‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيمون دو بوفوار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيمون دو بوفوار. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 21 فبراير 2022

رسائل سيمون دو بوفوار/ نيلسون ألغرين(الحلقة 14)

        

                                           ترجمة : سعيد بوخليط



     الخميس  12 يونيو1947

حبيبي،

لقد وصلتني رسالتكَ،فاتنة بألوان حمراء، زرقاء، بيضاء،على طراز العلم الفرنسي، رسالة طويلة وظريفة، أبهجتني كثيرا :بوسعي قراءتها أربع أو خمس مرات،دون أن تنتهي تماما غواية الوقوف على جوانب آخرى من مضمونها.أنتَ رائع حقا.

لم تمر ليلة الحفلة حسب الأجواء المطلوبة،فقط تسليتُ لأن كل شيء يسليني دائما.كان القبو على مايرام، رحبا تكتنفه ظلمة يضم حانة جميلة،المقاطع الموسيقية جيدة،إلى جانب وفرة مشروبات جين، الويسكي، الكونياك،أما الضيوف فقد اختيروا بعناية.

رغم كل ذلك،انتهى الحفل إلى الإخفاق،حتما نتيجة إفراطهم في الشرب،دون إدراكهم لمعنى ذلك.

بدوري،حدث معي نفس الأمر،لكني بقيت متماسكة،بينما نام الجميع في غضون ساعتين،ثم شرعوا يبكون وخاصة يتقيئون في كل الزوايا.ساعدتهم على التقيؤ،ووزعت عليهم مناديل،فقد انشغلت كليا بالوضع،لذلك كابدت طامة كبرى.

منذ البداية،انهار موسيقيون من شدة الثمالة،هكذا توقفت  أنغام القيثارة، والبيانو، وكذا الترومبيت.ظل عشرة من بينهم تقريبا سالمين،فاستمرت الأمسية غاية الخامسة صباحا،وكنتُ وحدي فقط متوقِّدة جدا ضمن المجموع.عندما دقت حدود الساعة الخامسة،كم بَدَا ممتعا الخروج والتنزه إبان فجر باريس المذهل. !

فيما بعد،حينما التقيتُ ثانية ضيوفي،أقروا لي استمتاعهم بأجواء الأمسية،بما فيهم النائمين،البكَّائين والمتقيئين.إذن،رغم جلّ ماحدث،لم يكن إخفاقا.

نسيت حقيبتي داخل القبو،لذلك توجهتُ صبيحة اليوم التالي إلى إدارة الفندق قصد إخبارهم والاستفسار عن مصيرها.فعلا،استعدتُها من المديرة التي بادرت إلى سؤالي وأنا أتسلم حقيبتي :

-"ألم تصادفوا عَيْنا هناك؟''.

يا للهول !قفزتُ من الفزع.

-''لا لم أعثر عليها''. 

ثم أضافت :''لقد أخبرني أحد الشباب،بأنه نسي عينه في الخمارة بمحاذاة مزهرية ورود،ولم نجدها هناك.عين زجاجية،انتزعها إبان الأمسية كي يظهرها إلى صديق،لكنه نسيها !''.

لم أسمع سابقا كلاما أكثر فظاعة،مما أشعرني باهتزاز للعالم خلال ثانية.

أسعدتني رسالتكَ وقد تضمنت أخبارا عن الشقراء المزيفة(1)،وكذا القطة الكبيرة للآنسة ج.أيضا،سعيدة لكوني علمت انكبابكَ على كتابة فصول روايتكَ.حاولْ أن تنجز الأفضل.لست متيقنة من استحساني للعناوين التي تقترحها(2)،عموما العنوان الثاني أفضل،وإن نزع قليلا نحو عوالم فرديناند سيلين. نعم . ربما، فكرتَ مستقبلا في عنوان آخر مقنع أكثر.

بما أنكَ تهتم بالوجودية،أودّ إحاطتك علما بأن ألبير كامو،مؤلف رواية الغريب، أصدر منذ فترة عملا مهما عنوانه الطاعون، تطرق محتواه إلى موضوع احتلال الألمان لباريس من خلال حديثة عن تاريخ الطاعون في وهران.

 يصف كامو الوباء الفظيع،عزلة المدينة التي انهارت بسببه،وراء أبواب مغلقة خوفا من العدوى،الخوف؛الشجاعة.يحاول بين طيات مختلف ذلك،تأمل دلالة الوجود البشري، وكذا مبررات استساغته.لا أتفق مع جل تصوراته،لكنه يوظف فرنسية جميلة، وبعض مقاطع كتابته تهزّ المشاعر وتخاطب الفؤاد.

أشعر بالخيلاء : تلقيتُ رسائل من أمريكا لتهنئتي بخصوص مضمون المقالة التي اطلعتَ على مضمونها في مجلة'' Sunday Supplement ''،مقالة سبق''لصاحب الحسِّ الدَّرَكي''(3)أن احتقرها بدناءة شديدة.أشعر بالزهو،لأنه بحسب المشرفين على المنبر فقد استوعبتُ شيئا من أمريكا.

هل تعلم،بأني قررتُ حتما العودة إلى أمريكا خلال السنة المقبلة والبقاء هناك لمدة طويلة،ومتيقنة في إمكانية العثور على وسيلة قصد تحقيق الهدف. بالمطلق،سأفعل.فلن يمد لكَ يد العون سواء الرب أو الجياد(4)،إن عارضتكَ الظروف بخصوص إمكانية قدومكَ إلى فرنسا.

حين تواجدي في أمريكا،سيكون أمامنا حيز زماني واسع.قد نشتري سيارة،ثم نتخلص منها بإعادة بيعها.أيضا،يحتمل أن نجوب أطراف البلد بالطائرة والحافلة،ثم نمكث لفترة في مدينة نيو أورلينز،أشعر كليا بالإثارة لمجرد استحضار جل تلك الأمور،أعشق تماما خوض غمار سفر حقيقي صحبتكَ.سنتسلى،إذا أمكنكَ ثانية الاستمتاع بكل التفاصيل،وفق ذات التجربة التي عشناها معا في نيويورك. أنت ظريف،وسنتقاسم معا ساعات من الضحك،مما يشكل معطى رائعا. فالعشق والضحك،أفضل رفقة خلال السفر.

بينما حاليا والزمن يصادف مساء سبت،فسأعود إلى البادية، يتهاطل المطر مصحوبا بريح كبيرة. أحب هذا الجو.

مارأيكَ في مستوى لغتي الانجليزية؟ضعيف للغاية،أليس كذلك؟وطريقة كتابتي،هل تعجبكَ؟

حسنا،أحبكَ،جملة بوسعكَ حتما أن تقرأها. 

أقبِّلكَ حبيبي، كثيرا، طويلا، وبشغف. 

*هوامش :

   (1)صديقة أليغرين،عاهرة، مدمنة على المخدرات، ومتزوجة بلص .

(2)  التمس أليغرين رأي بوفوار بخصوص عنوانين محتملين لروايته.

(3) واحد ضمن زمرة الصداقات الغريبة التي نسجها أليغرين.

(4)أدمن اليغرين لعبة الرهان على سباق الخيول وكذا لعبة البوكر.

 

       

*المصدر : رسائل سيمون دو بوفوار، غاليمار،1997 .

        

الخميس، 6 يناير 2022

رسائل سيمون دو بوفوار/ نيلسون ألغرين(الحلقة 13)

     ترجمة : سعيد بوخليط 



 بدعوة من جامعات أمريكية عديدة،سافرت سيمون دو بوفوار إلى الولايات المتحدة الأمريكية،بحيث مكثت هناك طيلة الفترة الممتدة من شهر يناير غاية ماي.

خلال شهر فبراير،في نيويورك،التمست ماري غولدستين من صديقها نيلسون ألغرين،حين زيارته مدينة شيكاغو،الذهاب قصد التعرف على الكاتبة.

فعلا اجتمع بها وقضيا معا ليلة،وعند ظهيرة اليوم التالي،اصطحب ألغرين بوفوار في جولة شملت أحياء المدينة المهمشة،وكذا حانات الحي البولوني.

بعد ذلك، أخذت بوفوار القطار المتجه إلى لوس أنجلس.

                                    

 الخميس  12 يونيو1947

حبيبي الغالي،

طيلة أسبوع.لم تصلني أيَّ رسالة منكَ.لامشكلة لدي كي أتحلى بمزيد من الصبر، بهذا الخصوص،سوى التشكيك في تقاعسكَ عن المبادرة إلى الكتابة.لقد تهامسنا :"لن نخسر معا وجودنا المشترك''.أومن بكَ مادمت أعلم إيمانكَ بي،وأدرك بأنكَ لن تنساني.مع ذلك، يغمرني الحزن.

حينما وصلتُ باريس،توجهتُ قبل فعل أيّ شيء ثان،صوب الفندق أملا في العثور هناك على رسالتكَ :البارحة، وجدتُ صندوق الخزانة الصغيرة فارغا،كما الشأن هذا الصباح،ولازال الوضع على حاله طيلة اليوم.

من ناحية أخرى،مكثتُ ثلاثة أيام في القرية،ثم غادرتُ على متن سيارة أجرة،فكان الاختيار سيئا،وإن سحرتني خلال المسافة مشاهد قرى جميلة ذات طابع فرنسي حقا،ممرات صغيرة،تحيط بها غابات وأودية.

انكببتُ جديا على عملي،لأن تهيئ كتاب حول أمريكا يشغل هواجسي،سيكون مشروعا طويلا،فبالإضافة إلى أنِّي لست معتادة أبدا على الإسراع في الكتابة،يبدو صعبا جدا ما أتطلع قصد إنجازه.بهذا الصدد،لم أتبيَّن بعد الايجابي من السيئ،مع ذلك أتقدم وبمتعة.

عدتُ إلى باريس البارحة.

سأقيم هذه الليلة حفلة!لذلك وجهتُ دعوات إلى عشرين صديقا تقريبا،بغية الاحتفال برجوعي من أمريكا(أو بالأحرى حبيبي"الإبعاد القسري"عن أمريكا،بينما يسميه هؤلاء رجوعا).

عثرتُ على معالم قبو جذاب يمكننا الرقص داخله على إيقاع أسطوانات رائعة لموسيقى الجاز وكذا معزوفة فنية أخرى.اشتريتُ قنينات من أصناف الكحول التالية :ويسكي، كونياك، جين، فودكا،بعد ذلك تفرغتُ للعناية بمظهري فاتخذتُ كامل زينتي،بحيث ارتديتُ الفستان المكسيكي الذي اشتريته في نيويورك، ثم القلادة الزجاجية التي تحبها.بدوتُ حقا أنيقة،رغم إقراركَ لي خلال مناسبة سابقة باستحالة أن أكون كذلك. 

حبيبي،كم سأشعر بالسعادة،لو تراجعتُ عن استضافتي لهؤلاء المدعوين وشرعتُ في تكسير الزجاجات،وخلعتُ فستاني المكسيكي ثم فجأة أراك تلج غرفتي ذات الإضاءة الوردية التي تشبه لون معجون الأسنان!بالتأكيد،سنعيش ذات يوم هذه اللحظة.سيتملى ثانية أحدنا وجه الثاني،تقبِّل شفتاكَ شفتي،فأرهف حينها السمع إلى صوتك.نعم،سنعيش هذه الأجواء،لكن ليس الليلة الحالية،بل سأذهب إلى الحفلة،تحت حافز أمل التسلي،سأخبركَ بالتفاصيل.

اهتم ثلاثة ناشرين بكتابكَ.مما لاشك فيه،أن جوابهم النهائي يستغرق وقتا،لكني متيقنة مع  ذلك بأن النجاح سيحالفنا.ربما ظفرتَ في نهاية المطاف ببعض المال الفرنسي.

باريس مدهشة.نعاين عند زوايا أمكنة صغيرة لشارع سان جيرمان،مجوعة فنانين بصدد رسم لوحات عن الأشجار،الكنيسة، وأمكنة صغيرة،تنقصهم الموهبة(لماذا؟ لاأعرف، لكنهم يفتقدونها فعلا) مع ذلك تظهر ملامحهم ارتياحا حين التطلع إليهم.شعور تأتى لي على الفور.

حبيبي،كيف تجري الأمور في شارع  وابانسيا(شيكاغو)؟ أرجوك.راسلني،تحدث إلي، ابتسم إلي،عانقني.

أحبُّكَ .

أبعتُ لكَ ببطاقات صغيرة لصور التقطت في بلدة رايت (نيويورك).

سيمون التي هي لكَ.                               

    

*المصدر : رسائل سيمون دو بوفوار، غاليمار،1997 .