‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسائل البير كامو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسائل البير كامو. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 8 نوفمبر 2020

ودٌّ واعتراف وتقدير بين ألبير كامو وأستاذه لوي جيرمان

 

                                                             ترجمة  : سعيد بوخليط




حينما فاز ألبير كامو بجائزة نوبل،بعث برسالة شكر إلى أستاذه لوي جيرمان :

   19 نونبر 1957

عزيزي السيد جيرمان، 

لقد انتظرت حتى يتوارى نسبيا الضجيج الذي أحاط بي طيلة هذه الأيام، كي أستطيع مخاطبتك قليلا بكل مايختلج قلبي.

 حظيت مؤخرا بشرف عظيم للغاية،لم أبحث عنه أو توسلته.ماإن علمت بالخبر،ومنذ الوهلة الأولى،اتجه تفكيري بعد أمي،إلى حضرتكم.

فلولاكم،وتلك اليد العطوفة التي بسطتموها نحو الطفل الفقير الذي كنتُه،ودون تبلور إرشادكم،وتكريس نموذجكم، لم يكن في وسعي أبدا  تحقيق ماحققتُه حاليا.

لاأبالغ،في تقديري هذا،غير أنه سياق يمثل على الأقل مناسبة كي أخبركم عن القيمة التي جسدتموها بالنسبة إلي،ولازلتم دائما.ثم ضرورة استحضار ماقدمتوه لنا،من مجهودات وتفان وفؤاد سخي،حقائق تظل تلازم أحد تلامذتكم الصغار،الذي لن يتوقف رغم العمر بكونه تلميذكم الذي يعترف بفضلكم دائما.

أعانقكم  بحرارة.

ألبير كامو

 

 

 

       جواب السيد جيرمان على رسالة تلميذه  كامو

   30أبريل 1959

صغيري العزيز،

لاأعرف كيف أعبر لكَ عن السعادة التي غمرتني نتيجة مبادرتكَ اللطيفة ولا أيضا الطريقة اللائقة كي أشكركَ.إن أمكنني،فسأشد بقوة على يدي الشاب الكبير مثلما تجسده حاليا وسيظل دائما بالنسبة إلي :"صغيري كامو''.

من هو كامو؟أشعر بأن الذين يسعون اكتشاف طبيعة شخصيتكَ لن يتمكنوا من غايتهم تلك على الوجه الأكمل.فقد أظهرتَ دائما حياء فطريا يخبر عن  ذاتكَ،وعواطفكَ.وتكشف عن ذلك بشكل أفضل وأنت بسيط،ومباشر. فضلا عن ذلك؟راكمتُ تجليات هذه الانطباعات، داخل الفصل الدراسي.فالمربي المتطلع نحو القيام بواجبه بكل نزاهة لن يخلف موعد أيّ مناسبة ويبدي حضورا مستمرا بهدف اكتشاف تلامذته،أبنائه.جواب، سلوك، موقف، أشياء من هذا القبيل تعتبر ملهمة جدا.أعتقد بأني استوعبتُ جيدا الصبي الظريف مثلما عكستَه آنذاك، وكذا الطفل،الذي ينطوي غالبا،على بذرة رجل المستقبل.كانت سعادتكَ بتواجدكَ داخل حجرة الدراسة،تشع من جميع الجوانب.ملأ وجهكَ التفاؤل.

لم أكتشف الوضعية الحقيقية لأسرتكَ،سوى حينما قدمت عندي والدتكَ من أجل التماس  إدراج اسمكَ ضمن لائحة المرشحين للحصول على المنحة الدراسية.إنها ذات اللحظة التي ستغادرني خلالها. قبل ذلك، ظننتكَ تتمتع بنفس وضعية أصدقائك،بحيث تمتلكُ ماكنتَ في حاجة إليه.ارتديتَ مثل أخيكَ لباسك أنيقا.أحس بأني عاجز عن ذكر ثناء يجدر بصنيع والدتكَ.

تابعتُ دون توقف عناوين مؤلفات كرست مضامينها لكَ أو تحدثت عنكَ. أشعر بسرور غامر حينما ألاحظ بأن شهرتكَ(حقيقة لاغبار عليها)لم تغيِّر شخصيتكَ،بالتالي حافظتَ على كامو : ممتاز.

أيضا، عاينتُ بشغف التعديلات الطارئة لمشاهد النص المسرحي : 'الممسوسون''.مسرحية  أعددتَ اقتباسها. أحبكَ كثيرا وأتمنى لكَ النجاح العظيم الذي تستحقه. بدوره، يرغب أندريه مالرو، في أن يقترح عليك مسرحية.أعلم بأنه شغف يسكنكَ،لكن،هل ستتمكن فعلا من إنجاز مختلف تلك الأنشطة.وأخشى عليك من الإفراط في الاشتغال.واسمحْ في هذا الإطار،لصديقكَ القديم الإدلاء بملاحظة مفادها،أنكَ تحظى بزوجة ظريفة وطفلين، في حاجة إلى زوج وأب.سأخبركَ في هذا الإطار بما كان يقوله لنا مدير المدرسة العليا. شخص غلبت عليه القسوة، في تصورنا،مما خلق عائقا كي نرى ونتلمس فعليا،حبه لنا. يقول :"تمسكُ الطبيعة كتابا ضخما أدرجت بدقة بين ثنايا صفحاته مختلف التجاوزات التي تقترفونها''.أعترف بأن هذا الرأي الحكيم أمسكني  مرارا وأرشدني حينما يتربص بي النسيان.إذن،حاول أن تحافظ على بياض صفحتكَ المخصصة لكَ ضمن كتاب الطبيعة الكبير.

لقد ذ كَّرني أندريه،أننا شاهدناكَ واستمعنا إليكَ من خلال برنامج أدبي عرضه التلفيزيون،انصب موضوعه على مسرحية الممسوسين.تأثرت وأنا أتابعكَ تجيب على الأسئلة المطروحة.لحظتها،راودتني رغما عني،تلك الملاحظة الساخرة،بأن لاتشك بخصوص واقعة أني استطعت أخيرا رؤيتكَ والإصغاء إليكَ.فسحة عوضت قليلا غيابكَ عن الجزائر،وقد افتقدناكَ مدة ليست بالقصيرة.   

قبل الإنهاء،أريد أن أخبركَ عن الألم الذي يعتصرني باعتباري مدرسا لائكيا،حيال المشاريع المتوعدة المتآمرة ضد مدرستنا. أعتقد، بأني احترمت على امتداد فترة مساري المهني، ماهو أكثر قداسة لدى الطفل :حقه في البحث عن حقيقته الخاصة. لقد أحببتكم جميعا، بالتالي لاأشك في مدى قيامي بكل ماأمكنني القيام به حتى لاأجهر بأفكاري وأضغط ضمنيا على ذكائكم الفتي.حينما تعلق الأمر بإشكالية الله(ضمن البرنامج الدراسي)،أكدت لكم حينها بأن هناك من يؤمن بوجوده،في حين لايؤمن به آخرون. ولكل فرد مطلق الحرية كي يفعل مايريده.أيضا،بالنسبة للمحور المتعلق بالأديان،اكتفيت بالإشارة إلى الديانات الموجودة،وقد انتمى إليها من  استهوتهم.وأضيف لكي يتسم قولي بالصدق،بأن هناك أشخاص لايقيمون وزنا لأي دين.أعلم بأنها حقيقة لاتعجب الذين يرغبون في تحويل المدرِّسين إلى مجرد باعة متجولين للدين،أساسا الدين المسيحي لكي أكون دقيقا.

اضطر أبي وباقي رفاقه الأساتذة، خلال حقبة انتمائهم إلى منظومة المدرسة العليا بالجزائر(الموجودة عند منتزه غالان)، الذهاب كل يوم أحد للقُدّاس وتناول القربان.ذات يوم، وقد أنهكه هذا الإكراه، بادر إلى وضع القربان''المقدس''بين طيات كتاب القداس وأغلقه !أخذ مدير المدرسة خبرا بما فعله أبي فلم يتردد في طرده.هذا مايصبو إليه حقا مناصرو''المدرسة الحرة''(حر، يعني بالنسبة إليهم، أن نفكر على منوال تفكيرهم).  

مع التشكيل الحالي لمجلس النواب،أخشى من أنَّ الأسوأ قادم.لقد أخبرتنا جريدة''لوكنار أونشيني ''،بأنه في أحد الأقاليم،زينت مئات الحجرات المدرسية جدرانها بصليب.أرى في هذا الأسلوب محاولة مقيتة ضد وعيي الأطفال.فكيف سيصبح الوضع بعد حقبة معينة؟تأملات من هذا القبيل،تحزنني بعمق.

اعلمْ،مع غياب رسائلي،ينصب تفكيري باستمرار نحوكم جميعا.

أبعث لكم أنا وزوجتي السيدة جيرمان،قبلة كبيرة.

إليكم محبتي.

  

*المرجع :

 La Compagnie Affable : le 1 octobre 2015

 http://saidboukhlet.com/

 

     

الخميس، 15 أكتوبر 2020

تشعرني بالدُوَار : العشق الممنوع بين ألبير كامو وكازارس

 

                    ترجمة  : سعيد بوخليط

 


بالنسبة للأقل صبرا على مواصلة قراءة رسائل قاربت صفحاتها ألفا وثلاثمائة صفحة،ويسكنهم مع ذلك فضول نحو معرفة تفاصيل العلاقة الغرامية التي جمعت بين ألبير كامو وماريا كازارس، يمكنهم الاستعانة برواية فلورانس فورزيت :تشعرني بالدُوَار(2017،   عن منشورات لوباسور )صدرت ضمن سلسلة الجيب سنة 2018 .

قدم جان بيير كاستيلاني يوم 9مارس 2018على صفحات مجلة ''دياكرتيك''،عرضا حول الرسائل الغرامية بين ألبير كامو وماريا كازارس الصادرة عن دار غاليمار.وقد ميز بين نوعية قراء جذبتهم أساسا شهرة بطلي تلك الرسائل،فيسترقوا النظر قليلا، ثم آخرين افتقدوا تماما شغفا بخصوص رسائل العشق . لكن يلزمهم حتما الشغف بكامو وكازارس حتى يكملوا غاية النهاية،الإحاطة بفقرات ثمانمائة وخمس وستين رسالة،دون إهمال أي واحدة.

هذا الإعجاب المنقطع النظير والمفرط،بين كامو وكازارس كشفت عنه نبرة بداية مقالة إيستيل لينارتويس على صفحات مجلة ليكسبريس يوم 3 دجنبر2017 :"إزاحة اللثام عن تلك المراسلات العظيمة بين ألبير كامو وماريا كازارس،أظهرت قوة حب مدهشة،بقي طاهرا وراسخا مثل صخر لأزيد من خمسة عشر سنة".

منذ 6  يونيو1944،أول لقاء جمع بينهما في باريس،عند ميشيل ليريس،بمناسبة التئام نقاش حول قطعة فنية لبيكاسو،وصولا إلى تاريخ 30شهر دجنبر  1959،حينما بعث كامو بعد عودته من لورمارين،رسالة  إلى ماريا كازارس، تحدد تاريخ لقاء جديد في باريس. فهل يمكننا الإقرار دائما بهذا الخصوص،أن حبهما ظل طي الكتمان،مادام كل العالم كشف خبايا علاقتهما؟يكفي قراءة سير ذاتية من قبيل  :

 *إيربير لوتمان : ألبير كامو (1985).

  *أوليفيي تود : حياة ألبير كامو(1999) .

ماريا كازارس نفسها تحدثت في سيرتها الذاتية سنة 1980،عن "سر متداول''. 

سيبتهج أنصار كامو عندما يكتشفون جوهرا آخر للرجل،مختلفا شيئا ما عن ماتطويه ذاكرتهم،لكن ينبغي القول، بأن تلك السير الذاتية الصادرة منذ حقبة قضمت ذلك.

كتب جان بيير كاستيلاني،بكيفية صائبة تماما:"نسجا دون توقف سجالا،حول إنجازات متواصلة، سباق جامح كي يلتقيا ثانية أمام طاولة بينغ بونغ دراماتيكية، وفق المعنى المسرحي للمفهوم،خلف الأبواب الموصدة.هذا الخطاب الغرامي المهووس والرتيب قليلا، يعكس ترقبا دؤوبا أكثر منه انتشاء سعيدا. () نشعر كما لو أن روح الثنائي كامو/ كازارس،تعيش خارج الزمن التاريخي،يسكنهما اضطراب،جراء حوادث تلك السنوات : حروب خارجية،كما الشأن مع حرب الجزائر، انطلاقا من سنة 1954،وقد عاشها كامو بكيفية مؤلمة جدا،ولم يلمح إلى أمره سوى نادرا، التدخل السوفياتي في هنغاريا سنة1956،ثم أحداث ماي 1958،مع عودة الجنرال ديغول وتأسيس الجمهورية الخامسة.نحس كما لو تضمهما فقاعة،نفقد أثرهما  قليلا وسطها... يدرك الحس النقدي عبر المسار التاريخي لتلك المراسلات،فترات زمنية يناجي خلالها كامو نفسه،ثم تحققت أخرى تعكس وضعا أكثر انصهارا،وأخيرا نلاحظ تراجعا واضحا بعد سنة 1951،على مستوى الوتيرة وكذا الصيغة: تراجعت الرسائل خلال العامين الأخيرين(1958 -1959)،مابين سبع وثلاثين وثمان وأربعين رسالة،مما يعكس انكفاء واضحا بخصوص اندفاع أحدهما نحو الثاني،وإن انبعث ثانية ،نتيجة مفعول السعادة التي أثارها لقاء جديد في باريس شهر دجنبر 1959 ''. 

بين صفحات سيرتها الذاتية المذهلة والمفاجئة،المعنونة ب : إقامة مميَّزة،منشورات فايار سنة(1980)،دبَّجت ماريا كازارس مضامين الصفحات الممتدة بين(231- 255)، بكيفية فاقت روعة كل رسالة،وقد تحررت أخيرا من ''الصمت'' وكذا ''المنع'' اللذين أجبراها لفترة طويلة على الصمت أمام كل متكلم عن هذا الموضوع،سواء مادحا أو منتقدا.

تحكي كازارس بإسهاب عن سنة 1944،بحيث لم يتضمن مجلد الرسائل،أي رسالة  منها إبان تلك الفترة :''بفضل الفهم والتقدير المتبادلين،وافتخار أحدنا بالثاني،تحقق الاستيعاب والتحفيز من الجانبين،ونستهلك نحو الأفضل تلك الأيام،التي تأتت لنا،نمرح ونتألم معا،حيث أحدنا هو الثاني،نرقص مثلما نتقاسم الحزن باستخفاف،ونتحمس معا نحو الأفضل،يتحقق مختلف ذلك ضمن إطار براءة مطلقة،وحرية لانهائية اختُلست من الزمان،مثل فرعين منحدرين من ذات الغصن دون أي انتماء ثان سوى للشجرة التي تحملهما،قويين معا، حسب  قرار اتخذه هذا الطرف أو ذاك،المتمثل في أن نلهب معا عبر هذا الاقتراب من شعلة بالحياة، الأيام المتبقية لنا كي نحياها معا،غاية  انتهاء فترة الحرب''. 

ثم في موضع ثان،كتبت كازارس بالحرف الايطالياني،التالي :"لقد عشنا لحظات رائعة سنة 1944،مع ذلك ورغم تآلفنا،تسرب إليها الكبرياء طويلا،بفعل الطرفين.هكذا يفسر كامو إخفاقنا الأول-عشق الكبرياء في رفعته- لكنه افتقد لليقين المقلق للعشق/الهبة'' ثم جاء جواب كامو في رسالة تعود إلى سنة :1951" يعشق أحدنا الثاني على شاكلة صنيع القطارات حين تقاطعها عند مفترق طرقها نحو المحطات" ''.

عندما نستحضر هذا الحب،لانحتفظ لماريا كازارس سوى بصفة : ''الحب الكبير لألبير كامو''،ثم ننسى بأنها اعتُبرت واحدة من أكبر فنانات حقبتها،في مجالي المسرح والسينما،مثلما كتب مرة أخرى كاستيلاني :''تكمن قيمة هذه المراسلات مع كامو ،أننا نستعيد بفضلها تاريخ المسرح الفرنسي ومحطات مثيرة للاهتمام خلال فترة مابعد الحرب عبر سرد لكازارس مستفيض وجذاب، بخصوص جل مغامراتها المسرحية وجل العلاقات التي جمعتها مع كبار الممثلين ومدراء الفرق المسرحية وقد رسمت لهم بورتريهات ممتعة ''.

عموما،رواية فلورانس فورزيت،التي تحمل عنوان'' تشعرني بالدُوَار : العشق الممنوع بين ألبير كامو وكازارس"،صارت متوفرة حاليا ضمن إصدارات منشورات الجيب، بحيث تقدم تخيُّلا وثائقيا من طرف صاحبة العمل،وهي باحثة مهتمة بالمسرح وصديقة لماريا كازارس.

نلاحظ بأن مجلد الرسائل الصادر عن غاليمار،تبنى أساسا ترتيبا لاسمي الفاعلين على النحو التالي :ألبير كامو/ ماريا كازارس.ترتيب لايرتبط حتما بمجرد هاجس ألفبائي. بينما سنلاحظ مع رواية فلورانس فورزيت،أنها منحت المقام الأول للشابة كازارس، بإدراجها لعنوان فرعي وفق تسلسل :  ماريا كازارس/ ألبير كامو.

فلورانس فورزيت، كاتبة،ممثلة،ومخرجة.ساهمت في إنجاز العديد من الإبداعات والمشاريع الثقافية.فيما يتعلق بجانب التأليف،نستحضر مشاركتها في تهيئ كتابي : "الأخوات برونتي"،و"تاريخ الشغف  العاشق".كما اشتغلت على عمل عنوانه :ماريا كازارس، فنانة القطيعة(2013). وقبل سنتين من ذلك،ناقشت رسالتها لنيل درجة الدكتوراه في جامعة باريس3 /السوربون بأطروحة تناولت موضوع :"ماريا كازارس تطلعات وتحولات فنانة".  

أيضا كتبت مقالات أخرى حول ماريا كازارس.كما الشأن مثلا بخصوص دراستها : "كامو والحب"،الصادرة  يوم 24دجنبر2017على صفحات موقع :  The dissident تعتبر من وجهة نظري بمثابة تتمة لروايتها" تشعرني بالدُوَار : العشق الممنوع بين ألبير كامو وكازارس".  

حينما طرحت شارلوت مايير سؤالا،على فلورانس فورزيت ،بخصوص دواعي هذه الرواية،وكيفيات تبلور إطارها؟أجابت الأخيرة بقولها:

''كانت كازارس المنحدرة من أصول إسبانية،واحدة من أكبر ممثلات التراجيدية في  فرنسا خلال القرن العشرين.ولعبت أدوارا تحت إشراف مخرجِين حداثيين أساسيين:جان فيلار،جان كوكتو،جورج لافيلي،باتريس شيرو وآخرين.إنها الممثلة التي جسدت فوق الخشبة مفاهيم نصوص ألبير كامو،وجان جنيه،الذي رأى فيها الممثلة المناسبة لتشخيص كتاباته المسرحية،مثلما هيأ لها بيرنارد ماري كولتيس عدة مسرحيات.أيضا،تخيل بصددها مصمم الرقصات موريس بيجار مشاهد تستلهم موسيقى الباليه،عرضت في الفناء الرئيس لقصر البابوات خلال مهرجان أفينيون.لقد تعرفتُ لأول مرة على ماريا كازارس في مدينة ليون فترة تقديم مسرحية راسين :  "Britannicus"على خشبة مسرح دي سيلستان،بحيث اكتشفتُ شيئا مختلفا فيما يتعلق بحضورها على المسرح مقارنة بباقي الممثلين الآخرين.بدت منتصبة مثل عمود يبعث اهتزازات،وفي نفس الوقت تحافظ على تجذرها في الأرض.تمتلك خاصية معينة،يمكن مقارنتها قليلا بمنحوتة ألبرتو جياكوميتي،"الرجل الذي يمشي". أتذكر بأني قلتُ لها ذلك،ولم تنكر المقارنة.ميز ماريا حضور أرضي،ثم خاصة،صوت استثنائي عميق،يأتي من بعيد جدا يضمر صدى لقاء بين لغتين وثقافتين،الاسبانية والفرنسية،لا تتداخلان بل تتعايشان ويخترقانها.أريد الإدلاء بشهادة في حق هذه الممثلة،وأخبرها بأني سأتذكرها إلى الأبد.لقد حدثني عن حكايتها الجميلة مع كامو،مؤلمة حقا،لكنها مثيرة ومحظورة،مادام كامو كان متزوجا.تسرب خبر عشقهما وعلمت به مختلف مكونات الوسط الثقافي الباريسي.لاتتحدث ماريا عن علاقتها الغرامية تلك سوى نادرا جدا،غاية اليوم الذي أتت فيه لزيارتي قائلة على الفور:"اليوم، سنتكلم عن كامو" !  تناقشنا طيلة فترة بعد الظهر.بدأ يعرف أحدنا الثاني،والمدهش،طريقتها في جعل كامو كما لو أنه على قيد الحياة.امتلكت طريقة بسيطة، لكنها جذابة، بخصوص سرد حكايتها المتحفظة جدا عشرون سنة بعد وفاة ماريا، كشفتُ عن ذلك للناشر كريستوف ريمون،فأبدى حماسا كبيرا. بالتالي كتبتُ هذه الرواية بناء على مضامين أحاديث ماريا ثم ماأعرفه عن تلك الحقبة.اعتقدت بضرورة حماية تاريخ علاقة هذين كائنين اللذين التقيا وعشق أحدهما الثاني، من كل تلف أو إهمال''.

انقسمت رواية '' تشعرني بالدُوَار : العشق الممنوع بين ألبير كامو وكازارس '' إلى ثلاث فصول :حالة الطوارئ، توالي الوقائع، أبعد قليلا .توقفت الرواية طويلا عند سنوات الحرب،حيث عاش هذا الحب جزأيه الأولين،وبالتالي شغل مضمونه خلال تلك الحقبة حيزا قارب 4/3 الرواية.نعاين حوارات عدة بين كامو وكازارس، بجانب كذلك شخصيات أخرى، نستعيد معها شخصيات فعلية.حوارات، تخلَّلتها حكايات تنسج صلة بين متواليات مميزة وكذا أوصاف تستلهم جدا لغة الإشارة. تمَّ التأريخ لمختلف الوقائع بدقة.نصادف عند منتصف الرواية تقريبا،فقرة جميلة جدا،بمثابة حوار طويل مع ماريا حول غرامها،وحقيقتها ومايتعلق بمستقبلها.اتسمت الصفحات الثلاث الأخيرة،برصانة واضحة،لأنها تطرقت إلى الحديث عن الموت المفاجئ للكاتب من طرف حبيبته :الانهيار،الذكريات، ثم استعادة الحياة : تخليد عظيم  لقوة الحياة أو حياتها. نصادف ثانية الكثير من التفاصيل،والأقوال والذكريات يمكن قراءتها في سيرة كازارس : ''إقامة مُمَيَّزة''.

لاتعفي رواية :'' تشعرني بالدُوَار :العشق الممنوع بين ألبير كامو وكازارس" ، من العودة إلى قراءة الرسائل، مع ذلك يلزم بهذا الصدد تقديم إعلان خفيف مفاده : يمثل هذا النص الروائي قراءة حقيقية خلال فصل الصيف وقد حددت أفقه من الصفحة الأولى غاية الأخيرة، ماريا كازارس تلك المرأة المتصالحة مع نفسها.

*مرجع الحوار :

   Diacritik :11 juillet 2018.