الأحد، 10 أغسطس، 2014

المنهج الموضوعاتيّ (في البحث عن النغم التائه)

د. جوزف لبُّس*


«إنّ أيسرَ رغباتنا شأناً، وعلى الرغم من تفرّدها لحناً، تتضمّن النغمات الأساسيّة التي تقوم عليها حياتنا»[1]. مارسيل بروست


مفهوم الموضوع والنقد الموضوعاتيّ


     سُمّي هذا المنهج موضوعاتيّاً نسبةً إلى موضوع تيمة (Thème)
[2].والموضوع في لسان العرب اسم مفعول: ما أُضمِرَ ولم يُتكلَّمْ به[3]، وفي محيط المحيط هو «الشيء الذي عُيِّن للدلالة على المعنى، والشيء الـمُشار إليه إشارة حسّيّة»[4]، وفي المعجم الوسيط «المادّة التي يبني عليها المتكلّم أو الكاتب كلامه»[5]. أمّا في النقد الأدبيّ فالموضوع (أو الموضوعاتيّة La Thématique) خِيار وجوديّ متشعّب الأشكال متعدّد التعابير كثير التنويعات والتحوّلات، أي إنّه مجموع الوجوه البلاغيّة والصور البيانيّة والمشاهد الوصفيّة والمواقف السيكولوجيّة والأشياء التي يستعملها الكاتب لبناء عالمه الداخليّ، وتشكيل أناه الخالقة (المبدعة)، وهو يتحدّد وَفْق تكراره وثباته عبر متغيّرات النصّ[6]. وفي تعريفٍ آخر: الموضوع هو الأثر الذي تخلّفه إحدى ذكريات الطفولة في ذاكرة الكاتب أو الفنّان وتلتقي فيه كلّ آفاق العمل الأدبيّ أو الفنيّ[7]؛ «ليست الطفولة خزّان الماء الذي يَروي حقول الراشد حيث تنضَج سعادتنا فحسب، ولكنّها قد تكون بدورها عملاً فنيّاً، ينبغي علينا الكشفُ عن مخطَّطه ومآربه ومؤلِّفه»[8]. وفي تعريف ثالث: هو وَحدة من وَحَدات المعنى، وَحدة حسيّة علائقيّة مشهود لها بخصوصيّتها عند كاتبٍ ما، تنمو نموّاً شبكيّاً إشعاعيّاً أو خطوطيّاً أو جدليّاً أو منطقيّاً، باسطةً العالَم الخاصّ بالكاتب[9]. وفي تعريف رابع: «هو التردّد المستمرّ لفكرة ما، أو صورة ما، فيما يشبه لازمة أساسيّة وجوهريّة، تتّخذ شكل مبدأ تنظيميّ ومحسوس أو ديناميكيّة داخليّة، أو شيء ثابت، يسمح للعالَم المصغّر بالتشكُّل والامتداد»[10]. ويعترف جان بيار ريشار بأنّه «لا شيء أكثر ضبابيّةً وهروبيّةً من الموضوع»[11].

     كثيراً ما يحيا الموضوع في جميع أعمال الكاتب الواحد[12]، ويتكرّر ببنى فنيّة متنوّعة ومواضيع مختلفة، ويتّخذ دور الخليّة أو النواة التي تنقسم على ذاتها صانعةً أقساماً جديدة وتفاصيل ترتبط في ما بينها بعَلاقات قويّة وعميقة كأنّها رباط الدم بين الأشقّاء، وكالأصداء أو الدوائر التي تنداح من المصدر الأوّل، و«كالتجويق الموسيقيّ الأوركستراليّ حيث الميلوديا الرئيسيّة هي حصيلة نقرات منفردة ومتعدّدة، تتآلف وتتواكب لتعطيَ إيقاعاً أوركستراليّاً واحداً»[13]. هذه القُربى لا تبدو على سطح العمل، بل تعمل في أعماق النصّ / النصوص. وكأنّما الأدباء لا يكتبون في نهاية المطاف سوى عملٍ أدبيٍّ واحد، ولا يحدوهم إلّا وسواسٌ أو هاجسٌ واحد. إنّ «المبدع مهما تناثر من نايه من ألحان، فإنّ هذه الألحان تخرج من فُوْهةٍ واحدة»[14].

     إنّ النقد أو التحليل الموضوعاتيّ هو المسار (أو القراءة) الذي يأخذه البحث لاكتشاف الموضوعاتيّة (أو الموضوع الأصليّ)، وكذلك الكشف عن التجلّيات التي تتّخذها هذه الموضوعاتيّة في جميع تفرّعاتها في العمل الأدبيّ. وقد وصل النقد الموضوعاتيّ إلى أوْجِه في ستينيّات القرن العشرين، في مرحلةٍ كانت تسيطر فيها مجموعةٌ من المناهج النقديّة كالنقد السيكولوجيّ مع شارل مورون، والنقد السوسيولوجيّ مع لوسيان غولدمان.

روافد الموضوعاتيّة وروّادها

     الموضوعاتيّة مَدينة لروافدَ كثيرة، لعلّ أهمَّها: الرومنسيّة، والظاهراتيّة، والوجوديّة، والنفسيّة، والأسلوبيّة.

رأى الرومنسيّون في العمل الشعريّ تعبيراً عن أنا الشاعر، وفي الخيال عَصَب الكيان الشعريّ، وعنهم أخذ الموضوعاتيّون. وأخذوا عن هوسّرل أنّ الوعي إنّما هو وعي الذات بموضوعها لا وعي الذات بذاتها (كما كان يقول كلّ من سقراط وديكارت)، أي إنّ وعي الإنسان بنفسه يمرّ أوّلاً من خلال وعيه بالعالم مع التخلّص من الأحكام السابقة. 

وبالتالي، فإنّ مُهمّة النقد الموضوعاتيّ تتمثّل في القيام بتحليل النصّ الأدبيّ باعتياره وعياً فنيّاً يمثّل وعي المبدع. وأخذوا عن الوجوديّة (سارتر) الخِيار الأصليّ الذي اصطنعه الكاتب لنفسه، ولحياته، وللوجود؛ فإذا كان الوعي يحدّد الحريّة، فإنّ الحريّة تحدّد المسؤوليّة، ويحدّد سارتر مُهمّة الناقد في قراءة العمل الإبداعيّ بأنّها محاولة جلاء المغامرة الخاصّة بالإنسان الذي دفعه قلقه إلى أن يكون كاتباً. نفسيّاً، يدفع الفنّ بالرغبة المكبوتة، من طريق الإيهام، إلى التعبير عن ذاتها بالصور، كأنّما الصورة تستر العَورة. وفي حين يجهد التحليل النفسيّ للكشف عن اللاوعي والصراعات والعُقد، يسعى الموضوعاتيّون الأدبيّون إلى الكشف عن التوازن الذي تنحلّ فيه المتناقضات كلُّها[15]. والموضوعاتيّون، كالوجوديّين، يرفضون مقولة اللاوعي. أمّا الأسلوبيّة فقد دفعت النقد الموضوعاتيّ إلى معالجة لغويّة جماليّة متعدّدة، لأنّ أطياف الشعور أو اللاشعور تتبلور لغويّاً بوساطة تراكيبَ وتعابيرَ وتقنيّاتٍ معيّنة، فيغدو النسيجُ الجماليّ مفتاحَ النسيجِ الفكريّ الموغل في الباطنيّة أو المتناثر رموزاً على سطح الكتابة.

     ويُعَدّ مارسيل بروست مؤسّس الموضوعاتيّة؛ ففي كتابه بحثاً عن الزمن الضائع (السجينة)، يشرح كيف أنّ كبار الأدباء والفنّانين (دوستويفسكي، فيرمير، رامبرانت) لم يصنعوا سوى عملٍ واحد، وعكسوا عبر أوساط مختلفة جمالاً واحداً حملوه للعالم[16].

     أمّا أبرز نقّادها ففرنسيّون أو كتبوا بالفرنسيّة: غاستون باشلار (1884-1962)[17]، جورج بوله (1902-1991)[18]، جان روسّه (1910-2002)[19]، جان ستاروبنسكي (1920)[20]، جان بيار ريشار (1922)[21]، جان بول فيبير(؟)[22]...

الأسس الفلسفيّة والنقد الموضوعاتيّ

     الوعي النقديّ الموضوعاتيّ وعيٌ بالذات (سارتر) ووعيٌ بالعالم (هوسّرل)، ووعيٌ بالعَلاقة بين الذات والعالم (باشلار). ومثلّث الوعي هذا هو الذي يجعل الوعي النقديّ الموضوعاتيّ وعياً وثيقَ الصلة بالوعي الفلسفيّ.

     إنّ موضوع الموضوعاتيّة الأدبيّة هو الأنا المبدعة (الحالمة والواعية ذاتَها) وليس أنا الكاتب. ولذلك، يجتنب الموضوعاتيّون الأدبيّون استخدام اسم المؤلِّف، أو الأنا التاريخيّ، عند كشفهم عن تشكّل الأنا الإبداعيّة، ويستخدمون كلماتٍ مثل: أنا، ذات، كائن؛ لكونهم يتناولون أنا المؤلِّف في متغيّراتها، خصوصاً في الحركة الجوهريّة التي يتحقّق فيها التحام الأنا بالعمل الأدبيّ؛ فالكاتب لا يقول ذاته فحسب، بل هو يبتدعها باستخدام الكلمات. وقد نصح بروست[23] بإقصاء السيرة الذاتيّة التي كان يرى فيها سانت بوف أصلَ العمل الأدبيّ؛ فالسيرة الذاتيّة التي يعتبرها سانت بوف هي الأصل، يقابلها عند بروست رسمَ حياة عالم الأديب، أي كتابة حياته الروحيّة. إنّ السِّمات الثلاث: عالم المؤلِّف الخياليّ، والبحث عن الأصل أو نقطة انطلاق العمل الأدبيّ، والتطابق الحميميّ التي قال بها بروست، قد تبنّاها الموضوعاتيّون الأدبيّون كلُّهم. وهكذا، ركّز غاستون باشلار على الصورة الفنيّة، مقياس الخيال الأدبيّ، وجان بيارريشار على العالم الخياليّ عند المؤلِّف وكأنّه عينُ الحقيقة والواقع، فيما كان تركيز جان روسّه على كونٍ ذهنيّ. والبحث عن أصل العمل الأدبيّ، وتالياً عن نقطة انطلاقه، كان هَوَساً لازم جورج بوله، يعدله الاهتمام نفسُه عند ستاروبنسكي الذي مال إلى البحث عن الأصل في السيرة، وربط مصير الأديب إنساناً بإبداعه الأدبيّ، فتشابك عنده الوجود والفكر والنشاط الأدبيّ. أمّا رغبة التطابق الحميميّ بين الوعيَيْن: وعي المؤلّف ووعي القارئ فهي متكافئة، ومدار اهتمام الجميع[24].

     الأنا المبدعة والعَلاقة مع العالم: يرفض النقد الموضوعاتيّ مبدأ أن يكون الكاتب سيّد عمله، كما يرفض أن يكون الأثر الأدبيّ تعبيراً لاواعياً عن صاحبه، منطلقاً من الأنا الخالقة متحوّلةً ومتشكّلةً بالنصّ وفيه، فيهتمّ بعَلاقات هذه الأنا النصيّة وما يحيط بها من ظواهر المكان والزمان ومُدرَكات الحواسّ، محاولاً الكشف عن قُربى سرّية بين عناصر تبدو متباعدة ومتناثرة في نتاج الأديب كلِّه، مبيّناً كيف يخلق العمل الأدبيّ سعادةً وتوازناً نفسيّاً عند صاحبه وحلًّا لمشكلاته ومتناقضاته. يقول جان ستاروبنسكي: «الفنّ محاولةٌ لإصلاح عَلاقةٍ تاعسة بالأشياء والأشخاص، وثأرٌ مُرجأ»[25]. ويقول جان بيار ريشار: «الكتابة نشاطٌ فعّال وخلّاق يسمح لبعض الأدباء بالعثور على ذواتهم. وإنّ العمل الأدبيّ العظيم ليس إلّا اكتشافاً لأفق حقيقيّ يُطلّ على الذات والحياة والناس»[26]. وهذا يعني أنّ النقد الموضوعاتيّ يقول بأنّ الأدب مغامرة أو تجربة روحيّة، ولا يقبل أن يكون النصّ الأدبيّ موضوعاً خاضعاً لدراسةٍ علميّةٍ صارمة تغربل الآثار الأدبيّة وَفْق تصنيفاتٍ جاهزة، بدل أن تسلّط الضوء على خصوصيّة كلّ أثر وديناميّته / حركيّته الداخليّة.

     العمل الأدبيّ وَحدة كليّة: ليست مُهمّة الناقد الموضوعاتيّ إطلاق أحكام أو التنقيب في ظُلُمات اللاوعي بقدر ما هي البحث في مجموع أعمال المؤلِّف عن عناصر النظام الفكريّ والشعوريّ والخياليّ الذي يدور في فلكه، ولذلك تمتاز طريقة هذا المنهج بأنّها تبرأ من تهمة «أنّ معظم النقّاد يُعْوِزُهم الاطّلاع الشامل والدقيق على كلّ نتاج المؤلِّف»[27]، وأنّها تعرض وتوضح أكثر ممّا تفسّر وتحكم، فيتقدّم الوصفُ فيها التحليلَ[28]، متأثّرةً بفلسفة الفيلسوف الألمانيّ إدموند هوسّرل (1859- 1938) «الظواهرية» La Phénoménologie  التي تعتمد على مراقبة الظواهر ووصفها كما هي عليه في الزمان والمكان (الزمكان)، وصولاً إلى الجوهر[29]. بَيْدَ أنّ الناقد الموضوعاتيّ لا يَنفي المستجدّات الطارئة في حياة الكاتب ولا يهمّشها، وإنّما يستعين بها لكي يتلمّس طريقه إلى عالم الكاتب، مثلما استعان الناقد الموضوعاتيّ جان بيار ريشار بالتحليل النفسيّ ليبيّن أنّ الموضوع نوعٌ من أحلام اليقظة الدالّة على رغبة غير واعية مكبوتة ضاربة في عهود الطفولة الأولى[30]، مقتفياً أثر باشلار الذي يشبّه الحلم بنجمة، قرصها ذكرى قديمة أثيرة وأشعّتها اتّجاهاتٌ نفسيّة عنيفة[31]. ويُشبههما في ذلك فيبير الباحث عن ذكرى / حدث في عالم الطفولة[32]. بيد أنّ الحدث الطفوليّ أو الذكرى ليست عُقدة ولا ينبغي تصنيفها في زُمرة العُقد التي يتحدّث عنها التحليل النفسيّ الفرويديّ. والكاتب ليس مريضاً تجسّد أعمالُه عُقدتَه النفسيّة. والقراءة الموضوعاتيّة، على عكس القراءة التفكيكيّة، تبحث عن التجانس والتوافق والتشاكل، وترفض القول بالفجوات والتباينات والمآزق المنطقيّة التي تعمل التفكيكيّة على الكشف عنها في المنتَج الأدبيّ. ولذلك تسعى الموضوعاتيّة إلى الكشف عن تماسك الأعمال الأدبيّة وإظهار الصِّلات السريّة بين عناصرها المبعثرة. قال جان بيار ريشار: «أين يوجد الكاتب حقّاً، وفي أوفر حقيقته، إذا لم يوجد في مجموع كتبه»[33]؟

     وجهة نظر القارئ: ثمّة مشاركة روحيّة في العمل الفنيّ ومغامرة تخصّ القارئ كما الكاتب؛ الكاتب يكتب ليكون، ليشكّل نفسه، ليغيّر حياته، ليبنيَ عالماً يكون عالمه الحقيقيّ. يقول باشلار: «غالباً ما يجدّ الخيال في إثر السعادة، يبتكر حياةً جديدة، ويفتح الأعين على أنماطٍ مستحدثة للرؤية»[34]. ويقول ستاروبنسكي في المعنى عينِه: «يَنفي الكاتبُ ذاتَه في عمله، يتجاوزها، يتحوّل»[35]. أمّا الناقد فقارئٌ يَقِظ، يُعيد اكتشاف تجربة الكاتب، يتمثّلها، يحلم الحُلم نفسَه، ويعيد بناء أو تأسيس عالم الفنّان/ الإنسان. إنّه يسائل النصّ بوصفه شكلاً من أشكال حضور الآخر، وكأنّ دراسة النصّ ضربٌ من المحاكاة أو الترجمة أو الحلوليّة. وفي هذا المجال، يقول رولان بارت (1915- 1980)، وهو مثال الأديب المبدع الآتي من عالم النقد والنقّاد: «ينبغي أن نقرأ كما نكتب... فأن نُجيد القراءة، يعني، بالقوّة، أن نُجيد الكتابة»[36]. ويقول فيلسوف الصورة الأدبيّة والعناصر الأربعة باشلار: «حين نقرأ الشعر، نحيا من جديد إغراءَ أن نكون شعراء. كلّ قارئ شغوف بالقراءة، يغذّي رغبة أن يكون كاتباً ويُخفيها... يبدو أنّ متعة القراءة انعكاسٌ لمتعة الكتابة، كما لو أنّ القارئ هو شبح الكاتب»[37]. هذه القراءة النقديّة المتعاطفة تجعل النقدَ الموضوعاتيّ تَجوالا ً في نصوص الكاتب، وتسمح بمقارنات ومقاربات بينها وبين نصوصٍ أخرى لأدباءَ آخرين، فإذا النصّ وسيلةٌ لكتابة نصٍّ جديد، وإذا القارئ / الناقد منتِجُ النصّ لا مستهلكٌ إيّاه فحسب، حتّى لَيمتزج صوت الكاتب وصوت الشارح (القارئ) ويغدوان توأمَيْن[38].

إجراءات المقاربة الموضوعاتيّة

     تتألّف المقاربة الموضوعاتيّة من ثلاث مراحل:
1.   الإحصاء (تعيين الموضوع من خلال التواتر وانتشار الحقل المعجميّ، بدل الحَدْس وحريّة المدخل كما لدى ريشار، والبحث عن ذكرى في عالم الطفولة كما لدى فيبير)؛
2.   التحليل (فرز وتصنيف ووصف، أي البحث عن إلحاحات لسانيّة وأسلوبيّة ورمزيّة، والكشف عن عَلاقاتها السريّة ومحاولة ردّها إلى مركزٍ  واحد هو الموضوع أو الذكرى الحدث)؛
3.   البناء (بناء عالم المبدع الخاصّ وكونِه الخياليّ والحسيّ بما توافر للناقد من موادّ). وفي ما يلي تفصيل ما أُجمِل.

     تبتدئ القراءة الموضوعاتيّة بعملٍ إحصائيّ، يليه إجراءٌ تحليليّ، ينتهي ببناءٍ تركيبيّ؛ إنّ خير ما يُنصَح به في القراءة الموضوعاتيّة هو الاستهلال بالإحصاء والجدولة، فالفرز والتصنيف، فالوصف، على أن يلاحق القارئ امتدادات الموضوع وتحوّلاته[39]. يُعيَّن الموضوع بالكلمة الأساسيّة التي دلّ عليها التواتر، وانتشر لها حقلٌ معجميّ واسع. ويمكن أن تكون العائلة اللغويّة هي حدّ الموضوع. والتواتر أو التَّكرار دليل هَوَس. ولكن من التَّكرار ما قد يكون بلا قيمة. كذلك العناية بدراسة العنوان[40]، رأس النصّ ونَواتُه وثريّاه، والوسيط بين النصّ والقارئ، والتساؤل الذي يجيب عنه النصّ. بعد ذلك، لا بدّ من كشف العَلاقات بين الكلمات الأساسيّة وشبكاتها المعجميّة، أي كشف عَلاقات الموضوعات بعضها ببعض، وروابطها السريّة، أو توالدها، وإمكان ردّها جميعاً إلى مركزٍ واحد، وكأنّما النقد الموضوعاتيّ يتّجه عفويّاً إلى أن يكون نقداً بِنيويّاً. من هنا، يمكن أن تُعَدّ البِنيويّة ملاذاً يقي خطرَ التفتُّت (والتفلُّت) الذي يهدّد النقدَ الموضوعاتيّ. ولـمّا كانت سِمة الموضوع الأهمّ، في الموضوعاتيّة الأدبيّة، تتمثّل بتوسّعه الشبكيّ لبسط عالم الكاتب الخاصّ، أو كونه الخياليّ والحسيّ، فإنّ دور الناقد ههنا أن يعيد بناء هذا العالم بالموادّ التي تقدّمها له النصوص. وتفصيل المنهج الموضوعاتيّ في خطوات أو مراحل لا يعني فصلها بعضها عن بعض بل هي متماسكة.

مآخذ (نقد النقد الموضوعاتيّ)

     النقد الموضوعاتيّ نقدٌ نفسيّ فرديّ؛ يخصّص جهوده للبحث عن ذات المبدع، فيستلهم التحليلَ النفسيّ؛ ولكنّه يقصّر في تحليل نفسيّة المتلقّي والبيئة والعصر. أين تكمن الخصوصيّة في دراسة موضوعاتِ شاعرٍ ما إذا لم توضع ضمن خريطة الموضوعات في الأدب الذي تنتمي إليه والعصر الذي يحتويها؟

     وهو منهجٌ فرديّ غير أكاديميّ ولكنّه حدْسيّ، أي إنّه يحاول العثور على المهيِّج أو النزوة الإبداعية (L’impulsion créatrice)، فيعيّن نقطة الانطلاق أي الحدْس الأوّليّ الذي يَشِعّ العمل الأدبيّ منه أو يتولّد، وكلّ ناقد يوجّه قراءته وَفْق حدسه الخاصّ إلى اختيار الموضوعات المفضّلة التي يلاحقها. وهذا يعني أنّ للانطباع الشخصيّ (الانطباعيّة أو التأثّريّة) دوراً في الموضوعاتيّة، وبالتالي فقدان الضوابط والتيه في التأويل.

     وهو منهجٌ زئبقيّ يرفض الالتزام بمنهجٍ أكاديميّ محدّد لأنّه يعدّ العملَ الأدبيّ مغامرةً روحيّة وتجربةً إنسانيّة لا يمكن أيُّ معرفة استنفادَ معانيها، فيبتعد من معظم توجُّهات النقد الحديث التي تنادي بالعلميّة والموضوعيّة. ولذلك لم تتحوّل المقاربة الموضوعاتيّة مدرسةً نقديّة، ولم يترك أفذاذها وراءهم خَلَفاً يكون سليل باشلار أو ستاروبنسكي أو ريشار[41]. ويُخيّل إلينا أنّ الموضوعاتيّة أعادت الاعتبار للتأثريّة، ولكنّها حاولت تقنينها لأنّها تتطلّب العفويّة (أو الانطباعيّة) والمقدرة على التأمّل والتحليل في آن. قال جان بيار ريشار موقناً بجزئيّة المنهج الموضوعاتيّ ونسبيّته: «النقد لا مُهمّة له غير نسج لوحة لا منتهية، فهو يشبه بينلوب التي ليست في حاجة إلى الاستيقاظ ليلاً لفكّ نسيج يومها، مادام التقدّم في القراءة (النقديّة) يوماً بعد يوم هو ما يكشف ويضع الاكتشافات موضعَ تساؤل»[42].

الحُكم الختاميّ

     يمنح النقدُ الموضوعاتيّ الباحثَ:
- حرّية اختيار الموضوعات التي تثيره (حريّة المدخل).
- حرّية مقارنة النصوص بعضها ببعض واستنطاقها (القُربى السريّة).
- حرّية الإفادة من سائر المناهج الأدبيّة، وانفتاحه على علم النفس والفلسفة (إقراره بجُزئيّته).
     إنّ النقد الموضوعاتيّ نقدٌ فريد، يصبو إلى أن يكون دراسةً مرنة شاملة وجامعة إن بأهدافها أو وسائلها؛ فالكلام، في عمقه وثرائه، يرادف الوجودَ الانسانيّ الكامل. ومن هنا لصوق النقد الموضوعاتيّ بذات صاحبه (بَدْءاً بالذاتيّة في اختيار الموضوعات) وانفتاحه على العلوم الإنسانيّة ولا سيّما التحليل النفسيّ، واستعانته بمختلف المناهج النقديّة في سبيل التقاط نَبْض الخطاب الأدبيّ وإيقاعه الرئيس. والنقد الموضوعاتيّ لا ينفي الظروف الاجتماعيّة والتاريخيّة والاقتصاديّة، ولكنّه يضعها بين قوسَيْن. يقول ريشار في هذا الصدد: «النقد أوّلاً وأخيراً ممارسة انطباعيّة في ضوء منهجٍ خاصّ يعتمده الناقد وسيلةً لإلقاء مزيدٍ من الضوء على العمليّة الأدبيّة... الإحساس فرس رهان النقد... بداية الطريق النقديّة انقيادٌ للمناهج الصارمة، أمّا نهاية الطريق فعودة إلى الذاتيّة وممارسةُ انطباعيّةٍ حرّة»[43]. إنّ النقد الموضوعاتيّ هو، في نهاية المطاف، مغامرة وجوديّة شخصيّة مهما بلغت أداتها النقديّة من دقّة[44].





* متخصّص بالآداب العربيّة. أستاذ في الجامعة اللبنانيّة، وجامعة القدّيس يوسُف - بيروت. تشكّل هذه الدراسة جُزءاً من المقدّمة التي كتبها المؤلّف لأطروحة الدكتوراه (الجامعة اللبنانيّة، 2003). وقد نُشرت الأطروحة كتاباً حمل عنوان: الحبّ والموت من منظور السيرة الذاتيّة بين مصر ولبنان (بيروت، دار المشرق، ط1، 2009، 480ص).

[1] 
.Marcel Proust, Albertine disparu (Paris, Gallimard, 1992(, p. 206
[2]  لفظة Thèmeمن أصلٍ يونانيّ، تعني فكرة، معنى، اقتراح يتمّ التفكير فيه لإنتاج خطاب.اُنظر: 
Le Petit Robert (Paris, 2003), p. 2605 ; Le Petit Larousse illustré (Paris, 2001), p. 1006.
[3]  ابن منظور، لسان العرب (بيروت، دار صادر، ط3، 1994)، 8/396. وفي جمهرة اللغة، تأليف ابن دريد، تحقيق رمزي بعلبكيّ (بيروت، دار العلم للملايين، ط1، 1987)، 2/905: «امرأة واضع، إذا ألقت قِناعها».
[4]  بطرس البستانيّ، محيط المحيط (بيروت، مكتبة لبنان، 1998)، ص974.
[5]  مجمع اللغة العربيّة، المعجم الوسيط (القاهرة، ط4، 2004)، ص1040.
[6]
 Daniel Bergez et al., Introduction aux méthodes critiques pour l’analyse littéraire (France, Dunod, 1995), p. 96.  
الحشرة موضوع (= الفكرة المتسلّطة Motif ) في شعر غارسيا لوركا، ظاهرة واضحة تتعلّق بمفردات اللغة؛ أمّا تنويعاتها الضمنيّة وتشكّلاتها في نصوصه (الموضوع أو الجذر Thème ) فهي الحرير، والشرنقة، والطبيعة، وما يمكن أن يرمز إليه من مواسم العطاء والنضوب والزمن المتجدّد والمتآكل... ومجموع هذه الموضوعات تشكّل موضوعاتيّة ( Thématique) الكاتب أو الشاعر أي ما يرتبط بالموضوع ويستند إليه (جان بول فيبير في تكوين العمل الشعريّ). ومن عناصر التشكّل المتردّدة عند ستندال السجن المرتفع، والبرج العالي، وقُبّة الأجراس الشاهقة (مارسيل بروست في السجينة). ومن عناصر التشكّل عند بروست الزهر والسمك والمصباح والناقوس... ذلك لأنّ وعي الإنسان مسبوق دائماً بظهور الأشياء، موضوع الوعي (جان بيار ريشار في بروست والعالم المحسوس).
[7] Jean-Paul Weber [1958], La psychologie de l’art (Paris, PUF, 1960), p. 91, 121.
[8] Ibid., p. 136.
[9]  من حديث جان بيار ريشار في الإذاعة الفرنسيّة، ذكره عبد الكريم حسن في كتابه النقد الموضوعيّ - نظرية وتطبيق (بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر، ط1، 1990)، ص39.
[10]  سعيد علّوش، النقد الموضوعاتيّ، «وضعيّة النقد الموضوعاتيّ» (من موقع د. سعيد علّوش):
[11]  م. ن.، مقدّمة عالم مالارمه التخيّليّ، ترجمة سعيد علّوش.
[12]  على سبيل المثال: العمى في أعمال طه حسين، والصراع في أعمال توفيق الحكيم، والتصوّف في أعمال بنت الشاطئ، والجلجلة في أعمال ميخائيل نعيمه، والجوع في أعمال توفيق يوسُف عوّاد، واليُتم في أعمال ليلى عسيران. اُنظر كتابنا: الحبّ والموت من منظور السيرة الذاتيّة بين مصر ولبنان (بيروت، دار المشرق، ط1، 2009). ومِن الباحثين مَن درس الشعراء انطلاقاً من «تيمة أساسيّة» لا تنفكّ تجلّياتها تدور في إطارها ولا تخرج عن مدارها، وهذه التيمة هي مفتاح هذا الشاعر أو ذاك، كالضمير المتكلّم في شعر عنترة، وضمير المتكلّمين في شعر عمرو بن كلثوم، وصيغتَي الأمر والنهي في شعر أبي نواس، وصِيَغ التسوية في شعر أبي العلاء، والمفارقة بين الماضي والحاضر في شعر صلاح عبد الصبور، ورفض استنساخ الماضي في الحاضر في شعر أدونيس. اُنظر: أحمد عبد الحيّ، مفاتيح كبار الشعراء (القاهرة، بلنسية للنشر والتوزيع، ط1، 2006)، ص11-12.
[13]  راجع حوار ريشار مع فؤاد أبو منصور في النقد البنيويّ الحديث (بيروت، دار الجيل، ط1، 1985)، ص189.
[14]  عبد الكريم حسن، م. س.، ص71.
[15]  اُنظر: نبيل أيّوب، نصّ القارئ المختلف (بيروت، مكتبة لبنان، ط1، 2011)، ص292-293.
[16]  يقول بروست متوجّهاً إلى صديقته ألبيرتين: «تجدين لدى ستندال إحساساً بالارتفاع يرتبط بالحياة الروحيّة: في المكان العالي حيث سُجن جوليان سوريل (بطل رواية الأحمر والأسود)، والبرج الشاهق الذي اعتقل فابريس (بطل رواية محبسة بارما)، وقُبّة الجرس التي ينصرف فيها الأب بارنيس إلى علم التنجيم والتي يتسنّى منها لفابريس إطلالة ما أجملَها». أنظر:
Marcel Proust, La Prisonnière (Paris, Gallimard folio, 1991), p. 363 ; voir aussi p. 361.
[17]  غاستون باشلار فيلسوف فرنسيّ في العلوم وفي الشعر. كان جَدّه فلّاحاً، وأبوه إسكافيّاً؛ ولكنّه كان عِصاميّاً، فما كان يتوقّف عن تثقيف نفسه ليلاً بعد الانتهاء من عناء العمل نهاراً في إدارة البريد والبرق والهاتف حتّى نال إجازة في الرياضيّات (1912). وصف ليالي الدراسة والكدح والعزلة التأمليّة في كتابه لهب شمعة (1961). درّس في التعليم الثانويّ الفيزياء والكيمياء سنواتٍ مديدة. ترمّل بعد ستّ سنوات من زواجه (1920)، وعاش وحدَه مع ابنته (سوزان) ووقف نفسه على تربيتها، وظلّ يوالي صعوده الجامعيّ، فحصل على شهادة التبريز في الفلسفة (1922)، وعلى الدكتوراه في الآداب من السوربون (1927)، ثمّ عُيّن أستاذاً للفلسفة في كليّة الآداب في ديجون، وشغل كرسيّ فلسفة العلوم في السوربون (1940-1955). كان أسلوبه في الحقل الفلسفيّ نسيج وحده أنضجه العمل في العزلة وأبعده عن الطرائق الأكاديميّة. تأثّر باشلار بكانط وهيغيل (في فلسفة الرفض) وكونت (في تكوين العقل العلميّ) ونيتشه وبرغسون وفرويد ويونغ (أنظر تأثّره بهذا الأخير في: شاعريّة أحلام اليقظة، ص17+؛ التحليل النفسيّ للنار، ص47+ ]النسخة الفرنسيّة[). كان باشلار الأب الروحيّ للنقّاد الموضوعاتيّين. اهتمّ بالخيال الإنسانيّ، الذي يضمّ جميع الوظائف النفسيّة، أكثر من اهتمامه بالعالم التخيّليّ الخاصّ بالمؤلّف. ورأى أنّ مكوّنات الخيال الماديّ كامنة في العناصر الأربعة التي ذكرها فلاسفة اليونان، والتي هي العناصر الأساسيّة في نظريّات نشوء العالم: النار (يستحضر باشلار هرقليطس وأنبادوقليس ونوفاليس وهولدرلين وهوفمان وفرثر غوته. النار كائنٌ اجتماعيّ حيّ، مسؤولة عن التحوّلات السريعة، ترمز إلى رغبة التغيير واستعجال الزمن بلوغاً إلى الماوراء. والنار حميميّة، كانت العمليّة الجنسيّة في أساس اكتشافها؛ وكونيّة، تجمع بين المادّة والروح، الخير والشرّ...)؛ الماء (يستحضر إدغار ألن بو ونوفاليس وسترندبرغ. المياه الصافية هي مرآة النرجسيّة، والتعبير عن رغبة التطهّر والتحليق خارج الزمن، والاتّحاد بالكون. والمياه الراكدة ترتبط برؤية الموت...)؛ الهواء (يستحضر نيتشه وشيلي وبلزاك وريلكه. يرمز إلى حُلم الطيران الخاضع لجدليّة الخفّة والثقل. ويرمز إلى البرودة والصمت بكونه يتضوّع على القمم. يتحوّل إلى ريح عندما يغضب ويثور على الكون وعلى العفويّة، وهو نفحة الروح ومنبع الإلهام الذي تتدفّق منه القصيدة...)؛ التراب (يستحضر وليم بلايك وهنري ميشو. من التراب تنشأ صور الصلابة وترتبط بمشاعر العظمة والمهابة. أمّا صور العجين فتعبّر عن التحوّل والصيرورة...). في وسع الناقد الأدبيّ أن يعيد كافّة الصور الشعريّة عند شاعر معيّن إلى عنصر معيّن من هذه العناصر الأربعة، وهنا تكمن خصوصيّة الفلسفة الباشلاريّة الجماليّة وانعكاسها على خصوصيّة الإبداع، فهي تبحث عن خصوصيّة الإبداع من خلال إرجاع العمل الأدبيّ إلى عنصرٍ واحد. وهذا ما يستدعي أنّ باشلار، عندما يبحث عن العناصر الأربعة، لا يبحث عنها في الطبيعة وإنمّا في الفكر الإنسانيّ. وهكذا كان مصطلح الخيال المادّي. هذه العناصر الأربعة هي أصل الصور التي تنتجها البشريّة كلّها. إنّ أصالة الكاتب إنّما تُقاس بجِدّة صوره، وإنّ وظيفة الصورة أن تعطي العالم شكلاً جديداً، وإنّ الناقد مَن يعثر على الصورة الشعريّة في انبثاقها، ويدعها ترنّ في ذاته، ويكتشف تنظيمها السريّ، ويحلم برفقة الآثار الأدبيّة. قال (التحليل النفسيّ للنار، ص154): «لحُلم اليقظة (أو الهاجس) ميادين أربعة، أربع زوايا ينطلق منها إلى الفضاء اللامتناهي. لتكشفَ سرّ شاعرٍ حقيقيّ، يكفي أن تسأله سؤالاً واحداً: قل لي ما هو شبحُك؟ هل هو العفريت، أو السَّمَنْدَر (أو السَّمَنْدَل)، أو حوريّة البحر، أو السِّلْفة؟» السَّمَنْدَر دُوَيبة تدخل النار ولا تحترق، والسِّلْفة  كائن خرافيّ أنثى يرمز إلى الهواء في الأساطير السلتيّة. من مؤلّفات باشلار: التحليل النفسيّ للنار (1938)، الماء والأحلام (1942)، الهواء والأفكار (1943)، التراب وأحلام السكون (1946)، التراب وأحلام الإرادة (1948)، شاعريّة المكان (1957)، شاعريّة أحلام اليقظة (1960)... للتوسّع، راجع: غادة الإمام، باشلار - جماليّات الصورة (بيروت، دار التنوير، ط1، 2010). وحول سيرة باشلار، راجع: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة (بيروت، دار الطليعة، ط2، 1997)، ص143-144.
[18]  أهمّ أعمال بوله: دراسات في الزمن الإنسانيّ (4 أجزاء، 1949-1968)، تحوّلات الدائرة (1961)، الفضاء البروستيّ (1963)، الوعي النقديّ (1976). كلّ دراسة، في منهجه، هي بحثٌ عن سرّ أو عن أصل، أي عن اللحظة السابقة على لحظة الكتابة. الكتابة معناها اكتشاف الذات المتأمّلة ممّا يُلزم الناقد اختراق وعي المؤلّف، واستبدال وعي بوعي آخر. على الناقد أن يقارب منتَج أيّ أديب كما لو أنّه يفكّر ويشعر ويتألّم ويتصرّف داخله هو نفسه، وأن يتماثل وعالمه. أصول قراءته الموضوعاتيّة تنبع من مقولة وعي الأديب بذاته من خلال وعيه بالزمان والمكان / الفضاء، استناداً إلى  كتابات باشلار حول الزمان، ومقاربته مفهوم اللحظة. وما النصّ الأدبيّ سوى التجسيد الفنّيّ لهذا الوعي أو كوجيتو الكاتب. «السؤال من أنا؟ يمتزج بسؤال متى أنا؟ ما هي اللحظة التي تمكّنتُ معها من اكتشاف نفسي عند عتبة زمان أصبح زماناً وجوديّاً؟ سؤال يماثله آخر: أين أنا؟ ما هو الفضاء الذي أكتشف فيه نفسي؟» (الوعي النقديّ، ص313).
[19]  لروسّه: الشكل والدلالة (1962)، الداخل والخارج (1968)، أسطورة دون جوان (1978)، القارئ الحميم (1986)... يكاد يكون وحدَه من بين الموضوعاتيّين، مَن يولي الشكل (والبلاغة) عنايةً فائقة. يقول بأنّ الكاتب لا يكتب إلّا ليعبّر عن نفسه لا ليقول شيئاً ما. وهذا ما يؤكّد مدى الترابط بين الذات والموضوع.
[20]  لستاروبنسكي: مونتسكيو بقلمه (1953)، جان جاك روسّو: الشفافيّة والعائق (1957)، العين الحيّة (1961)، اكتشاف الحريّة (1964)، العَلاقة النقديّة (1970)، مونتاني في حالة الحركة (1982)... تنتظم قراءته ضمن موضوع حقل النظر، لأنّ النظرة تجسّد قوّة الرغبة. تناول المؤلّفين الذين لديهم مشروع كتابة سِيَرهم الذاتيّة. العمى الذي أصاب مونتسكيو لم يمنعه إملاء كتبه، كما لو أنّه كان يرى أفكاره. البشر يفهمون متى عرفوا النظر، وينتصرون لوضوح النهار ضدّ مخاوف الليل. لم يرَ ستاروبنسكي في مونتسكيو سوى خادم النور. وتركيزه في حقل النظر جعله الأكثر انفتاحاً، من بين الموضوعاتيّين، على التحليل النفسيّ (الفرويديّة). وقد ماثل بين تخصّصه الطبيّ ورؤاه النقديّة.
[21]  لريشار: الأدب والحسّ (1954)، الشعر والأعماق (1955)، عالم مالارمه التخيّليّ (1961)، إحدى عشْرة دراسة في الشعر الحديث (1964)، بروست والعالم المحسوس (1974)، قراءات مِجهريّة (جزآن، 1979-1984)... اهتمّ بالتنظير للموضوعاتيّة وبالتطبيق. تكلّم على إدراك العالم الحسيّ، وكان الخيال والحسّ فرسَيْن تقودان عربة النقد الريشاريّ. وفي منهجه، على القارئ (الناقد) أن يحدّد موضوعاتيّة النصّ، ويلاحقها عبر تنويعاتها وتشكيلاتها (تمزيق جسد أوزيريس)، ويحلّلها لكي يكشف عن القُربى السريّة بين الموضوعاتيّة الأصليّة وتحوّلاتها المختلفة (كجذع الشجرة وغصونها)، وهيكلها غير المرئيّ، وقوانينها الداخليّة، حيث تتكوكب الموضوعات وتتبادل الإشعاع وصولاً إلى العالم الفنيّ الحسّيّ الخياليّ (جمع أشلاء أوزيريس في وَحدة جديدة). ومن مبادئه النقديّة وإجراءاته العمليّة: الحلوليّة أو تعاطف القارئ مع المبدع، حريّة المدخل أو الحدْس بالموضوع، القراءة المجهريّة أو الوقوف عند التفاصيل مهما صغُرت، الاطّراديّة أو التَّكرار وتواتر الموضوع. مع ريشار تحوّل النقد الموضوعاتيّ إلى منهج متكامل. وقد خصّص عبد الكريم حسن دراسته (النقد الموضوعيّ - نظرية وتطبيق) للتجربة النقديّة الريشاريّة.
[22]  جان بول فيبير هو أوّل من استعمل المصطلح (الموضوع) في معنىً نقديٍّ خاصّ. من مؤلّفاته: علم نفس الفنّ (1958)، تكوين العمل الشعريّ (1960)، ميادين موضوعاتيّة (1963)، ستندال: البنى الموضوعاتيّة للأثر والقدر (1969) حيث أرجع أعمال ستندال الإبداعيّة كلَّها إلى منبعٍ واحد (أو موضوع واحد) هو «العضّة» التي تعود إلى حدث وقع له في طفولته، حين عضّ قريبته البالغة من العمر 25 سنة، وأحدث تشويهاً في خدّها لـمّا ألحّت عليه أن يقبّلها وهو طفلٌ صغير لم يتجاوز الثالثة. وقد روى ستندال هذه الحادثة في سيرته الذاتيّة حياة هنري برولار، الفصل الثالث. أمّا عنوان روايته الشهيرة الأحمر والأسود فتعديلٌ جُزئيّ لموضوع العضّة أي لخدّ الفتاة الأحمر قبل حدوث العضّة وللّون الأسود بعدها. ومثله بول فاليري الذي وقع طفلاً في حوض ماءٍ للبجع، وما انفكّ يلمّح في قصائده إلى هذا الحادث (المقبرة البحريّة- الاحتضار العذب...). تقوم طريقة ويبير على أربعة إجراءات تقنيّة يحدوها تأويل النصوص: 1- البحث في عالم الطفولة عن الذكريات المضيئة (البصمة) ثمّ مقارنتها بأعمال المؤلِّف؛ 2- البحث عن نصوص بسيطة (قصيرة) تحمل دلالات رمزيّة إلى موضوع ما؛ 3- الكشف عن الإلحاحات اللسانيّة والأسلوبيّة (التَّكرار) والسعي لإرجاعها إلى إحدى ذكريات الطفولة؛ 4- القيام بمسْح شامل لأعمال المؤلّف في محاولةٍ لإرجاعها كلِّها إلى موضوعٍ واحد.
[23]  نشر مارسيل بروست في العام 1954 كتاباً نقديّاً حمل عنوان ضدّ سانت بوف
 (Contre Sainte-Beuve)، أداره على أدبائه الأثيرين لديه (نرفال، بودلير، بلزاك، فلوبير)، وهاجم فيه الناقد الأدبيّ الشهير سانت بوف (1804-1869)، وناهض منهجه النقديّ الذي يدرس شخصيّات الكتّاب والشعراء درساً نفسيّاً عضويّاً، ويرى في آثارهم الأدبيّة انعكاسَ سِيَرهم كما الصورة في المرآة. ونادى بروست بتطبيق نقدٍ نصيّ أسلوبيّ يعزل العملَ الأدبيّ عن العوامل الخارجيّة. وإنّ عمله الإبداعيّ الكبير (بحثاً عن الزمن الضائع) يُعَدّ تحقيقاً لرؤياه النقديّة. يمكن قراءة  كتاب بروست ضدّ سانت بوف على الرابط التالي:
[24]  نبيل أيّوب، م. س.، ص297-299.
[25] Jean Starobinski, La relation critique (Paris, Gallimard, 1970), p. 274.
[26] Jean-PierreRichard, Littérature et Sensation (Paris, Seuil, 1957), p. 14.
[27]  أنسي الحاج، خواتم (قبرص ولندن، رياض الريّس للكتب والنشر، ط1، 1991)، ص118.
[28] Bergez, op. cit., p. 116.
[29]  اِقرأ مختصراً مفيداً للفلسفة الظواهريّة (أو الظاهراتيّة) أعدّه أنطوان خوري في الموسوعة الفلسفيّة العربيّة (بيروت، معهد الإنماء العربيّ، ط1، 1988)، مج 2، القسم الثاني، ص839- 854. واقرأ أيضاً ما أعطت فلسفة الفينومنولوجيا النقدَ الموضوعاتيّ في كتاب عبد الكريم حسن، م. ن.، ص29- 35. ومن المفيد جدّاً قراءة ما كتبه باشلار حول فينومينولوجيا الخيال والحلم والصورة الأدبيّة في مقدّمتَي كتابَيْه:
La poétique de l’espace (France, PUF, 1957), p. 1-21 ; La poétique de la rêverie (France, PUF, 1960), p.  1-23.
[30]راجع مقدّمة ريشار، في كتابه المسمّى قراءات مِجْهريّة
Microlectures (Paris, Seuil, 1979), p. 7-11                   
[31] La psychanalyse du feu (Paris, Folio, 1990), p. 36.
[32]  اُنظر الحواشي: 7-8-22.
[33]  مقدّمة عالم مالارمه التخيّليّ، ترجمة سعيد علّوش في النقد الموضوعاتيّ (من موقعه).
[34] Bachelard, L’eau et les rêves (Paris, José Corti, 1942), p. 8, 25.
[35] Starobinski, op. cit., p. 22.
[36] Roland Barthes, Critique et vérité (Paris, Seuil, 1966), p. 52- 53.
وقد مارس بارت نفسُه النقدَ الموضوعاتيّ في كتابه ميشله بقلمه (1954)، وخصّص صفحات للموضوعاتيّة في كتابه س/ز (1970).
[37] Bachelard, La poétique de l’espace, p. 9-10.
[38] يعمد النقد الموضوعاتيّ إلى الإكثار من الشواهد ونسج الكلام النقديّ وصوتَ العمل الأدبيّ معاً؛ فالنصّ والتحليل عند جورج بوله وجان بيار ريشار لا يكادان ينفصلان، إذ يستعير الناقد كلماتٍ من النصّ يحتويها داخل خطابه الخاصّ. راجع : Georges Poulet, Etudes sur le temps humain (France, Plon et éd. du  Rocher, 1977), Tome 4 ; Jean-Pierre Richard, Onze études sur la poésie moderne (Paris, Seuil, 1964).                                           
وستاروبنسكي يتكلّم بلسان روسّو وستندال، ويختار من كلام الأوّل بعضَ عناوين فصوله. راجع كتابَيْه:
L’œil vivant (France, Gallimard, 1961), p. 191-240; Jean-Jacques Rousseau, la transparence et l’obstacle (France, Gallimard, 1971).
وباشلار، إذ يقرأ النصّ الأدبيّ، يترك صداه ينتشر في نفسه، فتأتي تعليقاته مفعمة بالإعجاب أو حالمة، كأنّه يحلم بأحلام شعرائه. اُنظر على سبيل المثال:
L’eau et les rêves, p, 108. 
وهو يعكف على ذاته موظِّفاً بعض ذكريات طفولته في سبيل استكمال أبحاثه النفسيّة. اُنظر:
La psychanalyse du feu, p. 25-27.
[39]  نبيل أيّوب، م. س.، ص303، 316.
[40]  كعناية جورج بوله بعنوان رواية بروست في البحث عن الزمن الضائع، وعناية جان بول فيبير بعنوان رواية ستندال الأحمر والأسود.
[41] Cf. Bergez, p. 86-98-100-102-119.
[42]  مقدّمة عالم مالارمه التخيّليّ، ترجمة سعيد علّوش في كتاب النقد الموضوعاتيّ (من موقعه).
[43]  راجع حوار ريشار مع فؤاد أبو منصور في النقد البنيويّ الحديث، ص192. وقد تصرّفنا في النقل. وللوقوف على مفاهيم النقد الموضوعاتيّ في منهج ريشار، راجع كتاب عبد الكريم حسن الآنف الذكر.
[44]  لتأصيل المنهج الموضوعاتيّ (التيميّ)، يُراجَع: سعيد علّوش، النقد الموضوعاتيّ (الرباط، دار بابل، 1989) وهو متوفّر على موقعه الإلكترونيّ
 حميد لحمداني، سِحْر الموضوع - عن النقد الموضوعاتيّ في الرواية والشعر (الدار البيضاء، منشورات دراسات سال، 1990)؛ عبد الكريم حسن، المنهج الموضوعيّ - نظريّة وتطبيق (بيروت، مجد، ط1، 1990)؛ محمّد السعيد عبدلّي، البِنية الموضوعاتيّة (أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، 2003)، الفصلان 1 و2، ص12-175. إضافةً إلى مؤلَّفات أساطين النقد الموضوعاتيّ الواردة في سياق هذا البحث باللغة الفرنسيّة، ومدوَّنة غاستون باشلار العربيّة على هذا الرابط:
http://gastonbachelard1.blogspot.com


الاثنين، 21 يوليو، 2014

النقد الأسطوري والتايبولوجيا : حنا عبود

النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري
استفاد النقد الأسطوري من الأنتروبولوجيا إلى أقصى حد، حتى يمكننا القول أن إسهام الأنتروبولوجيين في نظرية النقد الأسطوري لا يقل عن إسهام النقاد. وقد لاحظنا كيف أن مود بوتكين استفادت من الدراسات الأنتروبولوجية وفاقها في ذلك نورثروب فراي الذي أضاف إلى أدواته النقدية التايبولوجيا. ولا نعتقد أن ناقداً جاراه في الاستفادة من التايبولوجيا.

فقد بين أنها في الأصل تقليد أدبي مشترك بين جميع الشعوب، منذ العهود الطوطمية والفيتيشية.

لا يوجد حتى الآن اتفاق على الكلمة البديلة للتايبولوجيا، مع أننا لو سميناها"علم الأنماط" تجاوزاً لما كان في ذلك غضاضة. إنها مثل كلمة الأنتربولوجيا التي فشلنا في إيجاد بديل عربي يقابلها. وهي كلمة فضفاضة نجدها في الفلسفة والاجتماع والدين، بل حتى في الرياضيات. وهي ترجع إلى الكلمة اليونانية تايبوس وتعني الرمز أو النمط أو المثال. وربما كان أبيمينيدس الكريتي، الذي عاش أرسطو بعدة قرون، أول من استخدمها(97) للدلالة على الصفات التي لا توجد كاملة في فرد من الأفراد أو ظاهرة من الظواهر.

والنمط الأولي عند أفلاطون هو المثال الأصلي الذي تعد الأشياء أشباحاً وصوراً له(98).

ففي هذه الأشياء نعثر على صفات المثال، أو ربما معظم صفات المثال إلا أننا لا يمكن أن نعثر عليها كاملة.

وقد استخدمت المسيحية هذا المصطلح اليوناني في لاهوتها وحولته لصالحها، كما فعلت بكل ما أخذته عن الفكر الإغريقي. وقد استخدم اللاهوت لفظة تايبوس اليونانية للدلالة على أكثر أنواع الرمزية أصالة الواردة في الكتاب المقدس. وقد وضع اللاهوتيون عدة كلمات وحددوا دلالتها بالنسبة إلى التايبوس. فهناك مثلاً الأنتي تايبوس ويقصدون به الوجه المقابل للأصل. فالسابقة أنتي هنا لا تعني الضد، بل تعني المقابل. فالمعمودية هي الأنتي تايبوس للتايبوس الأصلي وهو"الطوفان"، ومعنى ذلك أن النموذج الأصلي لا يتكرر بحرفيته، أو أن النموذج المقابل أضاف معنى جديداً لم يكن موجوداً في النموذج السابق أو النموذج الأصلي.
وهناك كلمة هيبودغما وتعني الصورة المسبقة. أما البارادغما فهي المثال المضروب على هذه الصورة، فخيمة الاجتماع على جبل سيناء، التي جمعت بين الله وموسى هي هيبودغما أما المظلة التي جعل اليهود لها عيداً فهي باردغما أي مثال مضروب ضرباً على خيمة الاجتماع.

أما الميمس فهي المحاكاة للنموذج الأصلي، فهيكل سليمان هو محاكاة لخيمة الاجتماع وليس كالمظلة المضروبة ضرباً على هذه الخيمة.

وهناك كلمتان أخريان تتعلقان بالتايبولوجيا اللاهوتية وهما السوما والأسكيا. أما السوما فإنها نمط أولي ولكنه حقيقة كاملة إلا أن الأسكيا تمثل ظل هذه الحقيقة فقط. فالمسيح في عرفهم هو سوما أي حقيقة أما الاقتداء به فإنه اسكيا، أي الظل(99).

إما ألا يكون(الصورة) فإنها تعني تكرار التايبوس كاملاً. الفردوس المفقود هو تيبوس أما الفردوس المستعاد، والذي تسعى نحوه البشرية فإنه لا يختلف عن الفردوس المفقود، بل أنه هو نفسه، لذلك لا يمكن أن يكون بارادغما ولا انتي تايبوس ولا اسكيا(ظلا) بل إنه إيكون(صورة) أي هو نفسه.

وقد غير القديس بولس من هذه الاصطلاحات فاعتبر أن كل ما جاء في العهد القديم هو بارابول(رمز) للمسيح. فصعود اسحق إلى المحرقة، حيث استبدل بكبش، رمز لصعود المسيح إلى جبل الجلجلة... وهكذا.

يرى القارئ أننا أمام علم واسع جداً من الأنماط فهناك الأنماط الأخلاقية والترميزية والأنماط الأرضية التي هي محاكاة للأنماط السماوية، وهناك أنماط اسكاتالوجية، إذ صار التاريخ بنظرهم هو عبارة عن خط سير مستقيم نحو تحقيق هدف محدد، فكل نمط، على هذا الأساس يكون خطوة تصاعدية نحو تحقيق الإرادة الإلهية التي تسوق البشر إلى الآخرة، حيث الفردوس المنتظر. فحياة العبريين في العهد القديم هي-في اعتبارهم- حياة فريدة من نوعها لأنها تحقق في الأرض ما طلب منها في السماء. وقد يكون ثمة ثورة وتمرد، كما حدث في التيه، إلا أن هذه الثورة نفسها نوع من تحقيق إرادة الذات الإلهية، فالسماء هي التي تهدي مسيرة هؤلاء القوم في هذه الأرض.



وقد ظن العبريون أنهم قوم خصوا بهذه الميزة، فهم ينفردون من دون سائر الشعوب بإلهامات السماء وتوجيهها، وما أعيادهم واحتفالاتهم وطقوسهم وشعائرهم وعاداتهم... بل ما حياتهم سوى خصيصة انحدرت إليهم من السماء وانحصرت بهم.


الفولكلور في العهد القديم

لكن جيمس فريزر في كتابه المكرس لدراسة هذه الظواهر المعتقدية والطقسية والعادات والتقاليد الشعبية عند العبريين"الفولكلور في العهد القديم" (100) أُبت أن البشرية جمعاء تملك ما يشبه هذه العقائد والتقاليد والفولكلور ضمن انزياحات تفرضها ظروف كثيرة، فالأنماط هي ظاهرة عامة مشتركة بين شعوب الأرض قاطبة، صغيرها وكبيرها، قديمها وحديثها، فمنذ الانتقال من الوحشية إلى المجتمع المدني ظهرت هذه الأنماط.


يبين فريزر في الفصل الأول من كتابه كيف أن سفر التكوين وقع رهين مصدرين في"خلق الإنسان": قصة الخليقة المنحدرة من أصل كهنوتي، وقصة الخليقة المنحدرة من أصل يهودي، وثمة تناقض كبير بين القصتين، فصله المؤلف تفصيلاً موجزاً، ثم عرض قصة الخلق في الثقافات الإنسانية المختلفة، ففي الثقافة اليونانية يجبل بروميثوس طيناً ويخلق منه البشرية، تماماً كما في التكوين العبراني. وحتى لو خرجنا من دائرة الثقافة المتوسطية وابتعدنا كثيراً وجدنا أن القصة ذاتها مع بعض الاختلافات في التفاصيل تتكرر. فقرب ملبورن، في استراليا، يروي البدائيون قصة مشابهة فمن ثلاث شرائح من لحاء الشجر قطعها الخالق"يند- جل" بسكينه، ووضع عليها طيناً وراح يسويها بسكينه إلى أن ظهر الشكل الذي أعجبه فنفخ فيه من أنفاسه وظهر الإنسان بنوعيه الذكر والأنثى.


وفي تاهيتي يخلق"تاروا" الإنسان على شكل زوجين أولين من طين أحمر، ومن هذين الزوجين تنحدر البشرية.



أما قصة خلق المرأة من ضلع الرجل، فموجودة في كثير من الفولكلور لدى كثير من الشعوب، فنجدها بتمامها تقريباً عند سكان بورما، فقد جاء فيها أن الخالق"أخذ ضلعاً من أضلاع الرجل وصنع منه امرأة" ويروي تتار سيبريا قصة مشابهة، وهي أن الرجل كان المخلوق الوحيد لكنه نام مرة فبرزت عظمة من أضلاعه إثر لمسة شيطانية، فسقطت على الأرض وأخذت تنمو فصارت المرأة الأولى.

وحتى قصة خلق الجلد وفصل المياه عن اليابسة والظلمة عن النور، وخلق الحيوان والشجر والبشر والشمس والقمر.... نجدها لدى كثير من الشعوب.

وفي الفصل الخامس يبين المؤلف أن برج بابل ليس خاصاً بالعبريين الذين يزعمون أن البرج أقيم تمرداً على الخالق الذي"بلبل" ألسنتهم وأحبط عملهم. ومع أن معنى بابل"بوابة السماء" فإن الحكواتي العبري جعلها بلبل ليستغلها في تفريق الألسنة. وكما يزعم العبريون أن لغتهم هي التي كانت متداولة قبل البلبلة وأنها لغة أهل الجنة، فإن السويديين يزعمون هذا الزعم وكذلك الهولنديون والدانمرك لنوازع قومية. وقصة برج بابل وتبلبل الألسنة موجودة لدى كثير من الشعوب، ففي المكسيك نسمع القصة ذاتها تقريباً. وفي قبيلة"ميكير" في التيبيت البورمية تتكرر قصة برج بابل. ويبدو أن البرج الذي يشمخ إلى السماء هو رمز للتمرد والعصيان لأن القصص"البرجية" كلها تجمع على ذلك.



ويطالعنا فريزر أن"سقوط آدم" ليس عقيدة خاصة بالعهد القديم، بل إنها منتشرة انتشاراً واسعاً. وكذلك الميثاق الذي يعقده الخالق والمخلوق، فهو موجود في الفولكلور العالمي.



والشيء نفسه يقال عن الطوفان و"علامة قابيل" و"جلد الجدي" و"قدح يوسف" وبقية القص التي يشتمل عليها العهد القديم. بل إنه يظهر كيف أن القانون الذي يعتقد اليهود أنه خاص بهم، لا يختلف عن بقية"القوانين" البشرية. والعادات الخاصة بذلك ليست وقفاً عليهم فالنهي عن طبخ الجدي بلبن أمه نجده لدى كثير من الشعوب، وكذلك إيذاء الجسد حزناً على الميت وغير ذلك من الظواهر الفولكلورية.

وخلاصة"الفولكلور في العهد القديم" هي أن هذا الفولكلور ما هو إلا تكرار لأنماط عرفتها معظم الشعوب، مع بعض التعديلات والانزياحات التي تفرضها المشاعر القومية أو الظروف البيئية. ولكن حتى في حالة تباين البيئات نجد ثمة مماثلة بين عقائد الشعوب. فالعقيدة المصرية مثلاً هي عقيدة شمسية صرفة، ولكننا نرى هذه العقيدة موجودة حتى في البلاد التي يعز فيها اللقاء مع أشعة الشمس كاليونان مثلاً وكالبلاد السكندنافية. ويجب ألا تخدعنا الفروقات والتباينات وأحياناً التناقضات، عن إدراك العالم المشترك بين عقائد الشعوب التي تعكس أنماطاً أولية كبرى، وقد تتقارب الأنماط الصغرى، أو حتى أقسام وأجزاء متشظية من هذه الأنماط. إن الدراسة العلمية الواسعة التي قدمها فريزر في هذا الكتاب، أظهرت أن التباينات العرقية والقومية والدينية والبيئية تتضاءل كثيراً أمام العالم المشترك.

التايبولوجيا-إذن- ليست علماً لاهوتياً، ولا هي خصيصة للعهد القديم والعهد الجديد بل إنها"العام المشترك" لجميع ثقافات الشعوب. بل يمكن الزعم أن اللاهوت هو الذي أخضع التايبولوجيا لميدانه وجعلها حكراً عليه. والمصطلحات التي استخدمها في التايبولوجيا هي مصطلحات مسبوق إليها، لكنه أضفى عليها المعاني التي تخدم عقيدته، بحيث صرنا عندما نسمع كلمة لاهوت(ثيولوجيا) نلصقها بالمسيحية فقط، وننسى أنها علم قائم بذاته وموجود لدى أقدم الشعوب(كالأستراليين) وأورقاها(الإغريق) وعلى هذا فإن"قصة يوسف" مع امرأة فوطيفار تتحول إلى"مغزى لاهوتي" في حين أن"قصة الأخوين" المصرية، وهي النسخة الأصلية لقصة يوسف، لا يسمح لها أن تدخل حرم اللاهوت. والسقوط له معنى لاهوتي في العهد القديم، بينما"السقوطات" التي لا حصر لها والتي عرفتها شعوب العالم لا دخل لها في اللاهوت.



لقد حرر فريزر بكتابه الدقيق"الفولكلور في العهد القديم" العقائد والتصورات والعادات من أسر اللاهوت وارتفع بها إلى مستوى المشترك العام بين البشر، فسقوط آدم ما هو إلا صورة لكثير من أنماط السلوك التي عرفتها البشرية. ورحلة يونان المائية ما هي إلا تكرار للرحلات تحت الماء التي تتردد في ثقافة الشعوب وآدابها، وإن لم تكن شعوباً مائية. ولا يكاد معتقد من المعتقدات القديمة يخلو من قتل التنين أو اليهموت المخيف أو الغيلان أو الهولات، فهي عقيدة مشتركة وليست حكراً على العهد القديم أو العهد الجديد.



ولكن على الرغم مما بين الأنتروبولوجيا والأدب من صلة فإن الدراسة المسيحية التي قدمها فريزر تظل مقيدة بحدود انتروبولوجية، وإن كانت على صلة وثيقة بالآداب والثقافات الفنية. وقد عزز فريزر نظرته في العهد القديم بالأمثلة الموسعة والغزيرة لقبائل وشعوب ومجتمعات وتجمعات، كثيرة جداً ومختلفة عرقاً وديناً ولغةً وبيئةً. فمن الهند وحتى كندا، ومن الاستواء إلى القطب ومن استراليا إلى الهنود الأصليين في أميركا، ومن سكان الجبال إلى سكان السهول، ومن سكان الصحارى إلى سكان السواحل، ومن ضفاف الأنهار حتى شواطئ البحار... تبين له أن ما يتراءى خاصاً في العهد القديم إنما هو عام بين جميع أنماط الوجود البشري.



الناحية الأدبية في هذا الكتاب ذابلة ذاوية إن لم تكن معدومة، فإشاراته إلى الآثار الأدبية قليلة جداً. ولكن من البديهي جداً أن الاشتراك في الثقافة والمعتقدات يعني الاشتراك في الأدب كإطار عام. ولذلك فإن ناقداً من أمثال نورثروب فراي لم يطرح على نفسه هذا السؤال وهو هل هناك مشترك أدبي بين الشعوب والعهد القديم، مثلما أن هناك مشتركاً أنتروبولوجياً بينها؟ إنه سؤال نافل ما دام الاشتراك بالثقافة والعقائد سوف يؤدي من دون شك إلى الاشتراك في الأدب.

ليس هذا وحسب، بل إن التايبولوجيا في الكتاب المقدس بشقيه: القديم والجديد هي نفسها التايبولوجيا الأدبية. ونورثروب فراي لا تنقصه أدوات البحث الأدبي، فإلى جانب تخصصه الأدبي تخصص باللاهوت الكتابي، كما درس الفلسفة وثقفها ثقافة مكينة، وإن لم يمارس النشاط الفلسفي المستقل.



كانت مود بوتكين قبله قد استفادت من اللاهوت في دراستها للأنماط الأولية في الشعر، أما هو فإنه من قلب اللاهوت أثبت رسوخ الأنماط الأولية الأدبية، وما التايبولوجيا اللاهوتية سوى تايبولوجيا عامة مشتركة بين الناس أجمعين. ولا شك أن رسوخ قدمه في اللاهوت من جهة والنقد الأدبي من جهة أخرى مكنه من أن يستبدل أسماء الشعوب والقبائل والعادات بأسماء الشعراء والأدباء والآثار الأدبية منذ القديم وحتى العصر الحديث. وبالطبع اقتصرت أمثلته على الأدب المطبوع المحرر وليس على الأدب الشفهي الدارس الذي لو كان سجل لكان سنداً قويّاً له في بحثه.



إن الكتاب الذي عرض فيه هذه الآراء هو "الشيفرة الكبرى(101). وقد أوضح في المقدمة أن كتابه هذا يحاول دراسة الكتاب المقدس من جهة الناقد الأدبي الذي يقوم بمسح معمق للتصور والسرد في العهد القديم والجديد، شارحاً كيف أن عناصر هذا الكتاب هي التي أدخلت الإطار التخييلي-أو الكون الميثولوجي كما يسميه- في الأدب الغربي حتى القرن الثامن عشر، وما يزال هذا الكون الأسطوري مستمراً في تأثيره حتى هذه الأيام(102).



وقد أحسن صنعاً عندما أضاف العهد الجديد إلى العهد القديم، فلم يقتصر على العهد القديم كما فعل فريزر. وربما كان مضطراً إلى اتخاذ هذه الخطوة لأن العهد الجديد يستخدم الأنماط ذاتها الموجودة في العهد القديم، فكلا العهدين يقوم على التصور الميثولوجي للكون والحياة. ثم إن الغرب يعتقد أن الرموز في العهد القديم ما هي إلا إشارات إلى العهد الجديد، وإن العهد الجديد جاء توكيداً لهذه الإشارات، فالتصور الميثولوجي مستمر في العهد الجديد، وهو قاسم مشترك بين هذين العهدين والآداب العالمية التي تقوم هي الأخرى على التصور ذاته: "الكون الميثولوجي". ولهذا لم يخطئ عندما عامل الكتاب بعهديه على أنه كتاب أدبي يعكس المخيلة الميثولوجية بأوسع معانيها.



أبحاث الكتاب تنحصر في اللغة والأسطورة والاستعارة، وأخيراً في التايبولوجيا وهي الجزء الذي يستحق التريث عنده، مع أن الأبحاث السابقة لا تقل أهمية عن التايبولوجيا. فقد بين أن اللغة الأدبية واحدة. والدليل على ذلك أن هذه اللغة كانت مستخدمة في آداب العالم، كل شعب حسب لغته، ومستخدمة في الأدب الغربي الذي لم يعرف الكتاب بعهديه إلا عن طريق الترجمة. ولو لم تكن هناك لغة أدبية مشتركة، لكان من المحال أن يؤثر الكتاب المقدس في الأدب الغربي كل هذا التأثير.

والأسطورة لغة، وهي أيضاً لغة مشتركة. هنا يعتمد على ما أثبته فريزر في كتابه"الفولكلورفي العهد القديم". ومن الأمثلة التي اعتمد عليها فراي مثال الطوفان، إذ أن هذا الطوفان موجود لدى شعوب العالم قاطبة، فلكل شعب قصة طوفانه. وفي كل حالة كان الطوفان سبباً لنشوء الأسطورة.

لاشك أن الفيضان غمر جنوب سومر كما تخبرنا بذلك ملحمة كلكاميش. فالطوفان هنا طريق إلى الأسطورة، سواء كان بطلها أو تنابشتيم أو نوح. ولكن هل يعقل أن الطوفان حصل في كل المعمورة؟... أليس من المعقول أن التصور الميثولوجي هو الذي أوجد الطوفان مثلما أوجد العالم السماوي والعالم الجهنمي؟ ولماذا نسلم بالخلق الميثولوجي لذينك العالمين ولا نسلم بالخلق الميثولوجي للعالم المائي، والقسم الأعظم من كرتنا الأرضية تغمره المياه؟



ولا تختلف الاستعارة في أصولها عن الأسطورة، بل هي من فعل التصور الميثولوجي الذي يجعل العالم الأرضي منصاعاً للعالم السماوي. وعندما يقول الكتاب"إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم" فإنما يتبع ما تعورف عليه في كثير من الشعوب ففي الطوفان اليوناني ينجو ديوكالين وبيرها اللذان أمرا أن يرميا الحجارة خلفهما، وكانا الناجيين الوحيدين ففعلاً فإذا الحجارة تصير بشراً. فالاستعارة مصدرها التصور الميثولوجي وليس التصور الواقعي، وبما أنها لغة الأدب فإنها أسبق من اللغة الواقعية، لغة العلم. ولو أن الإنسان بدأ بالواقع بعيداً عن أي تصور ميثولوجي، وهذا مستحيل، لكانت اللغة على غير ما هي عليه الآن، ولخلت من أي نوع من الاستعارة والتورية. ففي البدء كانت الاستعارة وليس الواقع. أو يمكن القول أنه الواقع منظوراً إليه نظرة ميثولوجية تجعله رهين إرادة العالم الفوقي.



وإذا كانت الاستعارة في الكتاب مشابهة للاستعارة اليونانية فإن هذا لا يعني حصر هذه اللغة الأدبية بدائرة البحر المتوسط الثقافية. إن كل لغات العالم تقوم على الاستعارة، بل إنها في البداية كانت لغة استعارية صرفة، إلا أننا نشدنا"العلم" فحاولنا الابتعاد عن هذه اللغة(103) فالاستعارات ليست ذات بعد أفقي(انتشاري) وحسب، بل إنها أيضاً ذات بعد عمودي(عمقي) فأعظم أنماط الاستعارة صيغت قديماً، ما يجعل بعض المغرورين بعلومهم الحديثة يتباهون بأنهم ينأون عن هذه اللغة القديمة، في حين لا يستطيع الكاتب أن يستغني عنها.



ويذكرنا كلام فراي هنا بمقالة للمازني"الحقيقة والمجاز في اللغة" (104) يميل فيها إلى الرأي القائل إن اللغة انحدرت من المجاز أولاً، وليس كما يذهب بعضهم من أنها نشأت من التماس مع المحسوسات والأشياء المادية، وإنما العبرة في النظرة إلى هذه المحسوسات ذاتها هل هي نظرة علمية أو ميثولوجية؟ ولو أنها كانت نظرة علمية بمفهومها هذه الأيام، لكنا الآن نحن الذين"نصنع" الاستعارة ولم نرثها عن الأقدمين وراثة، فالموقف الميثولوجي هو الأساس في نشأة المجاز في اللغة بشكل عام. وفرق كبير بين أن نعامل المحسوسات المادية من موقف واقعي وبين أن نعاملها من موقف ميثولوجي. إن التعامل الميثولوجي مع الواقع هو الذي أوجد الاستعارة، أو اللغة الأدبية التي تكاد تكون واحدة في كل أرجاء المسكونة.



ومن الاستعارة نشأت التيبولوجيا. فالاستعارة هي تراث اشتراك لا تراث حكر، فلا يوجد شعب يزعم أن التعبير الاستعاري عنده لا مثيل له لدى الشعوب الأخرى. فما دام المعتقد الميثولوجي هو الذي كان سائداً، فإن من البديهي أن تبدأ اللغة بالمجاز لا بالحقيقة.

أينما وجهنا بصرنا نجد التايبولوجيا التي تنتظم فيها كل هذه الفروع المتشعبة. وما التايبولوجيا سوى نتاج المعتقد الميثولوجي. فمن الميثولوجيا نشأ الكون المادي، أو بالتحديد هكذا تصوره الإنسان وفقاً لرؤاه هو وليس وفقاً لجغرافية هذا الكون المادية. فالكون هو ما يرغب الإنسان أن يكونه، وليس ما هو كائنه. وهذا ما يفسر لنا ظهور النزعات الفيتيشية والأرواحية والهيلويزمية(الاعتقاد بأن لكل شيء طاقة حياتية حتى للخشب والحجر) والطوطمية في فجر البشرية. فالريشة التي رسمت الكون والحياة هي ريشة ميثولوجية، إنها الأنماط الأولية، إنها الرغائب والدفائن النفسية. فالحقيقة نابعة من سلالة مجازية، ولذلك تأخر العلم، ولذلك سبقه السحر سبقاً زمنياً متقدماً جداً. والسحر هو العلم الذي أفرزته الميثولوجيا، والعلم هو ابنه وقاتله في الوقت ذاته، تماماً مثلما قتل زيوس أباه كرونوس وعزله عن كرسي الألوهية، وهذا ما عبر عنه أدغار آلن بو في قصيدته"سوناتة إلى العلم":



أيها العلم أنت سليل الزمن القديم

الذي غيرت كل الأشياء بعينيك الثاقبتين،

وافترست قلب الشاعر
يا نسراً جناحاه من مادة الواقع الكئيب،
من سوف يحبك؟ أو يصغي إلى حكمتك؟
ألست أنت الذي أنزلت ديانا من عربتها؟
وطردت جنية الغابات من غابتها
لتبحث عن ملجأ لها في نجمة أكثر سعادة
من كوكبنا؟
ألست المنتزع النيادة(حورية الماء) من طوفانها؟
والمنتزع إيفلين(حورية الربيع) من عشبها الأخضر؟
والمنتزع من قلبي حلمه الصيفي
تحت شجرة التمر هندي؟ (105)



فالعصر الذهبي في هذه النظرة يقع خلفنا وليس أمامنا كما ترى بعض المذاهب الفلسفية والاجتماعية. فمن الحقائق الإيمانية انطلقت تصورات البشر وليس من حقائق مادية، فالحقيقة المادية خاضعة للإيمان، للتصور الميثولوجي.



لقد رأى فراي في التايبولوجيا أنماطاً أدبية كاملة. فالأسفار هي نتاج الأدب، نتاج التصور الميثولوجي. وقد رأى أن التايبولوجيا في هذه الأسفار تنحصر في سبعة أنماط هي الخلق والثورة والشريعة والحكمة والنبوءة والبشارة والرؤيا الأخروية(الاسكاتالوجيا).
1- الخلق: إن أسطورة الخلق في العهد القديم هي أسطورة ضعيفة، فالخليقة انحدرت من أب سماوي. وهذا الخلق عبارة عن خلق أدبي، فأشكال الحياة ظهرت بناءً على منطوق كلامي، فهي لم تصنع من"شيء ما". إنها إرادة كائن فائق. يسميه الكتاب الأب السماوي.



وحتى يكتمل الخلق لابد من ذكر وأنثى وكذلك فإن الأم هي دائماً أرضية خرجت من الذكر واستقلت عنه. والخلق هو خلق أبدي، إلا أن المخلوق يخالف أوامر الأب السماوي، فيكتب عليه العذاب والموت. إلا أن وجوده مع الأم الأرضية يعوض عن الموت بالولادة الجديدة فأبدية الخلق اتخذت منحى جديداً، فما دام ثمة موت، فإن ثمة ولادة جديدة. وهذا لا يخص الإنسان وحده، أو بالأحرى لم يتصوره الإنسان عن نفسه فحسب، وإنما رآه أيضاً في مظاهر الطبيعة.



فحبة الحنطة التي تموت تحت التراب تطأ الموت بالموت وتعوض عن نفسها بعشرات الحبات الجديدة... وهكذا(106).

وكما أثبت فريزر أن هذا التايبوس(النمط) موجود لدى كل الشعوب، أثبت فراي وجوده في كل الآداب العالمية.



وفي اعتقادنا أن الأب السماوي يشبه الديمرجوس في الأدب اليوناني الذي تحدث عنه أفلاطون في محاورته"طيماوس"(107). وفي كل الآداب العالمية نجد أن الخلق يتم بكلمة، وهذا شيء منطقي، فقبل وجود الشيء لا يمكن أن يوجد شيء، ففي البدء كانت الكلمة والكلمة هي التي أخذت على عاتقها فعل الخلق، خلق الأكوان الميثولوجية قبل أي فعل آخر.



إن أفلاطون يسمي الديمرجوس"العلة الفاعلة" فأي علة هذه التي يتحدث عنها مادام لا وجود لشيء؟ إنها الكلمة، فالفعل الأول بهذا المعنى هو الكلمة، أي الأدب.



قد تختلف آداب الخلق من شعب إلى شعب، فعقيدة قدامى المكسيك تتركز حول الإله الذي أوجد الخلق عن طريق زواج كوني غامض بين الإله وذاته، فالأم الأرضية هنا مندمجة بالأب السماوي(108).



ولو نظرنا في المخلوقات الأدبية لرأينا أنها في معظمها تعاني من مشكلة الخلق. فأوديب في لحظة وعي مفاجئة يبحث عن أصله، ومل فلاندرز التي لا تعرف شيئاً عن أصلها تعشق شاباً وتنجب من أخيه الأصغر بعد أن تتزوجه. وتستمر في الإنجاب من عدة زيجات إحداها من أخيها، فكأن هذه الرواية تطرح مشكلة الخلق التي طرحتها الشعوب على نفسها. ماذا يكون هذا من هذا، وما علاقة هذا بذاك؟ وتبدأ رواية"بيدروبارامو" لخوان رولفو، وهي من الروايات الحديثة لأميركا اللاتينية، على النحو التالي: أتيت إلى كومالا، لأنهم قالوا لي أن والدي يعيش هنا، إنه شخص يدعى بيدروبارامو. وتقول له أمه: لا تستعطه شيئاً، بل طالبه بحقنا. طالبه بما كان مجبراً على تقديمه لي ولم يعطني إياه أبداً. خذ منه غالياً ثمن النسيان الذي تركنا فيه.



ويقول لأمه بأن هذا ما سيفعله إلا أنه لم يفكر أبداً بتنفيذ وعده... إنها المشكلة الأوديبية ذاتها، مشكلة البحث عن أب(109). وفي رواية الطريق لنجيب محفوظ، يدور حوار بين البطل وأمه المحتضرة، تخبره أن أباه لم يمت قبل ولادته، كما كانت تقول له، بل ما يزال حياً وعليه أن يبحث عنه وهو المجهول الإقامة، مثل بيدروبارامو. والرواية من أولها إلى آخرها هي"البحث عن أب". وقد طرح نجيب محفوظ هذه المشكلة الأبدية وهي علاقة الأدنى بالأعلى، وواجب الأعلى نحو الأدنى... علاقة الخالق بالمخلوق ومكابدة المخلوق من فقدان الخالق أو تذمره من تجاهله. وتنتهي الرواية من غير أن يعثر البطل على أبيه. فالبحث عن الأصول والجذور هو أهم الهموم الكبرى للأدب، وعلى الأخص الأدب الدرامي. فالمخلوق إما أن ينظر إلى ما فوقه باحثاً عن الخالق، أو ينظر إلى ما تحته في علاقة متشابكة مع ابنه(أو أبنائه). والأغلب أن ينظر الأعلى إلى الأدنى على أنه ولادة الشر من الخبر، أما الأدنى فهو المستاء دائماً والساخط أبداً. إنه يبحث عن مكان له تحت الشمس مؤمناً بجدارته وبالأخطاء التي اقترفها الأعلى بحقه، مما يجعل الطرفين في علاقة ساخطة: لا الأعلى يرضيه تصرف الأدنى، ولا الأدنى يقنع بما كتبه له الأعلى... إنها مشكلة أبدية. إنه نمط أولي.

2- الثورة(العصيان أو التمرد بكل أشكاله...): عندما دخلت البوذية تعارضت مع ديانة الشينتو، فما كان من أحد اللاهوتيين البوذيين إلا أن ادعى أن الكامي(الآلهة المتعددة وأرواح الطبيعة وأرواح الأجداد في عقيدة الشنتو) ما هي إلا تجليات لبوذا، وبذلك صالح بين الديانتين، وهذا ما لم يفعله الدين العبري وما شابهه. فهناك دائماً ثورة حقيقية في رفض كل العقائد الأخرى سوى عقيدتهم الخاصة. والوصية الثانية لموسى هي القرار رقم واحد في برنامج الثورة، فهي تحرم صنع أي صورة أو تمثال، أي باختصار أنها تعلن الثورة ضد المعتقدات الأخرى بآلهتها التي جسدها أصحابها بصور أو بتماثيل. وفي المسيحية جاء:



يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بزوجته"، مما يدل أن هناك انتقالاً من طور إلى طور، أي أنها بداية جديدة(110). والإيمان في المسيحية بإمكانه أن ينقل الجبل من هنا إلى هناك.



إنه صانع المعجزات، أي يتمرد على نظام الطبيعة وشكل الوجود.



هذا العصيان التايبولوجي موجود في كل أدب، منذ ثورة زيوس ضد أبيه وحتى آخر أثر أدبي حديث. قد تكون الثورة صاخبة مثل ثورة دون كيشوت أو ثورة صهري الملك لير، وقد تتم بصمت ثقيل مثل مأساة الأب غوريو. ومل فلاندرز دائماً هناك احتجاج على ما هو قائم. وقد يستسلم البطل للواقع بمعنى أنه لا يريد أن يواجهه, وهذه ثورة سلبية، فبطل سارتر في رواية"الغثيان" يمثل ثورة من هذا القبيل، الثورة الصامتة. وما هذه الثورة سوى نشدان المزيد من الحرية، ففي مسرحية"الذباب" يدفع سارتر أورست إلى مواجهة جوبيتر وإعلان ثورته في وجهه:



جوبيتر: ألست ملكك أيها الدودة الوقحة؟ من خلقك إذن؟

أورست: أنت ولكن كان ينبغي ألا تخلقني حراً.

جوبيتر: لقد وهبتك الحرية لتخدمني.
أورست: ربما ولكنها انقلبت عليك، فنحن، أنت وأنا، لا نستطيع شيئاً.
جوبيتر: وأخيراً هذا هو العذر.
أورست: لست أعتذر. (111).



وفي لقاء بين جوبيتر وايجست يقول الأخير: منذ حكمت كانت كل أفعالي وكل أقوالي تهدف إلى تأليف صورتي. أريد من كل فرد في رعيتي أن يحملها في نفسه، وأن يشعر حتى في وحدته، بنظرتي القاسية تجثم على أشد أفكاره خفاء. ولكني كنت أنا أول ضحاياي، إذ صرت لا أرى نفسي إلا كما يرونني، انحني على بئرا أرواحهم الفاغرة. رأيت صورتي هناك، في أقصى القعر تنفرني وتسحرني، فيا أيها الإله القدير، من أنا إن لم أكن الخوف الذي ألقيه في نفوس الآخرين؟



والمعلوم إن هذا الكلام كان رداً على كلام جوبيتر: فأنت ترى حقاً أننا متشابهان(112).



وما ظهرت شخصية الابن في أثر أدبي إلا كان له هذا الموقف. إنه شبيه أبيه من جهة والمتمرد عليه من جهة ثانية. إنه يريد أن يستقل فيأتي بكل الحجج التي تناهض أباه، لكنه يفعل فعل أبيه: توطيد نظامه الخاص الذي لا يختلف، في النهاية، عن نظام أبيه. لقد تمرد كرونوس على أبيه أورانوس، ولكن نظامه الوطيد لم يكن مقبولاً أيضاً من أخلافه، فعمد إلى قمعهم، إلى أن ينجح زيوس في طرده عن عرشه. وبعد أن لقنه درساً يهبط إلى الأرض تائباً ويؤسس في إيطاليا"العصر الذهبي". أليس هذا العصر من أحلام الفاشلين والمطرودين؟ لم يكن كرونوس ليفكر في إقامة الفردوس الأرضي لو لم يكن مطروداً منبوذاً.



يستلم زيوس العرش فيقيم نظامه هو الآخر. وتأتيه وشاية أ بروميثوس يعرف خليفته الذي سيثور عليه، فيطالبه بالبوح فيرفض، فيصمت زيوس على مضض، وينتظر الفرصة السانحة التي يراها في سرقة بروميثوس النار وتقديمها للإنسان، فيحكم عليه، بموافقة البقية من أنصاره، بالصلب على جبل القفقاس تحت هذه الذريعة، خافياً السبب الحقيقي لحنقه، مسلطاً نسراً على كبده ينهشه نهاراً فينمو ليلاً، حرصاً على حياة بروميثوس، حتى لا يموت السر بموته.



إن كل ابن يسعى إلى توطيد نفسه(113). وفي عمله هذا تكمن الثورة، أو الاحتجاج على أقل تقدير. ومن هنا كان الأدب، كما يقولون، احتجاجاً على الواقع القائم، بل إن هذا الاحتجاج هو المحفز الأكبر للإنتاج الأدبي.

3- الشريعة أو النظام: يرى فراي أن الشريعة أعقبت الخروج من مصر مباشرة. فبنزول موسى من طور سيناء نزلت معه الشريعة أو القانون أو النظام الذي يجب أن يسير عليه العبريون. وأضيفت على القانون هالة من القداسة تعادل القداسة التي يتمتع بها قانون الطبيعة، بل أكثر. لقد احترم الناس قانون الطبيعة لاعتقادهم أنه قانون إلهي، فلابد من أن تكون القوانين البشرية في مستوى قوانين الطبيعة لتنافسها من جهة وتتفوق عليها، وتكون نافذة من جهة ثانية. وحتى يضفوا على القانون هالة القدسية مارسوا العقاب الفظيع على من يخالفه حتى إن مرتكب الإثم يعاقب بالحرق مع كل عائلته ونسله وإن كانوا أبرياء(يوشع 7)، كما مارسوا الخوارق. والخوارق لا يختص بها إلا الملتزمون بالقانون والذين يخدمون النظام بثقة وإخلاص. وبهذا يكونون قد ضمنوا احترام الشرائع البشرية، فقانون الطبيعة لا يعرف الخوارق ولا المعجزات، مع أنه فعل سماوي. قانون البشر فقط هو الذي يقوم على الخوارق. ولهذا يرى فراي أن العلم أسرع تقدماً في البلدان التي تتعدد عقائدها، من البلدان التي تمكث عند عقيدة واحدة، وقد كانت اليونان سباقة إلى العلم، وبالتالي إلى القانون المدني(114).



والذي نراه أن النظام البشري كان دائماً في حالة عوز إلى المقدس. فانقسام الأجناد السماوية إلى قسمين متحاربين، قسم فاز بالجنة، وقسم اندحر إلى جهنم، إنما هو تصوير مجسم لما يجب أن يكون عليه عالم البشر. إن المدينة المقدسة أورشليم تقابلها مدينة الشيطان"بابل" وعندما تنصرت الإمبراطورية الرومانية صارت روما هي المدينة المقدسة.



وتكون المدينة المقدسة حيث يكون أصحاب الميثاق المقدس أو النظام المقدس أو الشريعة الإلهية. والقانون الاجتماعي دائماً يستنجد بالمقدس من أجل توطيد ذاته وضمانة استمراره(115).



ما دور الأدب في كل ذلك؟ ألم يسهم في إنشاء المقدس؟ ألم يتمرد في وجه النظام الوحداني الذي يرفض التعددية؟... ألا نرى شيئاً من التناقض في أن الأدب ينشئ الأشياء ويتمرد عليها؟



المقدس الذي نشأ من أعماق الدنيوي واعتلى عليه، إنما غرضه خدمة هذا المخلوق البائس. فالأسطورة انبثقت لا عن عبث بل عن هدف وهو جعل الإنسان قادراً على التلاؤم مع البيئة. والأدب هو استمرار لهذا العمل غرضه خلق نظام متوازن بين الكائن والطبيعة. انتيغوني عندما تعصى أوامر الملك كانت تطيع قانوناً تحدر من رحم الأسطورة وهو أن الأموات يجب أن يدفنوا، لأنهم إن لم يدفنوا، وبقيت أجسادهم في العراء، فلن يتاح لهم الصعود إلى مركب خارون، ولا عبور نهر أخيرون لدخول العالم الآخر. والأجساد التي لم توار في الأجداث تظل أرواحها هائمة على شاطئ النهر إلى أن تدفن فيسمح لها عندئذ بالعبور. فالقانون ذو منشأ بعيد، منشأ أسطوري، إلا أنه يرمي إلى غاية أخلاقية. وكل عقائد الشعوب تقوم على دفن الجثث أو حرقها. ولو لم تظهر مثل هذه القوانين المقدسة، لواجه الإنسان كثيراً من الأوبئة التي تنشرها الجثث غبّ تعفنها.



وهنا لابد أن نشير إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الأدب يسهم في إنشاء المقدس مادام المقدس يعمل على خلق التوازن بين البشر وإتاحة المزيد من الحرية لهم. ولكن عندما تنقلب الشريعة إلى طغيان، إلى قانون يرفض التعامل مع بقية الفعاليات الفكرية، فإن الأدب لا يسكت عن ذلك. ولو نظرنا في العصور الوسطى وقارنا بيننا وبين أوروبا لوجدنا البون شاسعاً في هذا المجال. لقد وقعت أوروبا الوسطوية أسيرة عقيدة كنسية غربية قمعية تأبى التعامل مع الرأي الآخر، في حين تفاعلت ثقافتنا الإسلامية مع كل الثقافات الأخرى فأنتجت وأبدعت. وكان على أوروبا أن تنتظر عصر النهضة حتى تتخلص من هذه الشريعة القمعية.



ولكن كيف حدثت النهضة؟... لقد حدثت عندما عاد الأوروبيون إلى الفكر اليوناني لأنهم وجدوا فيه شريعة تبيح لهم من الحرية مالا تبيحه قوانينهم"المقدسة"، أي أنهم فعلوا ما سبقهم إليه العرب بمئات السنين، بل إنهم اعتمدوا في ذلك اعتماداً كبيراً على العرب وجهودهم في هذا المجال.



والنهضة الأوروبية هي في صميمها نهضة أدبية، بكل ما تعنيه كلمة"أدب" اللاتينية من معنى وشمولية.



الأدب هو تلك الفعالية التي يبذلها الإنسان من أجل وضع قانون أخلاقي يبيح له المزيد من الحرية الفردية والاجتماعية الراقية. وعندما تبلى القوانين يظهر المتمردون في الأدب الذين يخرقون هذه القوانين، والذين يتمسكون بالوظيفة الأسطورية لا عادة التوازن بين النظام الاجتماعي والنظام الطبيعي. دون كيشوت ثار على النظام الجديد المذل للإنسان الذي يهدر كرامته، وسعى إلى إعادة نظام الفروسية الذي يرفض الغدر والقتل غيلة والابتزاز وإهدار كرامة"الليدي". لقد أدرك أن النظام الساري هو نظام فردي يقوم على الحيازة والأنانية ويستخدم أنذل الطرق من أجل بناء مجد زائف يقوم على آلاف الجماجم.



سانشو بانزا كان أكثر عقلانية من دون كيشوت. فعندما يمنح مقاطعة ويعين حاكماً فيها يذهل الجميع بقوانينه التي تسمح بالمزيد من الحرية مع الضبط الاجتماعي. فتكييف القانون خير من إلغائه وإحلال القديم محله. ولكن كل هذه المحاولات ترمي للوصول إلى القانون المقدس، أي إلى القانون المثالي الأعلى. وهذا ما بينه دانتي في الكوميديا الإلهية، فأظهر أن الارتفاع إلى هذا القانون يستوجب حكاماً بعيدين عن الغرضية والاستبداد.

4- الحكمة: يتألف الكتاب المقدس من ثلاثة أقسام: الشريعة والحكمة والنبوءة(116). ويرى فراي أن الحكمة ذات معنيين: الأول هو أن الحكيم يسير في الطريق القويم الذي سبق توطيده من الأسلاف بعد تراكم خبراتهم، والثاني هو المتابعة، أي الحفاظ على هذا الطريق القويم في المستقبل. والحكمة التي تواجه المستقبل تسمى الحصافة(برودنس) كما جاء في سفر الأمثال(8: 12) والحكمة تستوحي الشريعة والطبيعة والتأمل في الحياة. فحكمة الجامعة"لكل شيء أوان" تعتمد دورة الطبيعة ودورة اليوم الشمسي. فلا يوجد شيء إلا بأوانه، ولهذا جاء الشتاء في أوانه والربيع في أوانه... فلا يعقل أن يشذ شيء عن دورة الطبيعة هذه طالما أنه مشمول بالطبيعة. وقد ظهر ارتباط الحكمة بالقانون المقدس في مصر قبل العبريين بزمن طويل. فالإرشادات في كتاب الموتى هي حكم تأخذ النظام المقدس بعين الاعتبار. كذلك نجد لدى المصريين حكمة فردية تتعلق بالحياة وأساليب العيش، وهي نابعة من التجربة البشرية. ويؤكد فراي أن حضارات الشرق الأدنى قد عرفت الكثير من الحكمة التي لم تقتصر على المصريين وحدهم. ليس هذا وحسب بل إن بعض الأمثال-والمصرية على وجه الخصوص- قد ظهرت كما هي في الكتاب المقدس. فأسفار: الأمثال والجامعة وحكمة ابن سيراخ تمثل ثقافة متوسطية ناضجة، والسورة العاشرة في القرآن ملأى بالحكم الرفيعة(117). وفي الضفة الأخرى للمتوسط تطالعنا حكم أيسوب المستخلصة من التجربة المباشرة في الحياة..



والحكمة ليست بنت العفوية. إنها التأمل المتأني في التجارب المتكررة التي تتكرر كما تتكرر دورة الطبيعة. إنها لصيقة بممارسات البشر. وحتى الحكمة التي تحافظ على النظام المقدس تنظر في حياة البشر لتذكرهم بالقانون الأمثل من أجل تحقيق حياة بشرية متوازنة. وحتى هذا القانون"الشريعة" كان يراعي دائماً نظام الطبيعة، فلا وجود فيه لأمر يناقض دورة الطبيعة.



وقد اتخذت الحكمة منحى خاصاً عند الإغريق، فالفيلسوف هو"محبّ الحكمة"، وقد جعلهم شغفهم بالحكمة أول الفلاسفة في العالم. وتحتل الحكمة في الأدب حيزاً كبيراً جداً. فدائماً نجد الآثار الأدبية تلح على"الشخصية الحكيمة" مقابل لفيف من الحمقى والمتسرعين.

ومنذ أدب أيسوب وحتى اليوم نواجه في الأدب بؤرة الحكمة في بيئة مشوشة. وأدب أيسوب، هو باختصار أدب المقابلة بين الحكمة والحماقة. إنه تقليد أدبي لا يستطيع أديب تجنبه. فالأديب ضد الحماقة، يسخر من أبطالها وممثليها ويرفع من قيمة الحكمة ويبين سلامة نتائجها. في مسرحيات موليير نلاحظ أن الحبكة المسرحية كلها تدور حول الحماقة، كما في"النساء المتحذلقات" وكما في"مريض بالوهم" أو البرجوازي النبيل" ... ويربط شكسبير الحكمة بالتجربة، أو بالأحرى بالمعاناة الإنسانية. وعنده أن من الممكن تبادل المواقف أو عكسها، فمكبث مثلاً حكيماً يعرف لغة السلطة، إلا أن زوجته بحماقتها تدفعه إلى الانحراف عن حكمته والانجراف إلى اقتراف"فعل أحمق" فتقع الكارثة. ولو كان في رأس عطيل شيء من الحكمة لقد أقدم على قتل ديدمونة. فالحكمة رفيقة التأني وذات نفس طويل. إنها تعمل على الموجة الطويلة، عكس الحماقة المتسرعة الطائشة الرعناء، البعيدة عن التأمل العميق. وعلى هذا فإن هاملت أشد حكمة وحصافة من مكبث. إنه لا يقدم على فعلته إلا بعد أمد طويل من التحقق والاختبار. وفي الأدب العربي احتلت الحكمة مكانة رفيعة حتى أُفرد لها بابٌ خاص هو"باب الحكمة والاعتبار". وأي أدب لا يلتزم بالحكمة يسقط وينبذ.



على أن الأدب انتبه إلى ما نسميه"الحماقة الجماعية" وهي نمط الحياة المشوشة. فالحماقة في"أوديب" لا تصدر عن فرد بعينه وإنما تصدر عن العلاقات الاجتماعية التي تعاني من خلل كبير، ولذلك تحدث المأساة.



وبهذا الصدد نشير إلى الكتاب الشهير الذي ظهر في عصر النهضة، وهو كتاب"تقريظ الحماقة"لاراسموس، فقد عمد بأسلوب ساخر أخاذ إلى امتداح الحماقة وإظهار فضائلها الكبرى فلولا الحماقة لفني الجنس البشري، فالحماقة هي التي تدفع المرأة إلى الحمل والولادة مع أنها تعرف سلفاً ما ستكابده من ألم وعذاب، وهي التي تدفع الرجل إلى الإنجاب مع أنه بإنجابه يقضي على سعادته، والحماقة هي التي جعلت الناس تنساق وراء رجال الدين، فيقبلون منهم صكوك الغفران، ومحاكم التفتيش، ولولا حماقة الناس لما كان ثمة كهنوت يفعل ما يفعل والناس تؤمن وتصدق. ثم إن الحماقة هي التي جعلت الناس يتأنقون وينفقون الأموال الضخمة على زينتهم ولولا ذلك لما أعجب شاب بفتاة ولا نظرت صبية إلى ذكر غندور. والزينة التي يصطنعها الناس لا هدف لها إلا الغش والخداع، ولولا حماقة البشر لما وقعوا فريسة الغش والخداع. الأغنياء والمستغلون ورجال الدين والتجار والصناعيون والباعة المتجولون يعتمدون على حماقة الناس التي لولاها لقضي عليهم وعلى أسباب رزقهم. والحماقة هي التي تدفع المسكين إلى الإيمان بما يقوله رجل الدين والغني والتاجر. والحماقة هي التي تدفع الأب إلى الكدح من أجل ابن عاق أو زوجة ناشزة، ولو ظهرت الحقيقة لكانت شراً وبيلاً على الجنس البشري. والحماقة هنا تلعب دوراً عظيماً في طمس الحقائق. فهي التي جعلت الناس تؤمن بأن العذراء يمكن أن تحبل، وأن الله تعالى يختار شعباً بعينه دون سائر الخلق...



بهذا الأسلوب الساخر والساحر يقدم أراسموس حكمة بالغة غرضها كشف الممارسات البشرية المخالفة للعقل والمنطق، وفضح رجال الدين في تلك الأيام، وقد كان الكاتب نفسه واحداً منهم يعرف الخفايا والأسرار التي تدور في الأديرة والمؤسسات الدينية. أليس من الحماقة أن يقبل الناس أبناء الكهنة من غير تسمية أمهاتهم؟

5- النبوءة: يرى فراي أن النبوءة في الكتاب هي نظرة استيعابية تحيط بالزمن الكلي، منذ الخلق وحتى القيامة. أنها لا تقف عند حدود الحكمة بل تتجاوزها. إنها مستقبلية أكثر من الحكمة التي غالباً ما تكون"خلاصة" لتجارب الماضي. وعندما تنظر إلى المستقبل فإنها لا تنظر بعين المخيلة الإبداعية التي للنبوة، بل بعين الماضي المتكرر(118). والنبوة ليست خاصة بالكتاب، ففراي يشير إلى مقطع من صموئيل الأول 10: 5-6 وهو:



سوف تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من المرتفع وأمامهم ربابة ودف وناي وقيثارة وهم يتنبأون، فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر.



فالكتاب المقدس يتابع ما كان عليه الناس في تلك الأزمان ولم يذم الأنبياء الكذبة الذين لا يتمتعون بالمخيلة الإبداعية التي تتلقف كلمة الرب، فتدرك المصائر قبل أن تقع. وهناك اتفاق على أن النبي يتمتع بقدرة فائقة في المخيلة ، سواء عند العبريين أو عند غيرهم.وعرافة دلفي في اليونان كانت مرجعاً يلجأ إليه الناس في معرفة مصائرهم.



لسنا بصدد التفريق بين النبوة والكهانة، فقد تجتمع الوظيفتان، وقد تفترقان. لكن النبوة كانت في القديم ملازمة للمعابد. ولكن لابد أن نشير إلى أهم صفات النبي وهي الإيمان والجرأة والترميز، فكل نبي لابد أن يؤمن بصدق نبوته، واندماجه بها اندماجاً كاملاً، ولابد أن يكون جزئياً يرمي نبوته في زحمة الطرقات، كما يلقيها أمام الملوك، غير هياب من سطوتهم وسيفهم. إلا أن النبوات لا تكون دائماً واضحة كل الوضوح، بل قد تكون على شيء من الغموض، فيعمد النبي إلى الرموز التي تنقل إحساسه أو تجسده بأقرب ما يكون إلى غرضه.



في مصر وبابل، في الهند واليونان، في كل مكان نجد انتشاراً كبيراً للنبوات كنوع أدبي.



إن مسرحية أوديب تبدأ، من حيث البناء الدرامي، بنبوة يتلقاها لايوس وهي أنه إذا رزق ببكر ذكر فإن ابنه سوف يقتله ويتزوج امرأته، ولكن إذا كان البكر بنتاً فإن عمره يطول وحكمه يوطد.



والساحرات في"مكبث" أقل صراحة وأكثر ترميزاً في نبوتهم من النبوة التي تلقاها لايوس. وفي مسرحية"يوليوس قيصر" تبصر كالفورنيا زوجته حلماً مفزعاً يتكرر عليها كأنما يحذرها، فتهيب بزوجها ألا يذهب إلى مجلس الشيوخ. وكان العراف قد سبق هذه الزوجة، إذ من الفصل الأول يحذر قيصر من يوم الخامس عشر من آذار. وفي الفصل الثالث يهزأ قيصر من العراف وهو في طريقه إلى مجلس الشيوخ، فيقول له: ها قد حل الخامس عشر، فيرد العراف: ولكنه لم ينته.



والنبوة قائمة أصلاً في صميم العمل الأدبي. فمنذ البدء يفكر الكاتب بالمآل. ووفقاً لهذا المآل يوجه عمله، فكأنه يمارس نوعاً من النبوة. إن الكاتب هو أول المطلعين على نبوة العمل الأدبي، وقد يمارس نوعاً من التحاليل ليجعل بعض المنعطفات مفاجئة. فسوفوكليس يعرف قبل غيره مصير أوديب ولكنه يقوم بلعبة فنية تفرضها التقاليد الأدبية. ولا فرق بين فنجان قهوة نزار القباني وساحرات مكبث، فالعمل الفني يستلزم مسبقاً العمل النبوئي.



وتكثر النبوات في الأزمات القومية وفي الظروف العصبية. وتلعب الانتماءات القومية دوراً كبيراً في هذا المجال.


6- البشارة: البشارة، في رأي فراي، هي توسيع للرؤيا النبوئية. والبشارة الكبرى هي البشارة بعودة الفردوس المفقود. والبشارة هي عكس النذير. إنها"خبر سار" وأعظم الأخبار مسرة هو خبر استعادة الفردوس. والنذير ينبئ بأشياء سيئة، لكن النذير الأسوأ هو الذي"يبشر" بالنار والمصير الجهنمي. وبهذا يكون الخبر السار الحقيقي هو ذاك الذي يبشر بالولادة الروحية الثانية. فالنذير يبنى على الخطيئة، والبشارة تبنى على النقاء الروحي.



والملاحظ أنه خارج السياق الميثولوجي لا معنى للنذير ولا للبشارة. وفي العصور الوسطى صنفت الخطايا المميتة التي ترمي النفوس في الجحيم كمايلي: الكبرياء، والغضب، والكسل والحسد والبخل والجشع والشهوة. والخطيئة هي الوقوف في وجه الأمر المقدس، أي نظام الطبيعة وهي -أي الخطيئة- مصادرة للحرية الإنسانية، سواء حرية الفرد نفسه أو حرية جاره. إن الخطيئة ليست إساءة إلى الآخرين وحسب، بل إنّها تسيء أيضاً إلى الخاطئ نفسه، فتسد عليه طريق الفردوس وتنذره بعذاب الجحيم (119).



ولكننا نلاحظ أن البشارة (والكلمة يونانية وتعني الخبر السعيد). تكاد تكون مختصة بالمساكين والمظلومين. وعندما تأتي البشارة إلى الملك فإنها تعني "النصر" على الأشرار والكافرين. فالمعنى الأخلاقي موجود دائماً في سياقها. ويحمل إلينا القرآن أعظم بشارة أخلاقية وهي بشارة لأولئك الصابرين على ضيم الحياة الدنيا. إنها تعدهم بالفردوس الأبدي، وبالمتعة الروحية وبحياة المسرة

وفي التعاليم المسيحية تقوم البشارة (الإنجيل) على رواية الميلاد والتجربة والموت، وعلى القيامة، وسواء ظهرت البشارة في الميلاد أو التجربة أو الموت فإنها تعني النهاية السعيدة أي البعث أو الولادة الثانية التي تعقب الموت.

هذه البشارة التي تقف إلى جانب المضطهدين والمعذبين والمظلومين، نجدها بكثرة في الآداب العالمية، منذ حمورابي وحتى آخر قصة حديثة، أو آخر مقطوعة شعرية طازجة، فالبشارة تقوم بعملية فرز أخلاقي، أبدع القرآن في تفصيله ووصل الغاية في التحديد، حتى أنه بشر الذين يكنزون الذهب والفضة بعذاب جهنم، فالعبد (الإنسان) لا يحق له أن يحجب ثروته عن بقية العباد، وإن جمعها بالطرق المشروعة، فالقرآن يلاحق الأغنياء حتى وإن لم يقترفوا إثماً سوى احتجاز الأموال وعدم تشغيلها لفائدة العباد، ولخلق نوع من الفاعلية الاجتماعية الدافعة إلى التضامن... وهذه هي السنة التي يسير عليها الأدب منذ القديم وحتى أيامنا هذه.



لقد جاءت الماركسية لتعلن التزام الأدب. ولكنها بهذا الإعلان لم تقدم جديداً أبداً. فحتى الآن لم نسمع بأثر أدبي أيد الظلم والاضطهاد والقمع والسرقة والنهب ومصادرة الحريات.

إن الأدب بشارة بالمعنى الذي وردت فيه: في الأدب اليوناني والكتاب المقدس والقرآن الكريم وفي الأدب الحديث. وحتى الاضطهاد الكنسي في العصور الوسطى كان بحجة حماية "النظام المقدس" ولكن سرعان ما فند الأدب هذه الحجة وأظهر زيفها.

لكننا نلاحظ في الأدب الحديث موت البشارة، وهو موقف ضدي يجعل الأدب في إطار نوع من التيبولوجيا هو "الثورة". فكراسي يونسكو تشير إلى موت البشارة. وسانين ارتسيباشيف يشرب البيرة على قبر صديقه معلناً وداع أحد الحمقى من البشر. ولكن حتى "موت البشارة" نلحظه في الآداب القديمة عند كلكامش وسيزيف وغيرهما، مثلما نجد البشارة فيها بكثرة. فافيجينيا يوربيدس في تاورس هي نوع من البشارة، مما يجعلنا نميل إلى أن الثنائية الضدية هي قانون عام للأدب فيما يتعلق بالأنماط الأولية، لكن الهدف النهائي يظل واحداً وهو الوصول إلى نظام أخلاقي مثالي للإنسان، سواء عن طريق "الثورة" أو عن طريق البشارة. أن سارتر الملحد يتوخى مثل هذا النظام الذي يتيح المزيد من الحرية الإنسانية، مثل أي كاتب مؤمن آخر.

7- الرؤيا: وردت في العهدين بمعنيين: حلم وإعلان (120). ولكن المعنيين متقاربان، فالحلم هو الدخول في عالم الحقيقة، مثلما أن الإعلان هو التجلي لهذه الحقيقة. وهناك عشرات النصوص في العهدين القديم والحديث، كحزقيال وأشعيا وزكريا ودانيال ويوحنا ومرقس وبولس.

يقول فراي بأن كلمة رؤيا باليونانية (ابوكاليبس) تعني تماماً الكشف أو رفع الغطاء، ولكن "الحقيقة" باليونانية (أليثيا) تعني رفع أستار النسيان عن العقل، مما يسمح بكشف الحقائق وتجليها(121).

ولن نعيد هنا كلام يونغ وفرويد والسيريالية في دور الحلم في عملية الإبداع الأدبي. ولكننا نشير إلى أن الحقيقة التي تحملها الرؤيا هي تلك الدفينة في رغائبنا وأمنياتنا، والتي تنزع إلى خلق عالم من الحرية. يعتبر سفر الرؤيا ليوحنا مثالاً نموذجياً لهذا النمط من التايبولوجيا. وهو لايختلف عما سبقه من نصوص رؤيوية في العهد القديم أو في الآداب القديمة. وإننا لنميل إلى الرأي القائل بأن الأدب الرؤيوي يكثر في أيام الشدة والصراعات والحروب والمجاعات والنزوحات الكبرى والقمع والتنكيل، فهذا السفر كتب على الأرجح أيام نيرون، يوم سرت الشائعات بأنه جرح قرب الشاطئ ولم يقتل، معنى هذا أن هناك مزيداً من المذابح المنتظرة (122). فرؤيا يوحنا هي حرب تدور بين الأبرار والأشرار. وتنتهي بانتصار الفريق الأول حيث يتربع الإله على العرش ويندحر الفريق الثاني إلى عالم للظلام، ومنهم الوحش الجريح (نيرون).

رحلة أوديسيوس إلى العالم الآخر هي نوع من الرؤيا الأدبية، ترسخت على مر العصور وكانت بداية لرسم جغرافية بيت الموتى أو مستقر الأرواح. إلا أن التفاصيل الكاملة نجدها في إنياذة فرجيل، الكتاب السادس (123). ولو قارنا بين رؤيا فرجيل ورؤيا يوحنا لوجدنا وجه الشبه قائماً في أن الاثنين قسما العالم الآخر إلى فئتين، صالحة وطالحة، الأولى مثواها الجنة والثانية مصيرها العذاب الأبدي. أما الوحوش والمخلوقات ذات الرؤوس المتعددة والوجوه الشائهة، والأجساد الممسوخة، فكثيراً في العملين الرؤيويين، مثلما هي كثيرة في الآداب الرؤيوية على مر العصور: ثورة كلكامش الذي ينفث لهباً - سيربريوس حارس الجحيم- المخلوقات المتعددة الرؤوس من تنانين وأفاع. وما مؤسسات كافكا سوى من هذا القبيل.

إن كل كاتب يقوم بعملية خلق إنما ينطلق من رؤيا. وهذه الرؤيا تقوده إلى قسمة العالم إلى قسمين في مكانين متعارضين، فهناك الأبرياء والأشقياء، وهناك عالم النور وعالم الظلام. إن تارتاروس لا تختلف عن سجن الكونت دي مونت كريستو، وحقول الإليزيه المصرية واليونانية لا تختلف عن فردوس جون ملتون. فالرؤيا لا يمكن أن تتم في خط واحد وإلا فقدت العنصر الدرامي الذي يحركها. لابد من وجود صراع بين المقدس والمدنس، وما كوميديا دانتي سوى رؤيا شمولية تجمعت فيها المخيلة البشرية بعوالمها وكائناتها. وعندما يحارب دون كيشوت طواحين الهواء يتخيلها كائنات شيطانية، وعندما يدحر غارغانتوا خصومه كان يرمي إلى إقامة فردوس جديد.

* * *

لقد أثبت فراي أن هذه التايبولوجيا عريقة في الآداب القديمة ومستمرة في الآداب الحديثة. وربما كانت مصر بداياناتها القديمة أول بلدان العالم في خلق هذه الأنماط، وقد قطعت في ذلك شوطاً أبعد مما قطعه الأدب الفراتي الذي ظل مشدوداً إلى الأرض والواقع. وقد أسهم اليونان في هذه التايبولوجيا إسهاماً كبيراً. إن كل أنواع التايبولوجيا نجدها في الأدب اليوناني. ولولا اللاهوت المنبثق من العهد الجديد لظلت تيبولوجيا العهد القديم ضبابية، إذ كان العبريون منقسمين إلى فئتين فيما يتعلق بالاسكاتالوجيا، فمنهم من آمن بها ومنهم من رفضها رفضاَ قاطعاً.

فالصدوقيون مثلاً أنكروا القيامة والثواب زاعمين أن النفس تموت بموت الجسد، ولم يؤمنوا بوجود ملائكة وأجناد سماوية، ولا اعتنقوا مبدأ الجبرية، بل زعموا أن الإنسان حر في تصرفاته، وعلى عاتقه تقع مسؤولية ذلك (124).

والخلاصة أن التايبولوجيا، حتى بمعناها اللاهوتي، لا تشكل فرادة خاصة، ولا تشذ عن المسار العام للأدب، ولا تنفرد عن المخيلة الأدبية لدى بقية الشعوب، وبخاصة مصر واليونان. ولا نظن أن التايبولوجيا اللاهوتية أغنى مثلاً من التايبولوجيا المصرية، فمصر أصل الكهنوت في العهد الفرعوني والعهد المسيحي، وآداب الفرس والهند والاسكيمو وسكان البيرو والمكسيك والبرازيل.. ملأى بهذه الأنماط التي يفرزها اللاوعي الجمعي.

إن النقد الأسطوري يلح على وحدة الأدب. إنه نشاط مشترك، فالتقليد الأدبي يكاد يكون واحداً، بل هو واحد. فالأنماط الأولية والعوالم التخييلية والتايبولوجيا الأدبية هي التي تشكل هذا التقليد الراسخ. وحتى الآن لا نعثر على أثر أدبي خالف هذا التقليد.

و"الأرض اليباب" قصيدة اليوت التي أغرم بها الشبان واعتبروها فاتحة الشعر الحديث، لا تختلف عن العالم السفلي الذي حدثنا عنه هوميروس أو فرجيل أو دانتي. وأخيل العالم السفلي لا يختلف عن سكان "الأرض اليباب" أو "الرجال الجوف".

كلمات تندثر وكلمات تظهر، وتعابير تتقادم وتعابير جديدة تطفو، أسلوب مكثف قد يحل محل أسلوب ممدد، وأجرومية سهلة قد تحل محل أجرومية معقدة، ولغة وليدة قد تنفصل عن لغة عتيدة، وقد يغدو الفارق كبيراً بين اللغة الأم ووليدتها، وربما حلت لغة محل لغة.. إلا أن كل ذلك لا يؤثر في التقليد الأدبي، لا من قريب ولا من بعيد.

إن المخيلة البشرية واحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) حنا عبود / ناقد من سوريا
---- الاشارات :

(97) "معجم الفلسفة" بالإنكليزية، تحرير جانفيير سبيك ، منشورات "بان" 1979 ص332.

(98) جميل صليبا " المعجم الفلسفي " دار الكتاب اللبناني 1982ج2 ص 332.
(99) اعتمدنا في هذا التحديد علي:
      أ- "معجم اللاهوت الكتابي" ترجمة لجنة من اللاهوتيين ، دار المشرق ، بيروت 1986.
      ب- "معجم اللاهوت الكاثوليكي" ترجمة المطران عبده خليفة ، دار المشرق ، بيروت ،1986.
وهذه المعلومات موجود في المعجمين تحت مادة "مثال".
(100) جيمس فريزر "الفولكلور في العهد القديم" ترجمة نبيلة إبراهيم ، مراجعة حسن ظاظا، الهيئة المصرية للكتاب ،جـ 1 ،1972، جـ 2 ، 1974.

المصدر: كتاب "النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري :دراسة" تأليف حنا عبود ،من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999،ص 104:83.