‏إظهار الرسائل ذات التسميات حنا أرندت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حنا أرندت. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 1 أغسطس 2016

تفاهة الشرّ وسؤال الجريمة.. أو حنّة أرندت في القدس

" الشرّ دائمًا متطرّف وليس جذرياً أبداً. الخير هو الجذريّ والعميق


كريم محمد
تاريخ النشر: 08-03-2016



-1-

لم  تكن النّازيّة حركة عاديّة، أو ظاهرة سياسيّة طارئة، أو واقعة وقعت بلا  قَدَر ميتافيزيقي في الغرب؛ فكلّ فاشيّة كبرى لها أصولها البنيوية التي  ترسّبت حتى ولو لم نعد نرى تلك الأصول لشدّة تجذّرها، لتخرج فجأةً في معسكر  نازي، أو فاشية كبرى،أو هولوكست لم يبقِ ولم يذر يهوديًّا إلّا وتمكّن منه بالإبادة. ربّ نازية كانت هي التجلّي الأمثل للحداثة السياسيّة منذ الأب المتخفّي ميكافيلي (من الضروري أن نرجع هاهنا للدراسة الممتازة التي كتبها الفيلسوف السياسي الألماني ليو شتراوس تحت عنوان: الموجات الثلاث للحداثة، three waves of modernity)، أو مع الوريث البطل توماس هوبز. كان على الحداثة السياسيّة أن تنهي قدرَها السياسيّ بالحربين العالميتين وبالنّازيّة كأقصى ما يمكن أن تصل إليه من المهمّة الرسالية للدولة الحديثة، ومن العقل المطعون بالجنس واللون، ومن الدور البطوليّ للقوميّة الحديثة المتخيّلة التي تقوم على الإدماج والإبعاد كاستراتيجيتين أساسيتين لقيامها.

إنّ العقلنة الحداثيّة لم تكن تقتصر فقط على الأبعاد غير السياسيّة من الاجتماع الإنساني، بل إنّها كانت تشمل العمليّة السياسيّة بالأساس. حسب ليو شتراوس، إن منشأ الحداثة ومأزقها وانتهائها سياسيّ بالأساس وليس معرفيًّا حصرًا. إن العالم ما قبل الحديث كان يواجه إشكالًا في الغرب يتعلّق بالمأزق اللاهوتي السياسي وكيف إدراة المجتمع وتحقيق سياسات أكثر لصوقًا بتحقيق الرفاه والتقدّم. إن الحداثة السياسيّة هي التحقيق المتأخّر لأمنيّة أفلاطون الأوّل حول تحقيق مملكة الربّ في الأرض. إذن، المشكل السياسي الحديث يتعلّق بالأساس ويتمحور حول كيفيّة هذا التحقيق لهذه المملكة. ويبدو أن السياسة ما قبل الحديثة مع الكنيسة لم تكن سياسة بقدر ما كانت لاهوتًا قد استنفذ ليحلّ في شخص البابا الذي يجعل من القرار السياسي قرارًا لاهوتيًّا.

تحقيق السعادة، أيديولوجيا التقدم، تفشّي العلمويّة، الأنا الأوروبيّة… كلّ ذلك ليس سوى المقومات الأساسيّة التي تنظّم المخيال السياسي للغرب الحديث، غرب ما بعد الكنيسة والسياسة اللاهوتيّة. وبالعودة إلى النصوص التي أوردها مؤرّخ الأفكار العظيم أشعيا برلين في كتابه الهام:"جذور الرومانسيّة”، يمكننا أن نقول إنّ كل ذلك كان يتجه في بلورة القوميّة الحديثة الغربيّة، ليس فقط سياسيًّا، ولكن إنسانيًّا؛ بمعنى أنّ الأوروبي الحديث كان يُموقِع نفسه ويبوّئها منزلة أنطولوجيّة أعلى من الإنسان غير الأوروبي، ومن ثمّ فإن عليه أن"ينوّر"ذلك غير الأوروبي، الآخر، اللقيط، غير الحديث، أو يتم إدماجه في قوميتنا الأوروبيّة، حسب فيشته.

إذا اعتبرنا الرايخ الثالث ليس إلّا تحقيق الحداثة السياسيّة في صورتها الأعنف من حيث صنع قوميّة متخيلة ألمانيّة تقوم على الإدماج والإبعاد، فإنّه يمكننا فهم سياسات النازية المُحرقة تجاه اليهود. وحسب حنّا أرندت، والتي سيدور عليها المقال، القوميّة –أي قوميّة- كي تقوم، عليها أن تقوم بتهجير وطرد ونفي كي تتم صناعة الـ”أنا"القوميّة والعرقيّة، أي كي يتم تحديد التمييز العرقي والقومي بين"نحن"و”هم”، إلّا أنّ تلك النحن لا تقبل هاتين التنصيصتين لأنّها خارج كلّ تنصيص، في حين أن الـ”هم"موضعها المحرقة.

مرّة أخرى، لم تكن النازيّة مجرّد حزب سياسي في ألمانيا، بل هي قدر ميتافيزيقي لحداثة سياسيّة كانت تعمل منذ قرون عدّة، وليس هتلر سوى حُلم تأجّل تحقيقه. ومن هنا، نفهم لماذا وقع فلاسفة كبار ألمان في فخّ هتلر. هل من المعقول أن يقع فيلسوف القرن الكبير مارتن هيدغر في النازيّة؟ هل يُعقل انضمام القانوني والفيلسوف السياسي كارل شيمت –”هوبز القرن العشرين”- في مصافّ النازيّة؟ -علينا أن نتذكّر إجابة جيل دولوز، حين قال معلّقًا على وقوع هيدغر المريب في النازيّة بأنّه"كان على العار أن يدخل إلى الفلسفة”.
فالنّازيّة، مثّلت الشرّ الإنسان في تجلٍّ سياسيّ مخيف، في واقعة أودت بحياة الملايين من اليهود، تحت ذريعة البحث عن الآريّة؛ وكأنّ الشر الأوروبي كان له أن ينفجر في لحظة تاريخيّة وقعت في ألمانيا كي لا يعود، ربّما. والشرّ النازي ليس شرًّا مُفاجئًا، بل هو صنيعة سياسيّة قد دُبّر لها منذ أمد.

-2-

الفيلسوفة اليهوديّة والألمانيّة –في آن!- حنّا أرندت، كانت من الذين طالتهم يد النازيّة، وتم ترحيلها إلى خارج ألمانيا، حتى وجدت ملجأً وسافرت إلى أمريكا كي تقيم هناك ثمّ تتولّى مهامّ جامعيّة وتكمل مسيرتها هناك في أمريكا، في تلك الأرض التي نبتت بلا ذاكرة، والتي كانت بالنسبة إلى حنّا أرندت في ذلك الوقت بمثابة"فردوس أرضيّ”، بحسبها. أن تُهجّر يعني أن تصير بلا اعتراف، وقد عاشت أرندت في أمريكا ردحًا بلا اعتراف قانوني، عاشت كلاجئة، بكلّ بساطة وقسوة.

اشتغلت أرندت منذ أعمالها الأولى على القرون الوسطى وقد سجّلت أطروحتها حول الحبّ عند القديس أوغسطين. وكانت التلميذة النجيبة لمارتن هيدغر، أستاذها وعشيقها، وهي التي نشأت في جوّ من أوج الفلسفة الألمانيّة، إضافة إلى رفقاء دربها من الفلاسفة تلاميذ هيدغر، ومنهم من عاش معها بأمريكا مثل هانس جوناس، الفيلسوف المهتم بالإيكولوجيا والإيتيقا. ومن الاعتقادات المعرفيّة التي كانت تتبنّاها حنّا في حقبتها الألمانيّة الأولى حتى وصولها إلى عام 1961م اعتقادها بـ”الشرّ الجذري”، تلك المقولة المسيحيّة والتي اشتغل عليها كانط بشكل هامّ في كتابه الذي تُرجم إلى العربيّة مؤخرًا تحت عنوان:"الدين في حدود مجرّد العقل”.

الشرّ الجذريّ"مقولة أصيلة في المعرفة الدينيّة والفلسفيّة الغربيّة، تعني الخطيئة الأصلية التي ارتكبها الإنسان في البدء، مما يستلزم أن الشرّ جزء رئيس وداخلي لدى الإنسان، لا يمكن أن ينفكّ عنه، لأنّه ابتدأ مسيرته في الحياة بالخطيئة. بيد أنّ كانط قد جعل من واقعة الشرّ الجذري واقعة فلسفيّة، فهو لا يعني بالشر الجذري أن الإنسان كائن شرّير بالمعنى السيّئ للاستعمال، أو أن الإنسان خيّر بالمعنى الحسن؛ إن الإنسان، حسب كانط، هو القادر بفضل"الحريّة"أن يسير في السبيلين. إن الشرّ بقدر ما هو اختيار بفعل الحريّة، فإنّ له أساسًا كامنًا في الإنسان. وهنا نفهم من بول ريكور، أنّ اللاهوت والفلسفة في الغرب متشابكان بشكل مثير، وليس مقولة الشرّ الجذري إلا تجليًا لهذا الاشتباك الفلسفي اللاهوتي.

إذن، كانت مقولة"الشرّ الجذري"بمثابة شيء ناجز وسابق في الإنسان، ومن ثمّ فإن النازية يمكن أن تكون تحقّقًا لهذا الشرّ الجذري في الإنسان. والوقائع التاريخيّة عمومًا عند وقوعها، وخاصّة التوتاليتاريّة، لا تأخذ حيّزًا نظريًّا كبيرًا من التفكّر فيها إلّا بعد وقوعها وليس في لحظة وقوعها. وعلينا هنا أن نسجّل ملاحظة هامّة تتعلّق بكون الغرب يحوّل وقائعه السياسيّة الكبرى إلى مُشكل فلسفيّ ومعرفيّ بل وشِعريّ كذلك، في حين أنّنا عربيًّا لم ننخرط بعد في استشكالات فلسفيّة لما وقع في ماضينا من وقائع تاريخيّة وما يقع لنا وسيقع، فيما أظنّ.

هل الشرّ الجذري الذي مسّ منظّرة الفلسفة السياسيّة حنّا أرندت قد وجد تحقّقه في النازيّة؟ وهل اليهود –وهي منهم- راحوا ضحيّة تنظير فلسفيّ قد شُرعن له لاهوتيًّا ثمّ نُظّر له فلسفيًّا فيما بعد؟ أو لماذا انقلبت حنّا أرندت على التقليد الفلسفي القائل بـ”الشر الجذري"لتدشّن مفهومها الذي نشأ من واقعة سياسيّة/ أخلاقيّة، والذي أسمته بطرافة"تفاهة الشر"(banality of evils)؟

-3-

في عام 1961م، كُلّفت حنّا أرندت بالذهاب إلى القُدس لحضور محاكمة أحد العاملين النازيين، أدولف إيخمان، وهو الشخص المسؤول عن ترحيل اليهود. كان ذلك التكليف من قبل مجلّة"نيويوركر”، وقد كتبت حنّا أرندت عدّة تقارير حول المحاكمة التي عُقدت في القدس لمحاكمة إيخمان، ونُشرت فيما بعد في كتاب تحت عنوان:"إيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشرّ).

أهمّ ما يُلاحظه المتبصّر لتقرير أرندت حول محاكمة إيخمان هو انهماكها في الشخص المُجرم نفسه وليس في الدعاوى التاريخيّة والقانونيّة التي تُلقيها المحكمة على إيخمان. إنّ إيخمان وإنْ كان مجرمًا نازيًّا، إلّا أنه مجرّد فرد إدراي وموظّف بيروقراطي في نظام توتاليتاري ينفّذ أوامر ذلك النظام دون تفكير. إن المحاكمة ليست عادلة، حسب أرندت، لأنّها لم تُحاكم إيخمان كفرد، وإنما حاكمته على تاريخ لم يكن سوى موظّف فيه. تقول أرندت إنّه منذ الحقبة اليونانيّة والإنسان تُحدد ماهيته غربيًّا بكونه القادر على التفكير بينه وبين نفسه. إيخمان لم يكن يفكّر، إيخمان موظّف عتيق، وهو لا يفهم سوى لغة الإدارة، كما قال هو في مرافعته عن نفسه بالمحاكمة، وذلك بعد إلقاء القبض عليه في الأرجنتين متخفيًا.
لا تهمّنى محاكمة إيخمان كحدث عينيّ، أريد أن أركّز على إشكاليين هامّين من تلك المحاكمة، كي نرى كيف حوّلت أرندت المشكل السياسي الظرفي إلى أسئلة فلسفيّة وسياسيّة. السؤال الأول يتعلّق بمحاكمة الفرد الواحد المتهم داخل نظام توتاليتاري قد ارتكب أبشع الجرائم كالنازية، والسؤال الثاني متعلّق بـ”تفاهة الشّر”.

هل يمكن محاكمة إيخمان كمسؤول عن جرائم النازيّة؟ أي هل إيخمان فرد تاريخيّ أم هو مجرّد شخص، موظّف إدراي؟ -حسب أرندت، فإن هذه المحاكمات للأفراد هي محاكمات فرديّة وليست تاريخيّة، ومن ثمّ فإن إيخمان لا يمكن تحميله جرائم النازية كلّها، ويمكن محاكمته عما ارتكبه فقط، وليس عن جرائم التاريخ.

نحن هنا بحاجة لأن نستدخل بول ريكور بتقسيمه حول"المسؤوليّة الإجراميّة"و”المسؤوليّة السياسيّة”. إن ريكور يقيم تقسيمًا طريفًا بين ذينك النوعين، فبحسبه؛"المسؤوليّة الإجراميّة"تكون تلك المسؤولية التي يُشار فيها بإصبع الاتهام إلى شخص بعينه، في حين أنّ"المسؤوليّة السياسيّة"هي التي تُلقى على نسق سياسيّ بأكمله وعلى رجال جميعهم كانوا في ذلك النظام الإجرامي، حتى ولو لم يتورّط كلّ فرد منهم بتلك الأعمال الإجرامية. ما قصدته، أن حنّا أرندت أرادت أن تقول بلسان ريكور إن إيخمان مسؤول إجرامي وليس مسؤولًا سياسيًّا، هو يمثّل نفسه وجرائمه وليس جرائم النظام النازي التوتاليتاري كلّه. وإذا تمّ الفصل بين المسؤوليتين فإنّ موقف أرندت سيُفهم من المحاكمة، خاصّة أنها اتهمت بمعاداة السامية من قبل أبناء جنسها واليهود عمومًا.

أمّا فيما يخصّ تفاهة الشرّ، فقد استوحت أرندت هذا المفهوم من المحاكمة. ربّ محاكمة كانت فاعلًا في إبداع فلسفيّ للفيلسوفة الألمانيّة الأمريكيّة. فما لاحظته أرندت في محاكمة إيخمان، أن إيخمان ليس إنسانًا مدبّرًا أو إنسانًا رتّب لتلك الجرائم التي قام بها. إنّه شخص، تافه، وعاديّ، وشرّه أتفه منه. ليس الشرّ جذريًّا أبدًا، بل هو سطحي. أي إن الشرّ متطرّف وليس جذريًّا في الإنسان، وتطرّفه غير راديكاليته؛ فكونه متطرفًا يجعله مرتبطًا بالسطح والقشرة، وليس راديكاليًّا أبدًا في الإنسان. إن الراديكالي في الإنسان هو الخير. إن إيخمان قد قام بما قام وهو على غير وعي بما يفعل، هو مجرّد منفّذ ليس إلّا، وهذا يجعل شرّه مجرّد حادث دون تدبيرات أيديولوجيّة مسبقة، أو بناءً على مكر معرفيّ. إنّه تافه.

عندما كانت أرندت في المحاكمة، كنت تنظرُ إلى إيخمان وكلامه وتنتبه لتصرفّاته. علّقت أرندت بأن إيخمان لا يجيد الكلام، وهو شخص لم يكن يفكّر إلى في وظيفته. إيخمان لا يجسد الشر الجذري أو المطلق كما تصفه المحكمة، نعم هو تخلّى عن شرطه الإنساني من حيث التفكير والتدبر، لكنّه تافه وسطحي ولا يتحمّل كلّ ذلك التاريخ. قلبت أرندت مفهوم الشرّ على ظهره، ليغدو سطحيًّا جدًّا، وليس عميقًا كما تقول الحضارة الغربية منذ أمد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : المدي



الجمعة، 22 يوليو 2016

حـنة أرندت ومارتن هايدغر.. قصـة حـب انتهـت بالفشل

شاكر نوري

تاريخ النشر: 01 أغسطس 2009

عند الاطلاع على  أرشيف الفيلسوف الألماني الشهير مارتن هايدغر، على قوة العلاقات العاطفية  التي كانت تربطه بالفيلسوفة الألمانية حنة أرندت ما بين عامي 1925 و1930.  ولعل أمر هذا الحب ظل غامضا بل ليس معروفا إلى حين تم نشر مراسلاتهما بين  الأعوام ورسائلهما المتبادلة للمرة الأولى في عام 1998.

وهي تمتد بين سنوات 1925 و1975. دار نشر غاليمار قامت بنشر نسخة من كتاب المراسلات، مصحوبا بـ 170 وثيقة، من القصائد والنصوص وبطاقات التذاكر وغيرها مما يخص العاشقين. ومراسلات حنة أرندت عديدة منها مع زوجها هاينيريش بلوشير، وكارل غاسبار، وماري ماكارثي، وكورت بلومينفيلد، وهيرمان بروش إلا أن مراسلاتها مع مارتن هايدغر تتميز بأنها تعكس أجواء التاريخ الثقافي للقرن العشرين. ظل الغموض يلف هذه المراسلات حيث كانت أرندت تحتفظ بنسخة من هذه المراسلات في غالبيتها. والسؤال المطروح هنا: هل عمدت إلى إخفاء رسائلها أو أضاعتها؟ كانت مراسلات هايدغر تتميز بالصبغة الإرشادية في تطور علاقتهما العاطفية في مدينة ماربورغ أولا، وثمة مسافة مفروضة عليه كما يبدو بحيث كان يطلب من آردنت أن تبتعد وتذهب إلى مدينة هايدلبيرغ من أجل الحفاظ على علاقتهما.


كانت الرسائل الأولى تتميز بالروح الحيادية لأنه كان يخاطبها بالشكل التالي: «عزيزتي الآنسة أرندت». ولكن الرسالة كانت تحمل توقيع: مارتن هايدغر الذي لك ـ 10 شباط (فبراير 1925. وسرعان ما تغّير إيقاع المخاطبة في الرسالة المؤرخة في 21 من الشهر ذاته لتصبح: «عزيزتي حنا» و«مارتن الذي لك».وفي 27 من الشهر ذاته، كتب لها قائلا «الشيطان...... في داخلي»وتجيبه آردنت بنص عنوانه «ظلال»، وهو يتعلق بسيرتها الذاتية، وتشرح له ضجرها ومخاوفها الطفولية. وكان كل واحد من العشيقين يبذل جهودا من أجل التعبير عن تاريخ حياته. هايدغر متزوج أرندت تعيش في غرفة الخدم أي غرفة «فوق السطوح"التي يعيش فيها الطلبة. وكانا يلتقيان في الحدائق والفنادق، وتميز هذا الشغف بطبيعة فلسفية حيث تختلط أحاديث القلب بأحاديث الفلسفة وبالحوارات الطويلة التي تربط بينهما ومشاغلها حول عملهما الفلسفي.

كتاب هايدغر الشهير «الوجود والزمن» صدر في عام 1927 وآردنت تعيش مباشرة الفلسفة التي تعلمتها من هايدغر. ففي ابريل/ نيسان من عام 1925، يتهّيج هايدغر ويتصل بأرندت ويناديها ب«محبوبتي"ويتمنى لها ليلة هانئة ويوقع رسائله «مارتن الذي لك». وفي 13 من شهر أيار يكتب لها قائلا «أشكرك على حبك». وفي 14 من شهر يونيو/ حزيران، تستلم أرندت رسالة منه يقول فيها «لا شيء يفصل بيني وبينك». وفي تاريخ 26، يدشن العاشقان طريقة جديدة من المراسلات ويبدأ بدعوتها إلى مواعيد محددة، قائلا لها «أطلب منك المجيء لرؤيتي في 28 يونيو الأحد بعد الساعة التاسعة... ألف قبلة».

وهكذا في ال17 من يوليو/ تموز كتب لها «هل تريدين المجيء لرؤيتي مساء هذا الأحد... 19 يوليو... سأكون متمتعا للغاية في ساعات اللقاء هذه». وفي ال18أكتوبر/ تشرين الاول يبعث إليها برسالة عنوانها «قبلة الحب». وفي ال10 من ديسمبر يكتب لها قائلا «يا محبوبتي، تعالي، أتوسل إليك، غدا الجمعة، نحو الساعة الثامنة والربع مساء للالتحاق بي على مقعد حديقتنا... وسأكون سعيدا مسبقا». وعلى الرغم من الكيلومترات التي تفصل بينهما، يكتب لها هايدغر بأنه «بأنني أعيش في حاضرك على الدوام». وفي إحدى الرسائل النادرة التي تكتبها له آردنت في مراسلاتهما، تقول له «أقبل جبهتك وعينيك... حنة التي لك».

وفي هذه المرحلة يعيش العاشقان أوج حبهما بل وأن آردنت كانت تعتقد بأنها امرأة حياته، وهي كذلك. لكنها لم تطلب من الفيلسوف هايدغر أن يطلق زوجته الشرعية بل كانت تحلم أن يأخذ المبادرة في هذا الشأن.

وهذا ما لم يتحقق. ولكن هناك عددا من أصدقاء أرندت دون أن يعرفوا علاقاتهما، يحذرونها من مشاعر هايدغر المعادية للسامية لأن أرندت كانت تنتمي إلى الديانة اليهودية. علاقتهما استمرت حتى عام 1933، وهي ترى هايدغر ينتمي إلى الحزب النازي. وهذا ما أصابها بجرح روحي، نتيجة الكراهية التي تولدت في قلب الفيلسوف إلا أنها ظلت متعلقة به.

من المؤكد أنها تبقى تلتقي بهايدغر في عام 1933 الذي ظل عضوا في الحزب النازي حتى النهاية فيما تغادر هي ألمانيا وتعيش المنفى في باريس حيث تبقى حتى عام 1941 قبل أن ترحل إلى الولايات المتحدة. ومما شك به، إنها تعرف جيدا «خطاب عمدة الجامعة"حيث كان هايدغر يدرس في جامعة فريبورغ حيث يوضح فيه علاقته بالحزب القومي الاشتراكي أي النازي. وكانت على علم بأن هايدغر لن يحضر تشييع أستاذها أدموند هوسريل الذي كان يهوديا.

في سنوات 1936 و1937، كانت زوجة هايدغر، ألفريد، هي الأخرى تنتمي إلى حزب هتلر لكنه أخذ يبتعد عن النازية ويكرس حياته للفلسفة. وعندما فك ارتباطه بالنازية، تم حرمانه من التدريس في الجامعة طيلة خمسة أعوام. وأثناء زيارة آردنت في عام 1950 إلى ألمانيا، قامت بزيارته، ويصبحان صديقين من جديد كما تكشف مراسلاتهما المنشورة.
وتعتقد أرندت ان هايدغر لم يكن نازيا أبدا، وهو كان يتظاهر بذلك إلى درجة أنها قامت بالتوسط في نشر أعماله في الولايات المتحدة بل وأجهدت نفسها من أجل إزاحة هذه «التهمة"عنه. وتعترف بأن كتابها «وضع الإنسان الحديث"بأن الفضل في تأليفه يعود إلى فكر هايدغر.
وفي عام 1974، أي قبل عام من وفاتها، كتبت له قائلة «لا أحد يستطيع أن يقوم بتدريس محاضرة كما تقوم أنت به ولم يستطع ذلك أحد قبلك».

كان هايدغر، قبل كل شيء، أستاذها وصديقها قبل أن يتحول إلى عشيق لها بل كان بمثابة الحامي لها. وأثناء لقائهما في مدينة ماربورغ في عام 1925 حيث كان يدرس في جامعتها، وقف الجميع ضدهما.

كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وهو في الخامسة والثلاثين من عمره. كان يعتبر الساحر الصغير في قريته الصغيرة. أنه كاثوليكي، وهي تنحدر من عائلة يهودية. هو ألماني من الجنوب، وهي من مدينة كروغسبيرغ. كان هايدغر هادئا في حين كانت هي مضطربة منذ وفاة أبيها عندما كانت في السابعة. وكانت ساذجة في الحب وهايدغر أول عشيق لها، بل أنه يسحر جميع الطلبة. ولكن هذه العلاقة لم تخرج إلى العلن إلا في عام 1949 عندما تحدثت آردنت عنها إلى كل من كارل غاسبار وماري ماكارثي.

وتكشف رسائلهما عن الخلفية التي كان يفكر بهما الفيلسوفان العاشقان في فترة من أشد الفترات صعوبة وتعقيدا في التاريخ، سنوات حكم النازية: المنفى والنازية ومعاداة السامية واليهودية وغيرها من مفاصل التاريخ التي فرضت نفسها آنذاك.

وكانت علاقتهما محاطة بسرية كاملة، لم يكشف عنها أي من الطرفين، وتفرض عليهما أن يفكرا بجملة من المفاهيم حول العلاقات الإنسانية. كانا طيلة صيف عام 1951 يتناقشان حول «بهجة المعرفة» للفيلسوف نيتشه. وكانت علاقتهما محاطة بنوع من الابتعاد عن ذكر التفاصيل المتعلقة بالحياة الداخلية للعشيقين. وكما يعترف هايدغر أن غالبية الوقت كانا يتحدثان ولم تنقطع رسائلها.
تقول الفيلسوفة حنة أرندت:

«إن فعل التفكير بحد ذاته عملية خطيرة، ولكن ألا تفكر هو أكثر خطورة». هكذا تشرح الفيلسوفة في لقاء تلفزيوني قبل وفاتها في 4 ديسمبر/ كانون الاول من عام 1975 حياة بكاملها قابلة للتقلب. وهذا ما يشرح اللقاء بين طالبة في الثامنة عشرة من عمرها وبين فيلسوف مثل هايدغر. ولعل طفولتها تفسر كثيرا سّر هذه العلاقة. فقد ولدت في عام 1906 في لينيندن، بالقرب من هانوفر في وسط فكري مثقف.

ولكن مرض أبيها النفسي والعقلي جعلها تهرب في عمر الثامنة نحو برلين أثناء الهجوم الروسي في عام 1914. وتطورت المراهقة بسرعة كبيرة. فهي طالبة ذكية، اختارت أن تدرس الفلسفة واللاهوت، وتواصل محاضرات هوسريل في جامعة فريبورغ ومحاضرات غاسبار في هايدلبيرغ، ومن ثم نشرت أطروحتها حول مفهوم «الحب عند أوغستين» في عام 1929.

وبعد ذلك بعام، نشرت مقالاتها في برلين مع غونتر شتيرن الذي تتزوج منه بعد فترة قصيرة. ويظهر لها صديقان هما: هانز جواناس ووالتر بينجامين. مما لا شك فيه أن استيلاء النازية على الحكم وتزايد صعود نعرة معاداة السامية في ألمانيا قلبت حياتها رأسا على عقب بل جعلتها تلك الأحداث تتجه نحو الصهيونية وتدرسها دون الانتماء إليها لكنها عملت في الجمعيات اليهودية التي تدافع عن حقوق الإنسان. وفي عام 1933، يتم توقيفها مع أمها ويتم استجوابهما. وبعد ذلك تغادر ألمانيا إلى براغ وجنيف وباريس. ويلتحق بها زوجها.

وفي باريس تلتقي بكل من والتر بينجامين وجيرشوم شوليم وتتعرف على ريمون آرون. وفي عام 1936، التقت بهانيريش بلوشير الذي أصبح زوجها الثاني في عام 1940 إلا أن السلطات النازية أوقفتهما وأودعتهما في معسكرات فيرنيه وغارس. ولكنهما تمكنا من الفرار إلى مرسيليا، والوصول إلى لشبونة وإلى الولايات المتحدة فيما بعد.

وفي هذه الأثناء، طرد بينجامين نحو الحدود الذي وضع حداً لحياته بالانتحار. وبمساعدة ماكس برود، تجد وظيفة في عالم النشر حيث تقوم بنشر مذكرات كافكا وشولوم وبيرنار لازار وغاسبار. وكانت في هذه الفترة تحضر لكتابها الكبير «أصول التوتاليتارية"الذي صدر في عام 1951 في الوقت الذي كان فيه هذا المصطلح ما يزال جديدا. ومن ثم تتوالى كتبها في الصدور"وضع الإنسان الحديث «1958 و«أزمة الثقافة «1961. وفي عام 1961 تعمل لصحيفة «نيو يوركر"محاكمة ايخمان في القدس والكتاب الذي تؤلفه عنه يثير جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والسياسية. ولعل ما يثير في كتاباتها أنها ربطت بين المعاش والحدث والفكر.

يعود الفضل في المحافظة على الرسائل المتبادلة بينها وبين هايدغر إلى حنة أرندت لأنها كانت تسلم منها نسخة إلى الأرشيف.

هل كانت ترغب في نشر هذه المراسلات؟

على أية حال، كانت قد اتفقت مع هايدغر على عدم تمزيق الوثائق الشخصية. ويؤكد ابن الفيلسوف، هيرمان بأن مثل هذا الاتفاق كان قد عقد بينهما. ويبدو أن الفيلسوف لم يحتفظ الرسائل الأولى المتبادلة بينهما.

وفي المرحلة الأولى من مراسلتها، وبعد أن يعين عميدا للجامعة، يدافع فيها عن تهمة معاداة السامية التي ألصقت به، وكان ذلك يعني تعكير صفو علاقته بأرندت. كان ذلك في عام 1932 و1933. والمرحلة الكبيرة من مراسلاتهما تبدأ في 7 فبراير/ شباط من عام 1950. في المساء، قام هايدغر بزيارة إلى حنة أرندت في فندقها في فريبورغ بعد أن أشعرته بوجودها في مدينته. وتؤكد الوثائق المتوفرة من عام 1950 حتى 1954 بأن جو الثقة عاد إلى علاقتهما من جديد بدون أية كلمة عتاب.

كما تكشف هذه الوثائق تفاصيل هامة في سيرة حياة الفيلسوف في بداية الخمسينات. ولم يتقابل العشيقان من عام 1952 حتى عام 1967 لأسباب متعددة أهمها الغيرة الأنثوية التي أظهرتها زوجة هايدغر، ألفريد، والعلاقة المتوترة بين هايدغر وزميله الفيلسوف كارل غاسبر. إضافة إلى أن العاشقين كانا عاكفان على تأليف كتبهما الأساسية وما يتولد عن ذلك من تبادل البحث والنقد.
وفي عيد ميلاد الفيلسوف الثمانين، كتبت أرندت «بأنها تعلمت التفكير من «المعلم»، وتقول في كلمتها «بعد خمس وأربعين لا زلت أفكر بك كما كنت على الدوام». وقبل هذه الاحتفالية، قامت مع زوجها بزيارة الزوجين هايدغر. وقبل الذكرى الثمانين، مات كارل غاسبر.

وفي عام 1970 ودعت زوجها، فتتحول مدينة هايدغر إلى نقطة لقاء بينهما. وكانت تتوقف في هذه المدينة لفترة من الزمن عندما تأتي إلى أوروبا في سنوات السبعينات، وهي تقول عن هايدغر «أسئلتك ترافقني على الدوام». وتضيف «أرجو أن تتحدث لي عن أعمالك وإلا فإنك ستحرمني من التعلم منك». وفي كتابه الشهير «كانط ومشكلة الميتافيزيقيا»، أهدى لها نسخة كتب فيها إلى حنة آردنت... أحييها من صميم القلب ـ مارتن هايدغر».

وعلى الرغم من ذلك، وجدت حنة آردنت في هاينريش بلوشير الصديق والعشيق والمتعاون والموحي والزوج في آن واحد. وجرت بينهما مراسلات مهمة من 1936 حتى عام 1968. إضافة إلى مجموعة من المراسلات مع كورت بلومنفيلد وماري ماكارثي وكارل غاسبار، وهي على درجة كبيرة من الأهمية. وهنري بلوشير على درجة كبيرة من الثقافة الواسعة والمعرفة الدقيقة بتاريخ الفن.

وفي الحقيقة أن الفيلسوفة حنة أرندت ولدت في هانوفر من عائلة فنية يهودية، ومن ثم واصلت دراستها في برلين وماربورغ وفبريبورغ وهايدلبيرغ. وتتلمذت على أيدي اكبر ثلاثة فلاسفة: هايدغر وهوسريل وغاسبار.

وفي عام 1933 كانت في ال27 من عمرها عندما شب حريق ريشتاج، كانت تقوم ب«أعمال غير شرعية"أي معادية للنازية مع زوجها الأول غونتر ستيرن وقدمت الدعم للشيوعيين بالفرار من ألمانيا. ويتم توقيفها لبضعة أيام ثم تتمكن من الفرار إلى فرنسا حتى عام 1951 حيث تحصل في هذه السنة على الجنسية الأميركية.

وفي باريس تتعرف على كل من بيرتولد بريشت وستيفان زفايج ووالتر بينجامين. وفي عام 1937، تلتقي بزوجها هاينريش بلوشير الذي كان ينحدر من عائلة عمالية وينتمي إلى الحزب الشيوعي الألماني. وفي عام 1940 يتزوجان في 16 يناير/ كانون الثاني بعد رحلة شاقة من الهرب من فرنسا حيث كان زوجها رهن معسكرات الاعتقال إلى إسبانيا ومن ثم إلى لشبونة ومن بعد ذلك الرحيل إلى أميركا. ولكنهما لم ينقطعا عن زيارة أوروبا باستمرار حيث زارا في عام 1969 مارتين هايدغر.

زوجها توفي في عام 1970 وهي توفيت في عام 1975 ودفنا سوية. وكان هذان الزوجان يشكلان نموذجا لامرأة فيلسوفة معروفة ورجل يعمل في الظل مثل قائد الأوركسترا، يشبه إلى حد ما الرجل المختفي في الظل والذي يحرك لعبة الفلسفة بطبيعة. وكثيرا ما كان يختار زوجها مهنة «محرك الدمى» في أوراقه الشخصية كما تؤكد جوليا كريستيفا. ولم يقتصر زوجها على الحديث عن روزا لوكسمبورغ وبوخارين وقراءة ماركس ولينين بل دفعها إلى نقد الماركسية التقليدية من خلال تحطيم الأوهام الميتافيزيقية والأنظمة المغلقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: البيان 



عندما عصف الحب بين هيدغر اللاسامي وحنة أرندت اليهودية

موريس أبوناضر 

تاريخ النشر: 24 نوفمبر 2014

قد تكون الرسائل المتبادلة بين الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر وحنة أرندت التي أصدرتها «دار جداول»، بترجمة حميد الأشهب من الألمانية الى العربية، من أجمل النصوص في الأدب الفلسفي. يتفق معظم المفكرين الغربيين على أن هيدغر هو من أهمّ فلاسفة القرن العشرين، وينظرون الى كتابه «الوجود والزمان» على أنه من أهمّ الكتب الفلسفية التي تناولت الجانب الأنطولوجي في الفلسفة. كان مارتن هيدغر متزوجاً وله ولدان عندما ظهرت في حياته فتاة تسمّى حنّة. كانت في الثامنة عشرة، بينما كان هو في السادسة والثلاثين. كان هو أستاذاً في جامعة فريبورغ بينما كانت هي تلميذة درست عليه الفلسفة، ثمّ تطوّرت العلاقة بين الأستاذ وتلميذته الى عاشق وعاشقة يعيشون الحب كما يعيشه الفلاسفة.

كانت حنّة يهودية طاردتها النازية فهربت الى فرنسا، ومن هناك سافرت الى الولايات المتحدة حيث تزوجّت وعملت واشتهرت كفيلسوفة في الفكر السياسي. أما هيدغر فتعاطف مع النازية فترة طويلة من حياته، تسلّم أثناءها عمادة الجامعة، ثم صرف منها بعد الحرب، ومنع التدريس. لكن شهرته كأستاذ وفيلسوف لم تسمح لأعدائه بتحقيق غاياتهم بعزله نهائياً عن المجالات الثقافية. استمرّت العلاقة بين الأستاذ وتلميذته بعد الحرب العالمية الثانية، واستمرّت الرسائل بينه وبينها، وكانت له خير سند في معاركه السياسية والفلسفية الى أن توفّي بعدها بعام أي 1976.

تتشكّل العلاقات العاطفية بين هيدغر وأرندت من ثلاثة فصول: بدأ الأوّل في شباط (فبراير) من عام 1925 عندما كتب لها الرسالة الأولى من بين سبعين رسالة يضمها الكتاب الذي قامت بترجمته دار جداول، يعبّر فيها عن حبه لأرندت بإيحاء وخفر، طالباً منها إقامة علاقة خاصة تكون بسيطة وصافية، مؤكّداً لها أنه، وإن لم يكن من حقّه الاحتفاظ بها لنفسه، إلا أنه واثق من أنها لن تخرج يوماً من حياته. يكتب هيدغر لحنة في رسالة شباط من عام 1925 «لا بدّ أن يكون كل شيء بيننا وببساطة واضحاً ونقياً. لقد حصل لنا الشرف بالتعرف على بعضنا البعض، وأن تصبحي طالبة لي، وأن أصبح أستاذاً لكن ما هو إلاّ سبب لما حصل لنا. لن أستطيع امتلاككم أبداً، لكن ستنتمين من الآن فصاعداً الى حياتي وسينمو هذا الأمر فيك». ويكتب في رسالة من الشهر نفسه «لماذا يكون الحب فوق طاقة كل الإمكانيات الإنسانية الأخرى، ويكون ثقلاً حلواً بالنسبة للمعني بالأمر». ويكتب لها في نيسان (أبريل) من السنة نفسها «عندما سلّمتك المخطوطة اليوم غمرتني فرحة عارمة الى درجة أنني أصبحت دون حيلة ولا عون. لقد سلّمت لك جزءاً من روحي شيئاً قليلاً لحبك، وقد أتى شكرك اللطيف على الأخضر واليابس داخلي».

تميّزت الرسائل الأولى التي كتبها هيدغر الى أرندت بنوع من الحياد لأنه كان يخاطبها «عزيزتي الآنسة أرندت» لكن مالبث أن أخذ يخاطبها «عزيزتي حنة» و»مارتن الذي لك»، و»محبوبتي». يكتب لها في أيار(مايو) من العام نفسه «أشكرك على حبك» ثم يعود ويرسل إليها رسالة أخرى يقول فيها «لا شيء يفصل بيني وبينك»، وأخرى يدعوها فيها الى مواعيد محدّدة «أطلب منك المجيء لرؤيتي في 28 حزيران (يونيو) الأحد بعد الساعة التاسعة ...ألف قبلة «. ويضيف: «إذا كان النور مشتعلاً في غرفتي، فإن ذلك يعني أنني منشغل بموعد آخر. في هذه الحالة، وهذا أمر مستبعد تعالي يوم الأربعاء في الوقت نفسه». أما رسائل أرندت إلى هيدغر وعلى رغم قلّتها فهي تعبّر عن حبّ جارف، وتعلّق بالإستاذ الذي بهرها بعلمه وشخصيّته، فتعترف له بأعزّ ألأمور التي تحياها وتحدث لها. تكتب له في نيسان من عام 1928 «ما أودّ أن أقول لك ما هو في العمق إلا عرض واع للوضع. إنني أحبك كاليوم الأوّل، وهذا أمر تعرفه، وكنت أعرف هذا قبل لقائنا من جديد. إن الطريق الذي أرشدتني إليه هو أطول وأصعب مما كنت أعتقد» ثم توضح في الرسالة نفسها: «سأفقد حقي في الحياة لو فقدت حبي لك». وتكتب له عام 1929 «وهكذا أتوجّه إليك اليوم بالثقة القديمة وبالطلب القديم: لاتنسني ولا تنس أنني أعرف بعمق بأن حبّنا قد أصبح نعمة حياتي». في القصل الأول من علاقاتهما الغرامية تتواصل اللقاءات خلسة تارة في بيته، وتارة في الكوخ الذي يملكه في الغابة السوداء، ومرة ثالثة في الحدائق والفنادق. ولكن مالبث أن انكشف أمر العلاقة في أعين زوجته الغيور، فطلب هيدغر من أرندت الانتقال الى جامعة هايدبرغ حيث صديقه الفيلسوف الوجودي المعروف كارل ياسبرز. وقد ظلّت الرسائل متواصلة بينهما، تجمع بين تدفّق العاطفة وهموم الفلسفة وإشكالات الفكر.

في الفصل الثاني من علاقة هيدغر بأرندت الذي ابتدأ عام 1933 سنة اعتقالها على يد النازيين وفرارها الى فرنسا تنقطع الرسائل بين العاشقين، بخاصة أن هايدغر تقرّب من النازية، وعيّن رئيساً للجامعة، قبل أن يستقيل منها ويعتزل في بيته في الغابة السوداء، ممنوعاً من التدريس بعد هزيمة بلاده.

يبدأ الفصل الثالث من علاقة هيدغر بحنة أرندت بعد سنوات الحصار المفروض عليه، إذ تعيد الاتصال به في شباط (فبراير) عام 1950. يلتقيان في فندق صغير في مدينة فريبورغ الألمانية بعد لحظة عتاب قصيرة تعود المياه الى مجاريها. يكتب لها في هذه المناسبة: «لنا يا حنة ربع قرن يجب أن نسترجعه أودّ أن أعرف أكثر عن طريقك الحالي وعن أعمالك». بالفعل تكشف الوثائق أن العاشقين كانا يعملان كما ذكر هيدغر، هو على كانط، وهي على التوتاليتارية، ولم يتقابلا بعد لقائهما الأوّل لأسباب متعدّدة أهمها الغيرة الأنثوية التي أظهرتها زوجة هيدغر، والعلاقة المتوتّرة بين هايدغر وزميله كارل ياسبرز، إضافة إلى مشاغلهما العائلية. يكتب هيدغر لحنة قائلاً: «سأرسل لك الكتاب حول كانط ومجموع ما اشتغلت عليه حول هولدرلين كتحية بمناسبة عيد الميلاد». وتجيبه حنة في الموضوع نفسه: « لقد طلبت من الناشر أن يرسل لك كتاباً لي، وأودّ أن أقول كلمة في هذا الأمر. ستلاحظ بأن الكتاب لا يحتوي إهداء. لو أن الأمور كانت مرّت بيننا في أحسن الأحوال - أعني بيننا إذن لا أنت ولا أنا - لكنت قد سألتك إذا ما كنت تسمح لي أن أهديك إياه. تحقّق هذا الكتاب من الأيام الأولى في فرايبورغ مباشرة، وإنه مدين لك في كل اللحظات بكل شيء».

تغلب في الرسائل المتبادلة بين هيدغر وأرندت لغة الفكر والتجريد والتعبير الموارب، وإن لم تغب حرارة العاطفة ودفء الحب. رسائل كانت بالنسبة إلى هيدغر وسيلة للتعبير عن حبه الصعب لتلميذة يهودية تتلمذت على يديه في زمن صعود النازية، وكان بالنسبة إلى أرندت أداة للتعبير عن تعلّقها بـ «المعلم» كما كانت تسمّيه. المعلم الذي تعلّمت على يديه كيف تفكّر، وكيف تحبّ.
ــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة