الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

الخيال والحركية : غاستون باشلار

 ترجمة الرحوتي عبد الرحيم (الجزائر) .



يسود الأبحاث في موضوع الخيال ، كما هو الحال في كثير من المشاكل السيكولوجية الأخري ، الاضطراب الناتج عن زيف نور الأصل الإشتقاقي . نريد دائما للخيال أن يكون ملكة تشكيل الصور ، في حين أنه ، بالأولي، ملكة تحريف الصور التي يزوده بها الإدراك الحسي . إن الخيال هو ، بشكل خاص، ملكة تحريرنا من الصور الأولي ، ملكة تغيير الصور . إذا لم يكن هناك تغيير في الصور ، اتحاد غير متوقع بين الصور ، ليس هناك خيال ، ليس هناك فعل تخييلي . إذا لم تقُد صورة حضارة إلي التفكير في صورة غائبة ، إذا لم يترتب عن صورة عارضة عدد هائل من الصور الفريدة ، إنفجار من الصور ، ليس هناك خيال ، هناك إدراك حسي ، ذكري إدراك حسي ، ذاكرة مألوفة ، صور وأشكال متُعَودُ عليها . اللفظة الأساسية التي تقابل الخيال ، ليس الصورة وإنما المُتخيل . قيمة صورة ما تقاس بحجم هالتها المتخيلة . بفضل المتخيل يصير الخيال مفتوحا، هاربا . توجد في النفس الإنسانية ذاتها تجربة الإنفتاح ، تجريد الجديد . يمييز الخيال أكثر من أي قوة أخري النفس الإنسانية ، كما يعلن ذلك بلاك : " ليس الخيال حالة فقط ، إنه الوجود الإنساني ذاته " . سنقتنع بسهولة بصدق هذا المبدأ الأساسي إذا نحن درسنا الخيال الأدبي ، المتداول شفوياً ، ذلك الذي بارتباطه باللغة ، يشكل النسيج الزمني للتجربة الروحية ويتحرر تبعا لذلك من ثقل الواقع .

علي العكس من ذلك ، الصورة التي تبرح مبدأها المتخيل وتستقر في شكل نهائي تأخذ شيئا فشيئاً طابع الإدراك الحسي الراهن ، عما قريب عوض أن تجعلنا نحلم ونتكلم ، تجعلنا نفعل ، أي أن الصورة الثابتة والمتكاملة تقطع أجنحة الخيال ، تجعلنا نهبط من هذا الخيال الحالم الذي لا يسجن نفسه في أية صورة والذي يمكن أن نسميه تبعا لذلك الخيال بدون صور علي نمط إعترافنا بفكر بلا صور . بدون شك يفرخ المتخيل في حياته الخارقة صورا ، ولكنه يطرح نفسه دائما كمَا وَراَء لهذه الصور ، إنه دائما أكثر شيئا ما من الصور . 

القصيدة الشعرية هي في جوهرها تطلع إلي صور جديدة وهي بذلك تناظر النفس والإنسانية في حاجتها الأساسية للتجديد . 

هكذا ، فالجانب المُهمَل من قبل سيكولوجيا الخيال لا تهتم إلا بتكوين الصور ، هو جانب أساسي ، جلي ، يعرفه الجميع : هو حركية الصور . هناك تعارض ـ في مجال الخيال ، كما هو الشأن في مجالات أخري عديدة ـ بين التكوين والحركة ، ربما لأن وصف الأشكال أسهل من وصف الحركات ، يفُسر ذلك بقصر السيكولوجيات اهتمامها علي النشاط الأولي ، في حين أن الثاني هو الأهم . الخيال بالنسبة لسيكولوجيا كلية هو قبل كل شيء نوع من الحركة الروحية الأشد كبراً ، الأشد حدة ، الأشد حياة . يجب أن يضاف بشكل منظم الي دراسة صورة خاصة دراسة حركتها ، خصوبتها ، حياتها . 
هذه الدراسة ممكنة لأن حركة الصور ليست غامضة ولا مبهمة ، حركة صورة معينة هي في غالب الأحيان حركة لها خصوصيتها . سيكولوجيا خيال الحركة عليها ، في هذه الحالة ، أن تقوم مباشرة بتحديد حركة الصور ، يجب عليها أن تقوم بوضع رسم تخطيطي حقيقي يلخص حركية كل صورة . 


سنترك جانبا إذن الصور الساكنة، الصور المكونَة ، تلك التي صارت كلمات ثابتة بشكل تام ، سنترك جانباً أيضا كل الصور التقليدية ـ كصور الأزهار المتوفرة بكثرة عند الشعراء التي تأتي لتلون بمسحة تقليدية الأوصاف الأدبية ، إلا أنها فقدت ، مع كل ذلك ، سلطتها التخلييلية . هناك صور أخري جديدة بالكامل ، تحيا بحياة اللغة الحية ، ندركها بغنائيتها التي توجد في حالة نشاط ، هذه العلامة الحميمية للجدة للنفس والقلب . تعطي ـ هذه الصور الأدبية ـ أملا لإحساسنا ، قوة خاصة لقرارنا ، زخما خاصاً لحياتنا النفسية . الكتاب الذي يشتمل علي هذه الصور الأدبية يصير فجأة رسالة حميمية بالنسبة لنا ، رسالة تلعب دورا أساسيا في حياتنا ، تعيد إلينا الحيوية . عن طريقها يرقي القول ، الكلمة ، الأدب إلي صنف الخيال المبدع . بلجوء الفكر إلي صور جديدة للتعبير يثري نفسه ويثري اللغة ، يصير الكائن قولا ، ويظهر القول في قمة نفسية الكائن ، يتضح بأن اللغة هي الصيرورة المباشرة للنفس الإنسانية .


كيف يمكننا إيجاد نظير لهذه الدعوة الحثيثة للعيش والتكلم ؟ لا يمكن الحصول علي ذلك إلا بمضاعفة تجارب الأشكال الأدبية والصور المتحركة ، إلا بإعادتنا ـ تبعا لنصيحة نيتشه ـ لكل شيء حركته الخاصة به ، إلا بترتيبنا ومقارنتنا مختلف حركات الصور ، إلا بإحصاتنا لكل ثروات الأوجه البلاغية التي تلتف حول لفظة ما . يجب علينا أن نتساءل بصدد كل صورة من الصور التي تصدمنا : ما طبيعة هذا التوقد اللساني الذي تحرره فينا ؟ كيف يمكننا فك حبالها من العمق الثابت لذكرياتنا المألوفة ؟ لكي يمكننا أن نشعر بالدور المخيّل للكلام ، يجب علينا أن نبحث بأناة في جميع الكلمات ، عن تحرقات الغيرية ، عن تحرقات المعني الازدواجي ، عن تحرقات المجاز ، بصفة عامة يجب احصاء جميع التحرقات التي تتطلع إلي مغادرة ما نراه وما نقوله لصالح ما نتخيله . ستتوفر لنا بهذه الطريقة الفرصة لكي نعيد إلي الخيال دوره الإغرائي . عن طريق الخيال نغادر السير العادي للأشياء . الإدراك والخيال متناقضان كتناقض الحضور والغياب ، التخيل هو الغياب ، هو الوثوب في إتجاه حياة جديدة .



[2]


غالبا ما يكون هذا الغياب بلا قانون وهذا الوثوب بلا مثابرة . حلم اليقظة يكتفي بنقلنا إلي مكان آخر من دون أن يكون في إمكاننا عيش كل صور المسار حقا . الحالم يسير علي غير هدي ، اما الشاعر الحقيقي فلا يكتفي بهذا الخيال السلبي ، يريد للخيال ان يكون سفراً ، من حقنا علي كل شاعر ان يستدعينا للسفر . نتلقي بهذه الدعوة ، في اعماقنا ، دفعة ناعمة ، دفعة نهزنا ، دفعة تجعل التداعي الملائم ، التداعي الدينامي بحق . إذا كانت الصورة الأولي منتقاة بشكل جيد ، فإنها تكشف كدافع لحلم شعري دقيق ، لحياة متخيلة لها قوانين حقيقية للصور المتوالية ، معني حيوي حقيقي . تملأ الصور المندرجة في متوالية عن طريق الدعوة الي السفر، في نظامها المختار بدقة ، حيوية خاصة هي التي تمكننا من تحديد حركة الخيال . لن تكون هذه الحركة استعارة فحسب ، بل سنكابدها بالفعل في ذواتنا ، غالبا ، كتلطيف ، كتسهيل لتخيل صور ملحقة ، كرغبة عارمة في مواصلة الحلم الساحر . القصيدة الشعرية الجميلة هي أفيون أو كحول ، هي غذاء مسكن للاعصاب ، توُلدُ فينا اثراً ديناميا . سنحاول ان نعطي لقول بول فاليري العميق : " الشاعر هو الذي يُلهم " معناه المتعدد المنصف . شاعر النار وشاعر الماء وشاعر الأرض لا يصدرون عن نفس إلهام شاعر الهواء . لهذا فإن معني السفر الخيالي يختلف باختلاف الشعراء . بعض الشعراء يقتصرون علي اقتياد قرائهم الي البلد الطريف ، يريدون إيجاد البلد الآخر فيما نراه حولنا كل يوم . يُحمّلوهن ويسرفون في تحميل جمال الحياة العادية أكثر مما يلزم . علينا ألا نستخف من هذا السفر الي بلد الواقع الذي يسلي الكائن بأزهد الاسعار . تنوير واقع من قبل الشاعر له علي الأقل جدة إضاءة جديدة ، لأنه يمكننا من اكتشاف لمسة هاربة ، نتعلم كيف نتخيل كل لمسة كتغيير . الخيال هو وحده الذي في إمكانه رؤية اللمسات الخفيفة ، التقاطها في مروره من لون الي آخر . يوجد إذن في هذا العالم القديم أزهارلم نكن قد رأيناها جيداً ! لأننا لم نر لمسات الوانها وهي تتغير . الإزهار هو نقل للمسات الخفيفة ، هو دائما حركة متدرجة . من يتابع في حديقته كل الأزهار التي تتفتح وتتلون له منذ تلك اللحظة ألف نموذج لدينامية الصور . 

لكن الحركية الحقيقة ، الحركية في ذاتها التي هي حركية متخيلة اساسا لا يستنفرها وصف الواقع ، ولو تعلق الامر بوصف صيرورة هذا الواقع . 

السفر الحقيقي للخيال هو السفر الي بلد المتخيل ، الي مجال المتخيل ذاته ، لا تقصد بقولنا هذا واحدة من هذه الطوباويات التي تقدم نفسها دفعة واحدة كجنة أو كجحيم ، أطلامتيد أو ثياَيّيد ، مع انه الطريق الذي كان من الممكن ان يُثير اهتمامنا والمثويَ الذي يُوصف لنا . ما نرمي الي فحصه هنا هو في الحقيقة مثولية المتخيل بالنسبة للواقع ، الطريق المتواصل الذي ينطلق من الواقع ليفضي الي المتخيل . قلما عشنا التغير الخيالي البطيء الذي يزود به الخيال الادراكات الحسية . لم نتحقق جيداً من حالة الميوعة التي توجد عليها النفسية المتخيلة ، لو كان في إمكاننا مضاعفة تجارب تغيير الصور لفهمنا كم هي عميقة ملاحظة ( بنجامان فوندان ) : " أولاً ، المدة ليست شيئا واقعيا ، ولكنها ناقل جيد للواقع ". المادة الشعرية وقد نُشّطت كما ينبغي باسم ممتليء بالاصداء ، ستكون ، علي رأينا ، ناقلاً جيداً للنفسية المتخيلة . لحصول هذا النقل ، يجب تسمية المادة الشعرية باسمها ، باسمها القديم ، بإعطائها عدد مصوتاتها اللازم ، بإحاطتها بالمرنانات التي ستجعلها تتكلم ، بالاوصاف التي ستغمر إيقاعها ، حياتها في العالم السفلي . الم يقل ( ريلكه ) : " الكتابة بيت واحد يجب ان نكون قد رأينا مدُنُا عديدة ، أناساً وأشياء ، يجب ان نكون قد عرفنا الحيوانات ، الكيفية التي تطير بها الطيور وحركات الازهار الصغيرة وهي تتفتح عند الصباح ". كل مادة تم تأملها ، كل اسم كبير تم الهمس به هو منطلق حًلم وبيت شعري ، هو حركة لسانية مبدعة . كم هي عديدة المرات التي كنت فيها علي جانب البئر ، علي الحجر القديم المثقل بالحُمّيض والسرخس ، فهمت باسم المياه البعيدة ، باسم العالم المتواري ... كم هي عديدة المرات التي اجابني فيها الكون فجأة ... يا أشيائي ! ما أمتع حديثنا . 

أخيرا ، السفر في عوالم المتخيل البعيدة لا ينقل بشكل جيد نفسية دينامية ، إلا عندما يأخذ شكل سفر الي بلد اللانهائي . في مملكة الخيال ، ينصم التعالي الي كل مثولية ، إنه قانون التعبير الشعري الذي عليه ان يتجاوز الفكر . يبدو هذا التعالي بدون شك ، وفي غالب الاحيان كشيء فظ ، زائف ، مهشم ، في احيان اخري يرقي بسرعة كبيرة جداً ، إنه وهمي ، متبخر ، متبدد ، إنه سراب بالنسبة لمن يفكر ، ولكنه سراب يسحر يوُلد دينامية خاصة ، دينامية تشكل نفسية حقيقية ، نفسية لا يمكن إنكارها . يمكننا انطلاقاً من هذا ترتيب الشعراء بطلبنا منهم الإجابة عن السؤال التالي : قل لي ما هو اللانهائي عندك ، أعرفُ عالملك ، هل هو لانهائي البحر او لانهائي السماء أو لانهائي الأرض العميقة أو لانهائي المحرقة ؟ اللانهائي في مملكة الخيال هو الناحية التي يتأكد فيها الخيال كخيال خالص ، يوجد فيها حراً ووحيداً ، مهزوماً ومنتصراً ، متغطرساً ومرتجفاً . تندفع آنذاك الصور وتتلاشي ، ترتفع وتتحطم ، عند ذاك تفرض نفسها واقعية اللاواقع . نفهم الاشكال بتغيرها ، القول نبوءة ، هذا هو حال الخيال كمَا ورَاَء نفسي ، يأخذ شكل نفسية رائدة تًلقي ذاتها علي الوجود . جمعنا في كتابنا " الماء والأحلام " عددا هاما من الصور يلقي فيها الخيال صوراً شديدة الحميمية علي الواقع الخارجي . بدراستنا هنا النفسية الهوائية ستتوفر لنا أمثلة يلقي فيها الخيال ذاته علي الوجود بكامله . عندما نذهب بعيداً ونرتفع في الفضاء نعرف أنفسنا جيداً . في حالة الخيال المفتوح ، الخيال التواق في كليته للحقائق الهوائية حيث يضُاعف كل انطباع بصورة جديدة ، يشعر الكائن بنفسه عشية كتابته ، كما يقول ( ريلكه ) : " في هذه المرة سأكتب ، إني الإنطباع الذي سيُنقَل " . في هذا النقل يعمل الخيال علي إبراز واحدة من هذه الزهور المانوية التي تخلط ألوان الخير والشر ، التي تنتهلك قوانين القيم الإنسانية الاكثر ثباتاً . نقطف مثل هذه الزهور في أعمال نوفاليس ، شيللي ، إدغار بو ، بودلير ، رامبو ، نيتشه . بتعلقنا بها نكابد الإحساس بأن الخيال هو شكل من أشكال الجرأة الإنسانية ، جرأة تملأنا بدينامية جديدة . 



[3]


سنحاول بعد هذا، تقديم محاولة إيجابية لسيكولوجيا نوعي التسامي التاليين : التسامي الاستدالي في بحثه عن ما وراء ، والتسامي الجدلي في بحثه عن مكان محاذي . هذا النوع من الدراسات ممكن ، لأن الأسفار المتخيلة واللانهائية لها في الحقيقة مسارات منتظمة أكثر مما يكمن تصوره . سهلت الأركيولوجيا الحديثة كثيراً ، كما يلاحظ ذلك ( فرناند شابوتي ) ، تكوين سلسلات مضبوطة من الوثائق . الحياة البطيئة للأشياء عبر القرون تمكن من تقدير أصلها . نفس الشيء عندما نقوم بفحص سلسلات من الوثائق السيكولوجية منتقاة بشكل جيد ، فإننا نفاجيء بانتظام تسلسلها ونفهم بشكل أفضل ديناميتها اللاوعية . نفس الشيء يحصل أيضا في ميدان الخيال ، وذلك أن استعمالا مجازيا جديدا في إمكانه إضاءة أركيولوجيا اللغة . سندرس في المحاولة الراهنة الأسفار الخالية الأكثر هروبا ، المحطات الأقل ثباتا ، الصور المتقلبة وسنري ، مع ذلك ، بأن هذا الهروب وهذا الطفو وهذا التقلب لا تعرقل الحياة المتخيلة المنتظمة حقا . في الحقيقة ، الطريقة التي نهرب بها من الواقع تحدد بشكل بين حقيقتنا العميقة . الكائن المحروم من وظيفة اللاواقع هو كائن عصابي ، كما هو الحال بالنسبة للمحروم من وظيفة الواقع . يمكننا القول بأن حصول اضطراب في وظيفة اللاواقع ينعكس أثره علي وظيفة الواقع . إذا كانت وظيفة الانفتاح التي هي بالضبط وظيفة الخيال ، تشتعل بشكل رديء فإن الإدراك الحسي نفسه يظل بليدا . يجب علينا إذن إيجاد تدرج منتظم من الواقع الي المتخيل . يكفي لتحقيق ذلك ترتيب سلسلة الوثائق السيكولوجية بشكل جيد . 

يعود هذا الإنتظام الي أننا في البحث الخيالي نجد أنفسنا في حالة انتشال من قبل مواد أساسية ، من قبل عناصر متخيلة لها قوانين خيالية ثابتة ثبات القوانين التجريبية . سنسمح لأنفسنا بالتذكير في هذا السياق ببعض الكتب الصغيرة الحديثة التي درسنا فيها تحت اسم الخيال المادي هذه الحاجة المدهشة في الاختراق التي ، الي جانب إغراءات خيال الأشكال ، تتجه نحو التفكير في المادة ، حلم المادة ، العيش في المادة أو تجسيم المتخيل . نعتقد بأن لدينا القدرة للحديث عن قانون الخيالات المادية الأربع ، القانون الذي يعزو بالضرورة للخيال الإبداعي واحدا من العناصر الأربعة : النار ، الارض ، الماء ، الهواء . بلا شك يمكن أن تتدخل عدة عناصر لتشكل صورة معينة ، هناك صور مركبة ، ولكن تسلسل حياة الصور هو تسلسل ذو صفاء شديد الي أبعد حدود الصفاء . منذ اللحظة التي تَعْرض فيها الصور نفسها علي شكل سلسلة ، فإنها تحدد مادة أولية ، عنصرا أساسيا . فيزيولوجيا الخيال تخضع أكثر من تركيباتها لقانون العناصر الأربعة . 

ألا يمكننا التخوف ، ونحن نقول هذا ، من تناقض محتمل بين دراساتنا السابقة والمحاولة الراهنة ؟ إذا كان قانون الخيالات المادية الأربع يفرض علي الخيال ان يتثبت في مادة واحدة ، ألن يجد الخيال في هذا سببا للثبات والرتابة ؟ سيكون من غير المجدي آنذاك دراسة حركية الخيال . 

الحال ليست كذلك ، لا أحد من العناصر الأربعة يتُخيل في سكونه ، بل علي العكس ، كل عنصر يُتخيل في ديناميته الخاصة ، إنه رأس سلسلة يترتب عنها نوع من التسلسل للصور الممثلة له ، أو كما يقول ( فوندان ) في عبارة رائعة : كل عنصر مادي هو مبدأ سائق جيد يعطي الاستمرارية للنفس المتخيلة . أخيرا ، كل عنصر تُبني بحماس من قبل الخيال المادي يهيء، للخيال الدينامي ، إعلاء خاصا ، تعال مميز . سنعطي الديليل علي ذلك خلال هذه الدراسة بكاملها ، بتتبعنا لحياة الصور الهوائية ، وسنري بأن التعالي الهوائي هو التعالي الإستدالي الأكثر نوعية ، التعالي ذو المتازل الأشد وضوحا والأشد انتظاما ، يرتبط به تعال جدلي بسيط ، بسيط جداً. 

يبدو أن الكائن الطائر يتجاوز حتي المحيط الهوائي الذي يطير فيه وأن أثيرا ما يقدم نفسه دائما كمجال للتعالي فوق الهواء ، وأن مطلقا ما يأتي ليتمم شعورنا بحريتنا . هل من الواجب النص علي ان الصفة الأشد قربا من اسم الهواء في مجال الخيال هي صفة حرُ ؟ الهواء الطبيعي هو هواء حر ، يجب علينا أن نضاعف من احتياطاتنا أمام تَحَرر مُعاش بشكل سيء ، أما انخراط شديد التلقائية في دروس الهواء الطلق ، دروس الحركة الهوائية المحررة . إذا حاولنا الدخول في تفاصيل سيكولوجيا الهواء ، كما فعلنا ذلك بالنسبة لسيكولوجيا النار وسيكولوجيا الماء ، من وجهة نظر الخيال المادي ، فإن بحثنا سيكون موجزا لأن الهواء هو مادة فقيرة ، لكن علي العكس من ذلك ، سيكون لنا مع الهواء فائدة كبري فيما يتعلق بالخيال الدينامي ، لأنه مع هذا العنصر تتفوق الحركة علي المادة . هكذا لا وجود لمادة بلا حركة ، النفس الهوائية تفتح أمامنا المجال لتحقيق مراحل التعالي



[4]


لكي نفهم جيداً المسحات المختلفة لهذا التعالي النشيط ، وبشكل خاص الفرق الجذري بين التعالي السينيمائي والتعالي الدينامي حقاً ، يجب علينا الإنتباه الي أن الحركة المنقولة عن طريق البصر ليست مُنشَطة . الحركية البصرية هي حركية سينيماتية خالصة ، البصر يتبع مجانا الحركة حتي يمكنه ان يعلمنا كيف نعيشها بشكل تام ، داخليا .ألعاب الخيال الشكلي ، الحدوس التي تتمم الصور المرئية توجهنا في اتجاه معاكس للمشاركة الضروية ، المشاركة الوجدانية لمادة هي وحدها التي يمكنها ان تحدد مشاركة نشيطة فعلاً من الممكن تسميتها استقراء لو لم تكن هذه الكلمة قد أخذت في وقت سابق من قبل السيكولوجيا الاستدلالية . وحده هذا الاستقراء المادي الدينامي ... يمكنه ان يرفع كياننا العميق . سنعرف ذلك عندما نقيم بيننا وبين الأشياء تطابقاً حقيقياً ، وللوصول الي ذلك يجب اختراق هذه المنطقة التي يسميها ( راَوُل أوبُاك ) : الفضاء المضاد : " تقابل الغائية المعيارية للحواس التي توجبها ضرورة الحاجيات الفورية القهرية ، غائية شعرية يحتفظ بها الجسم في حال القوة ... يجب ان نقتنع بأن شيئا ما يمكنه بالتناوب تغيير معناه ومظهره حسب ما إذا مسه اللهب الشعري او محقه او تركه علي حاله " . بجعلنَا هذا القلب للموضوع والمادة في حالة حركة ، فإن ( راَوُل أوبُاك ) يقدم لنا في تمرين الصفاء " جهة الواجهة الخلفية " ، يُظهر بهذه الطريقة وجود تطابق بين الفضاء دي الابعاد الثلاثة وهذا الفضاء الحميمي الذي يسميه جوُ بوُسكي " الفضاء الذي لا بُعْد له " . عندما نُمارس سيكولوجيا الهواء اللانهائي ، سنفهم بشكل أفضل بأن الهواء اللانهائي تنمحي فيه الابعاد وهو بذلك يمكننا من وضع يدنا علي هذه المادة الي لا أبعاد لها والتي تعطينا الإنطباع بتعالي حميمي مطلق . 

نري إذن أهمية حدس متخصص والفائدة التي يمكن أن نجنيها بانصهارنا في مادة خاصة بدل تشتتنا في عالم مُميز . سنطلب في نفس الوقت من اللأشياء والمواد المختلفة والعناصر كثافة وجودها الخاصة وطاقة صيرورتها الدقيقة . من العناصر ، سنطلب نصائح للتحول ، دروسا في الحركية الجوهرية ، بإختصار ، فيزياء مفصلة للخيال الدينامي . ستقدم لنا الظواهر الهوائية بشكل خاص دروسا شديدة العمومية وشديدة الأهمية حول الصعود والعروج والتعالي . يجب أن توضع هذه الدروس في صف المباديء الأساسية لسيكولوجيا سنسميها عن طيب خاطر " السيكولوجيا العروجية " . الدعوة الي السفر الهوائي ، اذا كان له ، كما يستحب ذلك فيه ، معني الصعود ، فهو دائما علي ارتباط بإنطباع عروج خفيف . 

يتأكد لنا آنذاك وجود حركية الصور . بقدر ما تشارك وجدانيا الظواهر الهوائية عن طريق الخيال الدينامي ، بقدر ما نشعر بخفة وحبور ورشاقة . تصبح الحياة العروجية آنذاك حقيقة حميمية ، تظهر العمودية الحقيقية في أعماق الظواهر النفسية ذاتها . ليست هذه العمودية استعارة لا طائل تحتها ، إنها مبدأ ناظم ، قانون تسلسلية ، سلُم نكابد عبره درجات إحساس خاص . بالتالي ، فإن حياة النفس وكل المشاعر الرقيقة والمحبوسة وكل اللآمال وكل التخوفات وكل القوي المعنوية التي تتعهد مستقبلاً ما ، لها تفاضلية عمودية بالمعني الرياضي الكامل لهذه الكلمة ، يقول ( بيرغسون ) في كتابه " الفكر والمتحرك " (ص37) بأن فكرة التفاضلية الليبنتيزية أو بالأولي فكرة التفاضل النيوتونية هي من وحي حدس فلسفي للتغيير والحركة .... 

لكي نعرف الانفعالات الرهيفة في صيرورتها ، فإن مهمة البحث الأولي تتمثل ، علي رأينا ، في تحديد الي أي حد تخففنا وإلي أي حد تثقلنا . إن تفاضليتها العمودية الإيجابية أو السلبية هي التي تحدد بشكل أفضل فعاليتها ، قدرها النفسي . نصوغ هذا المبدأ الاول للخيال العروجي : من بين الإستعارات ، استعارات الإرتفاع والإعلاء والعمق والانحطاط والسقوط هي أجود الإستعارات البديهية . لاشيء يفسرها وتفسر كل شيء . عندما نريد ان نعيشها ، ان نتحسسها ان نقارن بينها ندرك بأنها تحمل علامة اساسية وهي طبيعية أكثر من غيرها . تأسرنا أكثر من الاستعارات المرئية ، أكثر من أي صورة باهرة ، مع ذلك ، فإن اللغة لا تحابيها . بما ان اللغة مثقَفَة بالأشكال ، فإنها تعرف كيف تُصير صور العلو والدينامية مثيرة للإعجاب . لهذه الصور قوة فريدة من نوعها : تتحكم في جدلية الفرح والقلق . التثمين العمودي أساسي بشدة ويقيني بشدة أيضا . تفوقه لا يجادل الي حد أن العقل يستحيل عليه التحول عنه إذا حصل وأن عاينه مرة في معناه الفوري والمباشر . لا يمكننا الاستغناء عن المحور العمودي للتعبير عن القيم الأخلاقية ، عندما نصل الي فهم أفضل لأهمية فيزياء الشعر وفيزياء الاخلاق نضع يدنا علي هذه القناعة : كل شيء إعلاء . 

بطبيعة الحال ، هناك سفر نحو الاسفل ، السقوط . قبل تدخل اي استعارة أخلاقية ، فإن السقوط النفسي كفصل للفيزياء الشعرية والأخلاقية . الارتفاع النفسي يتحول باستمرار ، القوة الحيوية العامة ـ هذا المعطي الدينامي المباشر لكل شعور ـ هي علي الفور ارتفاع ، إذا ارتفعت القوة الحيوية ، يستقيم الإنسان لساعته . في السفر نحو الأعلي حيث يصير الوثوب الحيوي وثوباً "مؤُنسناً ، بعبارة اخري ، في مهمة التعالي الاستدالي وحدها تتشكل يقينا مسالك السمو . الإنسان ، كما يقول ( رامون غوميز دي لاسيرنا ) ، كله مسالك . يجب ان يضاف : كل مسالك من هذه المسالك يَنصحُ بالعروج . الدينامية الإيجابية واضحة الي حد يمكننا معه الاستشهاد بهذا القول المأثور : من لا يرتقي يسقط . الانسان بإعتباره إنسانا لا يمكنه ان يعيش أفقيا . استراحته ، نومه هي في غالب الاحيان انواع من السقوط ، قلة هُم أولئك الذين ينامون ويصعدون . هؤلاء ينامون نوماً هوائياً ، نوماً شيلليا (نسبة الي شيللي) ، في نشوة القصيدة . نظرية المادية كما هي مبسوطة في الفلسفة البيرغسونية توضح بسهولة هذا القول المأثور لأسبقية العروج . من جهته جاء ( إدوار لوروا ) بالعديد من التطويرات لنظرية المادة عند بيرغسون ، وأظهر بأن العادة هي في الواقع إخماد لصيروة النفس . من جهتنا الصورة المُطلع عليها في الكتب ، الصورة المحروسة والمنتقدة من قبل الاساتذة تُجمد الخيال . الصورة التي صيُرت الي شكلها هي مفهوم شعري يرتبط بصورة اخري من الخارج ، كإرتباط مفهوم بآخر . هذه الاتصالية للصور التي يعيرها استاذ البلاغة اهتماما بالغا ، ينقصها في غالب الأحيان هذا الاتصال العميق الذي لا يوفره إلا الخيال المادي والخيال الدينامي وحدهما . 

لن نكون مخالفين الصواب ، علي ما نعتقد ، بإعتبارنا العناصر الاربعة هورمونات الخيال ، فهي تُفعَل مجموعات من الصور ، تساعد علي استيعاب حميمي للواقع المشتت في الأشكال . عن طريقها تنجز التأليفات الكبري التي تعطي ميزات منظمة بعض الشيء للمتخيل . الهواء المتخيل هو بشكل خاص الهورمون الذي ينمينا نفسيا .



 .........
(*) النص للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار ، من كتابه (L'air et les songes)، الصادر سنة (1943) .