الأحد، 30 أكتوبر، 2016

مقدمـــة كتاب:غاستون باشلار مفاهيم النظرية الجمالية


بقلم الباحث المغربي : سعيد بوخليط


أصل بهذا العمل الحالي، إلى الحلقة الرابعة من اشتغالي على شعرية غاستون باشلار، والتي مثلما يعرف القارئ المطلع، فقد وضعت لاستراتيجيتي التنقيبية منذ الإصدار الأول تسمية "باشلاريات"، سعيت معها إلى سبر أغوار مختلف حيثيات مضامين، تجليات وممكنات، مشروع باشلار الأديب والناقد الجمالي، حينما توجهت قراءاته واستلهاماته إلى النصوص الأدبية والفنية.
لكن، ومع مُنجز كتاباتي الثلاث السابقة : غاستون باشلار :عقلانية حالمة (2002) (مراكش). غاستون باشلار : نحو أفق للحلم (2006) (الرباط). ثم، غاستون باشلار : بين ذكاء العلم وجمالية القصيدة (2009) (الرباط) أحس حقيقة في قيرورة نفسي، بأني لازلت بالكاد عند بداية عتبة التراث الباشلاري الهائل، وما هيأته لحد الآن يبقى مجرد مقدمات مفهومية قصد استيضاح معجم أطروحاته الكبرى. لكن في الآن ذاته، تتعرى بكثافة وضخامة مختلف الشعب والروافد المعرفية التي استثمرها النص الباشلاري، وهو ما يلزمني ويضع على عاتقي مسؤولية فتح أوراش متعددة تنصب محتوياتها على مختلف إطارات شعرية باشلار تاريخا، تحققا ثم أفقا، وهي ترسم لذاتها ثلاثة محاور مهمة للغاية، فيما يتعلق بالدراسات الأكاديمية المنصبة على نظرية الأدب، أقصد بذلك :
* المرتكزات الإبستمولوجية للنقد الأدبي، إبان القرن التاسع عشر مع تشكلات المنهج الوضعي.
* التطورات المعرفية التي شهدتها العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وبداية توضّح ملامح القطيعة مع الممكن  السابق. لقد حدثت مجموعة تغيرات مفهومية ومعرفية، مسّت الأدب واللغة والكتابة...، تزامنت مع ظهور التيار السوريالي عقب الحرب العالمية الأولى، حيث أزاحت بيانات أعلامه النقاب عن جوانب خفية غابرة جدا في أعماق الذات الإنسانية غير تجلياته المجتمعية والاقتصادية...، وبروز مكونات أخرى مثل : الجنون، الحلم ، اللاعقل، الهذيان، اللاوعي... أصبحت معها النصوص الجديدة لا تتحمل التوابث الأدبية التي سنّها رواد النقد الوضعي فترة القرن التاسع عشر. ينبغي في هذا الصدد، إعادة استيعاب معطيات اللحظة الجمالية لناقدين أدبيين بارزين هما : مارسيل ريمون وألبير بيغان. لقد، كتب الأول مؤلفه الشهير عن بودلير "من بودلير إلى السوريالية" (1933)، حيث تمرد عن التحديد السوسيوثقافي والسيري ل "دوستايل"، "سانت بوف"، "برونتيير"، "تين" و"لانسون"... من أجل تمثل  أكثر عمقا لتجربة الشاعر الباطنية، فأرسى  بهذا دعامة موقف نقدي أدبي مختلف كليا عن ما ساد مؤسساتيا. أما، الثاني فقد ابتغى فهم المبدع انطلاقا من الخيال الحُلمي، ثم جاء كتابه : "الروح الرومانسية والحلم" (1939) كي يقدم أرضية، مكّنت الشعرية الباشلارية من حقل دلالي مولّد.
* النماذج المنهجية لما بعد باشلار ، حيث نعثر على أغلب الأسماء اللامعة، التي أغنت وأثرت البحث الأدبي والجمالي بمفاهيم ومناهج تراوحت بين التعقد النظري وإجرائية المنهج، فارتقت بالأدب إلى رحابة ولا نهائية النفس الإنسانية. هكذا، ومنذ انعتاق المقاربة النصية من شرطية التوثيق "الاستعلاماتي" كما انتهى إليه أصحاب النزعة العلموية، تماهى الإبداع ثانية مع ذاته. بالتأكيد، يستحيل استيعاب وإدراك خريطة ما سمي بالنقد الأدبي الجديد دون تفكيك أوصال الجمالية الباشلارية، باعتبارها النواة الجينية لمختلف المتواليات القيمية التي جعلت من النص في ذاته ولذاته، مرجعية مطلقة.
نلاحظ إذن جسامة المهام، فكم يحتم الأمر من نشاط دؤوب ومتابعة دقيقة لمتن مفهومي ضخم ؟؟ يحيلنا أردنا أم أبينا على حقول معرفية متعددة ومتباينة، كي نحيط عن قرب بالتطورات النوعية التي عرفها تاريخ الشعريات الحديثة. يكفي، أن نستحضر مع تضمينات كتابات باشلار لرؤى تاريخ العلم والخيمياء والأسطورة والفلسفة والتاريخ والشعر والأدب والفلسفة والأنتروبولوجيا ...إلخ.
فلا شك، أن التأويل المفهومي للخطاب النقدي الحديث، ليس أمرا هينا، نظرا لتعدد مصادره ومرجعياته وكذا البعد الفلسفي العميق الذي هيكل جسده المعرفي. لقد أصبح بديهيا اليوم، الاعتراف بأن جل النقاد ولجوا بوّابة الأدب وهم يفكرون في الفلسفة. فالنزعة الإنسانية، التي كانت بعد كل شيء نواة تأويلاتهم، لا يمكن إلا أن نعثر لها على امتداد داخل طيات المذهب الفلسفي القديم منه والحديث.
بالتالي، إن التفكير في تأملات فيلسوف وأديب مثل باشلار ، لا يمكن أن تتأتى بالسهولة التي نعتقد، نظرا لخاصيات العمق والتعدد الدلالي، ثم تداخل مجموعة سياقات معرفية في قالب فكري واحد، صاغه باشلار وفق نموذج شعري جميل. ولعل أهم مؤشر، نلتقطه عند أول اتصال به رؤيته الحالمة للعالم وتآليفاته الكوسمولوجية، تأسست معها ممارسة جدية للذات الإنسانية وتبلور مساحة أخرى بينها والآخرية بكل تمظهراتها. فالأشياء التي لا نعتد بها في حياتنا اليومية، تضطلع هنا بتمظهرات زاخرة شعرا وجمالا، وتتجرد المادة عن مستواها الحسي المبتذل كي تكتسي إيحاءات لا متناهية.
هذه الروح الحداثية المميزة ل باشلار ، جعلت منه رائدا فكريا نموذجيا، جمع بين حقلين إنسانيين يتصفان طبيعيا بالاختلاف بل والتناقض، عبر إيجاد الحلقة التي ظلت مفقودة، والمعادلة الصعبة، بين التحقق المطلق للعقلانية الإنسانية (الرياضيات) ثم الشعر باعتباره أقصى لحظات الانسياب والانفلات.
إن التغيرات المعرفية الصميمية، والهزات المنهجية التي عرفتها ثوابت العلم الكلاسيكي، ألزمت الذات العالمة كي تتموضع بشكل آخر حيال الأشياء. لأن الحقائق لم تعد نفسها والمسلمات أفرزت وضعا مغايرا. إضافة، إلى أن جرائم حربين عالميتين أودت بآلاف الأرواح البشرية ونتجت عنها خسائر مادية، لا يمكنها إلا أن تدفع مفكرا من وزن وطينة باشلار كي يتحسس حدوسه وجوارحه، ممتحنا خلاصا لهاته البشرية التي أنهكها لهاثها وراء زيف اليومي، فأفقدها ذلك عقلها، لأن الإحساس بقيم الخير والجمال تلاشى واندثر، فكان لابد من تكريس قانون بديل عن الشرائع والمنظومات المتعارف عليها. وليس أفضل بهذا الخصوص من حكايات فيلسوف إنساني حتى النخاع.
كان عليّ منذ البداية الإيمان، بأن النتائج والخلاصات التي سأصل إليها مع الدراسة الحالية، أو ما تم مع "الباشلاريات" السابقة، ستبقى في نهاية المطاف مصحوبة بهاجس الخوف اتجاه كل أشكال البتر والتضليل، التي يمكن أن تتعرض لها نصوص واستشهادات قوية خرجت عن سياقها؟. فربما، موقعي  المعرفي و "السوسيوـ اقتصادي"، لا يسمحان بحديث منساب عن متن نقدي  بحجم الذي خلفه باشلار. إن ذلك، ليس تضخيما لموضوع الاشتغال ولا تبخيسا لقدارتي القرائية، لكنه واقع فعلي يجب تبيانه على الرغم من كل شيء.
إن معلوماتي البسيطة عن المنظورات الباشلارية، لم تكن تتجاوز ـ وبشكل مدرسي تعليمي ـ بعض الأوليات التي أمدتنا بها دروس الفلسفة بالثانوية، وكذا شذرات من هنا وهناك تهم أساسا فلسفته العلمية. أما، أن يكون للرجل متنا أدبيا ونقديا بهذا الحجم، وكونه مدخلا أصيلا لأجل استيعاب مسارات النقد الأدبي المعاصر، فذلك ما كنت أجهله. لقد سعيت إلى هذا العمل، وأنا متسلح مطلقا بعشقي بكل التأسيسات التي تنبني على فكر تساؤلي، يستهدف دائما في تحققاته إلى شيء ثان غير المكتمل والجاهز. بالتالي، المصاحبة الدائمة لكل نداءات حس المغامرة والمجازفة الذي يتربص بحواسنا، نكاية بمختلف توتاليتارية التنميط الفكري والاجتماعي.
حين نطلع على الأعمال التي أنجزها باشلار ، يتبيّن بالملموس أنه فهم لا تكتمل أنسجته إلا بحصر طبيعة العلاقة التي تتموضع على  ضوئها معطيات رئيسية أهمها :
1 ـ نظرية الخيال، والتي قلب بها جذريا التقليد الفكري الغربي، وحقق  بذلك نقلة أشبه بثورة كوبرنيكية. فدراسة الخيال في ذاته، دون السعي للبحث عن علل خارجية، ألّف لبنة محورية لكل الأفق الباشلاري.
2 ـ التأكيد على البعد الأولاني والحداثي للصورة الأدبية، كمعطى مباشر وفوري لهذا المنحى الجديد الذي اختاره الخيال الباشلاري.
3 ـ نظرية الشعر والشاعرية.
4 ـ منظومة الميكانيزمات الجمالية، التي منحت باشلار قدرة فكرية حولت العناصر الكوسمولوجية الأربعة إلى روائز حالمة.
5 ـ لحظية الزمان، ذلك أنه بعد تأمل طويل في النتائج الجديدة التي أتى بها العلم، وتغيرات دلالات الزمان في الفيزياء المعاصرة، إضافة إلى صداقة حميمية مع غاستون روبنل والذي شكل كتابه "Siloë" بالنسبة ل باشلار ، ما حدث  لدى مالبرانش حين مصادفته لعمل  ديكارت : Traité de  l'homme)). قلت، بأنهما مصدران كي يكتشف باشلار في العالم انفصالية موضوعية وانحصار حقيقة الزمان في اللحظة. هذا البعد  الميتافيزيقي والأنطولوجي، يحرض على تفاعل مستمر للذات الإنسانية مع الأشياء في أفق تذويت العالم، يؤدي إلى زمانية متوترة.
إذا، أقام باشلار مدرسة أدبية، أغنت كل التجارب الشعرية التي جاءت بعده أو ما سمي اختصارا بالنقد الأدبي الجديد الذي توزعته البنيوية والموضوعاتية، ثم ساد مخلية أهم الأسماء النقدية في القرن العشرين، نذكر منهم : بولي، بارت، روسي، جون بيير ريشار، غولدمان، شارل مورون، ستاروبنسكي، غريماس، جينيت... . بعد أن تغيّا فقط متعة القراءة والتلذذ الحُلمي بالنصوص الأدبية، وجد نفسه دون أدنى تدبير قبلي أستاذا كبيرا للأدب، مثلما كان فيلسوفا وعالما مجددا لبنية التفكير العلمي. تداخل لديه عشق جامح للرياضيات والشعر، لسبب بسيط يكمن في أنه لا يمكننا فهم "ذرة الفيزياء المعاصرة بغير استحضار تاريخ مجموع صورها"، بالتالي ستمنحنا حتما نصوص الشعراء الآفاق المحتملة كي نلج هندسات أعقد النظريات العلمية، حيث يصعب بأية وجهة من الوجهات القيام بفصل معرفي بين بودلير وإينشتاين، لأن صور الأول تخلق لنا مناخا لاستيعاب معادلات الثاني.
صاحَب باشلار القصيدة الأصلية والفتية، فأمسك لها بمطلقها الذاتي،  كما أبرز للعلم فلسفته الانفتاحية القادرة على التقاط روحه ومنهجه، مما قاده إلى رفض الإبستمولوجية الديكارتية، وقطعه جذريا مع البناء الكلاسيكي، اختلاف بسيكلوجي وميتودولوجي : ((تتأسس عقلانيته تدريجيا ودون فكرة متصورة سلفا، انطلاقا من التجربة العلمية أي ممارسة  العلم وكذا التاريخ النقدي، بينما تظهر عقلانيتهم منذ البداية مثل هندسة للمفاهيم منغلقة على ذاتها ومنظومة أولية تفحص انطلاقا  منها المعطيات والوقائع))(1). هذا التدبير الدينامي، كما أرادت الصياغة المبتكرة، التأكيد عليه، جاء متماثلا مع الوازع الشاعري الذي لازم روح البحث الباشلاري سواء في العلم أو الشعر، وكذا الفلسفة اللحظية والفورية باعتبارها فكرة نظم بها باشلار ، ما يمكن تسميته ب (("قضية العلم"، بالمعنى الذي تبقى فيه المعرفة تماما غير مكتملة ومفتوحة، تنتج لحظات مميزة. يتصل العقل ب "الخيال المبدع" وتتعاقب المادية العقلانية مع "العقلانية المطبّقة". هذا،  ينمّي، ما قد نسميه ب "حقيقة الخطأ" أو أيضا مع باشلار "القاعدة البسيكولوجية للثنائية القطبية للأخطاء"))(2).
تملصت إبستمولوجية باشلار الحالمة، من أنساق الفيلسوف التقليدي، لا تنطلق من أحكام جاهزة بل تلتصق  بالمباشر، حيث ارتكاز أجهزتها المفهومية على فلسفة "مفتوحة" : ((وعي فكر يتأسس، وهو يشتغل في المجهول. إنها متيقظة لجديد مختلف شعب النشاط العلمي، أو أفضل كذلك كما كتب باشلار : بخصوص كل مفهوم تُطرح المهام الدقيقة لفلسفة العلوم ))(3). وفيما يتعلق بشعرية الأدب، فقد طور منهجا ظاهراتيا، يحافظ للصورة الأدبية عن ماهيتها الذاتية وفتوتها الآنية، فأعطانا طراز ناقد أدبي حالم. عاشق، مفتون بجمال الإبداع.
استعرض باشلار أسلوب قراءة محايثة، تقف على اللحظات الواعية لإنتاج النص، وقد تحول إلى دال لا نهائي يكتسي مع كل قراءة حقيقة مختلفة. ففي إطار تأكيده على :
ـ ضرورة تبني فلسفة بديلة للخيال، تدرسه في ذاته، دون الإحالة على منظومة رمزية خارجية.
ـ الدفاع عن أولانية الصورة وقيمتها الحداثية.
ـ تركيزه على المكونات الباطنية للنص، وهو يحلل العناصر الكوسمولوجية الأربعة تبعا لتغيرات الصورة الدينامية.
قلت، بذلك انتقل الناقد الأدبي مع باشلار ، من مجرد قارئ عادي يتوخى حقيقة موضوعية إلى مبدع ثان، وعلى منواله سيتعامل أغلب النقاد مع النص باعتباره أولا وأخيرا حقيقة حُلمية. لكن، مع ذلك، تبقى الصعوبة المنهجية قائمة، إذا حاولت جازما موضعة باشلار ، ضمن خانة نقدية وأدبية معينة، لأنه  ببساطة  كثيرا ما يتداخل لديه المفهوم بالحلم، وهو يحاول أن يبرز عبر شاعريته الطابع النوعي لكل صورة. أمر، سيتضح جليا حين تبنيه الأسلوب الظاهراتي، بهدف التماهي مع وعي المبدع.
أصبح الاهتمام بالأدب والقصيدة، مختلفا عن إطارهما الكلاسيكي، فلا يمكن آنيا فهم  المتخيل إلا بمتخيل مثله. ينصهر الفكران الشاعري والمفهومي، فتحققت معهما النواة التأويلية للناقد الجديد.
لقد استندت الظاهراتية على مركز للوعي ونقطة شعور، متشبعة بكوجيطو باشلاري يشبه كوجيطو روسو، ويقطع مع الكوجيطو الديكارتي. التموضع عند المنظور الأنطولوجي للذات المتخيلة يفرض بالضرورة إعادة بناء منطلق الصورة التي احتمت  بحقيقتها الخاصة.
الحميمية، الألفة والعشق...، وحدها منظورات، تتسامى بالناقد الأدبي إلى العمق الإبداعي للمبدع وتلمُّس الوعي المتخيل الذي تحدث عنه باشلار.
فالصورة الشعرية وعي "ساذج" و"لغة فتية"، بالتالي تجيز لنا الظاهراتية الباشلارية، احتمال التقاط حياة الصورة لحظة ولادتها، انسجاما مع معطياتها الذاتية وكذا تأملها انطلاقا من نشأتها، ولأنها كذلك، فهي بغير حاجة إلى معرفة يقينية.
انتشاء دائم، بقراءة نقدية حالمة، تتجاوز مستويات التنظير والتقعيد، كي تعانق مجددا لحظة المبدع الأولانية. تنهار، مختلف المسافات بين القارئ/الناقد والنص/ الكتابة، مع الارتقاء إلى مصدر الوعي. يطوي كل إبداع، وعيا مكثفا وبؤرة جوهرية وكذا قصدية أساسية مما يفرض إعادة تأمل حمولته في أبعادها  الحالمة، نظرا لتعدد المعاني حسب الرؤى والمقاربات النقدية. فالأدب، أكبر من أي ضبط منهجي ونظري.
إن مفاهيم مثل العفوية، الحداثة، السذاجة، الحرية، التجربة، إعادة التخيل، المعايشة الجديدة...، صاغت قاموسا باشلاريا استثنائيا كي يعبر عن مبادئ الإبداع الفني والأدبي، ولاسيما الشعر. تراهن ظاهراتيته على الوعي والتأمل الذاتيين في مقاربة العالم من أجل الحفاظ على أصالة صورة تنتج باستمرار ذاتها وتستبقي إلى اللانهائي شبابها. تحاور في كل آن المتلقي، الذي ارتقى إلى مكان الشاعر نفسه. تخلق سبل الانتقال من موقع ذات سلبية نحو انحلال مطلق بين ثنايا العملية الإبداعية.
انتقد باشلار ، التحليل النفسي لأنه اختزل الصورة  إلى رمزية وتأويلات علية، من تم فهي مجرد راسب لإدراكات قديمة تنبعث بطريقة ما في الذاكرة. ليس المطلوب فهم الصورة، لكن اقتفاء آثار ولادتها، بحيث نتبينها في كنهها بغير مسخها إلى لغة بديلة. تتمرد الصورة، على منطق الزمان العادي، كما أنها لا تمتلك ماضيا أنطولوجيا أو معرفيا مكتملا. فالأهم، إرهاف الحسّ لرنينها ودويها باعتبارها بدءا مطلقا ومماهاة فضائها بحدوس الحالة الوجدانية التي وصفها باشلار بتقمص حالة المبدع.
يتبنى الظاهراتي، وعيا ملهما، ديناميا، يحاكي به خيال الشاعر كي يصير بوسعه امتلاك ناصية صورة، تثير لديه شعورا بأنه كان الأولى به خلقها. لذا، يحقق الظاهراتي والشاعر، المهمة عينها، بحيث لا يختلفان إلا في درجات الإبداعية التي يستلهمها كل واحد منهما، وليس هناك أكثر من وصف السذاجة بوسعه تبرير هذا الانقياد المشاعري والسخاء الوجداني اتجاه الصورة الشعرية، قصد استثمار ما تزخر به من جدة وحداثه. وقد وقفت بتفصيل في مبحث "الظاهراتية الباشلارية أو حيوات الصورة الشعرية"، عند أهم ما جاء بهذا الصدد، من خلال توضيح لأهم بناءات ظاهرية باشلار مفهوما وسندا. كما، أشرت إلى الخطاطة الجوهرية لكتابيه التطبيقيين والتجريبيين لظاهراتيته، أقصد بذلك : شاعرية المكان (1957) وشاعرية حلم  اليقظة (1960).
بناء على مثول الصورة أمام الوعي، ديمومة أولانيتها، صيرورة  الوعي وكيفيات اشتغاله، ملاقاة الصورة بنوع من الصفاء، تحيين عملية الوعي، اقتسام التخّيل، تجاوز منطق التفضيلات، التماهي مع الصورة ككائن لغوي مغاير، العودة اللانهائية إلى الذات...، هكذا تستوطن الصورة الشعرية جوانيتنا، وتغرينا بأن نكون شعراء حين قراءتنا للشعر... .
صورة شعرية وخيال كوني، بدا معهما الوجود" فاكهة" هائلة، موضوع  اشتهاء يخلق نزوات واعية ولا واعية، ثم تجاوز التحديد الشوبنهاوري للعالم باعتباره تمثلا وتصورا إلى تحقق يخلق ألفة مع الذات. لقد قطعت المكونات الكوسمولوجية الباشلارية مع الحتمية المادية الفيزيائية كي تموضع أخرى حُلمية، فأقر متنه الجمالي التعامل جذريا مع حيز العناصر الكونية.
بهدف إيجاد معايير تحكم الخيال، وضع باشلار استراتيجية للعالم قياسا للعناصر الكونية الأربعة : الماء، النار، الأرض والهواء. كمحددات لأنماط الخيال، وربط الأدباء والشعراء بواحد من هذه العناصر. لذا، استقرأ باشلار بنيتها عبر تجليات المتون الإبداعية، مستعينا أيضا بحقول معرفية متعددة كالخيمياء، الأساطير والرواية...، غير أن الإدراك الجيد لنصوص الجمالية الباشلارية، قد يحصرها في الميادين التالية، من خلال السياق المنهجي الذي قامت عليه العناصر الأربعة :
1 ـ النار ß العلم، الأسطورة، الخيمياء.
2 ـ الماء ß الأسطورة، الشعر، الأدب.
3 ـ الأرض ß الخيمياء، الأدب.
4 ـ الهواء ß الشعر، الأدب.
بمعنى ثان، إن باشلار وهو يهدف إلى مقاربة كل مكون كوسمولوجي وملامسة انبثاقاته الجمالية والشاعرية، سيؤرجح مجالا مقابلا آخر سواء لاستقاء النصوص التدليلية بغية صياغة وجهة نظره، أو لأن هذا العنصر وذاك يجد مجاله التعبيري مع عامل دون غيره. احتمالات الأرض مثلا، لا يمكنها العثور على قلب وقالب، إلا في قوانين الخيمياء التي تنهض وتقوم على مبدأ تحول المعادن. هذه اللعبة، التي ستشكل أساس وكنه شاعرية الأحلام الأرضية. أما الهواء، فنتماهى معه حتما بنصوص شعرية قوية لمبدعين كبار، تجسد بامتياز هذا الحلم في العلو والتجاوز. في حين تتأرجح النار بين العلم ـ مادامت قادت إلى الكهرباء ـ الأسطورة والخيمياء، بينما، الماء في التصاقه أكثر بحدّي الحياة والموت يظل تيمة شعرية جد خلاقة... .
تتجلى الصورة، نتيجة ارتباط الخيال الذاتي بعنصر من العناصر، بحيث تعمل هاته الأخيرة على تجلية العلة المادية للصورة، فجوهر المادة يبرر شكلها الجمالي.
نموذج الخيال الكوني الباشلاري، وظيفة اللاواقع، وخلق لشاعرية مادة، استنبطها من وثائق الشعراء والأدباء ثم المضامين الحُلمية التي وفرتها أبحاثه الإبستمولوجية وكذا الصور المحبوبة بعشق، فجاءت نظريته العناصر الأربعة، ومعها دواعي إقامة فيزياء للخيال.
تلكم إذن، توطئة سريعة لأهم لبنات الجمالية الباشلارية التي توخيت فهم مبرراتها على امتداد صفحات هذا العمل.
هوامـــش :
1 – Jean Claude Margolin : Bachelard, écrivains de toujours, seuil 1977, Page 66/67.
2 – Collectif : Gaston Bachelard, l'homme du Poème et du Théorème, colloque du centenaire . Dijon, EUD 1984, Page 177.
3 – Jean Claude Margolin : Bachelard, op.cit, page 77.





في محاورة إيونيل بوز: رئيس مركز "ميرسيا إلياد"


حاوره الباحث المغربي : سعيد بوخليط


حصل الباحث الروماني''ايونيل بوز'' على الميتريز في الفلسفة من جامعة بوخاريست سنة 1984 بميزة حسن جدا، ثم دبلوم الدراسات المعمقة في "فلسفة الوجود" من جامعة بورغون "بمدينة ديجون Dijon الفرنسية-البلدة الأصيلة لولادة غاستون باشلار- بموضوع تناول:"أشكال المُتخيل في النثر العجائبي لميرسيا إلياد"، ثم حصل على الدكتوراه بميزة مشرف جدا سنة 1999 من جامعة بوخاريست، حيث تناول "رمزية الجنيات في الحكايات الرومانية". وفي عام 2000، حاز على دكتوراه أخرى من جامعة بورغون بديجون تحت إشراف الأستاذ:"J.J. Wunenburger"، بأطروحة سعت إلى الوقوف على حضور: "الأساطير والرموز في النثر العجائبي لميرسيا إلياد". يشتغل الآن كأستاذ محاضر للفلسفة بجامعة "Graïvoa" الرومانية، كما أنه مدير لمركز "ميرسيا إلياد " للأبحاث في المتخيل والعقلانية التابع لنفس الجامعة، عضو اتحاد كتاب رومانيا وكذا جمعية أصدقاء غاستون باشلار.
تأسس مركز " ميرسيا إلياد " للأبحاث في المتخيل والعقلانية يوم 4 نونبر 1998 بجامعة "Graïvoa". وهو هيئة متعددة الاختصاصات، تنظم مجموعة من الحلقات الدراسية والندوات حول المتخيل والعقلانية وحول قضايا الإبداع وكذا كيفية تلقي الأعمال الفلسفية والفنية والعلمية، يقيم علاقة أساسها التعاون العلمي مع مركز "غاستون باشلار " التابع لجامعة "ديجون". أما الباحثون فإنهم ينتمون إلى مجموعة من الحقول والتخصصات النظرية ك:الفلسفة والقانون والتاريخ والأدب... .
كباحث باشلاري، وانطلاقا من الأبحاث والدراسات التي يشرف عليها المركز، وجهنا بعض الأسئلة إلى الأستاذ: "إيونيل بوز".
س: كيف اكتشفتم فكر غاستون باشلار؟
ج: كان ذلك في السنوات الأخيرة من دراستي للفلسفة في كلية الفلسفة ببوخاريست (1983-1984). بعد انهيار النظام التوتاليتاري الشيوعي، كانت لي إمكانية مواصلة أبحاثي بفرنسا حيث هيأت دبلوم الدراسات المعمقة سنة 1994-1995 ثم دكتوراه ما بين 1996-2000 حول المفكر ميرسيا إلياد "في جامعة بورغون بديجون، حيث وقفت بشكل فعلي على الدعوة الثنائية لفلسفة غاستون باشلار: فلسفة العلم وفلسفة الخيال. وقد كتبت مقالة بالرومانية سنة 1995، للحديث عن راهنية غاستون باشلار. وفي 1998 شاركت في الندوة الدولية:"باشلار في العالم" التي نظمتها جامعة بورغون ، بورقة تناولت موضوع الأبحاث الباشلارية في رومانيا. وقد تعرفت بهذه المناسبة على مجموعة من الباحثين المتخصصين في فكر باشلار. أحد عوامل بحثي في فكر هذا الفيلسوف الكبير، كونه أحد الآباء المؤسسين لمفهوم المتخيل إلى جانب: غوستاف يونغ / جيلبير دوران / ميرسيا إلياد / هنري كوربان .... وأقدم اليوم دروسا في فلسفة المتخيل بجامعة "Craïvoa".
س: كيف جاءتكم فكرة الانخراط في جمعية أصدقاء غاستون باشلار؟
ج: قبلت الاقتراح، بناء على دعوة من السيد ليبيس J.Libis رئيس الجمعية بأن أنضم إليها عام 2000. وقد قمنا في رومانيا بإصدار عمله "الماء والموت" والمُستلهم من كتابات وأفكار باشلار.
س: ما هو الجانب الذي أثار انتباهكم أكثر في المشروع الباشلاري: الإبستمولوجية أم الشعرية؟  
ج: ما أثارني أكثر في المشروع هو الجانب "الليلي" في فلسفة باشلار، من خلال اهتماماتي بكل ما يتعلق باشتغالات الفكر الرمزي. لقد أعطاني باشلار  الفرصة للقيام بأبحاث منهجية حول الصورة والمتخيل والخيال. كما أن الأستاذ: J.J.Wunenberger الذي أشرف على أطروحتي ب"ديجون Dijon" ، بيّن لي جيدا هذه المسار سنة 1992، وقد ترجمت إلى الرومانية عمله "حياة الصور" سنة 1998.
س: بالتأكيد هناك صلة توحد مشروع باشلار ، يقوم على أساس واحد هو الخيال، ماذا تعتقدون؟
ج: نعرف جيدا أنه بالنسبة لباشلار، فإن محوري الفكر الإنساني (العلم والشعرية) ليس متباعدان حتى ولو لم يكن لهم نفس الأصل. أعتقد بأن الفكر يحافظ دائما على بعد رمزي ومنطقة لمتخيل أسميه مجازيا منطق الفارماكون "Pharmakon ". لا يتعلق الأمر بمنطق أرسطي للثالث المرفوع ولكن بمنطق للرمز حيث المتعارضان متكاملان، هذا التكامل ينطوي على منطق للثالث المتضمن.
س: منطق الفارماكون؟ نريد معرفة السياق أكثر؟
ج: أستحضر هنا مجموعة من الكتابات والدراسات والأبحاث وكذا التعليقات، وقد صدرت في مجموعة من المجلات سواء هنا برومانيا أو في الخارج. والبعض منها تم تقديمه في ندوات دولية وذلك لمقاربة موضوع العلاقة بين الخيال والعقلانية في إطار سياق ونموذج الثقافة والحضارة المعاصرتين. وجزء من كل ذلك، له خاصية عامة تحيل على المؤسسين وكذا الباحثين اللذين تابعوا أنثروبولوجيا المُتخيل:باشلار ميرسيا الياد، غوستاف يونغ، جيلبير دوران، هنري كوربان، جان جاك يونوبورجر، جان ليبيس. بينما يتشكل القسم الآخر، من دراسات متعددة وتطبيقات على المتخيل الثقافي والسياسي. هدف العمل، توضيح أهمية الفكر الرمزي وعلاقته التضمنية داخل تعددية الفكر المعاصر.
س: بشكل عام كيف تقيمون وضع باشلار داخل الفكر المعاصر؟
ج: أظن بأن فلسفة باشلار تمثل اليوم جزءا من نموذج ما بعد-حداثي "لفكر مخفف" حيث يلعب المُتخيل ومنطقه الفارماكوني دورا جوهريا، بالنسبة للعالم المعاصر. 


السبت، 29 أكتوبر، 2016

التجديد في الشعر بقلم : طه حسين



لم نفرغ بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية والفصحى وما يتصل بها من هذه الواقعية التي يعتذر بها أصحابها عن الكسل والقصور؛ الكسل الذي يحول دون القراءة والتفقه، وإتقان أداة التعبير والتصوير، والأخذ بأسباب الأدب الرفيع، فلم نكد ندعو كُتَّابنا من الشباب إلى أنْ يعرفوا لأنفسهم حقها في الجد والأناة والبحث والدرس والاستقصاء والإتقان، والارتفاع إلى ما يليق بهم وبوطنهم، وبما ينبغي له من أدب رفيع ممتاز، مُنزَّهٍ من الابتذال، مبرَّأٍ من هذا السخف الكثير الذي يشيع فيه، حتى ثار ثائرهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فجحدوا كل حق، وأنكروا كل عارفة، وتلقونا وتلقوا غيرنا من الذين لم يعرضوا لهم ولم يفكروا فيهم بما استطاعوا من ألوان المَساءة وضُروب الأذى، وقال قائلهم: إننا قد انحرفنا عن المصرية، وجهلنا حق وطننا علينا، والتمسنا أدبنا في بطون الكتب وأعماق العصور التي انقضى عهدها، والتي لا تمس المصرية الحديثة من قُرب أو بُعدٍ. ولهم الشكر مع ذلك على أنهم عرفوا لكاتب مثلي أنه أصدر كتاب الأيام، فكان فيه مصريًّا، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أنْ انحرف عن هذه المصرية إلى بطون الأسفار وأعماق الكتب يلتمس فيها أدبًا لا يغني عن المصريين شيئًا، كأن الذي أصدر كتاب الأيام لم يصدر كتبًا أخرى غيره تصور الحياة المصرية على اختلاف ألوانها وطبقات أصحابها، وكأنه لم ينفق حياته مُعلِّمًا لأجيال من المصريين يثقف عقولهم، ويفتح لهم أبوابًا إلى التفكير الحر المستقيم، وكأنه لم ينفق حياته كاتبًا للأحاديث التي تحصى بالألوف الكثيرة عن صميم الحياة المصرية ومظاهرها المختلفة من أدب ودين، ومن سياسة واجتماع، وكأن زملاءه الذين نالتهم مثل ما ناله من القذف بالانحراف عن المصرية لم يصنعوا صنيعه، ولم يتركوا آثارًا مثل آثاره أو خيرًا منها.

وأطرف ما في الأمر أنَّ هؤلاء السادة لا يريدون بشيوخهم شرًّا، ولا يعمدون إليهم بأذًى، وإنما جهلوا وسائل التعبير الصحيح الدقيق فآذوا شيوخهم من حيث لا يريدون، وأطلقوا ألسنتهم وأقلامهم فأرسلت كلامًا يقال في غير طائل، ولا يصور ما في قلوبهم، ولا يُعرب عن ذات نفوسهم، وإنما هي ألفاظ يقولونها ويكتبونها ولا يحققونها؛ لأنهم لا يعرفون لغتهم، ولا يحسنون تصريفها فيما يريدون إليه من القول، فما ينبغي أنْ نلومهم، ولا أنْ نعتب عليهم، ولا أنْ نأخذهم بما انطلقت به ألسنة جائرة عن القصد، وما جرت به أقلام منحرفة لا عن المصرية، بل عن الأدب الجدير بأن يسمى أدبًا، وننصح لهم مُلحِّين في النصح أنْ يحسنوا العلم بالكلام قبل أنْ يتكلموا، وبالكتابة قبل أنْ يكتبوا، وبالأدب قبل أنْ يخوضوا فيه.

لم نفرع بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية الواقعية هذه الجديدة، حتى أثيرت لنا مشكلة جديدة خليقة حقًّا بأن نفكر فيها ونطيل الوقوف عندها، ونقول فيها كلمة الحق؛ وهي مشكلة الشعر المنثور أو النثر — المشعور — كما يقول شاعرنا الكبير عزيز أباظة.

ففي الشباب العربي نزعة إلى التحرر من قيود الشعر العربي الموروث، هم لا يريدون أنْ يقيدوا شعرهم بالقافية، يمضي بعضهم في ذلك إلى أبعد الحدود، فيُلغي القافية إلغاء، ويقتصد بعضهم فيحتفظ بشيء من تقفية، ولكن في حدود اليسر والإسماح، وهم يريدون أنْ يتحرروا من قيود الوزن التقليدي الذي تركه لنا العرب القدماء، ويذهبون في هذا التحرر مذهبهم في شأن القافية؛ يغلو بعضهم فيرسل الكلام إرسالًا يطلقه من كل قيد لفظي، ويقصد بعضهم الآخر فيقيد كلامه في أوزان خاصة يراها ملائمة، لما يضطرب في نفسه من العواطف والأهواء والميول. وهذا كله لا يرضي شاعرنا الكبير عزيز أباظة فيما نشرت عنه الجمهورية منذ يومين، وفيما كتب هو حين قدَّم لبعض الدواوين.

والأستاذ عزيز أباظة حريص على أنْ يكون محافظًا في الشعر، معتزًّا بهذه المحافظة، يرى الخروج عليها انحلالًا وإفسادًا للفن، ويسأل الخارجين على هذه المحافظة: ما بالهم لا يتحررون من قواعد النحو كما تحرروا من قواعد الوزن والقافية؟! ولشاعرنا الكبير حقه الكامل في أنْ يكون محافظًا، وفي أنْ يلزم طريقة شوقي والذين قلدهم شوقي من القدماء، لا ينبغي لأحد أنْ ينازعه في شيء من ذلك.

ولكن لغيره — فيما أظن — الحق الكامل كذلك في أنْ يذهبوا في الشعرِ المذاهبَ التي تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صورت فيها نفوسهم، لا غرابة في ذلك ولا خطر فيه؛ فليس الشعر تقليدًا، وليس الشعر توقيعًا، وإنما الشعر صدى للقلوب والنفوس والطبائع جميعًا، يصدر عنها كما هي لا كما نحب لها أنْ تكون، وليس على أحد حرج من التجديد في الشعر أوزانه وقوافيه. وقد جدد القدماء من العرب في شعرهم؛ فابتكروا في الإسلام أوزانًا لم تكن في العصر الجاهلي، وابتكروا في العصور المتأخرة أوزانًا لم تكن في الشعر الإسلامي الأول، وصنعوا بالقافية مثل ما صنعوا بالوزن.

عرفوا ألوانًا من الموسيقى لم يعرفها قدماء العرب، وعرفوا فنونًا من الغناء لم يعرفها قدماء العرب أيضًا، فلاءموا بين شعرهم وبين ما عرفوا من ألوان الموسيقى والغناء.

وأتيحت لهم حضارة جديدة أثارت في نفوسهم عواطف وأهواء جديدة، بل غيَّرت طبائعهم وأمزجتهم تغييرًا، فلاءموا بين هذا كله وبين ما أنشئوا من الشعر، لم يكن عليهم في ذلك حرج ولا جناح، وإنما كان ذلك ملائمًا لطبيعة الأشياء. فتقصير الأوزان الطوال، وابتكار أوزان جديدة، والمزاوجة بين القوافي، والمخالفة بينها أحيانًا، كل هذه أمور عرفها القدماء ولم ينكرها عليهم أحد إلا أنْ يكون بعض المسرفين على أنفسهم وعلى الناس. وفي بعض العصور الإسلامية يتنافس الشعراء والكُتَّاب، وعدا بعضهم على فنون بعض؛ فنظم الشعراء نثر الكُتَّاب، ونثر الكُتَّاب نظم الشعراء، وهجم بعض الكُتَّاب على فنون من القول كانت مقصورة على الشعر في الزمان الأول، فتفوقوا فيها على الشعراء أحيانًا، كما فعل الجاحظ حين عدا على فن الهجاء فبلغ فيه بكتاب التربيع والتدوير ما لم يبلغه شاعر من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. وذهب بعض الشعراء بشعرهم مذهب الكُتَّاب في التفصيل والتحليل والتطويل، كما صنع ابن الرومي في بعض شعره، وفي فن العتاب خاصة.

جدد الشعراء في أوزان الشعر وقوافيه كما جددوا في صوره ومعانيه، ملائمين بذلك بين شعرهم وحضارتهم وما كان لهم من أمزجة جديدة ومن طبيعة جديدة أيضًا، وضاق بذلك بعض المحافظين فلم يصنعوا شيئًا، ولم يصدوهم عن التجديد. وقد لعب شعراء المغرب العربي بأوزان الشعر وقوافيه ما شاء لهم اللعب؛ فاستحبَّ الناس — وما زالوا يَستحبُّون — لعبهم ذاك. وما أظن شاعرنا الكبير عزيز أباظة ينكر الموشحات، أو يأبى عليها إن دعته إليها طبيعته في بعض الظروف؛ ذلك أنَّ الشعر — كما قلت — صدى لعواطف القلب وأهواء النفس، أو هو صوت العقول، كما كان أبو تمام يقول. والأصل في الفن حرية خالصة من جهة، وقيود ثقال من جهة أخرى.

حرية في التعبير وطرائقه وما يُبتكر فيه من الصور والمعاني، وقيود يفرضها صاحب الفن على نفسه في مذاهب الأداء يلتزمها هو، ولا يُلزمه إيَّاها أحد غيره. وقد عرفت الإنسانية شعرًا رائعًا خالدًا ولم يعرف القافية؛ لأنها لم تلائم طبعه ولا لغته ولا بيئته.

لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية، ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية، وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيين من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يُزْرِ ذلك بشعر المُجيدين منهم.

فليس على شبابنا من الشعراء بأسٌ — فيما أرى — من أنْ يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يُطلب إليهم في هذه الحرية إلا أنْ يكونوا صادقين غير متكلفين، وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أو ذاك، ومبدعين فيما ينشئون غير مُسفِّين إلى سخف القول وما لا غناء فيه.

فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنَّا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به؛ لأننا سنجد فيه ريًّا من ظمأ، وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقًا، فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر! وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الأدبي الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال!

(*) جريدة الجمهورية 29 أبريل 1956.
(*) المصدر موقع هنداوي 

الجمعة، 28 أكتوبر، 2016

طه حسين :مشروع حضاري لم يكتمل !

بقلم الباحث المغربي :سعيد بوخليط


حينما نتحدث عن التراث النقدي لدى طه حسين، فإننا نموقع النقد العربي، ضمن لحظة فكرية، كان يبحث فيها عن مشروع متكامل يغطي كل الحقول المعرفية، بحيث يمثل طه حسين، أول رمز فكري تبنى مفهوما كهذا، موظفا في سبيل ذلك آخر النظريات النقدية،المتداولة خلال عصره. هذه النظرية، التي حاول بها قراءة مجموعة من التجليات المعرفية العربية، تنتمي في مجملها إلى التراث العربي. ولعل، محاولته المهمة في مقاربة الأدب الجاهلي، تدخل في نفس السياق الفكري، بل أهم محطاته النظرية. ذلك أن ما وصل إليه من نتائج تشكل  ثورة  مفهومية ونظرية في مسار النقد العربي.
إن ما قام به طه حسين، لم يكن من الممكن ولوجه، لو لم يستند على حس نقدي عميق، وعلى وعي حضاري كبير بضرورة إعطاء محفزات تاريخية للذات العربية تخرجها من مقولاتها التأطيرية الجافة، التي أضحت مفاهيم دوغماطيقية تكبح اندفاعة هذه الذات. وظلت ملامح المشروع النقدي عند طه حسين، غير مكتملة بل تم وأدها في المهد نظرا لمجموعة من العوامل، عملنا على توضيحها سابقا.
 ولعل من أكبر الأسانيد التي حكمت المنهج النقدي عند طه حسين، تأثره وتشبعه بروح القراءات الغربية، لاسيما الممارسة النقدية الفرنسية، ولعل  أشهر الأشياء، كذلك التي وسم بها النقاد العرب طه حسين، في دراساتهم لنصه هو التأكيد على حضور المنهج الديكارتي، الذي ينطلق من مقولة الشك والارتياب، من أجل  الوصول إلى اليقين. وإن كان البعض يعتقد، أن منهج الشك لم يأخذه طه حسين من عقلانية ديكارت، إنما يستمد مقوماته المفهومية من التراث العربي : ((ذلك لأن وجوب الشك قبل الاعتقاد منهج من أقوم مناهجها الأصلية في التفكير والبحث. فالجاحظ قبل ديكارت بسبعة قرون قد اهتدى إليه وآمن به  ودافع عنه، وجعله منهجا من ألزم مناهجه في التفكير، ووسيلة من أهم وسائله للوصول إلى درجة من اليقين العلمي، فهو يشك ويدعو إلى الشك، وللشك عنده حالات موجبة لابد أن يفطن إليها الإنسان حتى يشك في مواضع الشك نفسه)) (1). هذا المنهج، إذن سواء استعاره من عقلانية القرن 17، أو انحدر من  التراث العربي،  كان الفهم، الذي حاول من خلاله قراءة الأدب العربي قراءة تاريخية و  تطورية، يقول : (أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه "ديكارت" للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل  موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما، والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم  ظهر، قد كان من أخصب المناهج وأقواها وأحسنها أثرا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديدا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر) (2).
طبيعة هذا المنهج في رأي طه حسين تخول للناقد  العربي، دراسة تاريخه الأدبي، بذهنية خالية من أي معطيات سابقة عن الموضوع، والتجرد خاصة من المشاعر والعواطف القومية، وكذا الإحساس الديني : (إذا لم ننس هذه العواطف وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائمها. وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد) (3).
اعتبر طه حسين، المشاعر التي تحدد أفقنا النظري، اتجاه تراثنا الأدبي بمثابة "أغلال"، تكبح التحرك الحر والطبيعي، للذات العربية في اشتغالها على تراثها الأدبي، خاصة وأن هذه الذات  تنظر إلى تراثها الأدبي،  برؤية  دوغماطيقية تحكمها نزعة تقديسية، تجعل من الصعب اختراق هذا النسيج الفكري بحس علمي موضوعي بفكر مختلف مع ذاته، يتعامل مع الحقائق باعتبارها تحققات تاريخية مرتبطة بسياق ثقافي معين، وبمعطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية.


تطبيق  طه حسين لمنهجه التشكيك، أفضى به نحو الخلاصات النظرية التي شكلت قطيعة منهجية، معرفية مع طبيعة الرؤية، التي تحكم الذات العربية في موقفها من  التراث الجاهلي، أو بعبارة أخرى أن تأويلاته خلخلت المعهود والمألوف، هكذا يمكن لنا مثلا في هذا السياق، الوقوف على بعض تصورات طه حسين بخصوص الشعر الجاهلي :
 (أ ـ لا يعكس  الحياة الدينية الجاهلية.
ب ـ لا يعكس الحياة الاقتصادية الجاهلية.
ج ـ يرينا الأخلاق على غير ما هي عليه في القرآن.
د ـ لا يتحدث عن البحر الذي كان يحيط بالجزيرة العربية. وباختصار أن الأدب الجاهلي لا يعكس الحياة الجاهلية بصدق على نحو ما يعكس شعر عمر بن ربيعة، وشعر أبي نواس وكتابات الجاحظ عصور هؤلاء الشعراء والكتاب) (4).
هذه التصورات، تأسست بالإضافة إلى الروح الديكارتية على روافد معرفية أخرى، تتمثل مثلا في قراءة أساتذة  طه حسين المستشرقين للشعر الجاهلي، والمنهج اللغوي الذي طبقوه عليه، ثم تأثره بمنهج "تاريخ الأدب الإغريقي" للأخوة "كروازيت"، بالإضافة إلى قناعته المعرفية بالتصورات المنهجية لعلم النقد التاريخي، كما اشتغلت عند نقاد القرن 19، والتي كانت تفهم الأدب باعتباره تعبيرا فكريا، عن وضع  اجتماعي معين،بالتالي  لا يمكن فصل الأدب عن بيئته، و ظروف المبدع الذاتية والموضوعية، ف "الأدب ابن بيئته".
انطلاقا من هذه المعطيات ، سينتهي البحث ب "طه حسين" إلى أن : ((الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من  الجاهلية في شيء .. وإنما هي منتحلة مؤلفة بعد ظهور الإسلام. فهي إسلامية تمثل  حياة المسلمين وميولهم  وأهوائهم أكثر مما تمثل حياة الجاهلين وأن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح، وهو عنده قليل جدا لا يمثل  شيئا ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي. وأن أكثر ما نقرأه من شعر امرئ القيس، أو طرفة، أو ابن كلثوم، أو عنترة ليس من هؤلاء في شيء، وإنما هو من انتحال  أو اختلاق الرواة))((5).
تصور،سيثير ضجة  فكرية كبيرة أدت إلى مصادرة الكتاب، بل واتهام صاحبه بالإلحاد، والكفر، وكذا عمالته للأطروحات الاستشراقية، ويعتقد البعض، أن طه حسين ما كان ليجلب عليه حساسية الرأي العام المصري في تلك الفترة : (لو لم يستغل خصومه جملا جاءت استطرادا في صلب البحث الذي عقده عن الشعر العربي  واللغة، وعن القحطانية والعدنانية، والعرب البائدة والمستعربة، والخلاف الجوهري بين اللغة التي كان يصطنعها في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمالها، وقد ساق الدكتور طه حسين أكثر من حجة على صدق نظريته التي انتهت به إلى أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي، لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا وأنه وجد بين الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير القرآن. والتي أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية) (6).
 ولعل أهم الاستطرادات، التي جاءت في ثنايا بحثه ومست الشعر الجاهلي، فاستفزت المتلقي العربي، هي :
1 ـ يعتقد طه حسين، أن حديث القرآن والثوراة عن إبراهيم وإسماعيل، وكذا  إثبات قصة هجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة، لا يكفي ذلك لإثبات  وجود هذه الوقائع تاريخيا.
2 ـ مسألة أخرى، تدخل في إطار انتحال الشعر الجاهلي، وإضافته إليهم ، وتدخل هذه المسألة كذلك في تأثير الفكر الديني، بحيث يتعلق الأمر بتعظيم شخص  النبي  وأسرته. ثم  نسبه من قريش: ( اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة  بني هاشم  وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو مناف صفوة بني قصي، وأن يكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب،  والعرب صفوة الإنسانية...)(7).
3 ـ الاعتقاد بأن الدين الإسلامي، ما هو إلا تجديدا وتطويرا لدين إبراهيم، وبالتالي  أخذ الناس بالاعتقاد، أن الإسلام هو نفسه دين إبراهيم.
وقد استندت الانتقادات الموجهة إلى طه حسين، التي اتصفت بكونها عنيفة ذهبت حد التظاهر والتوجه إلى البرلمان، على أربع  نتائج نظرية توصل  إليها وهي : (1/ أنه كذب  القرآن في إخباره عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. 2/ أنه أنكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست منزلة  من الله تعالى.3/ أنه طعن في نسب النبي صلى الله عليه وسلم. 4/ أنه أنكر للإسلام أوليته في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم)(8).
تلك، أهم "المقدسات" التي مسها مشروع طه حسين، فأثارت استنكار الرأي العام وتطورت حتى مستوى الدعوة إلى إلغاء وظيفة طه حسين الجامعية، كأستاذ بها، وإحالته على النيابة. والأهم من ذلك، أنه منذ تلك الفترة حكم على المشروع النقدي لطه حسين بالموت، وأصبح ينظر إليه بنفس النظرة التي يتخذها العرب من المستشرقين، وأضحت مقولاته النقدية، يشوبها نوع من الارتياب والشك. وهذا ما يثير التساؤل، حول حدود الوعي الليبرالي في ممارسة الفكر العربي، ثم ما إمكانية امتداده إلى ممارساتنا اليومية ؟ خاصة إذا كانت المسألة تتعلق بمقولات  كبرى تحكم الذات العربي، وتؤسس فهمها للعالم. مثل التراث، وما ينطوي عليه من تجليات مفهومية من أدب، وشعر، ومشاعر، وعقائد، وسياسة... .
قلت هذا، لأن كل الدعوات الليبرالية لدينا، وطموحاتها النظرية ستجد نفس المصير : دعوة الشيخ علي عبد الرزاق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذي شكك في البعد الديني، لمفهوم الخلافة، مؤكدا بأن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وإنما هي مسألة سياسية أكثر منها دينية، وأن الخلافة لم ترد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية. وإنما هي قضية دنيوية ...، و بالطبع ستجر هذه المواقف على الشيخ علي عبد الرزاق الويلات، وتعرض  لنفس مصير طه حسين لكن بشكل آخر. ما يقال عن هاتين الشخصيتين، يمكن أن نقوله على أحمد أمين، والكواكبي... أو أدونيس ...، هناك خلل إذن في بنية الذات العربية.
 وأعتقد بأن أهم مواطن الخلل، ما يمكن تسميته مع عبد الله العروي، بعدم تمكن العقل العربي من هضم أسس ومفاهيم الفكر الليبرالي. وأضيف، بأن عدم تجذر وعي كهذا  بين طيات البنية الذهنية العربية، يتأتى من كونها لم تتعرض لهزات عنيفة، تخلخل معتقداتها، التي تحولت مع تراكم السنين إلى اشتغالات جامدة. ذلك أن علاقتنا بالعالم ظلت منسجمة يحكمها منطق اليقين والثبات، خاصة وأن المرجعية الدينية، تشكل إطارا للارتياح الفكري والعقائدي. وما دام الحال كذلك، فالواقع العربي، لا يتحمل أي مفهوم يتجاوز أفقه، بالتالي ستظل محاولة طه حسين  وغيره، مجرد أحلام رومانسية مثالية، غالبا ما تفيق على أضغات كابوس مرعب ومخيف.
قلت كل ذلك، لأن قراءة طه حسين  للشعر الجاهلي، الجديدة في منهجها ومضمونها، حكمتها مجموعة من الخلفيات المنهجية الجديدة عن الثقافة العربية. وتتجلى جديتها في أنها : (أكدت فكرة ارتباط الأدب بالمجتمع وتفاعله معه وفهمه من خلاله، وهو ثانيا نبه إلى فكرة حرية الباحث وتجرده،  وبالغ في هذا التنبيه أمدا ... عرضه لكثير من المتاعب، وهو ثالثا قدم طرق وأساليب الغرب في دراسة الأدب والنقد فصور ما ذهب إليه "سانت بوف" من ترتيب شخصيات الأدباء للأمة في فصائل وأنواع على نحو ما يرتب علماء النبات الفصائل النباتية، ورسم في دقة ما ذهب إليه "تين" من أن الأديب إنما هو ثمرة حتمية لقوانين الجنس والزمان والمكان. وأوضح كيف أن "برونتيير" طبق  على فنون  الأدب وأنواعه نظرية داروين في التطور والنشوء والارتقاء)(9). النتيجة، التشكيك في وجود موضوعي لشيء اسمه الشعر الجاهلي، إنما هو منتحل.
كيف سيبلور، طه حسين منهجه التاريخي ؟ وما هي أهم المحددات  المفاهيمية التي سيؤطر بها منهجه ؟ يقول، مبلورا الأدوات التي يجب توافرها لمؤرخ الأدب : (وإذا الباحث عن تاريخ الآداب ليس عليه أن يقتن علوم اللغة وآدابها فحسب، بل لابد له أن يلم إلماما بعلوم الفلسفة والدين، ولابد أن يدرس التاريخ القديم والحديث وتقويم البلدان درسا مفصلا، وإذ الباحث عن تاريخ الآداب لا يكفيه من درس اللغة حسب البحث عما في القاموس واللسان وما في المخصص والمحكم، وما في التكملة والعباب، بل لابد له مع ذلك من أن يدرس أصول اللغة القديمة ومصادرها الأولى، وإذا  الباحث عن تاريخ الآداب لابد له من أن يدرس علم النفس للأفراد والجماعات إذا أراد أن يتقن الفهم لما ترك الكاتب أو الشاعر من الآثار وإذا باللغة العربية وحدها لا تكفي لمن  أراد أن يكون أديبا ومؤرخا للآداب حقا إذ لابد له من درس الآداب الحديثة في أوروبا، ودرس  مناهج البحث عند الفرنج بلغة ما كتبه الأساتذة الأوروبيون في لغاتهم المختلفة)(10). في هذا النص الطويل، يحدد إذن الإطار الذي يجب على مؤرخ الأدب التحرك داخله، وكذا الشروط المعرفية الواجب امتلاكها، التي نختزلها في أساس واحد هو : الموسوعية المعرفية، للإلمام بالظاهرة الأدبية، وبكل معطياتها. فلابد إذن، لهذا الباحث أن :
1/ يتقن علوم اللغة من بلاغة، عروض، النحو، الصرف وفقه اللغة...
2/ الإلمام بعلوم الفلسفة، علوم الدين، علم النفس وعلم الاجتماع ...
3/ الدراية الكبيرة بالتاريخ القديم والحديث، ثم المعرفة المفصلة والدقيقة بالمعطيات الجغرافية.
4/ الاطلاع على اللغات الأجنبية، وذلك لمعرفة الآداب الأخرى، الوقوف عند لغة واحدة لا يكفي بالنسبة لمؤرخ الأدب.
5/ معرفة أصول اللغات القديمة، ومعطياتها الأولى.
6/ معرفة المعطيات النفسية، للأفراد  والجماعات، والذين ينكب مؤرخ الأدب  على دراستهم، وذلك من أجل فهم  آثارهم  الفكرية والأدبية...
تلك إذن أهم المبادئ،  التي ألزم بها طه حسين مؤرخ الأدب، والتي كانت متأتية لمفكر عتيد من عياره، لذا كان مؤرخا للأدب بامتياز، ذلك أنه إذا استقرأنا منطقاته وجدناها متوفرة في شخصية طه حسين، كما عكسها  بين ثنايا اشتغالاته الفكرية. فمن المؤرخ إلى الناقد، ثم الروائي وكذا المترجم، إلى الأديب بمفهومه القديم، المزاوج بين التكوين اللغوي القديم مع الإلمام الواسع  بالمعطيات الثقافية المعاصرة.
كل هذا توفر لطه حسين، بفعل تتلمذه على مدرستين : أحدهما،  تهتم بالثقافة القديمة، بالتالي سيكون منهجها في قراءة الآداب العربية قديما كذلك. ثم أخرى حديثة، تتمثل في المنهج الذي أحدثته الجامعة المصرية، في دراسة الآداب العربية، ونقصد بالاتجاه الأولى، ما تلقاه طه حسين عن أستاذه "سيدي علي المرصفي"، أحد أهم مدرسيه في الأزهر، بحيث يدين له بالكثير، حيث يقول في حقه : (أستاذنا الجليل، السيد علي المرصفي أصح من عرفت بمصر فقها في اللغة وأسلمهم ذوقا في النقد وأصدقهم رأيا في الأدب وأكثرهم رواية للشعر ولاسيما شعر الجاهلية والإسلام )(11).
جسد سيد علي المرصفي، المرجعية النظرية والفكرية لفهم الآداب العربية. (فالمرصفي علم طه حسين كيف يقرأ النص العربي، كيف يفهمه، وكيف يتمثله، وكيف يحاكيه، علمه إذا كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوقه كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد طه حسين  برصيد هام في كتابته الأدبية) (12). واسم علي المرصفي، من بين الرموز الفكرية التي عملت على تطوير النقد والأدب العربيين، وهو تطور حدث في الأزهر : (على يدي كل من الشيخ سيد المرصفي، والشيخ حمزة فتح الله حين اتبع الشيخان نفس أساليب دارسي الأدب القدماء وفي مقدمتهم " المبرد" و "القالي" و"الجاحظ" حيث العناية في الدرس تتجه أولا إلى جمع النصوص الشعرية والنثرية المختارة بالإضافة إلى طائفة من الحكم والملح والأخبار والأمثال,ثم يتناولان ذلك تناولا يعني باللغة والبلاغة والتذوق وما إلى ذلك)( 13). وكانت هذه أول الخطوات الأساسية في تطوير العناية بالآداب العربية، ستعقبها خطوات تجلت في أعمال جورجي زيدان، ومصطفى صادق الرافعي، وجهود عباس محمود العقاد، ثم الأبحاث التي خرجت من الجامعة المصرية والتي درس بها بعض المستشرقين من أمثال " كارلونلينو"و"فييت"....
الرافد المعرفي الثاني بالنسبة لطه حسين، الذي فتح عيناه على المنهجيات الجديدة في قراءة الآداب العربية، يتمثل في التأثير الذي أحدثه المستشرق كارلونلينو، الذي سيفيده في استخراج علم جديد اسمه : تاريخ الآداب. مع تبلور، القراءة الخارجية للنص العربي. يقول عن هذا المنهج الجديد، إن : (المذهب الذي أحدثته الجامعة المصرية في درس الآداب بمصر نافع النفع كله لاستخراج نوع من العلم لم يكن لنا به عهد مع شدة الحاجة إليه وهو تأريخ الآداب تأريخا يمكننا من فهم الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة فهما صحيحا، حظ الصواب فيه أكثر من حظ الخطأ ونصيب الوضوح فيه أوفر من نصيب الغموض) (14).
 ولعل في كل ذلك، من خلال تأثير الرجلين على فكرطه حسين، يتحقق الفهم المنهجي، الذي أعطي لتاريخ الأدب في المشروع النقدي لطه حسين، بتأسيس المنهجية التاريخية، على نظرة متكاملة تحاول الإحاطة بكافة معطيات الظاهرة الأدبية. المرصفي، كان بالنسبة لطه حسين مرجعا لغويا، مكنه من استيعاب الاشتغالات الداخلية للنص، مكوناته اللغوية والأسلوبية، ونحن نعرف جيدا متانة النص العربي القديم، من حيث بلاغته وتركيبه اللغوي المكثف، مما يجعل من الصعوبة اختراقه، مادمت لا تتوفر على تكوين لغوي قوي. وقد تأتى هذا الشرط  لطه حسين، بفضل تتلمذه على شيوخ الأزهر، خاصة المرصفي : (لقد علمه إذا كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوق كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد طه حسين برصيد هام في كتابته الأدبية (...) وتعتبر هذه القراءة  أساسية في العملية النقدية التي سيتعامل معها طه حسين في دراسته للنص الأدبي، كما تعتبر ثابتا أساسيا سيوجه مشروع كتابته النقدية عندما يحاول البحث عن قراءة  جديدة وصحيحة للنص العربي القديم) (15).
 أما الأستاذ كارلو نلينو، فقد كان  بالنسبة  لطه حسين، الرافد الآخر في تشكيل منهج قراءته. هذه المرة سيأخذ طابعا مغايرا، عن قراءة سيد علي المرصفي، حيث يحاول الإحاطة بالظاهرة الأدبية في معطياتها الخارجية، والإلمام بسياقها البراني : (ستكون هذه القراءة للنص العربي قراءة من الخارج، إذ سيمده بالمنهج الذي سيقدم به طه حسين قراءته الأولى للناس  في صياغة جديدة تكشف عن أشياء ذات بال كمال قال، حتى يتمكن الناس من فهمها وتكون قريبة إليهم ولا يشعرون بالاغتراب إزاءها كما حصل لطه حسين)(16).
تكاملت النظرة إذن، لدى طه حسين،بالتالي بقي وفيا للبرنامج الذي خطه لكل دارس لتاريخ الأدب. قراءة لا تنفصم، ولا تجيز الاهتمام والانكباب، على جانب دون آخر، إنه تصور متكامل.
في نص لطه حسين، سيقر بأن ما تلقاه لدى سيد علي المرصفي و كارلونلينو، شكل بالنسبة إليه الأساس النظري والمنهجي، وكذا الأرضية الفكرية بالنسبة لكل ما سيأتي من بعد. أو بمعنى ثان، تحدد مشروع طه حسين النقدي، بناء على أفق  فكر الرجلين. يقول في هذا الإطار : (أحدها علمني كيف أقرأ النص العربي القديم وكيف أفهمه وكيف أتمثله في نفسي، وكيف أحاول محاكاته. وعلمني الآخر كيف أستنبط الحقائق من ذلك النص وكيف أصوغها آخر الأمر علما يقرؤه الناس فيفهمونه ويجدون فيه شيئا ذا بال. وكل ما أتيح لي بعد هذين الأستاذين العظيمين من الدرس والتحصيل من مصر فهو قد أقيم على هذا الأساس. الذي تلقيته منهما في ذلك الطور الأول من أطوار الشباب. بفضلهما لم أحس الغربة حين أمعنت في قراءة كتب الأدب القديم، وحين اختلفت إلى الأساتذة الأوربيين في جامعة باريس وحين أمعنت في قراءة الأدب الحديث) (17).
على هذا الأساس، تبلور مشروع تاريخ الأدب عند طه حسين، باعتباره تصورا شموليا للمعطيات المحيطة بالظاهرة الأدبية، ومحاولة مقاربتها من مختلف الزوايا، وكذا الحيثيات الإشكالية للمعطى الأدبي. مؤرخ الأدب حسب  طه حسين، لا يكتفي، فقط بالوقوف عند حدود التأريخ للأدب، إنما يضطر إلى الإحاطة بالمعطيات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وكذا اللغوية  للحظة التاريخية، التي يريد العمل على موقعتها، فهذه المباحث الإنسانية الأخرى، تعتبر مكملة لعمل المؤرخ الأدبي. ولعل هذا الفهم الذي أعطاه طه حسين، دفعه إلى تجاوز التأسيسات المنهجية والمعرفية التي تنهض عليها بعض عمليات التاريخ الأدبي. أهمها :
* استحضار المقياس والبعد السياسي في عملية التأريخ للأدب :
من أكبر تجليات هذا الفهم : اشتغال هذا الربط بين السياسي والأدبي في الثقافة العربية، حيث لازلنا نؤرخ للأدب بالدولة السياسية، هكذا نقسم العصور الأدبية على حسب العصور السياسية. ويتم ربط ازدهار وانحطاط اللحظة الأدبية، بالاستقرار السياسي أو انحطاط الحياة السياسية. فالأدب كان راقيا في عصر بني أمية، وفي العصر العباسي، لأن الدولة العربية في تلك الفترة كانت قوية سياسيا، وتميزت كذلك بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أو على العكس سينحط الأدب، حينما تفككت هذه الدولة وضعفت ... .
ينتقد طه حسين، هذ التأويل، رافضا تحديد الأدبي انطلاقا من السياسي، فالمسألة غير مؤكدة، يقول: (إن الحياة السياسية لا تصلح مطلقا لأن تكون مقياسا للحياة الأدبية وإنما السياسة كغيرها من المؤثرات. كالحياة الاجتماعية، كالعلم، كالفلسفة، تبعت النشاط في الأدب حينا آخر، فلا ينبغي أن يتخذ واحد من هذه الأشياء مقياسا للحياة الأدبية)(18). لكن هذا لا يعني أنه، يتغاضى أو ينكر الصلة بين الأدبي والسياسي، إنما يؤكد على ضرورة التعامل مع تداخل المفهومين بنوع من النسبية.
* تحديد عملية تأريخ الأدب بنوع من الدوغماطيقية :
تجلت هذه المسألة تاريخيا في التأسيسات المفاهيمية للمشروع النقدي لرواد القرن 19 ،فنحن نعلم أن الهم المعرفي، الذي أعطى المسوغ النظري، لرموز نقدية، مثل : تين، سانت بوف، برونتير ... بتأثير من العلم الطبيعي، هو تحويل تاريخ الأدب إلى علم موضوعي، يتوخى تحقيق نتائج، تخلو من الاعتبارات الشخصية والذاتية. وقد حاول كل ناقد تحقيق هذا الهدف بطريقته.
إلا أن طه حسين يرفض هذا التصور، من خلال إيمانه بالخصوصية المعرفية والمنهجية لكل حقل من الحقول النظرية، جازما بأن : (تاريخ الأدب لا يستطيع بوجه من الوجوه أن يكون "موضوعيا" صرفا، وإنما هو متأثر أشد التأثر وأقواه بالذوق، وبالذوق الشخصي قبل الذوق العام) (19). مما يجعل مسألة العلمية، تأخذ فهما جديدا ومغايرا داخل حقل تاريخ الأدب، عن اشتغالاتها في العلوم الأخرى.
* المقياس الأدبي :
في سبيل تجاوز الاشتغالات السابقة، اقترح طه حسين، فهما منهجيا يؤسس  ذاته على رافدي العلمية و الفنية، أو بمعنى آخر؛ أن ينهض تاريخ الأدب على إطار نظري يمكنه من استيفاء حدود العلمية، التي تمكن له حيز الموضوعية. من جهة أخرى، التعبير عن الطبيعة الذاتية للعمل الفني ؛ مما يقتضي استحضار مقولة الذوق، حيث رهان المعطى الأدبي على ذاته. ولعل في هذا النموذج الأخير، تتحدد رؤية طه حسين، للإطار النظري المحدد  لعمل مؤرخ الأدب.
ـــــــــــــــــــــــــــ
 هوامش
(1)          سامح كريم، ماذا يبقى، من طه حسين ؟ دار العلم، بيروت. الطبعة2، 1977، ص 62.
(2)          طه حسين : في الأدب الجاهلي. دار المعارف. مصر، الطبعة 10، ص 68.
(3)          نفسه، ص 68.
(4)   أحمد بوحسن، الخطاب النقدي عند طه حسين، المركز الثقافي العربي، ط1،  1985، ص 113.
(5)          سامح كريم، المرجع نفسه، ص 65.
(6)          نفسه، ص 66.
(7)          نفسه، ص 66.
(8)          نفسه، ص 67.
(9)          نفسه، ص 109/110.
(10)   نفسه، ص 109.
(11)   أحمد بوحسن، المرجع نفسه، ص 49.
(12)   نفسه، ص 39.
(13)   سامح كريم، المرجع نفسه، ص 108.
(14)   أحمد بوحسن، المرجع نفسه، ص 49-50.
(15)   نفسه، ص 39.
(16)   نفسه، ص 39.
(17)   نفسه، ص 38.
(18)   طه حسين : في الأدب الجاهلي، ص 39.
(19)   نفسه، ص 46.