الاثنين، 17 أكتوبر 2016

عبد الرحمن منيف : العراق[1]


بقلم : الباحث المغربي سعيد بوخليط
هذا الكتاب الصادر بمناسبة الذكرى الأولى عن  رحيل عبد الرحمن منيف،أعده وقدم له ماهر جرار.ضم حوارا مطولا-الأخير بالمناسبة- عبر من خلاله منيف، عن مواقفه ورؤاه الثاقبة، حول مجموعة قضايا مفصلية إيديولوجية ومعرفية وسياسية آنية ومستقبلية،تلازم مصير الأمة العربية.
إضافة، إلى التصنيفات التي ألفناها لدى منيف وقد أضحت معتادة وملتصقة وجوديا بمسار هذا المثقف العربي الكبير،منذ بداية تبلور أسس همه السياسي قبل الروائي سنوات الستينات،فقد وقعت بلا شك على امتداد الساحة العربية مستجدات في غاية الجدة والجدية، تستفز بأسئلة مغايرة قدر التراجع الفظيع للمشاريع المجتمعية التحررية،التي رفع لواءها بكل طوباوية التقدميون العرب طيلة عقود مضت.
لم يكن الغزو الأمريكي، ليجسد مجرد انكفاء تاريخي،سيصنف ضمن الأرشيفات العربية التليدة وكفى بالأجيال القادمة تهذيبا وتنميقا لواقع مهزوم حتى النخاع؟فالأمر يتجاوز ذلك كثيرا،ربما يقتضي منا أساسا الانتقال الفعلي، من مستوى الثقافة كتنظير بهدف التنظير،إلى سعي مثابرلإيجاد منافذ وسبل فعلية.


إذن، بيوغرافيا منيف وبداياته الأولى، الانتماء إلى حزب البعث، المبادئ القومية بين النقد الذاتي واستحضار الآفاق، فلسطين/ العراق، فلسطين والمقاومة، إدوارد سعيد،المثقف العربي بين القائم والممكن،مشروع منيف الروائي ارتباطا بطبيعة الاجتهاد الروائي عامة عناوين،رسمت تضاريس استماع نوعي وممتع،بجوار رجل استثنائي خلف وراءه تراثا هائلا، سيحفر باستمرار عمقا إبستمولوجيا ومفهوميا في غاية الرقي والإيحاء وسط مجموعة عربية، تجرفها من كل حدب وصوب، تيارات الغباء والخواء الذهني.
عاش منيف مترحلا بين عمان وبغداد والقاهرة ويوغوسلافيا ودمشق وفرنسا وبيروت، فراكم تجربة حياتية هائلة غنية بالتحصيل العلمي والتثقيف الإيديولوجي،ثم النضال السياسي المؤمن والملتزم عمليا بقضايا الأمة والوطن،قوامهما الكتابة المثابرة التأسيسية.نضال،لما أحس منيف بحدسه الذكي والشفاف،أن بعده الحزبي قد غدا بيروقراطيا،صنميا وأجوف،انسحب بهدوء ملتجئا إلى محراب الرواية العظيم،فأرسى بخطوات صلبة لاتتأتى للجميع، دعائم مسار روائي هائل،غني بعناوينه ومضامينه وأهدافه ومقوماته، ولجت معه الرواية العربية مرحلة جديدة ونوعية من عمرها،نحو البناء والتقعيد وخلق مدرسة روائية باستطاعتها مجاراة منطق الكونية.
عبد الرحمن منيف، الذي نال الدكتوراه في اقتصاد النفط بالجامعة اليوغوسلافية(1958 -1961) ، بعد أن أتى إليها من العراق،بفضل منحة قدمها حزب البعث.فترة،عمق خلالها معرفته بالفكر الاشتراكي ولاسيما التطبيق اليوغوسلافي :((التي لم تكن امتدادا مباشرا للتجربة السوفياتية وإنما لها تميزها وخصوصيتها))(ص29). فاستثمر هذه المعرفة،كي يكتب باستفاضة عن المسارات الرجعية للأنظمة النفطية وتطبيقاتها الكارثية على التاريخ العربي المعاصر،وتوظيف القوى الاستعمارية لها،ثم عجز هذا المال النفطي عن بناء سياسة تنموية حديثة تنهض بالإنسان فكرا وحدسا.أقول،بأن منيف صاحب التكوين التكنوقراطي،سيتحول إلى روائي متميز بكل المقايس.
احترافه الكتابة،لا يدخل في نطاق باب الصدفة،بل رسم خطوة ثانية ضمن مخططه السياسي، المكرس لقضايا بناء المشروع الديمقراطي ومن ورائه الدولة الوطنية الحديثة،عبر القضاء على الرجعيات العربية الفاسدة التي تقف عقبة كأداء أمام تحرر شعوبها ودخولها نادي الأمم المتحضرة.
هكذا،لتفعيل منظوره للسياسة، انتمى منيف إلى صفوف حزب البعث،حينما كان طالبا في المرحلة الثانوية بمدينة عمان،التي قضى فيها طفولته وسنوات شبابه الأولى،قبل مغادرتها صوب بغداد سنة 1952 وهو في عمر السابعة عشر بهدف إتمام دراسته الجامعية. يخبرنا، عن ظروف التحاقه بالبعث :((أحد المعارف ممن يعمل في"الجمارك" كان يحتك بالطلبة ويعطينا بعض الكتيبات لميشيل عفلق بالدرجة الأولى،وكان ثمة كتاب لصلاح البيطار بعنوان"الفئة الحاكمة في طريق الانهيار"كان رائجا في تلك المرحلة،ثم بعض الكتابات والدراسات لعبد الله عبد الدائم وشاكر مصطفى))(ص18)
استقرمنيف في بغداد بين سنوات(1952-1955) ، المسيطرعليها جماهيريا آنذاك من طرف الحزب الشيوعي. طالب الحقوق البعثي، ينفي أي جاذبية لديه نحو الناصرية،مؤكدا في صيغة قطعية :((لا،كان البعث يشكل نهجا موازيا.كان هناك عنصر الصداقة مع بعض الناصريين وكان النظام المصري يتيح للبعثيين فرصة أن يكون لهم حضور وتميز،سواء في المهرجانات أو المؤتمرات.غير أنه كان هناك تحفظ))(ص26).
إذن،لم يحدث لديه التفات كبير، إلى الثورة الناصرية حتى لوغادر نحو القاهرة وإقامته هناك من أجل إتمام مرحلته الجامعية الثانية(1955-1958 ). فقد التحق مرة ثانية، بالتنظيم البعثي كعضو ثم مسؤول.السبب،مماثلته لانقلاب الضباط الأحرار،بما :((كان موجودا في سوريا،أعني سلسلة من الانقلابات التي أدت بالنتيجة إلى ديكتاتورية عسكرية تمثلت بالدرجة الأولى بنظام أديب الشيشكلي(1949-1954).وتسبب بكثير من المعاناة))(ص20). الاحتراس من الناصرية كسلطة، لم يشكل حاجزا أمام منيف، كي يتماهى بكل جوارحه مع قاهرة سنوات الخمسينات،التي صارت تقريبا عاصمة للعالم الثالث،ومختلف حركات التحرر.يحكي منيف مضيفا :((بدأ احتكاكي بعناصر وقوى لها اهتمامات فكرية متعددة ومتنوعة،وخاصة مع الماركسيين الذين كانت التحفظات تجاههم في العراق قوية .اندمجت في الجو المصري وكان عندي رغبة، بل لهفة لإقامة علاقات واسعة.كما كان  لنا روابط مع عدد كبير من المثقفين  مثل أحمد بهاء الدين ومحمود أمين العالم ومحمد عودة وعبد العظيم أنيس وفتحي غانم وأحمد عبد المعطي حجازي ورجاء النقاش ومحمد حسين هيكل وغيرهم كثير،كما كنا نتردد على روز اليوسف ولاننسى أن مصر كانت تشهد نهضة مسرحية وفنية مميزة))(ص28).
وإذا شكلت القاهرة إشعاعا سياسيا، فبغداد العراق اعتبرت قبلها عاصمة ثقافية وفكرية،استشرفت حقولا معرفية طرية،عندما نستحضرمثلا الفنون التشكيلية والمعمارية.بحيث،كانت المقاهي العراقية أمكنة رحبة للمثقفين،خاصة وأن تشدد الحكومة فيما يتعلق بالانتماء السياسي والنشاط الحزبي،قابلته في الجانب الآخر حرية على المستوى الثقافي،مما أفسح المجال بشكل واسع لنمو الحركة التشكيلية والمعمارية. بهذا الخصوص،يستعيد منيف الدور الرائد الذي لعبه مثقف من عيار جبرا إبراهيم جبرا،صاحب ندوات أسبوعية إما تقديما لأحدى فناني الحركة التشكيلية،أو تعريفا باتجاه من اتجاهات الأدب العالمي.كذلك ،جبرا بترجماته الشعرية،قد ساهم بشكل متميز في نهضة الشعر الحديث.
سنة 1962،وبالضبط أثناء مؤتمر حمص وقعت القطيعة المذهبية بين منيف وحزب البعث :((يومها انقسمنا في تيارين كبيرين كادا يكونان متساويين من ناحية القوة والتأثير.اعتبرت أن الحزب لم يعد كافيا أو ملائما لقناعاتي وتصوري لما يجب أن يكونه. بعد المؤتمر خرجنا أنا ومجموعة من الحزب،وبقينا نبحث في إمكانية إقامة تنظيم جديد مختلف عن حزب البعث،نوع من صور اليسار يمكن أن يلبي النزعتين معا جذرالخلاف كان يتمثل في موقف ميشيل عفلق من موضوع الصلاحيات واتخاذ القرارات.كان هناك حدة في النقاشات وفي كثير من الأحيان كان ميشيل،باعتباره أبا للحزب،يتخذ مواقف بعيدة عن الجو الديمقراطي))(30-31)) .فترك الحياة الحزبية،في الثلاثين من عمره يتذكر ماهر جرار :((بصراعاتها القبلية والطائفية،وابتعد عن الفر دانية التي أخذت تميز القادة والرفاق،ونأى بنفسه عن سلطة الأجهزة الحزبية،ليعود لصفوف الناس يناقش ويحاور ويعيد النظر في الأولويات))(ص124.       
أقام منيف في دمشق إلى غاية سنة 1973، وطبعا تم توقيف مرتبه الحزبي، جراء موقفه الانتقادي من البعث، وأضحى موضوع مراقبة وريب، بالتالي التهميش والإقصاء .وعندما نجحت ثورة البعثيين سنة1963، منعه صلاح البيطار من العمل. بعد ذلك،انتقل إلى بيروت مشتغلا في الصحافة مابين سنتي (1973-1975) .لكن،نداء بغداد ألح عليه مرة أخرى،أقصد وجهة"مكتب الشؤون الاقتصادية في مجلس قيادة الثورة".ولأن الهاجس الأكاديمي ظل مصاحبا له، سيشرف منيف على إخراج  مجلة "النفط والتنمية" التي احتلت : ((مكانا مرموقا بين المجلات العلمية الجادة والمتخصصة في المنطقة العربية))(ص111).يخبرنا ، رفيقه الروحي "طلال شرارة" :((في إحدى الأمسيات فاجأني عبد الرحمن بعزمه على السفر إلى بغداد للإقامة والعمل.استنكرت موقفه بشدة مبديا دهشتي من هذا القرار نظرا لتقييمنا السلبي المشترك لطبيعة النظام العراقي وتوجهاته وغطرسة حكامه،لكنه أجابني بأنه انصرف إلى عمله الروائي بالكامل،وأنه متخصص أكاديميا بموضوع النفط،وقد عمل موظفا في مؤسسة للنفط  في سوريا ويريد استكمال خبرته في هذا المجال في العراق،المنتج الكبير لهذه السلعة الإستراتجية،وكان كلامه مقنعا فلم أعقب بشيء))(ص110).
كرر منيف،غير ما مرة خلال هذا اللقاء،عشقه الخاص للعراق والمكانة التي يحظى بها هذا القطر العربي في قلبه. فكان منطقيا، ربما أن يكرس آخر متونه الروائية :أرض السواد(1999) ،كي يتقاسم معنا فترة مشعة من تاريخ العراق،مستعيدا مشروع داود باشا(1817-1831) ،آخر الولاة المماليك ، الذي تبنى رؤية مجتمعية على منوال خطوات محمد علي في مصر، فأسس جيشا وأقام معامل للنسيج واهتم بالمياه وشق الترع. كما، ركزعلى التعليم وتوطين القبائل وانفتح على أوروبا وتواصل معها،إلخ.
انضافت أرض السواد إلى أجزاء مدن الملح،كي ينسجا معا متواليات ملحمتين روائيتين ضخمتين، يصعب رغم متعتهما ملاحقة نفسهما الحكائي يقول المؤلف :((كانت تتملكني رغبة في الكتابة عن بغداد. نقطة أول السطر. غير أنه لم تقم بذهني صورة واضحة،ولم تتسق مرحلة محددة بعينها.كان ثمة هاجس يتملكني :أن أكتب عن بغداد .بالنسبة لي على الأقل،بغداد هي أكثر المدن إغراءا بما تكتنزه من كثافة وإمكانية تعامل روائي مميز))(ص34).
مما لاشك فيه،أن أفضل هدية قد يقدمها روائي محترف لحاضرة يهيم في حبها،تكمن في إعادة إنشاء زمكانها ولاسيما ممكناتها النوعية. يستطرد منيف :((كان الإمساك بالموضوع باعثا على الحيرة والتحدي وكان في ذهني شخصيتان أساسيتان هما،داود باشا (1831-1817)ومدحت باشا(1884-1876)والأخير كان رائد الدستور والإصلاحات في أسطنبول وقدم إلى سوريا والعراق وكان صاحب مشروع متنور ومتقدم))(ص35).التاريخ هنا،بقدر وظيفته السيكولوجية والعزائية ،بسبب إخفاق مأساوي تجاه معطيات الحاضر،فإنه يعكس بكل الأشكال والصيغ استفسارا تساؤليا عن الهجمة الاستعمارية الجديدة؟ بمعنى لماذا وقع ماوقع؟.
يزخر العراق بإمكانيات ضخمة،ويحتل موقعا مميزا،مما كان سيؤهله كي يلعب دورا رائدا ليس فقط على مستوى دائرته الإقليمية الضيقة،بل فيما يتعلق بالساحة العربية عموما.غير أن الروافد التاريخية والحتميات الجيوستراتجية،أثرت عكسيا وسلبا على تموقع العراق الجدير به حقا.من جهة،يحيل العامل الأول على مجيء الحكم الهاشمي إلى العراق،بحيث :((أصبحت انكلترا هي التي تحدد السياسات وتفرض المشاريع وتتصرف باسم العراق،الأمر الذي أحدث فجوة بين العراق ومحيطه))(ص36).في حين يشير المعطى الثاني،إلى العلاقة الحساسة جدا أو "الملتبسة" حسب تعبير منيف بين العراق وإيران،لاسيما ما يهم اقتسام مياه شط العرب :((لم يكن مستغربا أن ينفجر الوضع،خاصة،بسبب التدخلات الخارجية ولطموح صدام حسين الإمبراطوري. ولو كان الحكم أعقل وأبعد نظر لكان بإمكانه إيجاد قواسم مشتركة.ونحن نذكر أنه كان يمكن تسوية الخلاف العراقي-الكويتي عام 1991،والوصول فيه إلى حلول مقبولة من كلا الطرفين،سواء ما يتعلق بمسألة النفط أو الحصول على مرفأ للبحار العالية أو حتى فيما يتعلق بالمسائل الخلافية الأخرى،ولكن يبدو أن الاستعمار،خاصة الأمريكي وإلى حد ما الانكليزي دفع باتجاه الصدام))((36-37  .
عبرأرض السواد،نتحسس جوانب الالتقاء والتقاطع بين سعي داود باشا، وكذا القصد القومي التحديثي.هكذا، يبدو أن شروط مصر،تختلف عن تلك القائمة في العراق . فإذا ظلت الدولة المركزية ،مطلبا أساسيا بالنسبة لمصر،بناء على هدف أساسي يتمثل في السيطرة على مياه النيل،وساعدت الصحراء في تشكيل حماية لهذا البلد،إضافة إلى وجود منفذ على البحر الأبيض المتوسط. نجد في المقابل، أن العراق لم يحظى بمثل هذه الدولة ،كما أن الطبيعة هناك قياسا للنيل،اتصفت بجفائها الواضح مع الإنسان العراقي.
إذن، زيادة على أن مفهوم الدولة فكرة حديثة لدينا،فهي لم تأخذ كذلك وضعها الأولي،وانعدم أمامنا نموذجا حيا. ثم،عوض أن تصير الدولة عنصر طاغيا،أضحى الحاكم :((من يحدد ملامح التطور المحتمل للبلد.وقد رأينا كيف حول جماعة تكريت،أحمد حسن البكر وصدام حسين،الاتجاه العام لتطور الدولة نحو الاهتمام بمناطق معينة.الأمر نفسه حصل في الحركة الكردية ،فتجد أن الأماكن التي انحدر منها الزعماء هي التي تحدد موازين القوى واحتمالات التطور ووجوهه.منذ عهود متتالية غدا صاحب السلطان والنفوذ في العالم العربي يطبع الدولة بطابعه،فإذا سقط يستوي بسقوطه سقوط منطقه))(ص41).
في الإطار ذاته،لازالت العلاقات العشائرية تمثل أسّ النسيج المجتمعي العراقي،كما أن الأجنبي مارس دورا سلبيا جدا، بتعضيده لهذا الوضع المعرقل لقيام دولة مدنية.انحاز العثمانيون إلى جانب السنة،وأغدقوا عليهم مختلف الامتيازات . في المقابل، لما يشتد النفوذ الإيراني، سيحظى الشيعة بمكانة استثنائية.
خصوصية مجتمعية وثقافية،ارتباطا ببصمات الاستعمار الانجليزي وبعده الأمريكي.وإذا استطاع الانجليز،اكتساب خبرة في التعامل مع الآخر نتيجة تجربتهم الاستعمارية الطويلة،مما خول لهم ترسيخ أقدامهم داخل العراق شيئا فشيئا،نلاحظ أن الأمريكيين يجسدون بطريقة أسلوب احتلالهم،أحد أغبى الاحتلالات :((نتيجة الغطرسة والخوف وعدم التحسب لمعرفة رد فعل الآخرين يبدون كأنهم يسيرون في الظلام يتخبطون ولايتحكمون بردود أفعالهم،أحيانا))(ص44 ).
أبدى المحاوِر،سعادته لأن الولايات المتحدة الأمريكية وهي تقود التحالف الدولي،تمكنت من إزالة كابوس صدام حسين والبعثيين. منيف،يرد كليا هذا التقييم، محبذا لو أن القوى الوطنية من أنجزت حقا المهمة،لكن للأسف :((المعارضة العراقية في الخارج أصابتها تشويهات عديدة وبشعة فقد ارتمت في أحضان أجهزة المخابرات ومراكز الدراسات المرتبطة بالدوائر الكبرى في الدول الرأسمالية ووجدت هناك أبوابا للارتزاق بوجه الإجمال هذه المعارضة لا تليق بالعراق))(ص 44-45).الأمريكان،تحكمهم طموحات إمبراطورية ويسعون إلى إعادة صياغة بنية العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي.
هل يمكن لتفكك السلطة المركزية،لاسيما في بعدها الديكتاتوري وإفساح المجال أمام الأقليات والتعدد الإثني؟أن يخلق بديلا إيجابيا، عن المنظومة القومية العربية الشوفينية؟بلغة أخرى،هل نسعى من أجل إرساء دولة مركزية، أم ينبغي التفكير في مفهومي الفيدرالية والكونفدرالية؟.
إن التقسيم أو اللامركزية ،حسب مبدع شرق المتوسط ،يتحتم تفعيل آلياتها على ضوء مؤسسات دولة تنعم بالديمقراطية :((فمن الصعب أن تقوم ديمقراطية في العراق إذا كانت الغالبة محرومة من الديمقراطية.حتى لو افترضنا وجود قوميتين فقط،القومية الكردية والقومية العربية،يبقى هناك كم من الهويات والإشكالات التي يجب أن نجد لها حلولا ضمن كل منطقة قومية :كيف سيكون، مثلا،وضع الكلدان والسريان والآشوريين والتركمان،وكذلك الأقليات العربية في شمال العراق))(ص48).
إنها الهوية العراقية المركبة التي تدحض بتشكلها الدؤوب ،دعاوي حزب البعث والاتجاهات القومية العربية.منيف،سيعتبر العكس صحيحا نظرا لمايلي : ((كان هناك هويات في طور التكوين والنمو ولكنها لم تعط الفرصة الكافية لتعبر عن نفسها.يعني،مثلا،أعتقد أن أكثر منطقة أعطيت فيها حقوق للأكراد هي المنطقة العراقية،بالمقارنة مع تركيا وإيران وأماكن أخرى))(ص49).
دور العشائر جوهري،إذا أحسنت الحركة الوطنية التعامل معها،فتعيد الأدوار ذاتها التي لعبتها خلال فترات تاريخية عديدة.كما تبرز إمكانيات، تحقيق وحدة وطنية بين  السنة والشيعة والأكراد والعرب،وتأسيس نموذج سياسي ومجتمعي مختلف عن ما مضى أو ما يتوخاه الأمريكيون.
تحديد صيغة مقبولة للديمقراطية عند مكونات الشعب العراقي، والتفكيرفي تعاقد مجتمعي،دفع منيف إلى انتقاد سواء مفهوم الدولة القطرية،وكذا إيديولوجية القومية العربية في تطبيقاتها الدوغماطيقية والعسكرتارية :((الدولة القطرية هي إفراز القرن العشرين وتزامنت نشأتها في منطقتنا مع الهجمة الاستعمارية.قبل ذلك،كانت الصيغة السياسية والإدارية السائدة تختلف نوعيا وجذريا. ورغم محاولات تثبيت الصيغة القطرية واعتبارها الصيغة النموذجية المثلى،إلا أنها لاتلبي حاجات الناس الحقيقية.مفهوم القومية العربية كان،ولفترة طويلة من الزمن ،مفهوما بدائيا إذ كان هناك تغليب لمصالح قطر معين على حساب أقطار أخرى))(ص54).هكذا،لن يكون الحل إلا توفيقيا،يخترق نمطية وعقائدية مفاهيم القطرية والمركزية،في أفق استثمار المشترك الفعال بينهما.
هناك، واجهتان للشرق العربي : مصر من جهة، والعراق من ناحية ثانية.الأخير،بوسعه لعب دور مفصلي على امتداد المنطقة ،إذا استطاع إتمام شروط بناء الدولة الحديثة بخصوص مكونات التعليم والديمقراطية والصناعة :((العراق يتمتع بإمكانيات واسعة سواء أكانت بشرية أو مادية،ويمكن للنفط أن يشكل عصبا مهما في هذه النهضةوأنا أرى أن الثروة المائية والأيدي العاملة التقنية ومستوى التعليم والثقافة الموجودة في العراق،إذا تم تحديثها وأحسن استخدامها،تؤهله مجددا لأن يستعيد دوره وقوته))(ص56-57 ).
تسعى أمريكا،بكل ما أوتيت من قوة ،كي تحول كل المنطقة إلى حريق تتحكم وحدها في شفرة إطفائه،عن طريق "اللبننة" و"العرقنة" ،مما يشرعن سؤالا يتعلق باحتمال تحول العراق إلى لبنان ثان،ويغدو بؤرة لصراع دولي؟في سياق توليد لسلسلة مناطق تشتعل توترا في سوريا وإيران ولبنان ،بل السعودية التي صارت :((موضوع اهتمام أمريكي أكثر من السابق بكثير،وهي تضغط بشدة لخلق جو من أجل التغيير وإحداث شرخ جديد تهتز من خلاله الأوضاع.فيحكى،مثلا،عن تقسيم السعودية وإلغاء النظام الملكي))(ص58).الهجمة التترية، التي أغرقت العراق في الفوضى والاضطراب والعنف الدموي، تقود  المنطقة عموما صوب مصير مجهول.
لكن أليس بوسعنا،وقد فشلنا على مستوى الطموحات القومية الكبرى،أن يشكل هذا دافعا،يتساءل ماهر جرار قصد توظيف معطيات الاستعمار الجديد من أجل وضع لبنات انطلاقة مغايرة؟ثم هل تتجلى من ملامح تجيزمقارنة الوضع الحالي بحملة نابليون؟. منيف،يرفض بوضوح هذه المماثلة،مشددا على اختلاف وتباين طبيعة الاستعمارين الأوروبي والأمريكي.لأن أوروبا،وبالأخص فرنسا تنقل معها إلى المستعمرات :((ثقافتها ورؤاها وأبنيتها الدستورية أوالديمقراطية))(ص63).هكذا اصطحب نابليون، نحو مصر،فريقا من العلماء والفنيين.
بينما الأمريكيون،تنعدم لديهم أية دراية ب :((طبيعة المنطقة وتكوينها ولايملكون البدائل والرؤى الحقيقة سوى شعارات عامة تبشر بديمقراطية يضحون هم أنفسهم بمبادئها))(ص62) .مما جعلهم يرتكبون أخطاء سياسية فادحة،أفضت إلى أوضاع سلبية غير صالحة مثل :((حل الجيش والاستغناء عن كثير من الأجهزة دفعة واحدة ،وهي أمور يمكن أن تكون مساعدة لهم فخلقوا لأنفسهم مأزقا إضافيا))(ص65).وقبل الاجتياح الهمجي،تعرض العراق إلى حرب إعلامية مدروسة،لا يوازيها كثافة  سوى ماوجه سابقا للاتحاد السوفياتي،وقد ساهم في هذا التسمم الإعلامي والمخابراتي إلى جانب أمريكا كل من إيران والكويت والسعودية وقطر وغيرها.
إذن، انتهى العراق إلى وضعية "كف عفريت" ،مما يمثل اختبارا حقيقيا للمقاومة،ومدى قدرتها على إعادة ترتيب الأوضاع من جديد.ولعل، أبرزحقيقة أزال عنها منيف الغشاوة،جزمه أن المقاومة هناك محض عراقية ولا ينبغي تضخيم المشاركة العربية :((فالتراث العراقي في المقاومة هو تراث عريق.لم يهدأ العراق يوما منذ ثورة العشرين حتى عام 1958وما بعده، كان هناك دائما تمردات وعصيانات خاصة في العراق الأوسط.يضاف إلى ذلك أن عدم دخول الجيش في معركة حقيقية أثناء الهجمة الاستعمارية الجديدة قد أدى إلى الاحتفاظ بالسلاح بين أيدي الناس.وللنفس العشائري دور مهم،وكذلك لطريقة الأمريكيين في التعامل مع الواقع،كل هذه الأمور مجتمعة هي ما يلهب المقاومة))(ص67).أما القيادة الأمريكية،فتنسب كل مقاومة لسياستها في العراق إلى جماعة القاعدة ،ذلك التنظيم البدائي العاجز أصلا عن القيام بهذا الدور.منيف ،يستغل مناسبة القول،كي يوضح موقفه بخصوص 11شتنبر2001 :((وأنا عندي قناعة – وهي بحاجة إلى مراجعة- أن 11أيلول هو صناعة داخلية أمريكية،أو على الأقل هيئت لها أجواء وظروف داخلية مكنتها من أن تعبر عن نفسها بهذا الشكل.أسامة بن لادن هو شخص بدائي لاتتعدى ثقافته كتابا واحدا وهو يقود مجموعة من العقول المتخلفة،فمن غير الممكن أن يستطيع الانتشار في العالم بهذا الشكل))(ص67).
المستقبل لايهم العراق وحده،بل امتداداته الإقليمية بأسرها.بالتأكيد،التصورات التي سادت سابقا طيلة الفترات الماضية،لم تعد كافية و مقنعة  بل يلزمنا إعادة بناء الرؤى جذريا وفتح سجالات موضوعية.ولعل العراق،بما يكتنزه من ثروات بشرية ومادية وعقلية،قادرا على تأسيس كائن استثنائي.مادامت،هناك بلدان تتجلى مساهمتها في البناء الحضاري أكثر من غيرها :((فالشعر الحديث أول مابدأ في العراق، وبشكل ناضج،خلافا لتجارب أخرى ظهرت هنا أو هناك وظل تأثيرها محدودا نسبيا،كذلك موضوع العمارة،فثمة عدد كبير من المعماريين العراقيين يتمتعون برؤى وتجارب مميزة قياسا بالمعماريين العرب الآخرينوكنت تجد عددا متزايدا من العراقيين لديهم اهتمام جيد بالآثار،وأنا لم أر شعبا يهتم بالتاريخ مثل الشعب العراقي))(ص68-69 ).       
 ماذا عن الموقع الاعتباري للعراق في علاقته،من جهة بمجموعة دول الخليج؟ثم من جهة ثانية ، الهاجس القوي للشعور بفلسطين لدى العراقيين؟. بالنسبة للقضية الأولى،تميزت العلاقة دائما بالمد والجزر. كما،أن القوة والكتلة البشرية التي يعكسها العراق،تحولت دائما عند الخليجيين إلى حذر مصدره وجود مطامع عراقية في هذه الدويلات،وقد لعب التحريض الاستعماري دورا ماكرا : ))من جهة  أخرى بقي العراق،باعتباره الأكبر حجما والأكثر رقيا وتحضرا ينظر إلى دول الخليج باستعلاء))(ص61-60).لكن في الآن ذاته،لا ينبغي أن يغيب عن ذهننا :((أن العراق يؤمن عمقا استراتجيا لإمارات الخليج ويشكل نوعا من الحماية لها ويجنبها الخضوع لابتزاز الدول الاستعمارية))(ص-61).
أمريكا،تسكنها رغبة إعادة تطبيق وتفعيل سياقات دبيّ على الأرض العراقية.فما هي حظوظ ذلك؟منيف، يستبعد الافتراض تماما مؤكدا استحالة تبني خطوات نشأة نموذج دبيّ :((لا يمكن ضبطه في العراق،وكر الأفاعي،فلا أعتقد أن الأمريكيين سيتورطون في هذا الموضوع.لعلهم يسعون لإقامة نظام رأسمالي منفتح،ولكن بحدود.إن صيغ الرفاهية الظاهرية والاستهلاكية،والمعمار الضخم،ليست مقياسا للتطور،وهي أمور قد لايمكن تكرارها على نفس النمط،فلا حاجة ولا إمكانية لأن يعاد نسخ نموذج دبيّ))(ص61).  
أما،بالنسبة للمحور العراقي الفلسطيني.فعلى النقيض من مصر،التي لم يتعزز لديها الشعور العروبي إلا سنة1954 ،ردد العراقيون دائما بأن صلاح الدين الأيوبي، من حرر بيت المقدس.أيضا، تم تهيئ الجيش العراقي منذ وقت مبكر كي يلعب دورا في المنطقة بأكملها.ومنذ نهاية الخمسينات،قدم المثقفون الفلسطينيون المقيمون في العراق دورا متميزا ولافتا،في طليعتهم كما ورد سابقا جبرا إبراهيم جبرا،الذي ساهم بترجماته ومحاضراته وحضوره الاجتماعي،في تكريس حياة ثقافية غنية.كذلك،تعضد التفاعل الفلسطيني-العراقي،بسبب وجود :((جالية يهودية في العراق ضاربة في القدم استمرت موجودة وفاعلة منذ أيام العصر العباسي وحتى سنة 1949كان كثير من المرافق الحيوية في العراق تدار من قبل اليهود))(ص74).لهذه العوامل وأخرى،كان((من الطبيعي أن إ سرائيل  كدولة مخابرات لم ترفع نظرها طول الفترات الماضية،وقد قصفت في وقت مبكر المفاعل الذري العراقي،كما كان لها الدور الأكبر في التحريض على العراق وفي تركيز كل العواطف السلبية الغربية تجاهه))(ص76 ).
إسرائيل،التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية لإخضاع دول المنطقة،تضمر أطماعا لا حدود لها،لاسيما في ظل موقف عربي يتصف بالرخاوة والتخاذل :((لو كان المناخ العربي أكثر فاعلية وتفاعلا مع الفلسطينيين لكان أمكن تأمين حد أدنى من التوازن،ليس على صعيد الأسلحة والجيوش،وإنما لحشد تأييد عربي لحماية الحقوق الفلسطينية))(ص77).غير، أنه بناء على منطق المجابهة البناءة،ينتقد منيىف العمليات الاستشهادية التي لا تؤدي، إلى خلق ظروف ومناخات أفضل للدفع بالحلول السياسية إلى مراحل متقدمة.
يظهر،أن مؤلف "الأشجار واغتيال مرزوق"،يتبنى بخصوص الصراع الفلسطيني-الإسرائلي،نفس مقترح إدوارد سعيد،الداعي إلى دولة ثنائية الهوية والقومية،بحيث صنفه ضمن : ((أبرز من استطاع أن يقرأ المرحلة بعناصرها الأساسية واحتمالاتها دون انفعالات كبيرة وبعقل ناقد ومتطور وانطلاقا من ثوابت أساسية حرص على تطويرها ومحاورة الآخر بها لخلق أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها))(ص79).لقد عاش هذا المثقف المرموق في مدينة نيويورك، مركز صنع القرارالصهيوني،مما جعله يستوعب جيدا وعن قرب كيفية صنع القرار،كما نسج علاقات مع عدد من اليهود المنفتحين،فأمكنه ذلك القيام بدور رئيسي من أجل تقديم الموقف الفلسطيني وشرحه وتوضيح مختلف تعقيداته.
الإحالة على إدوارد سعيد- دعا منيف بين طيات حديثه إلى إنشاء مركز يسمى باسم هذا العقل الفلسطيني المتوقد،يشرف عليه أشخاص ذوي كفاءات متميزة قصد ترجمة أعماله وتحيين مناخها الفكري داخل العالم العربي- يمثل مدخلا لمقاربة دور المثقفين العرب،وفهم ممكنات تموقعهم ارتباطا بتغيرات تعرفها الساحة الإقليمية والدولية، وما يطرحه الأفق من أسئلة راديكالية.
هكذا، الانتقال بين الحزبي والثقافي ثم الإيديولوجي والمعرفي والحدود بين الحزب والمثقف و مدى مشروعية المثقف التقني ومستويات التشبع بالأطاريح السياسية، شكلت محاور نقاش بقدر ما أبان منيف من خلاله عن مرونة نظرية ودعوته للانفتاح على قيم العصر والإنصات لنبض المجتمع،فقد تمسك في نفس الوقت بمرتكزاته الصميمية التي ارتقت به إلى مثقف تقدمي مناهض لكل المنظومات الرجعية.
قام المثقفون العرب،بأدوار كبيرة مطلع القرن العشرينولعل طه حسين،أهم مثال ينط إلى الذاكرة، بحيث انتقل بالثقافة من ممارسة محض نظرية إلى التركيز على العلاقة بين المثقف والجماهير،والارتباط بقضايا المجتمع الأساسية كالصحة والمواصلات،كما صار التعليم فترة عهده مجانيا في متناول أوسع الطبقات الفقيرة .  فيما بعد،جاء دور الشعراء،كما الحال مع الجواهري. ثم برز دور الصحافيين وتبعهم الروائيون،ونشأت الأحزاب،حينها تحول المثقف بالتدريج إلى فاقد لحريته. يشرح منيف الوضعية قائلا :((فالحزب السياسي،كان،في الدرجة الأولى بحاجة إلى إعلاميين أكثر مما هو بحاجة إلى منظرين لأنه يعتبر أن الزعيم السياسي هو المنظر الأكفأ والمفترض أن يكون الوحيد .وقد أصبح قادة الأحزاب السياسية هم الذين يمارسون التنظير وتبرير المواقف السياسية وتقديم القراءات في مرحلة معينة فيما أصبح مطلوبا من المثقف أن يقتصر على الدور الإعلامي مبررا ومفسرا لما يريده السياسي))82-83 ).بالتالي، الموقع الحضاري الذي يرتضيه منيف للمثقف،يوازن أنطولوجيا بين الحزب باعتباره فضاءه الأمثل للاشتغال، لكن دون أن يتجاوز حجمه. في المقام ذاته،يستحيل على السياسي الاستغناء عن التعقيدات المفهومية التي يسبر المثقف أغوارها وينحت هياكلها.
بناء عليه،يفند منيف الأدبيات المتزايدة خلال السنين الأخيرة،المتسامية بشيء اسمه المثقف التقني مقابل الإيديولوجي. فهو لايضمر،أي تقدير للأول مشددا على عدم ضرورة تلويحه بمرجعية إيديولوجية،بل المهم :((أن يحافظ على علاقة مع الجماهير ومع مشكلات بلاده وقضاياه . نحن بحاجة،لمثقف من نمط جديد لديه ثوابت والتزامات تجاه القضايا الوطنية كما هو الأمر بالنسبة لعدد كبير من مثقفي أوروبا))(ص 84) ،أي حتمية نجاحه في تحقيق  معادلة بين تمثل آفاق العصر، في نفس لحظة دفاعه عن القيم الأصيلة والبناءة.
يجسد المثقف والسياسي،سبيلا مشتركا نحو التغيير المنشود. شريطة، محافظة كلاهما على مسافة نقدية تجاه الوقائع .غير، أنه في خضم هذا السعي وجهة استكشاف الرؤى، يجدربنا التعامل مع جمعيات المجتمع المدني بنوع من اليقظة والاحتراس،فليس جميعها ملتزم فعلا برغبة صادقة في تغيير المجتمع،بل يمارس بعضها التضليل من أجل استدرار عطف المعونات الأجنبية.  يقول منيف :((فانظر مثلا إلى هذا العدد الكبير للجمعيات غيرالحكومية في مصر وفي غيرها من الدول العربية التي تتلقى معونات-وفي بعض الأحيان بشكل مجاني دون مقابل-وإنما هي لإفساد المثقفين وإغرائهم))(ص86-87 ).
كتابه"بين الثقافة والسياسة" (1998) ، تطرقت فقراته إلى الدور المطلوب من المثقف العربي،في هذا العصر الأمريكي، ولكي يواجه دولة القمع والخوف،حيث نستخلص ثلاث محاور أساسية : 
-1 بغياب الثقافة والمثقف،تتهاوى المناعة الاجتماعية2.-لا يمكن للمثقف، أن يكون بديلا عن المؤسسة السياسية، لكن يتحتم عليه القيام بدور نقدي والتصدي  لظاهرة  القمع. - 3.تأصيل الثقافة الوطنية والهوية، التي تميز الشعوب. 
     
في آخر هذا الحوار،لامس منيف بشكل عابر الطفيف من فهمه للرواية. موضوع، توسع فيه بتفصيل دقيق عمله الآخر :"الكاتب والمنفى".منطلقا من قناعة عارف محترف، مفادها أن الرواية عملية شاقة وليس بالسهلة،وما يشفع لها تلك المتعة التي تصاحبها، مماثلتها للحب، بحيث :((تعاني فيه أحيانا،غير أنه يولد شعورا بالغبطة الداخلية))(ص97).أما إشاراته الواردة هنا،فيمكن حصرها في الآتي : -1أن الرواية،أصبحت تتأسس على معرفة بالمجتمع وفضاءاته المتنوعة. 2-نجاح الرواية، مرتبط بفهم البنى المجتمعية والاقتصادية ومعرفة بعلم النفس.  3-أن بعض النصوص، الروائية تكتب لمجرد إظهار براعة اللعب اللغوي والمتعة الشكلية،نتيجة تقليد مباشر لبعض الاتجاهات الغربية.
لقد مثلت الرواية،ملجأ حميميا لعبد الرحمن منيف،الذي بقي رافضا حتى آخر يوم من مماته لواقع الفساد والتخلف الذي ينخر المنطقة العربية.فحينما،اصطدم بتجليات خواء العمل السياسي وتعسكره وتحوله إلى مجرد صراع على الكراسي،ستمنحه الكتابة سندا أسمى كي يصدر بياناته الاحتجاجية عبر طيات نصوص رائعة ابتدأت ب"الأشجار واغتيال مرزوق"وانتهاء ب"أرض السواد".
يعبر، طلال شرارة عن حيثيات المسار، قائلا :((إذا كانت تجربة الأحزاب في بلدنا لم تنجح في التصدي لمهمات التغيير المطلوبة بسبب عدم توفر الشروط والنضوج الكافية، فهذا لايشكل سببا للرضوخ))(ص107).هكذا،وبقدر تنقلات منيف بين عواصم عربية مغضوبا عليه وملاحقا من طرف الأجهزة البوليسية، تقاطرت تباعا حلقات متنه الروائي، فمارس بكل عنفوان دوره :((الريادي في التأسيس للرواية العربية وفي خلق لغة روائية متميزة وإقامة عمارة روائية متقنة الصنع،وفي دوره الفعال في العمل على تطوير الذائقة الجمالية والوعي السياسي النقدي بين أجيال من الشباب العربي منذ سبعينات القرن الفائت))(ص123 ).
ذات يوم وعلى غفلة منا،غادرنا منيف إلى الأبد،والمنظومة العربية بمختلف مكوناتها،تهزها أسئلة في غاية التعقيد والتداخل والإشكال،يجعلها قابلة لشتى التأويلات والاحتمالات،خاصة وأن مصيرنا بغير بوصلة ولا وجهة. فقط،رجل من صنف عبد الرحمن منيف والقلة النادرة جدا التي على شاكلته،يمكنهم أن  يهتدوا بنا إلى أحسن السبل، كي نحصل باستحقاق على بطاقة عضوية نادي الأمم الراقية.
منيف، لم تهزمه السياسة كما حدث لأغلبية الرواد،مع أنه كائن سياسي بامتياز. تدارك بسرعة نبل قناعاته،فانتصر على نفسه ولم يترهل أو يتشيأ. انتصر بالكتابة والى الكتابة، بشموخ  لايتأتى إلا للذوات الكيفية :((ترك العمل الحزبي والسياسة بمعناها الضيق ليلتزم بقضايا الإنسان العربي))(ص120).جعل من الرواية خطاب ضميرحي،يقتفي خطوات الحدث العربي،يروم في كل الأحوال نحو إنبات وتكريس وعي سياسي رصين قادر على المجابهة.
هامش :
-ماهر جرار :عبد الرحمن منيف والعراق : سيرة وذكريات الطبعة الأولى .2005.المركز الثقافي العربي (الدرالبيضاء- بيروت).






                                                                                                                                

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق