‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيف بونفوا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيف بونفوا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 30 يونيو 2018


 حوار مع إيف بونفوا: القصيدة والكلام*
ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم : شهر شتنبر 2010،قصدت حي ''ليبيك'' في باريس،وبالضبط الشقة الصغيرة التي يشغلها إيف بونفوا منذ سنة 1950،فضاء خصصه أساسا للكتابة والقراءة.ثم يقطن منزلا آخر يتواجد في الوجهة الثانية من نفس الشارع.بعثت له الأسئلة مدونَة قبل موعدنا،لأن بونفوا يرفض المجازفة المحفوفة بالممارسة الحوارية،دون المبادرة أولا إلى إجراء تعديل ممكن.بوسعنا فهم ذلك تماما.استقبلني بحفاوة كبيرة داخل تلك الغرفة المتوهجة.كان موضوع اللقاء حقيقة بدون موضوع،فقط هي أجواء جلسة مفتوحة.أسهب بونفوا في الحديث عن صداقاته المهمة أيضا كالأدب.
*س- هل كتابة القصيدة،مثلما يدعي فرانسيس بونج Ponge،"أن تتكلم ضد الأقوال"؟
ج- بونج؟ لقد اعترضت عليه خلال فترة، لكن ربما خاصة لأني لم أفهمه جيدا.يبدو لي،أن ''تحيزه للأشياء''،يمثل انحيازا للكلمات،بحيث تمت مراعاة الأخيرة عند مستوى حديثها عن المظاهر المتعلقة بحواس الأشياء،ثم تجلياتها،التي ليست سوى مظهرها.أن ندرك الأشياء بشكل أفضل، حسب فرانسيس بونج، لن يكون إذن بشكل أكثر دقة،سوى استعمال كلمات تفهم بهذه الطريقة،أي باختصار الانقطاع إلى هذا المستوى المفهومي للغة.مشروع يعود ل مالارميه،شرعي تماما،لكن غير ماأنتظره من القصيدة : أن تستوطن فضاء وجود، واعية بمكانها ولحظتها،ما أسميه بتناهيها، ثم توظف الكلمات التي تعمق هذا النوع من التجارب،حيث المخاطرة بالوجود نفسه.أنا اليوم مهيأ للاعتقاد بأن بونج ليس على درجة من البساطة مثلما ظننت،لكن ما أتيت على الإدلاء به لكم،بخصوص نفاذ صبري وقتها يسمح لي بمقاربة سؤالكم عن"التكلم ضد الأقاويل"ثم أنحاز إلى الشيء من أجل تجديد الكلام.نعم، ينبغي ذلك، لكن أن لا يكون هذا الشيء مجرد فاكهة نعاينها وسط سلة،أو تعلمنا كيفية تمييز المذاق،لكن بواسطة الفاكهة التي سنقطفها في يوم من الأيام ثم تمكث بين زوايا ذاكرتنا لأنها تجلت خلال لحظة مهمة في حياتنا.هذا الشيء طبقا لظروف كهذه ،ليس فقط مادة مزخرفة قليلا بسرور لكنه أساسا مخاطِبا،ولكي أستحضر ذلك حسب كلماتنا ينبغي تخليصه  من دلالاته المفهومية،تلك التي تسمح بالأوصاف والتقديرات،من أجل إنتاج ماهو خارجي،وكلياني: اللاوجود. الصراع ضد الكلمات بقدر كونها مفاهيم.ثم عشقها حينما- تخلق أسماء خاصة – تستقبلنا ضمن ما سيصبح فضاء لنا.لا يتعلق الأمر بالامتناع عن أصولها التحليلية،والتي تضمن في ذاتها معارف،سواء العلوم أو من أجل الفعل،ولكن استيعاب بأنه يمكنها،إذا أدركنا توخي ذلك،وحتى مع اللامبالاة، اليقينية للمادة،تشييد مسكن،خلال بضعة أيام لاتزال أمام الإنسانية.
* س- كيف تأتى لكم الحفاظ على نظرة الطفل كما تعبرون عنها؟
ج- نعم، ذات السؤال، الذي استدعيته حقا على الفور وما أدليت به لكم، لأن هذه الفكرة المتعلقة بالشيء كمحاوِر، معناها التذكير بتجربة الطفل قبل أن يقتنع شيئا فشيئا، بالنموذج وكذا توجيه الراشدين، ثم يدرك العالم باعتباره معطى موجودا مطاوعا، قابلا للتلاعب به: باعتباره تشيؤا وليس حقيقة حية.أعتقد أن القصيدة ليست سوى صيانة لهذا الشعور بالحضور الكلي الذي يخلق سعادة،ثم أيضا جزع،"أيام خلاَّقة''.نتيجة لذلك، فالذاكرة الجوهرية قدر كونها صارت منسية، خلال هذا القرن الملازم  للتكنولوجيا،والمأخوذ بالمعارف الكمية، بحيث لا نعيش بين أشياء بل كائنات.ثم كيف نحافظ على تلك التجربة الأولى،ربما هذا،بل  إنها في اعتقادي الطريقة الأساسية،من خلال إدراك عبر ألفاظها لصوتها في ذاته،القائم عند الجانب الآخر،مع كل واحد من المدلولات التي بواسطتها يُخفي الفكر المفهومي داخله الحضور المحتمل لما تدل عليه.نصغي إلى تلك الرنّة البعيدة،وصدى  لغة واحديته، نتلقاه داخل فكرنا حسب الإيقاعات الصاعدة من الجسد،أي الحاجة،ليس إلى الامتلاك بل أن توجد،بالتالي هذا الشدو الذي أقامت بواسطته  الواقعة البشرية فوق الأرض،منذ الخطوات الأولى للغة.هذا الشدو المجدِّد للكلمات،بحيث أتمنى حقا،أن لايتوقف ولن يتوقف قط كي يلازم اللحظات المضطربة لقراراتنا الكبرى.
س-على النقيض من حداثة يمثل الواقع بالنسبة إليها اتجاها نحو''غير الممكن''(جورج باطاي)أو الهروب منه بشكل ملحٍّ جدا (السوريالية)،هل تدافعون عن قصيدة منفتحة على العالم.كيف أدركتكم هذه اللحظة؟
ج-مرورا بما أشرتم إليه للتو! لدي في الحقيقة انجذاب نحو القوة اللاذعة التي بحسبها أدرك باطاي- مثلما فعل قبل ذلك فرانتيسكو غويا Goya ضمن ماسمي ب''رسوماته سوداء"- خارج الحيز الإنساني، ليل هذه الحيوات التي تأكل بعضها البعض من أجل لاشيء، في هوّة المادة، وهذا العدم. لكن ألا يشكل الفزع من هذا الخارج،وكذا الشخص الذي نجسده،أو نظن كذلك، مجرد نتيجة لاستعمال الكلمات،التي تبحث عن معرفة الأشياء وفق تجلياتها الكمية،فإننا نخلق فورا عددا من الألغاز؟من الأفضل أن تستكشف في الكلام هذه الواقعة التي تؤسسه،وكذا الحاجة كي تقيم مع كائنات أخرى،الذين يميزون كأقارب،مجالا لمشاريع وكذا التقاسم.يستحسن وأنت على قارب وسط العاصفة عدم الانزعاج من هول الأمواج العاتية،بل تصميمك على أن هذا القارب بمثابة الكائن نفسه،الذي يجدر المحافظة عليه.تعتبر السوريالية، أساسا أندريه بروتون،الوحيدة تقريبا المندرجة ضمن هذه الجماعة،عموما بالنسبة للفكر،مثلما يعرف جيدا.أندهش حينما أسمعكم تقولون بأن السوريالية شكلت هروبا ''بكيفية مستعجلة جدا''.لم تتوقف أبدا رغبة بروتون للتدخل قصد تطوير المجتمع.لذلك بادر إلى ممارسة سعيه على المستوى السياسي الأكثر فورية،وبكثير من الوضوح،خلال حقبة كل الأوهام.هل نذكِّر ببساطة أننا نتجه مباشرة صوب الكارثة إذا لم نمنح اهتمامنا لحاجيات حياة تبقى معرفتها المفهومية و العقلانية، مقتصرة فقط على ماهو خارجي.في حين،اعتقد بروتون، بأن الحلم يحافظ للحياة على الذاكرة.
س-هل بدا لكم أن بحثكم يشكل مثالا يقتفي أثره اليوم الشعراء الشباب؟هل تنتبهون لإبداعهم؟
ج-أن يوجد عالم جديرا بالانتباه خارج ما تقوله لغة اختُزلت إلى إدراكاتها الحسية المفهومية،هو في كل الأحوال ما يشعر به بعض شعراء جيلي،من أندريه دو بوشي إلى بيير ألبيرت جوردان أو فيليب جاكوتيه أو لوي- روني دي فوري.ولأني أظن بأن الأمر يتعلق هنا بحدس أنه لاشيء يمكنه أن يكتم الأنفاس،فإني لا أشك بأنه يوجه البعض،على الأقل مع الأعمال الحديثة، ضمن طيات اهتمامات أخرى،أكثر تجليا.لكنه أمر مطروح أيضا،أن القرن الذي نعيشه صنع الكثير في الغرب،من أجل زجر أسلوب الوجود ذاك.لاتنعدم الحساسية الشعرية قط،بل هي ناشئة مع اللغة ثم تولد ثانية بين تضمينات كل خطاب،لكن النقد والتعلم،اللذين يلزمهما إبراز البراعم الجديدة ،وكذا الاهتمام بها، لامس دوما بنوع من الإفراط الأعمال بتحليل دلالتها المفترضة،مع سجالات كبيرة بخصوص هذا المستوى.من المهم أن نفهم ما يقوله نص مكتوب،يعتقد أو ينشد أحيانا قول شيء ثان :فائدة هذا البحث صنف معين من الحقيقة ،جوهري أساسا.لكن بوسعنا نسيان أن القصيدة،ليست أولا قولا،مثل باقي الاستعمالات الأخرى للكلمات،بل تمثل مشروعا تستعيد معه الأخيرة،زخمها وكذا قدرتها على الانذهال من الحقيقة الخاصة وكذا جمال الفضاء الأرضي. 
س-هل يوجد حدّ بين عملكم الشعري وما صرحتم به عبر العديد من نصوصكم المتداولة (دراسات، حوارات)؟ فماهو وضع هذه المنافذ بالنسبة المجال الشعري؟
ج-هل تقصدون الفصل،بسؤالكم عن الحدّ؟أتمنى حقا،أن لا يكون الأمر كذلك،لأنه خيانة للقصيدة، مادام يلزم عملها أن يكون كتابة وفكرا  ضمن نفس الاندفاع.تتجاوز الكتابة المقاربة المفهومية للأشياء لكن على نحو فوري يلاحظ الفكر الوضعية،قصد إبرازه لمسالك ضمن هذا الحيز بين تجليات انتُهكت سلفا ثم تمثلات لم تتم بعد  معايشتها تماما.كل ذلك في إطار ماهو شخصي تماما للقصائد،مادام أنه باستمرار بناء على علاقة أكثر فرادة مع الذات، سيمتلك الكلياني مزيدا من الحظ كي يكتشف على نحو ثان ويستطيع أن يتملَّك ثانية.القصيدة فكر،ليس من خلال وصفات تعرضها ضمن نصوص لكن حينما تتأمل في اللحظة نفسها التي أخذت شكلا.يلزم الإصغاء لهذا الفكر، هناك حيث تطويه الأعمال.لم أقصد من جانبي،الكتابة حول ألبرتو جياكوميتي أو فرانتيسكو غويا،وكذا آخرين،سوى كي أعثر ثانية على  منظورات ربما على نحو آخر،من خلال هؤلاء الشعراء، للقضايا التي تطلب منا القصيدة البث فيها.ليس، فَلْتات من الحقل الشعري !بل بالأحرى الإيحاء بأن جل أفكار مجتمع ما يلزمها أن تشغل موقعا بالنسبة له،رغم إملاءات العلم وكذا أطروحات النقاش السياسي.تبحث القصيدة عن تقويض الإيديولوجيات،والأخيرة فعالة بقدر كونها وبالا على العلاقات البشرية.
س-منذ أولى نصوصكم :(Du mouvement et de l immobilité (de Douve ;1953 إلى أحدثها (Planches courbes ; 2001) ،هل لاحظتم تطورا للكتابة لديكم؟
ج-نعم ثم لا.أعتقد بأنه يقوم لدى كل واحد منا تأهب جوهري أمام العالم، نتيجة تجارب قديمة تلعب دور المصفاة : تحضر أشياء لن نبادر للقيام بها،أو مجرد  رؤيتها،أو لا نتطلع إليها قط ،ثم على العكس كليا من ذلك، قد نتشوق نحو العثور عليها ثانية،على المستوى الأكثر فورية وحسية ،بذات قدر قيم أو اختيارات العقلي.لكن يبعث كل فعل للكتابة تأملا حول ما قمنا به،من هنا تلك الصيرورة،التي نتلمسها سواء على مستوى الكتابة وكذا الفكر.بالنسبة إلي وكذا أي شخص آخر، يتبلور هذا النوع من التطور،بحيث لا يمكنني سوى الإصغاء، ولو قليلا، لما تحدثني به كتاباتي،التي ترتضي أحيانا أفكارا لاواعية.ولأمد بعيد مهد هذا الدرس طريقه بكيفية أقول عنها مجازية،بناء على أوضاع رمزية بوسعي إعفاء نفسي من فهمها،بيد أنها  بداهات انتهت بفرض نفسها،وهو ما يشغلني أكثر فأكثر.
*هامش : poésie immédiate ;13 septembre ;2012          

السبت، 9 يوليو 2016

رحيل إيف بونفوا: الشعر كمغامرة وجودية

باريس - أحلام الطاهر


عندما أراد ثيسيوس ذات مرة أن يفض نزاعاً على الحدود، أقام عموداً كتب عليه: “هذه ليست بيلوبنيز بل إيونيا، وعلى الصفحة الأخرى كتب: هذه ليست إيونيا بل بيلوبنيز”. ثمة عمود مماثل يحرس أعتاب مؤلفات إيف بونفوا (1923 ـــــ 2016)، كُتب عليه من الخارج: هذا ليس الواقع، بل الوهم، ومن الداخل: هذا ليس الوهم بل الواقع.

اعتدنا من فلوبير وهنري جيمس افتراض أنّ الأعمال الفنية نادرة وأن إنجازها مضنٍ، لكن إيف بونفوا لا يشاطرهما هذا الرأي. فقد كان يرى أن الأدب الجيد شائعٌ جداً ولا يوجد تقريباً حوارٌ في الشارع إلا ويرقى إليه. نقرأ «اللامحتمل» و«البساطة الثانية» كأننا نخترق مدينة رسمها قلم رمبرانت حيث كل واحد وكل شيء مُلتقط في حقيقته. الشاعر الفرنسي الذي رحل الجمعة عن عمر ناهز 93 عاماً، ولد في حزيران (يونيو) 1923 في تور وسط فرنسا الغربي، يقول «جئت من مكان حيث الناس منغمسون إلى ما لانهاية في مشاجرات سكارى، لكن لكل واحد أسلوبه الخاص في هذا». درس الرياضيات في كلية العلوم في باريس، وكان مولعاً بألعاب السرياليين (كان يأخذ معهم القطار وينزلون في مكان مجهول ويتركون هذا المكان يدهشهم). صاغ عدداً من المفاهيم الأساسية للحداثة الشعرية، ونهل من الكلاسيكيات مثل “قصائد الرعاة” لفرجيل وتراجيديات راسين و”فينومينولوجيا الروح” لهيغل و”نشيد الأرض” لماهلر الذي بالكاد كتب عنه لأنه يحب أن يشعر به يتسلل كعشيق شبق إلى كتاباته وألفاظه.
صاحب جائزة غونكور للشعر (1987) يحمل بوصلة طائشة ويريد أن يهدم ويبني، ويهدم ويبني إلى ما لا نهاية، ألّف أكثر من مئة كتاب في خطاب شعري مترامي الأطراف، لكنه أكثر قرابة إلى الفيلسوف أو العالم النباتي من «التروبادور» الشاعر الجوّال. كانت لديه رغبة عارمة في «الاحتفاظ بكتاب واحد فقط في العالم». عندما نشر عمله الأول، لم يكن ينوي نشر عمل ثان مغاير، فهو يرى بأن الشعر بمثابة الحفر في موضع واحد من الكلام، ولم يخفِ انبهاره بإخلاص الذين عملوا على كتاب واحد طيلة حياتهم مثل بيزيل بانتينغ وزوكوفسكي وبيريمان وباوند وويتمان.

حطم بونفوا الأشكال المغلقة التي ينعزل فيها الشعر، وخلق أشكالَه في حركة مستمرة من التبديل والبحث والمغامرة، كمن يخلق «أراضي ميعاده» الدائمة، من دون أن تغادره الخشية من كثرة المشاريع التي يمكن أن تطبع مصير كاتب ما، في عالم تتعدد فيه النشاطات وتشتدّ منافستها. يقول إن أعماله قد تبدو متباينة في الظاهر، كما هو شأن الأبحاث الكثيرة والترجمات، لكن هذا التمايز ناتج عن كتابة واحدة. الفن يشترط مساحة أخرى من الوعي، لا البصري فقط. لذلك انشغل بالرياضيات وتاريخ العلوم والمنطق، لكن هذا شكّل أول خطوة في المسافة التي سيقطعها مبتعداً عن شعر البدايات لتحمل قصائده اللاحقة سمات التجريب الأولى. ابتكر أسلوباً شعرياً يجمع بين متتاليات حسية وبصرية من جهة، وأخرى رمزية تتحرك وسط الموضوعات الثابتة نفسها كالأسطورة والتشكيل حيث يوظف بونفوا لوحات الرسامين الذين «يتألمون من الاغتراب الذي يقض مضجعهم أكثر مما يحقق خلاصهم» جسرَ عبور إلى القصيدة.
بوسع الجمال أن يكون واضحاً وضوح صوت الجرس، بهجة للعين والذهن. وهذه البهجة أشبه باليقظة من النوم. في لوحات الرسامين، وجد بونفوا شيئاً من نقاوة الفن البدائي الذي يسكن عالماً طرياً نظيفاً بقدر ما هو أيضاً قديم، عالَم أشكال الروح. ولذا، فإن البوشمن الاستراليين ونحّاتي الأصنام الافريقيين وهنود النفاجو الحمر الذين يرسمون بالرمل، ما زالوا أبرع من غيرهم، فأشكالهم دقيقة دقة المخططات الهندسية وحية متوثبة. وحسب المرء أن يقدر جمالها ليخرج إلى الهواء الطلق النقي، تنيره النبوة والشعر.

الشعر ليس زهرة الزنبق على شعارات النبالة الثقيلة للفرسان الرحالة، هو عالم طفولي مصنوع من الحليب والسحاب، يتمسك به إيف بونفوا قدر الإمكان. لكن حين نسأله عن علاقته باللغة في سنواته الأولى، يلوذ بالتحليل الفرويدي قائلاً إنه ليست لديه القدرة على الجمع بينه وبين الطفل الذي كانه، كما هو شأن السلالم ذات الدورات اللولبية المزدوجة لبعض القصور في عصر النهضة. يوشوشنا وهو يخلع جوربه ويرتّقه في القطار أنّ رغبة الشعر يمكن أن تتشكل منذ اليوم الذي تقدم فيه للطفل كتباً لفهم القراءة، في صفحاتها فقط ثلاث أو أربع كلمات بجانب الصورة البيانية الرائعة للحيوان أو للشيء بدون سياق. الشعر لا يٌكتب بالوعي لأنه في كينونتنا ذاتها، هو «التيهان باتجاه كل الطرق المسدودة».

يقول رونيه شار “في الشعر، لا يُسكَن إلا المكان المغادَر، لا يُخلق إلا ما يُنفصل عنه، لا تُنال الديمومة إلّا بتحطيم الزمن. هو كل ما يُنال بالانفصال والانفكاك والنفي». ما يُذكّر بقصيدة بونفوا المترددة المتشققة، إذ كل شيء يجري كما لو أن الخيالي المُتَّهم بحجب الواقعي، يتشكّل من جديد ويتأسس بوصفه عالماً منفصلاً شرعياً وثابتاً. نقرأ في قصيدة “النهر” من كتابه «في خديعة العتبة»:

 «المدى الذي يبدو مرسوماً في الفراغ/
 كتل أوكسيد الكوبالت النيّر في الوادي/
 لا تكاد ترتعش، ربما هي انعكاس/ 
أشجار أخرى وحجارة أخرى في النهر». 

هذه الكلمات التي تعمل دائماً على نسج عتبة بين عالمين، نصغي إليها كمن يصغي إلى المطر يقطّر من الأفاريز، لكننا نعرف أن ثمة خدعة في مكان ما. فالصورة ليست كما تبدو و

«الكلمات كمثل السّماء/
 اليوم،/
 شيء ما يتجمّع، يتبدّد/
 الكلمات كمثل السماء/
 لا نهائية/ 
لكن كلّها فجأةً في حفرة الماء الصغيرة».

ـــــــــــــــــــــــ
المصدر : الأخبار ، 4 تموز 2016م.

الخميس، 7 يوليو 2016

إيف بونفوا: عندما تجف الحياة يأتي الشعر لكي يحييها

 فرنسا تودع شاعرها الأكبر الذي رحل عن 93 عاًما

باريس: هاشم صالح






أخيرا انطفأ إيف بونفوا بعد عمر مديد ناهز الثالثة والتسعين عاما؛ فقد ولد في مدينة تور الواقعة على نهر اللوار، حيث ولد بلزاك أيضا قبل قرن أو قرنين. ولد عام 1923 وتوفي في الأول من يوليو (تموز) 2016 .عاش إيف بونفوا وتقلب في المناصب الجامعية حتى وصل إلى أعلاها: الكوليج دو فرنس، أعلى من السوربون، ودرس في مختلف جامعات العالم الأوروبي – الأميركي، ونشر ما لا يقل عن مائة كتاب! فلم يكن شاعرا فقط وإنما ناقدا أدبيا ومنظرا للشعر من أرقى ما يكون، كما كان مترجما عظيما نقل معظم «شكسبير» إلى لغة الفرنسيين، وترجم أيضا الكثير من أشعار ييتس. الترجمة بالنسبة له كانت متوازية مع عملية الكتابة ولا تتناقض معها على الإطلاق. اذهب واقنع بعض المثقفين العرب الأشاوس بهذه الحقيقة البسيطة. كلهم عباقرة لا ينزلون إلى مستوى الترجمة ولا يضيعون وقتهم في مثل هذه الفعالية الثانوية الهامشية التي لا تليق إلا بالفاشلين الذين عجزوا عن أن يصبحوا كتابا حقيقيين فشغلوا أنفسهم بالترجمة. كل ما يبدعه هؤلاء «وحي إلهي» من بنات أفكارهم، أو هكذا يتوهمون.. لكن دعونا من هؤلاء المثقفين العرب العظام ولنعد إلى إيف بونفوا.

في عام 1972 نشر الشاعر كتابا نثريا يشبه السيرة الذاتية بعنوان: «البلاد الخلفية أو البلاد العميقة»، وهو تعبير فرنسي يعني ما وراء الواجهة في أي بلد أو منطقة. مثلا عندما تكون في بيروت فإن البلاد الخلفية هي ما يقع وراء بيروت في الجبال والوديان والقرى والمزارع المتوارية عن العاصمة والبعيدة عنها. كثيرا ما أعجبني هذا التعبير ووجدت فيه شحنة شعرية حقيقية. المهم أن إيف بونفوا كان يقضي عطلته الصيفية عند أقاربه في تلك المناطق الريفية الساحرة، وفجأة في أحد الأيام رأى أمامه في الأفق شجرة على تلة، وأحس وكأنها شخص أو كائن حي يعنيها أمره. يقول: لم تكن فقط جزءا من الأفق أمام عيني وإنما كانت كائنا حيا له علاقة شخصية معي. شعرت وكأن هذه الشجرة سترافقني كل حياتي. وهكذا أحببتها كصديق أو كصديقة. وهذا الشعور كان جديدا بالنسبة لي وغير معروف حتى ذلك اليوم. وقل الأمر ذاته عن النهر الكبير الجاري في المنطقة الجبلية نفسها التي كنت أقضي فيها أصياف طفولتي. هو أيضا شعرت بأنه شخص يعنيني أمره. لم أكن أعرف من أين جاء ولا أين يصب، ولكن مجرد جريانه أشعرني بأنه سائر نحو المستقبل المجهول مثلي أنا كطفل سائر نحو مستقبل لم أتعرف عليه بعد..

هذا الكلام لا يقوله إلا ابن مدينة ولد في تور وعاش في باريس الخ، أما ابن الفلاحين فيعيش مع كائنات الطبيعة من الصباح وحتى المساء وربما ضجر منها وتمنى لو أنه يسكن المدينة. على أي حال فهذه قصة أخرى. الشيء المهم هو أن شاعرنا الكبير يمجد الريف والقرية والطبيعة في حين أن بعضنا من سكان المدن والعواصم يحتقرون كل ذلك. مرة قال لي أحد المثقفين المشهورين: اذهب أنت فلاح! المقصود غشيم أو أي شيء من هذا القبيل. فكدت أموت من الضحك ليس فقط منه وإنما عليه. في الواقع أني أفتخر بأني ولدت في القرية ولا أجد في ذلك أي معرة على الإطلاق. هنا أيضا ينبغي أن تلقي درسا تأديبيا على بعض المثقفين العرب الذين يحتقرون الطبيعة والريف على عكس إيف بونفوا. هكذا تلاحظون أني أستغل فرصة الكتابة عن هذا الكاتب المحترم لكي أصفي حساباتي الشخصية. وهذه انتهازية ما بعدها انتهازية. ولكنها انتهازية إيجابية أو حتى أخلاقية إذا جاز التعبير.

ما موضوع الشعر بالنسبة لإيف بونفوا؟ أنه الحضور المليء أو الممتلئ للأشياء. الشعر هو ولادات دائمة. الشعر هو تلك النظرة المكثفة التي نلقيها على الأشياء البسيطة للحياة اليومية. كل ما حولنا يمكن أن يتحول إلى شعر في أي لحظة. بإمكانك أن تعيش الحياة شعريا أو نثريا، أنت حر. ولكن هل تستطيع أن تعيشها شعريا أربعا وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة؟ مستحيل. حتى ريلكه عاجز عن ذلك؛ ولهذا السبب فإن شاعر فرنسا الأكبر في هذا العصر يعود دون أي كلل أو ملل إلى الموضوعات العزيزة نفسها على قلبه: أي الأشجار والأحجار والينابيع والثلج والأحلام، الخ.. وكلها أشياء موجودة في الريف، في الوديان أو قمم الجبال.. هل فهمتم يا متخلفين! يا فلاحين!

كثيرا ما تساءلت عن معنى كلمة رامبو الشهيرة: ينبغي أن نكون حديثين بشكل مطلق. وبما أني فلاح غشيم بطبيعتي فقد اعتقدت أنه يعني بها ما يلي: ينبغي أن نقطع مع الماضي كله جملة وتفصيلا لكي نستطيع أن نكتب شعرا جديدا له معنى، وإلا فسوف نكرر من سبقونا ولن نضيف أي شيء إلى خريطة الشعر. والواقع أن هذا المعنى ليس خاطئا كله، بل وحتما كان مقصودا من قبل أكبر «أزعر» في تاريخ الشعر الفرنسي: آرثر رامبو. فمن يقرأ شعره يعرف أنه كان يتكئ على نفسه كما يقول أبو تمام لا على سواه. وهذه ميزة الشعراء العظام، إنهم يخلقون الأشياء من عدم تقريبا، ولكن إيف بونفوا نبهنا إلى شيء آخر وأعطى تفسيرا جديدا لعبارة رامبو. يقول بأن رامبو يقصد ضرورة تخليص الشعر من اللغة الخشبية للآيديولوجيات الامتثالية السائدة، وليس معناها الشطب على عظماء شعراء الماضي، فلا توجد حداثة حقيقية إلا إذا كانت تعرف معنى الإعجاب بقصائد الماضي العبقرية وضرورة المحافظة عليها. على أي حال، فإن هذا التفسير لا يلغي ذاك وإنما يكمله. من المعلوم أن رامبو كان معجبا ببودلير إلى أقصى حد، بل وكان يعتبره ذروة الشعر. ولكن لو قلده لما أصبح شاعرا متميزا ولظل نسخة باهتة عن شاعر كبير آخر. لو لم ينحرف عنه و«يقتله» في داخله لما استطاع رامبو أن يصبح رامبو. هذا هو معنى العبارة الشهيرة. والله أعلم.

على أي حال شكرا لإيف بونفوا الذي أتحفنا بكتاب ضخم في أواخر حياته عن شاعر الحداثة الأول. انظروا كتابه: حاجتنا إلى رامبو. منشورات سوي الباريسية في أكثر من 450 صفحة من القطع الكبير. بمعنى: لا نستطيع أن نعيش من دون رامبو. أو قل بأننا في حاجة إليه من وقت إلى آخر لكي يشحننا شعريا، لكي يفجر في أعماقنا قوة الرفض ضد ما هو قائم من ظلم وقهر وغباء. يقول رامبو في ديوانه الشهير فصل في الجحيم هذا البيت: لنترك أوروبا التي يتسكع فيها الجنون! فهل كان عدوا لأوروبا وفرنسا في المطلق؟ أبدا لا. ولو عاش في هذا العصر لما غادرها لحظة واحدة، لكنه عاش في القرن التاسع عشر، أي في عصر مليء بالخضات والهزات والحروب والمجازر، فكره بلاده والمنطقة كلها وهاجر إلى بلاد العرب القصية.. يقول إيف بونفوا، أكبر عارف برامبو:
«كل شيء ابتدأ من تمرده على الحياة الرتيبة في المحافظات البعيدة. كل شيء انطلق من تمرده على الدين المسيحي الذي كان لا يزال قمعيا في فرنسا آنذاك. كل شيء انطلق من تمرده على النظام البورجوازي السائد. وعن طريق قلب نظام الكلمات راح رامبو يقلب نظام الأشياء، بل والنظام الاجتماعي كله. من هنا أهمية الثورات الشعرية التي تسبق عادة الثورات الفكرية والسياسية. ولكن من يقدر على تغيير نظام الكلمات؟ من يقدر على تفجير الكلمات؟ القول سهل والفعل هو الصعب.ليس كل الناس رامبو!
يقول إيف بونفوا ما معناه: عندما تجف الحياة يأتي الشعر لكي يحييها، لكي يضخ الحيوية في عروقها وشرايينها. الآيديولوجيا متخشبة، ميتة، ووحدها شجرة الشعر تبقى دائما خضراء..

ــــــــــــــــــــ
المصدر: جريدة الشرق الأوسط، 6 يوليو 2016، العدد 13735.

الأربعاء، 6 يوليو 2016

قصيدة "صيف الليل" للشاعر الفرنسي إيف بونفوا

ترجمة: أدونيس




1

يُخيّل إليّ، هذا المساء،
أنّ السّماء المكوكَبة، إذْ تتسع،
تقترب إلينا، وأن الليل،
وراء نيران كثيرة، أقل ظلاماً.

وأوراق الشجر أيضاً تتلألأ تحت أوراق الشجر،
الأخضر، ولون الثمار الناضجة، البرتقاليّ، تنَامى،
مصباح ملاكٍ قريب، نبضَ
نورٍ مُخبأ يستحوذُ على الشجرة الكونية.

يُخيّل إليّ، هذا المساء،
أننا دخلنا في الحديقة التي أغلقَ
الملاَكُ أبوابها دونَ عودة.

2

سفينةُ صيفٍ،
وأنتِ كأنكِ في صدرها، وكأن الزمن يكتمل،
تنشرين أنسجةً مرسومةً وتتحدثين بصوتٍ خافت.
في حلم أيار،
.

كانت الأبدية تصعد بين ثمار الشجرة
وكنت أقدّم لكِ الثمرةَ التي تجعل الشجرة بلا حدّ
دونَ هَمٍّ ولا موت، ثمرةَ عالمٍ مشترك.
.

بعيداً في صحراء الزّبد يجول الموتى،
لم تعد ثمة صحراء لأن كلّ شيءٍ فينا
ولم يعدّ ثمة موت لأن شفتيّ تلامسان
ماءَ تشابهٍ مُبعثرٍ على البحر.
.

يا كفاية الصيف، ملكتُكِ نقيّةً
كالماء الذي غيّرته النجمة، كضجيج
زَبدٍ تحت خطواتِنا حيث يعلو بياض الرمل
ليباركَ جِسمينا غير المُضائَين

3

الحركَةُ
بَدت لنا أنّها الخطَأ ، وكنّا نسير
في الثبات كما تحت السّفينة
تتحرّك أوراق الموتي ولا تتحرك.

كنتُ أسميّكِ قائدتي
سعيدةً ، لا مباليةً ، تقودين
بعينين نصف مُغمضتين ، سفينةَ الحياة
وتحلمين كما تحلم ، بوصفها سلامها العميق ،
وتتقوّس علي المقدمة حيث يخفق الحبّ العتيق.

باسمةً ، أولي ، شاحبة 
انعكاساً أبدياً لنجمة ثابتةٍ
في الحركة الفانية .
محبوبةً ، في أوراق البحر .

4

أرض كأنها مُهيأة ،
انظري ،
إنها طليعتك
مبقعة بالحمرة. 

النجمةُ ، الماء ، النّوم
أوهنت هذه الكتف العارية
التي ارتعشت وها هي تنحني
علي الشرق حيث يتجّمد القلب.

هيَمنَ الزيتُ المتأمل
علي جسمها ذي الظّلال المتحركة،
ومع ذلك تمدّ رَقبتَها
كما تُوزَن روح الموتي.


5

ها هي تقريباً اللحظة
حيث لا نهارُ ولا ليل ، ما دامت النجمة
كبرت لكي تباركَ هذا الجسم الأسمر ، الباسم .
غيرَ المحدود ، ماء تتحرك بلا وهم.

ستحلّ هذه الأيدي الواهية
عقدة الأحلام ، الحزينة .
سيرتاح الضياء الَمحْميّ
علي طاولة المياه.
تحبّ النجمة الزّبدَ ، وسوف تحترق
في هذا الثوب الرمادي .

6

طويلاً كان الصيف . كانت نجمة ثابتة
تسيطر علي الشموس الدائرة . كان صيف اللّيل 
يحمل صيف النهار بيدين من الضّوء
وكنا نتحدّث بصوتٍ خافت ، بين أوراق اللّيل .

النجمة لا مبالية ، كذلك مقدّمة السفينة ، والطريق
النيرة بينهما في مياه وسماوات هادئة .
كان كلّ موجود يتحرك سفينةً تدور
وتنزلق ، ولا تعرف روحها في الليل .



7

ألم يكن علينا أن نعبرَ الصيفَ ، كمثل محيطٍ
واسع جامد ، وأنا البسيطُ ، نائمُ
فوق عيني مقدمة السّفينة وفمها وروحها ،
عاشقاً الصيف ، متشرباً عينيك بلا ذكريات ،

ألم أكن الحلم ذا الحدقات الغائبة
الذي يأخذ ولا يأخذ ، ولا يريد أن يحتفظ
من لونكِ الصيفي إلا بزرقة جحرٍ آخر
من أجل صيفٍ أكبر ، حيث لا شيء يقدر أن ينتهي ؟

8

لكنّ كتفكِ تتمزق في الأشجار ،
سماء مُكوكبة ، وفمك يبحث من جديد
عن الأنهار التي تتنفس الأرض لكي يحيا
بيننا ليلُكِ المهموم المشوق .

يا صورتنا أيضاً ، 
تحملين قرب القلب الجرح نفسه .
الضّوء نفسه حيث يتحرك الحديد نفسهُ .


انقسمي ، يا من أنتِ الغيابُ ومدهُ وجزرهُ .
استقبلينا ، نحن الذين لنا نكهة ثمار تسقط ،
امزجينا بالزّبد علي شواطئكِ الفارغة 
مع غابات حطام الموت ،

شجرةً بأغصانٍ ليلية مزدوجة ، مزدوجة دائماً .


9

يا مياه النّائم، يا شجرة الغياب ، يا ساعاتٍ بلا شواطىء ،
إن ليلاً ما سينتهي في أبديّتكِ .
كيف سنسمّي هذا اليوم الآخر ، يا نفسي ، 
هذا الاحمرارَ الأسفل الممزوجَ بِرَملٍ أسود ؟

تضطرب الأضواء في مياه النائم 
تنشأ لغةُ تشارك النجوم اشتباكَها النيّر
في الزّبد .
وها هي اليقظة تقريباً ، والآن الذكري.


ــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الأعمال الشعرية الكاملة، إيف بونفوا، ترجمة أدونيس، منشورات وزارة الثقافة - دمشق، 1986، ص 169.