأفكار البسيطة: ففي نظره، تقدُّم الحقيقة والعدالة والعودة لقوانين الطبيعة محكوم عليه بأن ينتهي. وعمله بهذا المعنى نموذج جيد للإيمان. لكن، إذا لم يدرك جيداً حدود العقل، فإن الأهواء التي تناوئه – التناقض هو سبب تأخيري- ستجد فيه أحياناً شريكها. لا أعرف كيف أمكنه أن يكتب كتاباً ممنهجاً ككتاب "الساحرة" [عمل مدين للصدفة دون شك – على ما يبدو، فإن بعض الملفات التي لم يستعملها آنذاك، والتي جمَّعها مع السنوات هي المتحكمة في تحريره]. لقد جعلت "الساحرة" من كاتبها أحد الذين تكلموا عن الشر بلهجة غاية في الإنسانية.

   ويبدو لي أنه كان تائهاً. فالطرق التي سلكها – بدون وجهة محددة، دليله فضول "مُضِلّ"- لم تقرِّبه من حقائقنا. وهذه الطرق، وهذا أكيد، هي تلك الخاصة بالشر. ليس الشر الناتج عن إفراطنا في استعمال القوة ضد الضعفاء: وإنما هذا الشر الذي، على العكس، ينحو ضد المصلحة الشخصية، والذي يستلزم رغبة مجنونة للحرية. ولقد رأى فيه ميشليه الانعطاف الذي قام به الخير. لقد حاول، لو أمكنه، أن يعطيه الشرعية: كانت الساحرة ضحيتَه ولقيت حتفها في هول الاحتراق. ولقد كان من الطبيعي أن يقلِب قيمَ اللاهوتيين. ألمْ يكن الشرُّ إلى جانب الجلاّد؟ إن الساحرة جسَّدت الإنسانية المعذَّبة، التي يضطهدها الأقوياء. هذه المنظورات، المؤسَّسة جزئياً بلا شك، والقبلية توشك أن تمنع المؤرخ من النظر إلى أبعد. لكن مرافعته تبطِّن منهجية عميقة. إن ما كان يقود ميشليه بالملموس هو دُوَّار الشرّ: إنه نوع من التيه.

   إن هاوية الشرّ تغري بشكل مستقل بمنافعَ مرتبطة بأفعال سيئة. (مرتبطة على الأقل، ببعض منها، لكن لو تصورنا سُبُل الشرّ في مجموعها، فسنجد أن القليل منها فقط يقود إلى المنفعة). إن انجذاباً معيناً، ناجماً (مع تميُّز خاص) عن رعب الاجتماعات الليلية للسحرة (sabbats)، يحدِّد ربما، في عمقه، صعوبة مسألة الأخلاق. إن الحديث عن الساحرة (تاريخياً، كأحد الكتب التي لم تسئ للسحر في المجتمع المسيحي – ولا شيء فيه يستجيب لموضوعية العلم- وأدبياً، كإحدى روائع ميشليه) يشكل فرصتي لأطرح بإنصاف مشكلة الشرّ.

التضحية

   معطيات هذه المشكلة ليست خارجة عن أصولها التاريخية، المتمثلة في التعارض بين السحر الضار (maléfice) والتضحية (sacrifice). وهذا التعارض ليس متَّقِدا أكثر في أي مكان آخر مما هو عليه في هذا العالم المسيحي، الذي يضيئه بوميض محارقَ لا عدّ لها. لكنه يظل هو نفسه تقريباً في كلّ الأزمنة، وفي كل الأمكنة، والثابتة التي تمسّ من جهة بالمبادرة المجتمعية، لتحقيق جدارة التضحية، المرتبطة بالديانات؛ ومن جهة ثانية بالمبادرة الخاصة، غير المجتمعية، المميزة للمعنى غير المطلوب للسحر المُؤذي، المرتبط بممارسات السحر. هذه الثابتة تستجيب بلا شك لبعض الضرورات الأوليّة، التي تحتِّم على الملفوظ فرض نفسه من خلال عنصر البداهة.

   وهاكم ما ينبغي أن نوضحه في هذا الصدد:

كما أن بعض الحشرات، في ظروف معينة تتوجه جماعة نحو شعاع من نور، كذلك سنتوجه نحن على النقيض نحو منطقة يهيمن عليها الموت. إن دافع النشاط الإنساني هو عموماً الرغبة في بلوغ النقطة الأكثر بعداً من المجال المأتمي (الذي يميزه المتعفِّن، المتَّسِخ، والنَّجِس): إننا نمسح في كل مكان آثار الموت وعلاماته، ورموزه، ببذلنا مجهودات متواصلة. نمسح حتى بعد فوات الأوان، إن أمكننا ذلك، آثار وعلامات هذه المجهودات. رغبتنا بأن نسمو ليست سوى عرَض، بين مئة، من هذه القوة التي توجهنا نحو ما يناقض الموت. إن الهلع الذي يتملك الأغنياء من العمال، والرعب الذي يستولي على البرجوازيين الصغار من فكرة السقوط في الحالة البروليتارية يستند إلى واقع أنه ممثل لأغلب الفقراء الذين ستقع رقابهم تحت مقصلة الموت. بل أحياناً أكثر من الموت نفسه، تشكّل هذه الطرق المشبوهة من القذارة، ومن العجز، ومن الوحل المنزلق نحوه، موضوعا لاشمئزازنا.

   لا يزال هذا الميل القلِق ربما يشتغل في تأكيداتنا للمبادئ الأخلاقية أكثر من ردود أفعالنا. وتأكيداتنا توجد بلا شك مقنَّعة: كلمات كبيرة تعطي لوضعية سلبية معنى إيجابياً، فارغاً بالتأكيد، لكنه مجمَّل ببريق القيم البرَّاقة. نحن لا نعرف أن نضع في المقدمة إلا الخير – الربح السهل والاطمئنان المضمون–المتعلق بكل الغايات المشروعة والمفرطة في السلبية (لا يتعلق الأمر إلا بإبعاد الموت). على سلَّم الحكمة، تُختزَل دائماً مفاهيمنا العامة عن الحياة في الرغبة في البقاء. وميشليه، في هذا الشأن، لا يختلف عن كبار الحكماء.

   هذه الوضعية وهذه المبادئ لا يتغيران. على الأقلّ كما هما عليه، سيبقيان ويجب أن يبقيا القاعدة. لكنّنا لا نستطيع أن نتشبث بهما بشكل كامل. وحتى إذا قصرنا البحث على المنفعة التي تقودهما، في حدود معينة، فمن الضروري أن نجعلهما يرتكبان مخالفة. من الضروري للحياة أحياناً ألا تهرب من ظلال الموت، وأن تُترَك لتكبر على العكس بين جوانحها، إلى حدود الارهاق، في نهاية الموت نفسه. إن العودة الثابتة للعناصر الممقوتة – على نقيض اتجاه تيارات الحياة– معطاة في الأوضاع العادية، لكن بشكل غير كاف. على الأقل ليس كافياً أن تولد من جديد ظلال الموت رغماً عنا: علينا أن نبعثها بشكل إرادي، -بطريقة تستجيب بالضبط لحاجياتنا (أقصد الظلال وليس الموت نفسه). ولهذه الغاية تسعفنا الفنون، التي يكمن تأثيرها، داخل قاعات العرض، في أن توصلنا إلى أعلى درجة ممكنة من القلق. فالفنون – وعلى الأقل البعض منها– لا تكف عن أن تستدعي أمامنا هذه الاضطرابات، وهذه التمزّقات وهذه السقطات التي يكون تجنُّبُها غايةَ نشاطنا بأكمله. (وهذه القضية تصحُّ أيضا في الفن الكوميدي).

   ومهما كانت خِفَّةُ هذه العناصر التي نريد، في المقام الأخير، أن نقصيها من حياتنا، والتي يعيدها مع ذلك التقلُّب في الفنون إلى حياتنا، فإنها لا تصل إلى مستوى أعراض موت: وإذا ضحكنا، أو بكينا، فلأن، للَّحظة، سواء كنّا ضحايا لعب أو كاتمي سرّ، يبدو لنا الموت تافها. وهذا لا يعني أن الرعب المستوحى من الموت قد غدا بالنسبة إلينا غريباً: لكنه يعني أننا تمكنَّا من تجاوزه بسرعة. إنّ حركات الحياة المثارة على هذا النحو توجد بلا شك فاقدة لكلّ قيمة عملية: إنها لا تملك القوة المُقنعة لأولئك الذين، بصدورهم عن الاشمئزاز، يعطون الشعور بالعمل الضروري. لكنّها ليست بدون قيمة. إن درس الضحك يتمثّل في أننا إذ نهرب بحكمة من عناصر الموت، لا نطمح إلاّ إلى مزيد من الحفاظ على الحياة: فيما أننا إذ ندخل إلى المنطقة التي أوصت الحكمة أن نهرب منها فإننا نحياها. ذلك أن جنون الضحك ليس إلاّ جنونا وهمياً. فباحتراقه عند لقائه بالموت، وبجذبه لعلامات يمثِّل فراغها وعياً مضاعفاً للكائن، في أفق أن يُدخل ثانية –بعنف- ما ينبغي أن يُستبعد، يخرجنا، لفترة، من المأزق الذي يوجد فيه أولئك الذين تعلموا فقط أن يحافظوا عليه بسجنهم للحياة.

   وإذا تخطيت القصد المحدود الذي طرحت بموجبه، منطقيا، مشكلة الشر، فسأقول عن الكائن الذي نحن عليه إنه بداية كائن منته (فرد فانٍ). وحدوده، بلا شكّ، ضرورية للكائن، لكنّه لا يمكنه بالمقابل أن يتحمَّلها. إنه بانتهاكه لحدوده الأساسية التي تحافظ على الحياة يحقق ماهيته. إن خاصية المنتهي بالنسبة للموجودين المعروفين وحدهم ستكون متناقضة، ولنقرّ بذلك، مع خاصيات أخرى للكائن، إذا لم يتم تخفيفها بواسطة اضطراب أقصى. لا آتي بجديد من جهة أخرى، إذ أذكِّر بأن هذه الفنون التي تحفظ فينا القلق وتجاوز القلق وريثةٌ للديانات. فتراجيدياتنا، وكوميدياتنا لهي امتدادات لقرابيننا، التي تتوافق مراسيمها بكثير من الدقة مع توصيفاتي. وتقريباً كل الشعوب تعطي الأهمية الكبرى للإبادة الاحتفالية للحيوانات، وللبشر أو للنباتات، أحياناً بثمن باهظ حقيقةً، وأحياناً بافتراض ثمن باهظ رمزياً.

   اعتُبرت هذه الإبادات، من حيث المبدأ، أعمالاً إجرامية، لكن المجتمعات كانت مرغمة على تنفيذها. إن المبررات التي أعطيت عامة للتضحية كانت متعددة للغاية، وعلينا أن نبحث نحن أنفسنا وفي الزمن السحيق عن أصل ممارسة مشتركة لدى الجميع. والرأي الأكثر حصافة يرى في التضحية التنظيم المؤسِّس للرابطة الاجتماعية (لكنه لا يقول لنا، حقاً، كيف توطد إراقة الدم، فضلاً عن ممارسات أخرى، اللحمة الاجتماعية). لكن، إذا كان من الضروري لنا أن نقترب – قرباً أكبر وفي أكثر الأحيان– من موضوع رعبنا نفسه، وإذا حدث أن أدخلنا في الحياة، الأذى الأقل إمكانية في الحدوث، فإن أكبر عدد ممكن من العناصر التي تناوئها تحدّد طبيعتنا، وممارسة التضحية لن تكوّن هذا السلوك الإنساني الأوَّلي، الغامض مع ذلك، الذي ساد إلى يومنا هذا. (كان يفترض في النهاية أن تقليدا على هذا المستوى من الشهرة أن «يستجيب لبعض الضرورات الأولية، التي تحتِّم على الملفوظ فرض نفسه من خلال عنصر البداهة»).

وطبعاً، فنسبتها العالية غير مألوفة كثيراً ومن أجل تقليل الخسائر إلى أدنى مستوى، تم اللجوء إلى الخداع. وهذا الأمر تراوح حسب شدة القوة: فإذا كانت بعض الشعوب قد تمتعت بالجرأة، فإنها كانت تدفع بالأمور إلى أقصى مدى. تشير المذابح الأزتيكية إلى درجة الرعب التي وصلت إليها مجتمعاتها. الآلاف من ضحايا الشرّ الأزتيك لم يكونوا فقط أسرى: كانت المعابد تتغذى بواسطة الحروب، والموت في المعركة كان يجمع صراحة رجال القبيلة بالموت الطقوسي للآخرين. بل وكان الأمر يصل بالمكسيكيين، في بعض الأعياد، للتضحية بفلذات أكبادهم. إنّ خاصية العملية، التي تريد أن تبلغ أقصى درجة يمكن احتمالها من الرعب، تبرز ثانية بهذا الخصوص بصعوبة. قانونٌ كان ضرورياً، يقضي بمعاقبة الرجال الذين يحيدون عن الموكب، عند رؤية أطفالهم يقادون للمعبد. فالحدّ، في الأقصى، يصل إلى الإغماء.   

   تقتضي الحياة الانسانية هذا السلوك العنيف (بإمكاننا بوجه آخر أن نتجاوز الفنون).
   إن كون اللحظات الكثيفة للحياة ضرورية لإقامة الرابط الاجتماعي يتمتع بقيمة ثانوية. بدون شك، ينبغي تأسيس الرابط، ونفهم بسهولة أن هذا الـتأسيس يتم بواسطة التضحية: لأن لحظات الكثافة هي اللحظات التي يتم فيها الإفراط وتتمازج فيها الكائنات. بيد أن الكائنات الإنسانية لم تُنقل إلى ذروة انصهارها لأنها محكومة بتشكيل المجتمعات (مثلما نصهر قطعاً معدنية لنجعل منها قطعة جديدة وواحدة). عندما نصل بواسطة القلق وتجاوز القلق إلى هذه الحالات من الانصهار التي يمثل فيها الضحك أو البكاء حالات خاصة، نستجيب كما يبدو لي، حسب الوسائل الخاصة بالإنسان، للضرورة الأولية للكائنات الفانية.



السحر الضارُّ والقدَّاس الأسود

   تعتبر مؤسسة الرابطة الاجتماعية، بعيداً عن كونها أصلاً للتضحية، من طبيعة المؤسسات التي تقلِّل من الفضيلة. تحتلّ التضحية في المدينة مكانة سامية، فهي ترتبط بالانشغالات الأكثر صفاء، والأكثر قدسية، وفي نفس الوقت الأكثر محافظة (بمعنى حفظُها للحياة ولمنجزاتها). في الواقع، إن ما يؤسِّس، يُبعد إلى أقصى حدٍّ الحركةَ الأصلية التي تشكِّل معناه. وليس هذا هو ما يحصل مع السِّحر الضارّ. لقد كان مخترعو التضحيات واعين بالجريمة التي كانت في أصل الذبح. لكنهم كانوا يتقبلونها من زاوية الخير، لأن الخير بقيَ الغايةَ النهائية للتضحية. فالفعل كان هكذا يُعاب ويتمُّ نسيانُه. السحر الضارُّ، بالتأكيد، لم يكن فشلُ التضحية من أسبابه، لكن فشله لا يعود لنفس الأسباب. لقد تمت ممارسته لغايات غريبة عنه، بل وفي الأغلب لغايات متعارضة مع الخير (وهذا وجه اختلافه عن التضحية، وليس لأي خاصية جوهرية أخرى). في ظل هذه الظروف، فرص ضعيفة كانت أمام الانتهاك الذي يؤسِّسُه ليلطِّفَ من حدته. ليصل به حتى إلى حدِّ تعرُّضه للإدانة.

   إن التضحية تحدُّ، إذا أمكنها ذلك، من تسرُّب عناصرَ مشوِّشة: تستمدُّ مفاعيلها من التعارض الحاصل من إبرازها للنقاء، ولنبل الضَّحية وللأماكن. أما من جهة السحر الضارّ، على العكس، فالإصرار على العنصر الوازن يغدو ممكناً. وبالرغم من أن لا قيمة أساسية له في عالم السحر، فإنه يجد فيه مع ذلك حقله المفضَّل. لقد أضحت الشعوذة، في القرون الوسطى، تماماً الوجه الآخر لديانة تختلط مع الأخلاق. فنحن لا نعرف الكثير عن الشابات sabbat (الاجتماعات الليلية للسحرة) - وكل ما نعرفه، هو من خلال محاكم التفتيش، وقد يكون المتَّهمون، المنهَكون من التعذيب، قد أدلوا باعترافات تستجيب لهوى المحققين - لكننا يمكن أن نقبل، مثل ميشليه، بأنه يقدم صورة ساخرة عن التضحية المسيحية– من خلال ما نسميه القدَّاس الأسود. وحتى في حالة أن الروايات التقليدية عنه كانت في جزء منها خيالية، فإنها تتوافق في كثير من الوجوه مع المعطيات الحقيقية: اتخذت على الأقل القيمة الدلالية لأسطورة. أو لحلم. إن العقل الإنساني، الخاضع للأخلاق المسيحية، قد انقاد انطلاقاً منها لتوسيع التناقضات الجديدة التي أصبحت ممكنة. أصبحت كل المعالجات تمتلك القيم التي تمكِّنها من مقاربة موضوع رعبنا نفسه، عن قرب. ومن تقرير كَنَسيّ استمد ميشليه الإيحاء المزعج لهذا التيار الفكري الذي يتقدَّم، ويُخيف، والذي تقوده لعنةٌ لمواجهة الأسوأ: «البعض، يقول، لم يروا فيه غير الرعب؛ آخرون اضطربوا من الغطرسة السوداوية التي يبدو أن المنفِيَّ السرمدي امتُصَّ فيها». هذا الإله الذي "فضَّل" المؤمنون أن «يتخذوه سنداً» لهم، والذي لا يفيدهم على أي نحو في تأمين الإنجازات المشتركة، يستجيب لمنهجية واثقة تنحو به صوب منحى الليل. إن الصورة الشائنة لموت الله، الأكثر تناقضاً، والأكثر غنى، الموجودة على رأس فكرة التضحية، يتم تجاوزها من خلال هذا الانقلاب. إن الوضعية الخاصة للسِّحر، التي لا يحدُّها شعور بالمسؤولية وبالاعتدال، تعطي للقداس الأسود معنى أقصى الممكنات.

   إن الرِّفعة غير المعروفة لطقوس الرِّجس هذه، والتي تأخذ معناها من حنين للرجس اللانهائي، لا يمكن المغالاة في تقديرها، كونها تمتلك خاصية الطفيليات: وتلك هي انقلابات الموضوع المسيحي. لكن الانقلاب، المنطلق من جسارة سبق أن تجاوزت الحد، تُـنهي حركةً غايتُها استعادة ما ترغمنا الرغبةُ في البقاء على الهروب منه. إن ما عرفته الاجتماعات الليلية للسحرة- الشابات من تعاظم شعبي دليل ربما، في نهاية العصور الوسطى، على أفول الكنيسة التي كانت ترسل، إذا شئنا، وهجها الأخير. المحارق العديدة، والتعذيب بكل أصنافه الذي واجه به القساوسة قلقهم من هذه الحركة يُدين هذا التوجُّه. تتأكد أيضاً هذه الخاصية الفريدة بواقع أن الشعوب فقدت القدرة منذ ذلك الحين على الاستجابة لأحلامها بواسطة الطقوس. هكذا كان الشابات ربما يقاوم ليقول كلمته الأخيرة. لقد مات الانسان الصوفي، تاركاً لنا هذه الكلمة الأخيرة – كوننا جميعاً مجرد ضحك أسود.

   إن رعب ميشليه هو في إعطائه احتفالات اللامعنى القيمةَ التي تستحقها. لقد أعاد لها الدفءَ الإنسانيَّ، الذي هو دفءُ القلوب أكثر منه دفء الأجساد. لم يكن متيقِّنا من وجاهة ربطه الشابات بـ «الثورات الكبرى والمرعبة»، وبثورات الفلاحين (Jacqueries) في القرون الوسطى. لكنَّ الطقوسَ السحرية ارتبطت بالمضطهَدين. وغالباً ما تحولت ديانة الشعب المتعرض للغزو إلى سحر في المجتمعات الناشئة عقب الغزو. إن الطقوس السرية في العصور الوسطى لا شك تطيل، بمعنى ما من عمر الديانات السابقة (بالاحتفاظ بالوجوه المشبوهة: فالشيطان هو بمعنى ما ديونيزيوس (redivivus) المنبعث من جديد): إنه طقوس الوثنيين  (pagani)، والفلاحين، والأقنان، وضحايا نظام سائد للأشياء ولسلطة ديانة الملوك. فلا شيء واضح مما يلمس هذا العالم السفلي: ولم يكن ميشليه بأقل أحقية بالتشريف لأنه تكلّم عنه مثلما تكلم عن عالمــنا- الذي أنعشه زلزال قلوبنا- حاملاً معه الأمل واليأس اللذين يشكلان قسمَتَنا، واللذين من خلالهما نتعرف على أنفسنا.

   إن النبرات التي وجدها ميشليه لتأكيد رفعة النساء في هذه الأعمال الملعونة تبدو كذلك من أكثرها صدقاً. فالنزوة، والرهافة الأنثوية تنيران عالم الظلمات؛ وجزء من السحر، في المقابل، يرتبط بفكرة أننا جئنا نتيجة الإغواء. وهذه الإثارة بشأن المرأة والحب التي تؤسس اليوم ثراءنا الأخلاقي، لا تستمد أصولها فقط من أساطير شعراء الفروسية، ولكن أيضاً من الدور الذي لعبته المرأة في السحر: «مقابل كل ساحر، عشرةُ آلاف ساحرة» تعرضن للتعذيب، وكانت النار في انتظارهن.

   انتشال ميشليه هذا العالم، المرهِق بالمعنى الإنساني، من براثن الخزي لهو عنوان انتصار. الطبعة الأولى لكتاب "الساحرة"، في ظل الامبراطورية الثانية، شكّلت فضيحة، وصادرتها الشرطة. وظهر الكتاب في بروكسيل لدى منشورات (Lacroix) و(Verboeckhoven) (التي ستقوم سنوات قليلة بعد ذلك بنشر "أغاني مالدورر"، هذه الملحمة حول الشر). نقيصة ميشليه -أليست هي عموماً نقيصة كل العقل الإنساني؟- تتمثل في مسعاه لانتشال الساحرة من براثن العار، وجعلها تظهر كخادمة للخير. أراد أن يضفي عليها شرعية من خلال الدور الذي لعبته، فيما القسم الأصيل من أعماله أبقاها خارجاً.

الخير، والشر، الـ"قيمة"
وحياة ميشليه

   أقدم الآن خلاصة هذا العرض لمشكلة الشرّ:

   وهذا، على ما يبدو لي، يخرج من تصوري. فالإنسانية تسعى وراء غايتين، إحداهما سلبية وتتمثل في المحافظة على الحياة (تفادي الموت)، والأخرى، إيجابية، بالزيادة في كثافتها. وهاتان الغايتان ليستا متناقضتين. لكن لم يحدث أبداً أن زِيد في الكثافة ولم تشكل خطراً؛ إن الكثافة المقبولة من طرف غالبية الناس (أو من طرف الجسم الاجتماعي) يتم إخضاعها لهمِّ المحافظة على الحياة ومؤسساتها، التي تحظى بأولوية لا تقبل المنازعة. لكن حينما تصبح مطلباً للأقليات، أو للأفراد، فإنها يمكن أن تصبح بدون أفق، وخارج الرغبة في إطالة الحياة. وتتراوح الكثافة حسب منسوب الحرية. هذا التعارض بين الكثافة والدوام يتساوى في المجموع، ويحفظ جيداً التوافقات (التزهد الديني؛ ومن جانب السحر، السعي وراء النزوات الفردية). إنّ التأمل في مفاهيم الخير والشر يجب أن يعاد فيه النظر انطلاقاً من هذه المعطيات.

   إن الكثافة يمكن أن تحدَّد باعتبارها القيمة (إنها القيمة الإيجابية الوحيدة)، فيما البقاء باعتباره الخير (إنه الغاية العامة المقترحة لصالح الفضيلة). ومفهوم الكثافة لا يمكن اختزاله في اللذّة، لأن البحث عن الكثافة، كما رأينا، يرمي إلى أن نستقبل بداية الضِّيق، إلى حدود الانهيار. ما أسميه قيمة يختلف إذن في آن عن الخير وعن اللذة. فالقيمة حيناً تتفق مع الخير وحيناً لا تتفق. وأحياناً تتفق مع الشرّ. إن القيمة تقع على الجانب الآخر للخير وللشر، ولكن في شكلين متعارضين، أحدهما مرتبط بمبدأ الخير، والآخر بمبدأ الشر. الرغبة في الخير تقلِّص من الحركة التي تأخذنا للبحث عن القيمة. فيما الحرية لفعل الشرّ، على العكس تفتح سبيلاً للأشكال المفرطة من القيمة. مع ذلك، لا نستطيع أن نستخلص من هذه المعطيات أن القيمة الأصيلة تقع في جهة الشرّ. المبدأ نفسه المتعلّق بالقيمة يريد منا أن نذهب «إلى أبعد ما يمكن». وبهذا الخصوص، فإن الاتحاد مع مبدأ الخير يحدد الـ «أبعد  ما يمكن» عن الجسم الاجتماعي (النقطة القصوى التي لا يمكن للمجتمع القائم أن يتقدم إلى ما ورائها)؛ الاتحاد مع مبدأ الشر، هذا الـ «أبعد ما يمكن» الذي يبلغه الأفرادُ مؤقتاً– أو الأقليات؛ قد لا يبلغه أحد.

   هناك حالة ثالثة. تستطيع بعض الأقليات، في لحظة من التاريخ، أن تتجاوز الثورة بلا شرط، متحمِّلة تدريجياً إكراهات الجسم الاجتماعي. وتوفّر هذه الحالة الأخيرة إمكانيات للانزلاق.

   أعتقد أنه من الفضيلة أن أقر هنا بأن ميشليه لا يخرج من اللَّبس. لقد أعطى للعالم الذي رسمه أكثر من خاصية ثورية: اهتمام كبير بتأمين المستقبل، وإطالة لأمد الحياة! وبذلك قلَّص من حرية المحاولة التي كانت تتحكم في معنى العالم. ودون انتقاص أقول (وأحب أن أشير على العكس أنه شعور بالقوة) إن حياة ميشليه نفسها تعضِّد هذا اللبس. إن القلق طبعا كان يقوده –بل وحتى كان يُضِلُّه– وهو يحرِّر كتاباً تلتهب فيه عاطفة مشبوبة. في مقطع من يومياته (التي لم أتمكن من قراءتها، لأنها ليست متوفرة بعد، لكني فيما يتعلق بهذه النقطة حصلت على ثلت التدقيقات الكافية)، ذكر بأنه أثناء عمله قد جفته ملكة الابداع: فنزل من بيته، ودخل بناء كانت تفوح منه روائح كريهة. فأخذ نفساً عميقاً، وعلى هذا النحو «اقترب، ما أمكنه، من موضوع رعبه»، وعاد ليواصل عمله. لا أستطيع إلا أن أتذكّر وجه الكاتب، النبيل، المهزول، بمنخره المرتعش.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- الحالة الوحيدة السابقة على إعادة نشره في كتاب "الأدب والشر" التي نتوفر عليها بالنسبة لهذا النص هي المقدمة التي كتبها باتاي للنشرة التالية لكتاب الساحرة الذي ظهر سنة 1946 (يتعلق الأمر إذن بالنص الأقدم بين نصوص المجموعة):
جيل ميشليه: الساحرة، طبعة كاملة، مع تمهيد لفان بيفر، تقديم جورج باتاي، منشورات الرياح الأربعة، 1، شارع غوزلين، باريس (VI).
(**)- الدراسة الحالية مترجمة من كتاب جورج باتاي، الأدب والشر من الصفحة 211 إلى الصفحة 222.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق