‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 مارس 2019



غاستون باشلار :"أنا أستاذ سيئ،لتدريس الأدب"
سعيد بوخليط

"لاأعتبر نفسي أستاذا للأدب،ليست لي ثقافة كافية للمهمة.أليس كذلك؟أحاول دراسة حقبة أو النبش فيها.كل ما أنجزته من كتب،تبقى بالنسبة إلي مجرد مضامين للتسلية".غاستون باشلار.
اشتغل غاستون باشلار،على رافدين معرفين كبيرين،هما:العلم والأدب.لم تكن أبحاثه،بالنسبة للأول أو الثاني،مجرد محاولة أكاديمية للفهم أو إضافة تراكم ما،بل الجوهري،لدى باشلار،العالِم الموسوعي الفذ،عاشق الرياضيات والقصيدة،الفيزياء والرواية،الكيمياء والنحت،بنفس ذات الشغف والوجد،أنه أرسى دعائم قطيعة معرفية ومفهومية ومنهجية،سواء في تاريخ العلم أو الأدب.
هكذا،حقق ثورة نوعية بالنسبة لفلسفة العلوم،متجاوزا مرجعياتها الصنمية التقليدية،مطورا إياها،حتى يصبح في مقدورها ملاحقة ومواكبة،التطورات السريعة التي عرفتها الرياضيات مع أزمة الأسس(هندسات ريمان ولوباتشفسكي)أو الفيزياء(المفاهيم الجديدة لنظرية النسبية ومنظومة الميكروفيزياء الدقيقة جدا).
بالموازاة مع ذلك،رسخ باشلار لبنات ثورة شعرية همت التصور السائد عن الخيال،غيرت تماما مجرى اهتمامات النص الأدبي،وقد تحول بدراسة إستتيقا النص من المجال الخارجي،المستند على الدراسات السيرية/البيوغرافية،وكذا المحددات الاجتماعية/العرقية،كما تجلى الأمر مع أنصار النزعة العلموية الكلاسيكية خلال القرن التاسع عشر(مدام دي ستايل/سانت بوف/هيبوليت تين).
أفق،أعاد باشلار من خلاله،النص الأدبي إلى مجاله الخاص،داعيا إلى التركيز، أولا وأخيرا،على مكوناته الجوانية،بدل الوقوف عند معطياته البرانية،السوسيو-اجتماعية.بفضل هذا الإلهام الباشلاري،تشعبت كميا وكيفيا، امتدادات الموضوعاتية/التيمية والبنيوية والتحليل الظاهراتي وحداثة الصورة الشعرية،فأحدث حقيقة ثورة كوبرنيكية.   
باشلار،المنتمي إلى قرية صغيرة تسمى "بار- سور- أوب"(Bar-sur-Aube)،في منطقة شامبانيا الفرنسية.المنتمي من الناحية الجينية،إلى سلالة أسرة متواضعة جدا،امتهنت صناعة الأحذية،والذي ابتدأ حياته المهنية موظفا مؤقتا في مكتب البريد،لكنه تابع دراسته،فحصل سنة 1912على شهادة في الرياضيات،وانقطع قاصدا خنادق المعارك للمشاركة في الحرب العالمية الأولى كجندي خَيَّال،ودرَّس في ثانوية بلدته الفيزياء والكيمياء إلى جانب الفلسفة،سيتوج هذه الشق الأول من حياته،بدكتوراه في الفيزياء سنة 1927،والتحول إلى تدريس الفلسفة وتاريخ العلوم في جامعة ديجون والسوربون ،ثم اختتم مساره،المُتناول هنا،على نحو سريع ومقتضب جدا،بمنحه سنة 1961 استحقاق الجائزة الوطنية الكبرى للآداب….  
باشلار،الرافض بداية إحدى محاوراته الصحفية على مناداته ب"أستاذ''، بل يفضل الاكتفاء بتسميته غاستون باشلار،أو فقط باشلار،وقد دأب فعلا طلبته على مخاطبته بلقبه الشخصي،كما تؤكد ذلك،إحدى شهادات معاصريه:((كنت أشاهده في هذا الرواق على امتداد سنوات،يتجه صوبي ويأخذني معه إلى مكتبه،يتحدث لحظات قبل ذهابه نحو القاعة(c)حيث ينتظره هناك بلهفة وسعادة العشرات والعشرات من الطلبة.يدخل مرتديا بشكل دائم لباسه الرسمي الأسود،شخص رشيق وحيوي.وجهه:عينان سوداوان تتوقدان ذكاء.لحية وشَعر ببياض الثلج.يدان تعيشان وتفكران بالنظرة والابتسامة في كل الوجود.طلبته يعرفونه،ولاينادونه سوى باسمه الشخصي)).
مع ذلك،رغما عن رغبة باشلار،يعتبر الرجل حقا وبكل لغات العالم،القديم والحديث والمستقبلي،ثم أينما وليت وجهك،أحد أساتذة الإنسانية الكبار،ومرجعا مفصليا بخصوص تأسيسات الحضارة البشرية،وقد امتلك عقلا جبارا،أهَّله بكل سهولة كي يكون:((علميا مع العلماء،وشاعريا مع الشعراء))،لأن من يتوخى تبيِّن هندسة القنبلة الذرية،يلزمه التمرن قبل ذلك،على التماهي مع الإيحاءات المجازية للصور الشعرية، بحيث تعايشت داخل متن باشلار، نظريات وتأملات كل هؤلاء:ديكارت، رامبو، أينشتاين، بودلير، نيوتن، إدغار بو، برجسون،كافكا، لوتريامون،هولدرلين، بلزاك، فلوبير، ريلكه، فاليري، هيغو،نيتشه، شيلي، ريلكه، نوفاليس، بروتون، أراغون، غيوم،سانت بوف، سوينبرن،أفلاطون، بروتون، هنري ميشو، ديدرو، بوسكو، ألبير بيغان، رونيه شار، فان غوغ،برانشفيك….
قبل انتهاء باشلار،عند مرحلة كونه :"أستاذا سيئا،لتدريس الأدب"،فقد شكلت الحقبة الأولى ضمن مشروعه،اهتماما خالصا بما يجري داخل المختبرات العلمية،وانصب هاجسه المحوري على تخليص الممارسة العلمية من عوائق ''التجربة الأولى''؛"المعرفة العامة"؛"العائق الجوهري"،وضرورة تحقيق القطيعة بين المعرفة العلمية والعامة،والنظريات العلمية الجديدة والقديمة.ثم تبلور،سياق ثان،حسب المرحلة نفسها ضمن هذا النزوع الموضوعي،مع إصداره لكتاب :"التحليل النفسي للنار''(1938)،بحيث تجلى تحمُّسه للتحليل النفسي،وهي اللفظة التي استعملها قبل هذا الموعد،عنوانا فرعيا؛هامشيا،لدراسته عن :"تشكِّل الفكر العلمي"،قصد الوقوف على الأخطاء والعقد والمكبوتات التي تمثل عائقا أمام تطور العلوم.
أما المرحلة الثانية،فقد تبنى خلالها باشلار الظاهراتية،مستحضرا مع فينومينولوجيا يوجين مينكوفسكي،مفهوم الرنين أو الصدى،قصد إرهاف السمع تماما لرنين الصورة الشعرية،في ذاتها،باستمرار ودون توقف،وهي تجدد انبثاقها الفوري،اللحظي،المنبعث على نحو لانهائي،مادام باشلار لم يعد يسعى سوى لمتعة القراءة،والحلم من خلال القراءة.يقول،بهذا الصدد :((كم كنت أستاذا سيئا للأدب!لقد بالغت في الحلم وأنا أقرأ.أيضا،أفرط في التذكر.مع كل قراءة أصادف وقائع حلم يقظة)). يضيف :((أفهم جيدا أنه يلزمني أن أدرس أكثر، لكنكم تطلبون مني أكثر مما ينبغي.لا أدري،لست مؤهلا للقيام بهذا المشروع.أتوخى على العكس من ذلك،تكريس ماتبقى لي من القوة،كي أواصل ما أنجزته.آه!أجدني مع تلك القصيدة غير المحكومة بوحدة كلية،لكنها تتضمن صورا جميلة.مثلما ترون،دوري متواضع جدا،ولا أعتبر نفسي أستاذا للأدب)).

http://saidboukhlet.com                                                                                          

الجمعة، 28 سبتمبر 2018


«التحليل النفسي للنار» لباشلار: تعديلات حتى الرمق الأخير
ابراهيم العريس



في الحقيقة أن المرء لن يمكنه أن يدرك الأسباب الحقيقية التي جعلت من كتاب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار «التحليل النفسي للنار» واحداً من الكتب الفلسفية الأكثر حظوة لدى الشعراء وكل المهتمين بالشعر في العالم، إلا بعد الاطلاع بعمق على هذا الكتاب الذي تُرجم إلى العديد من لغات العالم وقُرئ على نطاق واسع خلال الثمانين عاماً التي مرّت على صدور طبعته الأولى في العام 1938. صحيح أن موضوع الكتاب وتوجهه العلمي فلسفيّ، لكن من الأهمية بمكان هنا الإشارة إلى أنه إنما أتى في الأصل مستوحى من مكتسبات التحليل النفسي الذي كان سيّد كل أنواع التحليل في الحقبة التي اشتغل فيها باشلار على الكتاب. غير أن اللافت في الأمر هو ان مرجعية باشلار هنا لم تكن فرويدية بل يونغية. لكن قراء الكتاب لم يتوقفوا بالتفصيل عند هذه الجزئية بالطبع. كان ما يهمهم هو المنطلق الذي اشتغل عليه الكاتب وفحواه أن «الإنسان يتخيّل أولاً ثم يرى بعد ذلك» وما ينطبق على الإنسان هنا ينطبق بالأحرى على الشعراء. ومن هنا عمد باشلار إلى تصنيف كل ما يشتغل على المخيلة من أحلام وأساطير انطلاقاً من تلك العناصر الأربعة الشهيرة: الهواء، الماء، النار والتراب. ولئن كان باشلار قد وفى بوعوده واشتغل على كل من العناصر على حدة، فإن اشتغاله على النار في هذا الكتاب كان الأكمل والأوضح، وبالتالي الأشدّ جاذبية. وربما لأن للنار رمزينها وسحرها ودلالاتها بما يفوق أياً من العناصر الثلاثة الأخرى.


> في هذا النص البديع والذي يمكن أن يُقرأ كنص شعري، وزّع باشلار موضوع كتابه على ثمانية أقسام رئيسية تضافر كل قسم منها مع شاعر أو رمز شعري ينتمي إلى تاريخ هذا الإبداع بل يلتحم معه. وهكذا مثلاً نراه في القسم الأول يتوقف، وبعد مقدمة تعمّد أن يدعو فيها إلى اتباع الصرامة العلمية في بحث هذا الموضوع، عند موضوعة احترام النار بالإنطلاق مما سماه مركّب برومثيوس (سارق النار المقدسة)، ليلاحظ أن ما يجب أن نعرفه عن النار قبل أي شيء آخر هو أن ليس علينا لمسها! وذلك قبل أن يفيدنا بأن مركّب برومثيوس ليس سوى عقدة أوديب التي تخص العالم الذهني.

> وفي القسم الثاني ينتقل المؤلف من مركّب برومثيوس إلى ذاك المتعلق بإمبدوقلس الذي يذكّرنا بأنه قد رمى نفسه، وفق الأسطورة في فوهة بركان إتنا المشتعل... ما ينقله إلى البحث في سيكولوجية مُشعل النار بعدما درس سيكولوجية سارقها. وهذا ما يتيح له في القسم الثالث أن ينتقل إلى ما يسميه مركّب نوفاليس الذي ارتبطت النار في أشعاره بالحلم والخصوبة. ومنه إلى النار المُجَنْسَنة في علاقتها مع الرغبات غير المستجاب لها باعتبار تلك العلاقة أول ما لاحظه الإنسان الواعي في تاريخه. وإذ يتحول الكاتب في فصل تال إلى دراسة كيمياء النار دراسة علمية خالصة، نجده بعد ذلك يعود إلى علاقتها بالإبداع، وهذه المرة من خلال هوفمان وحكاياته التي تقول لنا ذات لحظة إن «ماء الحياة ليست سوى ماء النار»، كما ينتقل في الفصل السابع، انطلاقاً من هذه الفكرة تحديداً إلى علاقة النار بالطهارة، مايوصله في استنتاجه الأخير إلى القول إن «حلم اليقظة المتعلق بالنار هو الذي يسمح لنا بإبراز أن كل التباسات هذا العنصر، ومنها الوعي بالاحتراق والإحساس بكثافة النار، تتعلق جميعاً بمسألة الألم»، خالصاً إلى أن حلم اليقظة هو وحده القادر حين يكون خلاقاً على تحطيم تلك الآلام الملتبسة، وذلك بالتحديد «لأن المخيّلة هي القوة التي تؤمّن الإنتاج النفسي، للحرية الإيجابية الولود».

> انطلاقاً من مثل هذا النص الذي يمزج بين العلم والشعر، ربما كان الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، من أحق المفكرين بأن نستعير له الصفة التي كانت تطلق على فيلسوفنا الإسلامي الكبير أبي حيان التوحيدي، وهي أنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء». فهو في الحقيقة يكاد أن يكون أكثر الفلاسفة شعبية في صفوف الأدباء. ومن المعروف أن نظرياته الفلسفية التي تناولت الطبيعة والإبداع الأدبي والفني والتحليل النفسي قد أثرت في العديد منهم. ومن هنا نجد أن ما يمنعنا من القول إنه كان الأكبر بين الفلاسفة الفرنسيين في النصف الأول من القرن العشرين ليس سوى وجود هنري برغسون في ذلك القرن. فلم يكن غريباً إذن أن تختاره أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية لعضويتها، وأن يُمنح الجائزة الكبرى القومية للآداب قبل عام من رحيله.

> لقد حقق باشلار خلال حياته، ثم بعد موته بخاصة، مجداً فكرياً كبيراً، وأربى تراثه الفلسفي والفكري بصورة عامة على عشرات الكتب التي قرئت وترجمت على نطاق واسع. ومع هذا كان باشلار عصامياً، تحدّر من أسرة مكافحة، حيث كان أبوه إسكافياً معدماً.

> ولد غاستون باشلار في العام 1884 وتلقى دراسة ابتدائية عادية قبل أن يلتحق بالجامعة منتسباً، حيث راح يقوم بشتى الأعمال والوظائف خلال النهار ويثقف نفسه عند المساء. ولقد مكّنه هذا النشاط الاستثنائي من أن يحوز الإجازة في الرياضيات في العام 1922. وهو بعد ذلك انصرف إلى دراسة الفلسفة وحصل على الدكتوراه في الآداب في 1927، وهو العام نفسه الذي أصدر فيه كتابه «دراسة في المعرفة المقاربة»، الكتاب الذي درس فيه مسألة المعرفة، بوصفها ذات مهمة محددة تكمن في «الاختيار والتدقيق والاستبصار». وعلى الفور تنبّه الباحثون إلى أهمية هذا المفكر الذي يسير على عكس التيار الأكاديمي السائد. لذلك حين عُيّن في العام 1930 أستاذاً للفلسفة كبداية لعمله الجامعي، كان قد أضحى معروفاً لدى الأوساط الفكرية، وكانت أفكاره قد بدأت تلقى رواجاً واهتماماً.

> طبعاً بعد ذلك بكثير كتب عنه لوي ألتوسير قائلاً: «لا يريد باشلار لفلسفة العلوم أن تكون مجرد تدخّل فلسفي في العلم. وهو في هذا يعارض جميع الفلسفات التقليدية التي كانت سائدة وكانت تجعل الهدف من تأملها في العلم احتواء النتائج العلمية لمصلحة المذاهب الفلسفية، واستغلال النتائج العملية، بالتالي، لمصلحة أهداف تبريرية تخرج عن إطار الممارسة العلمية».

> قبل ذلك، وقبل أن يُعتَرَف لباشلار بهذه المكانة، كان عليه أن يصدر المزيد من الكتب وأن يثير المزيد من المناقشات، وأن ينوّع اهتماماته، من الدراسة الأركيولوجية والتحليلية النفسية للفكر العلمي في تطوره (في كتابه «محاولة في التصنيف») إلى كتابته حول فلسفة العلوم وتاريخها في «تكوين الروح العلمي: محاولة في التحليل النفسي للروح الموضوعية»، ثم في «الروح العلمية الجديدة» و «الإيجابية العقلانية في الطبيعيات المعاصرة».

> على رغم أهمية بحوث باشلار في تاريخ العلوم وفلسفتها كما في قضايا الإبستمولوجيا، فإن الأشهر بين كتبه تظل تلك الكتب «الخفيفة» التي تحمل عناوين مثل «التحليل النفسي للنار» الكتاب الذي نقدمه هنا واعتبر دائماً من أكثر كتب هذا الفيلسوف شعبية ولا سيما في أوساط الشعراء من الذين اعتمده بعضهم «إنجيلاً» له؛ و «الماء والأحلام» و «الهواء والأحلام» و «الأرض وأحلام الإرادة» و «الأرض وأحلام السكون»، وهي كلها وضعها بين 1938 و1948، ونالت شعبية كبيرة ومارست، بالإضافة إلى المحاضرات التي كان يلقيها في السوربون خلال تلك الفترة نفسها، تأثيراً كبيراً تعدى إطار الحلقات الجامعية والأكاديمية.

> مهما يكن فإن بإمكاننا أن نقول عن باشلار إنه بعلمه الواسع والعميق، وموضوعيته الصارمة، وعمق تحليله، وإخلاصه في البحث الدائم عن الحقيقة، تمكن من أن يجعل لنفسه مكانة شبه مجمع عليها في الفكر الفرنسي الحديث. وهذا ما جعل مفكراً مثل روجيه غارودي يكتب عنه قائلاً: «في زمن كان فيه التيار الأقوى بين تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة لا يكف عن المطالبة برفض العلم، كان الفضل الأكبر لغاستون باشلار يكمن في استمراره بالتمسك من دون هوادة بالمأثور العقلاني، متابعاً تطور العلم عن كثب، ولسان حاله الدائم يقول: إن تاريخ العلوم هو تاريخ هزيمة كل مفكر لا عقلاني».

> نذكر أن باشلار ترك كرسيه في السوربون في العام 1955، وكان في أواسط الأربعينات قد عرف كيف يجتذب إلى محاضراته هناك كتّاباً من أمثال إيلوار وكوينو وغيلفيك. وكان من المعروف عنه أنه كان يستيقظ عند الخامسة من صباح كل يوم ليبدأ العمل من فوره. وهو كان يعيد النظر في كتبه على الدوام ويعدلها في الطبعات اللاحقة، كما هي حال كتابه «التحليل النفسي للنار» الذي وضع له صياغة نهائية عام موته.

.......
 (*) الحياة اللندنية 14 سبتمبر 2018

الأربعاء، 1 نوفمبر 2017

الخيال والشعرية الحالمة عند باشلار

محمد الديهاجي
Sep 27, 2017

شكلت التفجيرات المفهوماتية التي مست مجالات الأدب واللغة والفلسفة، في بداية القرن العشرين، وما خلفته هذه المرحلة (الحرب العالمية الأولى) من صدمات نفسية وجروح تاريخية، عجلت بظهور تيارات جديدة في الأدب والفلسفة والفن، كالسريالية والتحليل النفسي، تيارات تفجرت معها قيم معرفية وفنية جديدة كالحلم، والجنون والهذيان واللاوعي… قلت لقد شكلت هذه المتغيرات منطلق المشروع الفلسفي عند غاستون باشلار(1961 ـ 1984)

ومشروع باشلار مرتبط أساسا بمقولة الخيال، وتحديدا « الخيال الحُلمي» لقد شكل مفهوم الخيال عند باشلار «مقدمة أساسية في ضبط الميكانيزمات التي يشتغل بها وعليها مشروعه الفكري. هذا الخيال الذي ينتج الصور الشعرية والنظرية العلمية، يشكل أطروحة أساسية في فكر باشلار، حيث بدراساته لعلاقة الصور الأدبية بالخيال، جدد النقد الباشلاري رؤيتنا للأعمال الجمالية والإبداعية»(سعيد بوخليط – باشلاريات).

ولئن كان التصور التقليدي للخيال (منذ أرسطو إلى عصر الأنوار) لا يحيد عن اعتبار الخيال فكرة منذورة للغلط والوهم والزلل، فإن باشلار سيقطع مع هذا الموروث، وسيقوم بثورة حقيقية في نظرية الخيال كان من نتائجها ما يلي:

ـ وضع تعريف وتصور جديد للخيال، بالقطع مع الموروث السابق.
ـ إعطاء تقسيمات للخيال، تغاير وتتجاوز التقسيم التقليدي.
ـ التأكيد على استقلالية الخيال حيال الواقع.
ـ تحويل الخيال إلى علم وتشييده كفيزياء أو كيمياء لحلم اليقظة.
ـ الانصهار في الإشكال السيكولوجي للخيال.
ـ النظر إلى الخيال في محدداته المبدعة.
ـ القيام بتحليل موضوعي للخيال، وهو ما أدى بباشلار إلى صياغة نظرية في «الأمزجة المتخيلة».
ـ النظر إلى صور الخيال بوعي جديد يمكّننا من وضع اليد على الأبعاد الدينامية للنفسية الجديدة.» (سعيد بوخليط)

لم يعد الخيال، عند باشلار، هو ذلك التشكيل البسيط للصور وإنما غدا ملكة لتغيير الصور، أي ملكة للخلق والتحديث والابتكار (الإبداع). ووحدها، فقط، العناصر الأربعة المكونة لكوسمولوجية الكون ( الماء/الأرض/الهواء/النار) القادرة على تحريك هذه الملكة. لقد اعتبر باشلار هذه العناصر بمثابة الهرمونات الحيوية لفعل الخيال، يقول: «وفي الحق نظن أن بإمكاننا أن نثبت، ضمن إطار الخيال، قانون العناصر الأربعة التي تصنف مختلف ضروب الخيال المادية بحسب ارتباطها بالنار، والهواء، والماء أو التراب».

إن الخيال الإنساني يظل جامدا ما لم يُسقط مكوناته على العناصر الأربعة المؤسسة للكون. وعلى هذا الأساس سيقسم باشلار الخيال إلى نوعين أساسيين هما: «الخيال الصوري» و»الخيال المادي»، يقول باشلار ها هنا: «يمكننا إذ نعبر عن أفكارنا فلسفيا في الحال، أن نميز نمطين من الخيال: خيال يولد العلة الصورية، وخيال يولد العلة المادية، وباختصار شديد، الخيال الصوري والخيال المادي» (الماء والأحلام)، فأما الخيال الصوري «فيتعلق أساسا بالصور المرتبطة بالظواهر الهوائية» (سعيد بوخليط)، في حين يرتبط الخيال المادي «بالتأملات والأحلام وكذا أحلام اليقظة المتجهة نحو الماء والأرض» (بوخليط).

إن الخيال المادي للماء «إنما هو نموذج خاص من الخيال» (الماء والأحلام)، خيال أفقي فياض، فيه ألفة شديدة الاختلاف عن تلك التي توحي بها أعماق النار، النار (اللهب) ذات الألسنة العمودية (شعلة قنديل ـ باشلار)، التي هي في حاجة دائمة لإضاءة، أقصد في حاجة إلى شعلة. والشعلة هي من بين الأغراض التي تستدعي الحالومية، وهي في نظر باشلار من أكبر صانعات الخيال. فالشعلة لا تأخذ قيمتها إلا من خلال المجازات والخيال. ويبقى الصانع الخيالي هو المحرك الفعلي لعالم التعبير. إنه حامل الشعلة وهو بذلك شاعر بامتياز، ووحدها المخيلة القادرة على إدراك الجانب المطلق في الحالومية. إن حالومية هذا الكون تفرض أولا على المتأمل أن يربط هذه التجربة بالنار، فكل منظر من مناظر الحياة « هو تجربة حُلمية قبل أن يكون مشهدا واعيا. ولا نشاهد مع إحساس جمالي إلا المناظر التي رأيناها أولا في الحلم. يفهم من هذا أن بوسعنا أن نربط بعنصر مادي كالنار أنموذجا من حلم اليقظة الذي يقود معتقدات حياة بأكملها، ومشاعرها ومثالها وفلسفتها « (الماء والأحلام – باشلار)

وسنختتم بنص في غاية العمق والشاعرية لرائد الفلسفة الجمالية المعاصرة، أقصد غاستون باشلار، حول مفهوم الخيال الأدبي، يقول فيه: «أما مفارقة استطلاعاتنا حول الخيال الأدبي: فهي إيجاد الواقع بالكلام، هي الرسم بالكلمات، وهي ذات حظ ما بأن نهيمن عليها هنا، ذاك أن الخيلات المحكية تترجم الإثارة الفارقة التي يتلقاها خيالنا من أبسط الشعل. لا بد لنا أيضا من توضيح مفارقة أخرى، ففي رغبتنا وإرادتنا لكي نعيش الخيال الأدبي من خلال إناطتها بكل راهنيتها، ومع طموح أكبر للبرهان على أن الشعر قوة فعالة في الحياة اليوم، ألا توجد، بالنسبة إلينا، مفارقة نافلة قوامها وضع أحلام كثيرة في برج القنديل» (شعلة قنديل).

٭ شاعر وكاتب مغربي
(*) المصدر: القدس العربي


الخميس، 17 أغسطس 2017

باشلار قارئاً لوتريامون... شاعر الغرائز البدائية
بقلم: محمد مظلوم

يطرح كتاب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار عن «لوتريامون» الصادر عن دار الروسم/ بغداد بترجمة حسين عجَّة، السؤال المتجدِّد عن علاقة الفلسفة بالشعر، وأيهما يغذِّي الآخر، وهو السؤال الذي تداولته الفلسفة نفسها عبر مختلف العصور من الإغريق مع أفلاطون وأرسطو إلى فلاسفة القرن العشرين وكتابة هايدغر عن هولدرلين وريلكه وتراكل، ولعل ثمة ما يمكن مقارنته بين دراسة هايدغر لمسألة «الحيوان» في المرثية الثامنة من «مراثي دوينو» لريلكه وكتاب باشلار الذي رأى فيه أن لوتريامون يتقصد «حيونة» كلّ شيء حوله: الإنسان، والأزهار، والأشياء، وحتى ذاته.

هذا الكتاب الذي ألَّفه فيلسوف الحدس والشاعريات عام 1939، جاء في ذروة الانشغال المتأخر نسبياً بلوتريامون بخاصة بعدما اكتشف فيليب سوبو ديوان «أناشيد مالدورور» بالصدفة في مكتبة صغيرة ونبَّه بروتون عليه فصار مرجعاً للسريالية، التي رأى البعض أن تأثير لوتريامون عليها أقوى من تأثير رامبو.

قد لا يناسب أي تحليل آخر لظاهرة لوتريامون المثيرة و «أناشيد مالدورور» تحديداً، أكثر من منهج باشلار الذي نقل التفسيرات الفرويدية من عالم الإنسان الباطني ويقظة أحلامه، إلى غرائز الطبيعة، وذلك في تحليله النفسي لعناصرها، بخاصة أن شعر لوتريامون ينطوي على هذه الشراسة الواضحة في البلاغة المتوحشة، والعصابية النفسية في المعنى، والجسارة في المخيلة، والانحراف المتطرَّف في اللغة.

يستعير حسين عجَّة في تقديم ترجمته عبارة آنتونان آرتو في وصف لوتريامون بأنه «شاعر مسعور بالحقيقة» وهو وصف يبدو مناسباً للمحتوى المركزي في عمل باشلار الذي ركز فيه على أن لوتريامون وحش بشري في أخيلته وهو «أحد ملتهمي الزمان الكبار» بعنف لا يرتوي، وأن المركَّب الأساسي في عمله هو مزيجٌ من الحياة الحيوانية والطاقة العدوانية.

وعلى رغم تحذير عجَّة من استعادة التصورات المنهجية المعروفة في منهج باشلار في الفنومولوجيا، وحدس الظاهر والتحليل النفسي لعناصر الطبيعة، في قراءة عمله هذا إلا أن الكتاب في مجمل مضمونه، لا يبتعد كثيراً عن تلك المنهجية، فالتأويل في هذه الدراسة يسعى إلى إعادة صياغة عالم ما وراء الشعرية باعتماده على المفاهيم النيتشوية في الشهوة والقوة والتفوق، ممزوجة بفكرة الإرادة لدى شوبنهاور، لذا فهو يطبق على القوى الخفية للنفس ما طبَّقَه على السيرة الأخرى للنار والهواء والماء.

حياة غامضة

يؤكد باشلار إن قراءة لوتريامون تنطوي على مخاطرة، لأنه الخطر نفسه: غريزة ذئب وخوف إنسان كما يتمثل خطره في أنه شخص عاش في كل عناصر الخيال، بينما ظلَّ هو عاجزاً عن الحياة، ومن هنا سعيه إلى هزيمة عجزه عن عيش الحياة بقوَّة اللغة. فالشعر ينعطف نحو الغرائز بوصفها قوى، والحياة كونها مصيراً. ولأن حياة «أزيدور دوكاس» باسمه الصريح بقيت غامضة، أو شحيحة على الأقل، فإن اسم الكتابة المستعار، سيخضع للتحليل النفسي الصارم، على يد باشلار، ليس من خلال وقائع سيرته الشخصية، وإنما بتأويل رموزه الشعرية.

يضع باشلار لوتريامون مع رامبو وبودلير كأهم شعراء القرن التاسع عشر. إذ لا شيء تم استلامه في عمله الشعري النادر «أناشيد مالدورور»، لا شيء جرى انتظاره. ولا شيء تم استئنافه. ولتأكيد ذلك يحصى 185 حيواناً لدى لوتريامون في أناشيده. ويلاحظ أنه يركَّز في تحوُّله على الحيوانات السريعة والعدوانية المفترسة بوصفها رموزاً لتعقيدات ذاتية: الذئب والنمر، تعبيراً عن عقدة الحياة البدائية البرية، والقرش عن عقدة الحياة البحرية، والصقور عن التطلع إلى الطيران. بينما الأنياب والمخالب والمناقير وسمّ الأفاعي هي الوسائل العدوانية لمعظم هذه الحيوانات وهو ما يؤكد إنها ممثلة بوضوح في الأناشيد، وتصوِّر نزعة القسوة الشابة، والشعور البدائي للإرادة. لكن «العنف الدوكاسي» كما يرى ليس تعبيراً عن انتقام وكراهية، وهو يختلف عن عنف الماركيز دي ساد، فهو عنف شِعري متوقِّد، أما التحوَّل - المسخ تحديداً - فيرى فيه سعادة، لأنه يجد فيه وسيلة لتحقيق فعل القوَّة. والبحث عن زمن جديد، عكس التحوُّل لدى كافكا الذي عبَّر فيه عن تباطؤ حركة الروح وانحسار تأثيرها.

يعتمد لوتريامون في شعره وفقاً لباشلار، على غرائز الإنسان البدائي والطاقة الحيوانية المضمرة، ويعكس الديناميكية البدائية للغة، ولهذا جاء شعره إسقاطياً مما يجعل التحليل النفسي مناسباً، ويمنح الفيلسوف المولع بتقصي الظلال الخلفية للنموذج البدئي وروح العناصر وأطيافها الغائبة، القدرة على البحث في أعماق الوجود والمناطق المظلمة فيه، وهذا البحث المشترك عن البدائية هو أهم ما جمع الفيلسوف بالشاعر.

وعلى رغم أن حياته لا توحي بتمرُّد واضح كما رامبو، يحيل الفيلسوف تمرد الشاعر إلى ما يسميه جذور «ضغينة المراهق» التي تتجسد في مهاجمة الأضعف والأقوى على حد سواء، وتتسم بالغرور والاستعلاء، والتهكم من مدرِّس البلاغة المعادي لحرية المخيلة! ولأنَّ الحياة الأدبية وجه آخر للحياة المدرسية، ظل لوتريامون يحلم بالعدوِّ الأكبر، العدوّ الواعي بكل شيء، فالوعي الذي يتغذى من ندامات الماضي ومن الأسلاف ممثلاً في الأب أو المعلم أو أية سلطة أخلاقية عليا، سيمنح تحديه الثقة والقوة، ومن هنا مصدر تحديه اللا محدود: «أقدم نفسي كمدافع عن الإنسان، هذه المرة، أنا المحتقر لكل الفضائل» «اما الإله فهو يخشاني وأخشاه»

في دراسته «لمشكلة البيوغرافيا» يرى إن مجرد اختلاف كتَّاب السيرة على التاريخ الدقيق لميلاد لوتريامون وطفولته الغامضة في الأورغواي، لهو اعتراف بصعوبة ربط عبقريته بزمنه. وينتقد استسهال من قرأوا تجربته على أساس الاضطراب العقلي وإحالتها أحياناً على الجنون المطبق، لأنهم برأيه أغفلوا تعقيدات العلاقة بين الوعي واللاوعي، ما يؤدي إلى استنتاجات سايكولوجية معكوسة، كما ينتقد النقد الأدبي لتجاهله للجنون المكتوب. مستشهداً بعبارة بروتون: «المخيلة اللوتريامونية تُقدِّم لكم عوالمَ متعدِّدة إلى الحدِّ الذي توشكون فيه على عدم معرفة كيف يمكنكم التصرف في هذا العالم»

إيماءات

«الأناشيد» تجسيد للحياة التي لا يمكن عيشها، ومن هنا استلهام السورياليين للوتريامون، من خلال كسره للصور المألوفة: «ماكنة خياطة، مظلة، وطاولة تشريح» وفي تلك الإيماءات النشطة والهذيانات المفعمة بالحيرة والفزع التي يسميها لوتريامون نفسه: «طوفانٌ يفلتُ من السيطرة ومُستقيم!» أما المجاز الذي يستخدمه فيها بتطرف فهو عبقرية سايكولوجية. كما أن اهتمامه بالتجريد نوع من العزلة، لكنها العزلة المراقبة وغير الكفيفة أو المنكفئة. فحين يقدم ابتهالاً للرياضيات: «أيَّتُها الرياضيَّاتُ الصارمةُ، لَمْ أنْسَ منذُ دروسِكِ العلمِيَّةِ، الأكثرِ حلاوةً مِنَ العَسَل المتقطِّرَ في قلبي، وكأنَّهُ موجةٌ منعشة» فإن الأمر هنا يتعلق بالدقة والعنف، العنف البارد والعقلاني، وهذا على عكس تهكمه من مدرس البلاغة، لأن الرياضيات صارمة، وعنيفة، وهو ما يفضله لوتريامون. فبعض الأرواح يتفوَّق لديها التعبير على الحياة، أو أنها شيء آخر غير الحياة.

من هنا يصفه في فصل آخر بأنه «شاعر العضلات والصرخة» منطلقاً من مقولة «ليس هناك من شيء في الذهن ما لم يكن في الأعصاب أولاً» فلا يمكن تصور تأمل خامل مع شعر لوتريامون لأنه هيجان خاص لحياة مختلفة تماماً عن حياتنا، وشعوره بالجسد ليس مجرد شعور غامض، إنه يضيء بصورة عنيفة من خلال يقينه بامتلاك العضلات. فحين يقول: «وُلِدتُ بينَ ذِرَاعَي الصَّمَم» سنجد هذا الأصمّ بالولادة يصرخ لاحقاً «يبدو لي أنَّ كراهيتي وكلماتي، بَعْدَ تَجاوزِها للمسافات، تَقْضِي على قَوانينِ الصَّوتِ وتبلغُ بصورةٍ مميزةٍ آذانَهمْ التي جَعَلَها خِوارُ البَحْرِ صَامِتة» وهو ترجيع لأصوات الحياة الحيوانية المتعدِّدة التي عاشها.

تتلخَّص عقدة لوتريامون بـ «الحيوانية بوجه إنساني»، وهو ما يجعل الأمور متداخلة: الخوف والقسوة. الهروب من الواقع والحنين إلى الأعجوبة، التداخل بين العقل والجنون، الواقع والأحلام. وبالمقارنة بـ «أشعار بربرية» وهو عمل للكونت دو ليزيل سبق صدور الأناشيد ببضع سنوات، يرى أنه على رغم كثافة حضور الحيوان في «أشعار بربرية» إلا إنها تبقى أقلَّ من كثافتها الفاعلة في «أناشيد مالدورور» التي تجسد تنوعاً كبيراً لأشكال السعار وللقوة التحولية بما يحقِّق قطيعية الغرائز.
في هذا العمل النادر ثمة شراهة تبادلية بين الشاعر والفيلسوف لاختراق المسافة الواسعة من الحلم والعزلة، وهي عزلة عميقة ومأساوية. فإضافة إلى أنها مكتوبة بشراهة الغريزة وهذا الإخلاص الذي لا يقهر للقوى البــدائية، يرى باشلار أن الأناشيد تنطوي على قدرة كبيرة على الاستــجابة لكل إغواء ممكن، في المخيلة والبلاغة والمضمون، وهو ما حقَّقَ في شعر لوتريامون هذا الاختراق اللغوي الذي ميَّزه عن جميع شعراء عصره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة

اللغة .. الوظيفة الجميلة للتهور الإنساني



"هناك أيضا شعراء صامتون، يلازمون الصمت، شعراء يعملون أولا على إعادة السكينة إلى عالم صاخب جدا، وكل القسوة الرعدة. يسمعون كذلك، ما يكتبونه، في الوقت ذاته الذي يكتبون فيه، من خلال المقياس البطيء للغة مكتوبة. لا يستنسخون القصيدة، بل يؤلفونها".

 استهلال أدبي رفيع لأحد نصوص غاستون باشلار حول النقد الأدبي ينقله للعربية الباحث سعيد بوخليط يفرق بين من يستنسخون القصيدة وبين آخرين "يعزفون"مباشرة ما أبدعوه على الصفحة البيضاء. آخرون "ينشدون" بواسطة الميغافون تعابير الأبهة. هؤلاء، يتذوقون إيقاع الصفحة الأدبية حيث الفكر يتكلم، والكلام يفكر. يدركون قبل تقطيع الشعر، والاستماع، يقينية الإيقاع المكتوب، وبأن الريشة تتوقف من تلقاء ذاتها أمام تعاقب صوتين، رافضة التجانسات الصوتية غير المجدية، يتوخون أفكارا أكثر من تكرار أصوات. كم هو عذب أن تكتب كذلك، بتحريك كل أعماق الأفكار المتأملة! كيف يمكننا الإحساس بالتخلص من أزمنة سخيفة، ترشح، يغمرها ملح البارود! بفضل بطء القصيدة المكتوبة، تعثر الأفعال على تفاصيل حركيتها الأصلية. حيث يعود لكل فعل، ليس فقط زمن تعبيره، بل الزمن الصحيح لحركته. فالأفعال التي تدور ثم الأخرى التي تبعث بك، لا يخلطان أبدا حركتهما. وحينما تأتي صفة كي تزهر جوهرها، تخول لنا القصيدة المكتوبة، الصورة الأدبية، إمكانية أن نعيش على مهل زمن الازهرار ذاك.

إذن، القصيدة هي حقا الظاهرة الأولى للصمت. تترك حيا، بين طيات الصور، الصمت المنتبه. تؤسس الشعر ضمن الزمن الصامت، حيث لا شيء يطرق، يضغط أو يأمر. زمن مستعد لكل الروحيات، إنه زمن حريتنا. كم هو بئيس الوقت الجاري، لقاء الأزمنة التي تبدعها القصائد! قصيدة: هي موضوع زماني جميل يخلق مقياسه الخاص. وقد حلم بودلير بهذه التعددية، المتعلقة بالنماذج الزمانية (كتاب قصائد نثرية مقتضبة، تقديم)، قائلا: (من منا لم يحلم، خلال أيام طموحه، بمعجزة نثر شعري، موسيقى، بلا إيقاع ولا قافية، لين جدا، وغير مترابط كفاية، لكي يتكيف مع الحركات الغنائية للنفس، وتموجات التأمل الشارد، وكذا قفزات الوعي؟). هل تنبغي الإشارة أنه في ثلاثة أسطر، حدد بودلير تقريبا مختلف التجليات الأساسية للديناميكية العروضية مع استمراريتها، وتموجاتها ثم نبراتها المباغتة؟ لكن خاصة مع تعدد أصواتها، تتجاوز القصيدة المكتوبة كل إنشاد. حينما نكتب، ونتأمل، ينبعث تعدد الأصوات، كصدى لخاتمة. باستمرار، للقصيدة الحقيقية، طبقات متعددة. يمتد الفكر تارة فوق، وتارة أخرى، تحت الصوت الرخيم. ثلاث مخططات، على الأقل ظاهرة، بخصوص القياس المتعدد، الذي عليه إيجاد توافق الكلمات، الرموز ثم الأفكار. إن الإصغاء لا يمكِّن أبدا من الحلم بالصور في العمق. لقد اعتقدت دائما أن قارئا متواضعا يتذوق على نحو أفضل القصائد بإعادة كتابتها بدل إنشادها. الريشة في اليد، بالتالي سنمتلك بعض الحظ كي نمسح الامتياز الجائر للصوتي، ثم نتعلم في المقابل، أن نعيش ثانية أكثر عمليات التكامل اتساعا، تلك المتعلقة بالحلم والدلالة، تاركين للحلم الوقت، كي يجد علامته، ويرسم بهدوء دلالته.

كيف يمكن بالتالي، نسيان الفعل الدال للصورة الشعرية؟ العلامة هنا ليست استعادة، وذكرى، أو السمة المتعذر محوها بخصوص ماض بعيد. لكي تكون جديرة بلقب صورة أدبية، يحتاج الوضع إلى استحقاق أصلي. فالصورة الأدبية، معنى لحالة ناشئة، الكلمة - الكلمة القديمة- تأتي لتكتسي دلالة جديدة. لكن هذا لا يكفي أيضا: يلزم الصورة الأدبية الاغتناء بحُلُمية جديدة. الدلالة على شيء آخر، ثم الحث على الحلم بكيفية مختلفة، تلك بمثابة المهمة المزدوجة للصورة الأدبية. القصيدة، لا تعبر عن شيء غريب عنها. حتى بالنسبة لنوع من "الديداكتيكية" الشاعرية الخالصة، التي تتجلى مع القصيدة، فإنها لا تبرز الوظيفة الحقيقية للشعر. لا توجد قصيدة سابقة عن عمل الفعل الشعري، مثلما لا تقوم حقيقة قبلية عن الصورة الأدبية، ولا تأتي الأخيرة لتكسو صورة عارية، ولا إعطاء الكلام لصورة خرساء. الخيال، يتكلم فينا، تتكلم أحلامنا وأفكارنا. يرغب كل نشاط إنساني، في التكلم. وحينما يعي الكلام بذاته، يسعى النشاط الإنساني حينئذ إلى الكتابة، بمعنى تنظيم الأحلام والأفكار. يبتهج الخيال بالصورة الأدبية. إذن، ليس الأدب بديلا عن أي نشاط آخر. بل، يتمم رغبة إنسانية ويجسد انبثاقا للخيال.

تذيع الصورة الأدبية رنات، يجب تسميتها برنات مكتوبة، وفق نموذج بالكاد مجازيا. نوع من الأذن المجردة، قادرة على تناول أصوات مضمرة، تستيقظ ونحن نكتب، كما تفرض الشرائع التي تحدد الأجناس الأدبية. ومن خلال لغة مكتوبة بعشق، سيتهيأ نوع من الإصغاء المتطلع، دون أي سلبية. تقدمت طبيعة المنصت المذعن، عن تلك الأخرى المتعلقة بمجرد الاستماع. الريشة تغني! إذا استسغنا هذا المفهوم عن طبيعة الاستماع، سنتلمس كل قيمة التأملات الشاردة ليعقوب بوهمه: "لكن، كيف تفعل إذن حاسة السمع قصد الإصغاء إلى ما يرن ويتحرك؟ هل نقول بأنه يتأتى من صوت الشيء الخارجي كما يرن؟ لا، هذا يجب أن يكون شيئا يحتجز الصوت، ويكون شنيعا معه، مميزا الصوت الذي عزف أو غنى". خطوة أخرى ثم يصغي الكائن الكاتب لفعل كتب، الفعل الذي جعل للأفراد.

بالنسبة لمن يعرف التأمل الشارد المكتوب، سيدرك مع فيض القلم، كيف يحيا الواقع القصي جدا! مااستحضرناه سابقا لنقوله أزيح بسرعة كبيرة، من طرف الذي أخذناه على حين غرة لكي نكتبه، فنشعر حقا أن اللغة المكتوبة تخلق عالمها الخاص. عالم جمل، يتموضع بترتيب على الصفحة البيضاء، في إطار ترابط للجمل، تحوي غالبا قوانين جد متعددة، لكنها تحرس دائما القوانين الكبرى للخيالي. الثوارت التي تغير العوالم المكتوبة تتم لحساب عوالم حية أكثر وأقل تصنعا، لكن دون محو بالمطلق لوظائف العوالم المتخيلة. تشكل دائما البيانات الأكثر ثورية، تأسيسات أدبية جديدة. تغير لنا العالم، لكنها تأوينا دائما في عالم متخيل.

من جهة أخرى، حتى مع صور أدبية منعزلة، نحس بحركة هذه الوظائف الكونية للأدب. تكفي أحيانا صورة أدبية، كي تنقلنا من عالم إلى آخر، فتتجلى الصورة الأدبية بمثابة الوظيفة الأكثر تجددا للغة. لغة، تتطور بصورها،أكثر من مجهودها "السيمانطقي". في إطار تأمل "كيميائي"، سمع يعقوب بوهمه "صوت العناصر" بعد انفجارها، عندما دمر الانفجار"جهنم الضارية" و"اقتحم باب الظلمات". كذلك، فالصورة الأدبية متفجرة، تعمل فجأة على تشظية الجمل الجاهزة، كما تهشم الأمثال التي تتدحرج من عصر إلى آخر، وتسمعنا المواد بعد انفجارها، حينما تركت جهنم من جذرها، فاقتحمت باب الظلمات، وغيرت مادتها. باختصار، تضع الصورة الأدبية الكلمات في حركة، كما تردها إلى وظيفتها الخيالية.

بصدد الفعل المنطوق، الفعل الذي نكتبه في ظل الامتياز الكبير لاستحضار أصداء مجردة حيث تنعكس الأفكار والأحلام. يأخذ منا الكلام المعلن كثيرا من القوة، كما يقتضي حضورا أكثر مما ينبغي. لا يترك لنا السيادة الكلية على بطئنا. هناك صور أدبية، تهتدي بنا نحو تأملات لا نهائية، صامتة. فندرك لحظتها، امتزاجا عميقا للصمت داخل الصورة ذاتها. وإذا توخينا دراسة ذلك، فلا يجب أن نجعل منه مجرد جدلية خطية بين الوقفات والصيحات، خلال الإنشاد. بل من الضروري استيعاب أن مبدأ الصمت في القصيدة، يجسد فكرا مضمرا ومتواريا. فما إن يفطن فكر إلى الاختفاء تحت صور ترصد قارئا في الظل، حتى تخمد أصوات الضوضاء، ثم تبدأ القراءة المتمهلة والحالمة. تنمو جيولوجية الصمت، حين البحث عن فكر مختبئ تحت الترسبات التعبيرية. سيكشف لنا عمل ريلكه Rilke مجموعة نماذج بخصوص هذا الصمت العميق نصيا، حيث يلزم الشاعر القارئ كي يرهف السمع إلى الفكر، بعيدا عن الأصوات المدركة، وكذا الهمس القديم للأفعال الماضية. فقط حينما يتم هذا الصمت نفهم النَّفَس التعبيري الغريب.


كم هو جائر النقد الأدبي، الذي لا يرى في اللغة سوى تصلبا للتجربة الباطنية بالعكس، دائما اللغة عند مقدمة فكرنا تقريبا، شيئا ما أكثر غليانا من عشقنا، إنها الوظيفة الجميلة للتهور الإنساني، والتفاخر المقوي لطاقة الإرادة، وما يبالغ في القوة. لقد أشرنا في مناسبات عديدة خلال هذه الدراسة إلى الطبيعة الديناميكية للخيال المفرط، حيث بدونها لا يمكن للحياة التطور. عموما، تأخذ الحياة أكثر مما ينبغي، لكي تحصل على الكافي. مثلما يلزم الخيال أن يأخذ بشكل مفرط حتى يكون للفكر ما يكفي. وينبغي للإرادة أن تتخيل جدا، لكي تحقق ما يكفي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الاقتصادية

صدور كتاب: «الذاكرة والمتخيّل».. نظرية التأويل عند غاستون باشلار




صدر عن دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى من كتاب: الذاكرة والمتخيل نظرية التأويل عند غاستون باشلار للمؤلف: د.أحمد عويّز بواقع 181 صفحة.

نبذة عن الكتاب:

هذا الكتاب يُقدّمُ مقاربةً مهمّةً تُسلَّطُ الضوءَ على بُعدي «الذاكرةِ والمتخيّلِ» المركزيين المُهيمنين في العقلِ الإنسانيّ ومكوناتهِ وملكاتهِ وانطولوجيا أحلامهِ وأوهامهِ وذاته الهائمة، عبر أكوانٍ متنوّعةٍ من الصورِ التي تنتسبُ إمّا إلى الذاكرةِ في زمنٍ خطّيٍّ يبدأ من ماضٍ حافلٍ بالتجارب المنصرمةِ في ذكرياتِ الطفولةِ بشغبِها وأحلامِها وأماكنِ ألفتِها وعوالمِها البعيدةِ وإما إلى صورِ عالمٍ حاضرٍ يندفعُ فيها العقلُ إلى إنتاجِ لحظتهِ المتخيّلةِ التي قد لا تستندُ إلى الذاكرةِ، ولا تقومُ على قاعدةِ مماثلةٍ للصورةِ الأصلِ المحفوظة، فتبدأ من حاضرٍ لتتصل بالمستقبلِ، ولـربّما التـقى الاثـنـان فأصبحتْ الصورةُ محمولةً مـن ذاكرةٍ ماضيةٍ، تُنتجُ متخيّلاً حاضراً يرنو نحو مستقبلٍ قادمٍ.

يقفُ الفيلسوفُ والناقدُ الفرنسيّ غاستون باشلار في رؤيتهِ التأويليّة باهتمامٍ على هذين البُعدين «الذاكرة والمتخيّل» رؤية يربطُها بالخيالِ الإنسانيّ وملكاتهِ، وتكوينِ الصورِ بناءً على قاعدةٍ ظاهراتيّةٍ تخوضُ في بعضِ تحليلاتِها بمـا سمّـاه باشـلار بسيـكولوجيا الأعماق.

جاءَ هذا الكتاب مُتتبعاً معالم نظريّتهِ التأويليّة ليقول شيئاً جديداً عن فيلسوفِ العلمِ الشهيرِ عبر مقاربةٍ مختلفةٍ تربطُ هذين البعدين المركزيين وتُحيلُ الصورَ الحُلميّة المتخيّلة إلى ممكناتٍ أنطولوجيّةٍ في ضوءِ تأويليّةٍ باشلاريّةٍ، ومن هنا تكونُ مزيّة هذا الكتاب.

ـــــــــــــــــــــ