‏إظهار الرسائل ذات التسميات مارتن هيدجر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مارتن هيدجر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 نوفمبر 2016

هيدغر والرؤية السياسية[1]

بقلم  :بيتر سلوتردايك

ترجمة: سعيد  بوخليط.



بأي معنى يمكننا التحدث عن "سياسة هيدغيرية" ؟ سؤال مركزي حاول بيتر سلوتيردايك ، الإجابة عليه في محاضرة ألقاها شهر دجنبر 2004 بمدينة ستراسبورغ.
انطلق هذا الباحث، من أطروحة تتناقض مع شهادات كثير من الزملاء والتلاميذ وكذا الأقارب، الذين تمسكوا بصورة عن هيدغر تظهر انتفاء "أية علاقة له بالسياسة" ـ مما يفسر عدم تبصره سنة 1933 ـ فقد توخى  سلوتيردايك إظهار الوجود الفعلي لإشكالية سياسية في فلسفة هيدغر خلال المراحل الأولى.
بترخيص حميمي من الكاتب وناشره الفرنسي "مارين سيل"، ننشر  القسم الأول من مداخلته، حيث قام "أوليفيي مانوني"  بإنجاز ترجمتها عن اللغة الألمانية.
تجد الفلسفة الهيدغيرية ذاتها في سياق فلسفة نموذجية للتاريخ، أثناء  سنوات 1930، ينعتها سلوتيردايك ب " الواقعية الجديدة". فالدازين Dasein الهيدغيري ، سيتم التفكير فيه داخل مسار حقق مجموعة من التحولات جاء بها كل من ماركس و داروين و نيتشه ثم فرويد، يقود إلى واقع " يتأسس من الأدنى إلى الأعلى".
يقوم إذن السؤال السياسي، في إطار صعوبة توفيقية، بين مغامرة جديدة للكائن، محض فردية، مع حجم تاريخ فوق ـ فردي، "زمانية أنطولوجية لجماعة تستعملها من أجل حقيقة، تتوخى تجسيدها أو الحفاظ عليها".
" سياسة هيدغر"، هذا يشير كمرحلة أولى إلى مشاركة مفكر شاب،  في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى. رجل، طبعته الكاثوليكية القديمة، الوسط القروي، والجامعة، ثم ذلك الحدث الكبير لتاريخ الذهنيات، أقترح لتسميته تعبير " قيامة الواقع" . ليس هناك من شك، في ابتداء هذا الحادث فعليا قبل سنة 1918. يمكننا مثلا،  إظهار بأن ذلك أضحى بارزا بعد موت هيغل ، حينما دفع النزاع حول تراث الأستاذ، يسارا ميتافيزيقيا لكي يأخذ منعرجا ويضع على عاتقه مهمة جعل لغز الفلسفة شعبيا إلى أقصى حد. بناء على دعاية اللا-إيمان، فإن اللغز الأكثر حماية من قبل أساتذة الحكمة القدماء، تفشى في الوسط البورجوازي : الاكتشاف الباطني بعدم وجود إله أو آلهة. وبالتالي يشكل العالم الواقعي، حيث نقيم، الوجود الحقيقي. بالطبع، ليست لنا غير معرفة ضئيلة جدا بهذا الخصوص، لأن رؤيتنا التي تربت على التعالي تنساب عادة، دون إدراك للقوى المؤسسة للواقع.
على امتداد آلاف السنين، تركنا الشعب سواء بأفراده الساذجين أو المتعلمين، يفترض بأن هذا العالم الحقيقي المحتمل، يوجد في عالم آخر متعالي، لكن ها هي ساعة استرجاع الواقعي للحقيقي قد دقت وحانت. في هذا السياق، تمكنت اتجاهات حركة ما بعد ـ المثالية من وضع جدول أعمال يتمحور حول الهنا.
 أسماء الأربعة : ماركس ، داروين ، نيتشه ، وفرويد. أو أساتذة التفكير في القرن التاسع عشر، كما اعتبرهم "أوجين روزنستوك هيسي" سيرسمون، أهم أبعاد الأدب الواقعي الجديد القائم على الكشف : حينما تحدثوا عن الإنتاج المادي، حيوانية الإنسان، إرادة القوة، ثم أقنعة الليبيدو. فذلك، ليهذبوا فكر المحدثين على الإيمان بالقدرة الكلية وكذا الحضور المطلق لواقع يتأسس من الأدنى إلى الأعلى، بحيث تبقى دائما البنيات الفوقية في ارتباط مباشر تقريبا مع قوى القاعدة الضخمة.
علماء الفيزيولوجيا، ثم البراغماتيون وكذا الأنثروبولوجيون هم أساتذة الخلف والسلف. ينتشون بنظريات الأصل والسلالة والجنيالوجيات، التي ترى فينا ذواتا تنحدر من أسلاف مختلطين. في حين،  عمل البرغماتيون على انتشالنا من أوهامنا المتعالية. يتمثل الموضوع كل مرة، في الوصول إلى أرض الوقائع والقوى التي تنهض عليها مطلق ممكنات العصر الجديد. من الآن، نستخلص حقيقة الواقع من الأجساد، المال، إرادة القوة وكذا حركات هذه القوى الأساسية.
علينا، ربما العودة بقيامة الواقع إلى تاريخ الثورة الفرنسية. إبان، هذه اللحظة وللمرة الأولى منذ التوقف الكبير للمسيحية، سادت برغماتية ذات مسحة رومانية جديدة، تحولت إلى طريقة حياة le modusvivendi هيمنت على أوروبا. يقوم هذا المركز الخفي  في الباطنية الطبيعية للماركيز دوساد ، حيث تنكشف تلك الحقيقة الأخيرة حول المادة القادرة على الإسعاد، خاصة للعقول الحرة النادرة التي تصبح وسائل إعلام  حقيقية للطبيعة، ما إن تعلن اعتقادها بالجريمة التي تعتبر كأقصى تقنية للسعادة. من غير المفيد تفسير، لماذا النسبة الكبيرة من الواقعيين الجدد حتى ولو أضافوا صفة "جذري" إلى راياتهم، فقد ظلواعلى مسافة حيال هذا النوع من التفاقم.غير أن، ما يربطهم ثانية ب ساد Sade، هو الأفق الأنثروبولوجي الجوهري، الذي يحتم مساعدة الإنسان، المبدع والطموح كي يجد إشباعه داخل العالم.
لا يكمن دورنا هنا، أن نفسر بشكل دقيق كيفية دخول هيدغر في اتصال مع تيار الواقعيين الجدد. يمكننا، أن نأخذ إذن كما هو  التحول الذي عرفه من شاب مدرسي إلى آخر راديكالي. الذين فحصوا سيرته الذاتية، وقفوا على الانطباع العميق الذي تركته لقاءات هيدغر  الكاثوليكي مع أعمال لوثر  وكير كجورد أثناء الحرب العالمية الأولى. يظهر من المؤكد أيضا، قراءته ل دوستويفسكي  سنوات 1920، فأفاده ذلك كثيرا، مستعيرا بعض الدوافع  مثل الخوف والضجر. علينا إدراك خاصة، بأنه بعد قطيعة هيدغر مع أصوله في الدين والفلسفة المدرسية، تميزت أعماله الناضجة بتفخيم متطرف، وحضور قوي للمزاجية، لكنها تتماثل مطلقا مع الحقبة.
لم يكن قط المفكر، أكثر اقترابا من القطب المولد لطاقته المفهومية، إلا اللحظة التي اشتغل فيها على هجرة شبه أبدية للمعرفة المدرسية، مع دخوله الزمان المتمرد للدازين Dasein المعاصر. يتموضع هذا الدازين كليا، تحت الإضاءة المضطربة لارتباكه وهيجانه. أفصح المفكر، في هذا الشأن عن قوة تفسيرية تشكل أفضل شهادة عن عبقريته. مفهوم، الدازين أو الوجود - هنا، يتحمل على الفور تذبذب وعي بالزمان يتحقق بقوة. يعمل الوجود، في الأسلوب الواقعي الجديد، على إبراز الحركية ضدا على التعالي. ويمارس بالتزامه الذاتي، عدم خلوده. ثم، بانحداره من هذا العالم الثاني الذي أضحى حينئذ غير قابل لكي يدافع عن نظرية التباعد، فإنه يتوخى الانصهار مع تدفق وسيلان الحاضر (التعبير عن ذلك بنبرة لينينية : تحققه)، مندفع باستعداده الذاتي نحو الحقيقة، لكي يؤكد على انتمائه للعصر المتهور. تضخيم الخروج من العالم الآخر، ينفذ إلى طمأنينة بطولية، سمة لا تميز فقط الفكر الهيدغيري فترة الأوج، بل يمثل إحدى الخاصيات البارزة للممارسة الفلسفية، والإبداع الفني في أوروبا بين الحربين العالميتين. المفكر الذي سعى القيام بوساطة إعلامية لمهمته الطليعية، وأن يصير مكبر صوت بخصوص قيامة واقع يحتضن بشكل مضاعف "زمانه الخاص".
 من جهة، أكد هيدغر استعداده للانخراط والمشاركة في اضطرابات العصر. لكنه، من ناحية ثانية، يغرق في قلقه الانعزالي الذي هيمن على وعي سلوكه الخاص. يتسم إذن العنصر المميز لوجود يخضع جذريا للإثارة، بتمرينين للسلب. يتجلى المظهر الأول ، في افتقاد  مقبول، لموقع ثابت أمام الزمان الذي يعبره أو يمر خارجه، مادام وحدها الوضعية التي تنساب معه، يمكن الإقرار بها كنموذج إلزامي للواقعية المعاصرة. بينما يتجسد المنحى الثاني، في إقرار المفكر بالسلب النهائي لذات مؤجلة، ستحمل له موته الذاتي. لقد غير بذلك، فيلسوف الطليعة المنظور البورجوازي والأكاديمي لمقولة : (( أفكر، إذن أنا موجود. وبقدرما أنا موجود، أتملك ذاتي بيقين)) ضد المنظور البطولي/الفني ل : ((سأموت لكن، ليس الآن. أريد، القيام بشيء خالد خلال الزمان الذي تبقى لي)).
مثل كل الواقعيين الجدد للقرن التاسع عشر، الذين طوروا قيامة العمل والحيوانية. تميزهيدغر في مرحلته الواقعية الجديدة الصاخبة، تميز بقيامته المستندة على الزمانية الوجودية، ينفتح في إطارها معنى الوجود فقط، للوهلة الأولى بناء على كائن - للموت.
مع ذلك، لم يكن هيدغر  صائبا، في إعادة تجميع بطريقة مقنعة، التزمن الفردي للكائن من أجل الموت (وتعبئة ما تبقى له من وقت في حياته لمشروع تحتاج إليه الآنا) مع التزمن الجماعي، بالانتماء لجماعة، يغيرها التاريخ داخل العالم. حول هذه الإشكالية بالضبط، تبدأ سلسلة العمليات الذهنية، التي قد نسميها بنوع من المشروعية الموضوعية : سياسة هيدغر.
 يتعلق الأمر في هذا الصدد، كيف لي، أنا الفرد الملقى به داخل العالم أو العدم، معرفة كيفية التخلص من التقادم الذي يقودني نحو موتي الذاتي. أن أقتحم الزمان الذي يفصلني عن الموت حتى "أعبر" إلى زمان الحياة وتأسيس تاريخ  جماعي شامل.
إن مكتشف معادلة الوجود والزمان، مجبر على تفعيل انتقال لهذا النموذج. لأنه طبيعيا، لم يكن بإمكانه حصر الفرد داخل وجودية (يمكننا أيضا القول : الوصف الافتتاني) كائن – في - الزمان. بوجهة النظر تلك، فكتابه "الوجود والزمان" كما لاحظنا باستمرار، ليس له إلا وظيفة تهيئ. لكن، مفاهيم هيدغر خلال هاته الحقبة تميزت بالإبهام بخصوص الطريقة التي يمكننا بها التفكير لإدماج تاريخ الدازين في تاريخ  للكائن، بل وكيف نتمثل هذا الأخير كما هو. لكي يقود عمليته الحاسمة (تأهيل الزمانية عبر تحقق الذات أو "مشروع" دازين : Ek-statique) نحو أعمق يتطابق مع السيرورات التاريخية، الفوق ـ ذاتية، فإنه يظهر  نفسه مسؤولا عن التحقق من عقدة أو جماعة تمكننا من إدراك على نطاق واسع اتجاه التزمن الأساسي. من الضروري أن يكون ذك جماعة أو عقدة، تشكل بوجودها الواقعي شرطا لإنجاز مهمة تاريخية ذات طابع كلي، غير قابلة للتفويض أو الرفض.
هيدغر ، حسب ديلتاي Dilthey رائد نقد العقل التاريخي، يدرك سلفا لماذا الانتقال من زمان الفرد إلى زمان العالم لا يمكنه أن يحدث بطريقة مباشرة. وبالتالي،  لا يتم دائما إلا بشكل غير مباشر. إذا كانت المعرفة السيرذاتية الفردية تنطوي بالتأكيد على قدرة لإضاءة السيرة الذاتية الخاصة، كمجموع يفهم نفسه. فعلى النقيض، لا فرد له القدرة على أن يعيش ويحكي تاريخ العالم، مثلما يفعل مع سيرته الذاتية. عليك، أن تصير شخصيا فكر العالم حتى يحصل عندك حدسا بمجموع كائن يتغير بتاريخ وضعيته الحالية.
يتعلق الأمر إذن باكتشاف منفذ آخر، داخل التاريخ ما فوق ـ الفردي. نعرف، بأن هيدغر في سعيه لتحديد الزمانية الجماعية، فقد جرب  تتابعيا كثيرا من الحالات وكذا نماذج مختلفة جدا بل ومتعارضة. انطلاقا، من زمان للبدء ثانية وانقلاب الشعب الألماني، بالانتقال من زمان نضج الاشتغال الفني إلى غاية انتظار الصامتين بالريف، الذين يترقبون وحيا جديدا أو إلها أخيرا. هذا الإله سيضع ظهوره أو "مروره" نهاية لسلسلة القيامات اتجاه العالم الدنيوي. يتحدد الأمر  في كل مرة، بالنسبة للمفكر تشييد جسر بين الزمانين النوعيين. إذا كان هذا المعبر حقيقيا، فمن الضروري أن يؤسس انتقالا مستساغا بين الزمانية الوجودية للفرد المنقطع لموته الذاتي، ثم المشروع الذي عليه أن يخلقه قبل ذلك، ويتحمل مسؤوليته. ومن ناحية ثانية، فالزمانية الأنطولوجية لجماعة تخدم حقيقة، سواء بتحقيقها أو الحفاظ عليها، أو من أجل عمل يقوم بصياغة العالم.
سنلاحظ على الفور، الجانب التهكمي لهذا التحول. لقد حملت بالتأكيد الأنطولوجيا الوجودية، توضيحا خالدا حول النقطة التالية : يؤسس سلوك الفرد بنية زمانية فريدة، والتي بقدر ما هي وجودية، تميزت كليا، عن الزمان الفيزيائي والكوسمولوجي ثم الزمان الثري، كيفما كانت شروط الحضارة (حتى ولو كان على الطب المعاصر، أن يجيز مكتسبات جليلة جدا، لزمان الحياة). لكن هذا لا يقال، إذا توخينا الحصول على إثباتات واضحة جدا بالنسبة للبناء الزماني للعقد والجماعات. يبقى أيضا، سؤال المعرفة منفتح كليا إذا أمكننا في كل الظروف، القيام بتشكيل دائم لوظائف أخرى أو حركات تاريخية. ثم، إذا كان "التاريخ" في كليته مع المهام التي يستدعيها، لا يمكنه من ذاته الوصول إلى نهايته. من يستبعد، بأن التاريخ في مجموعه ينتقل إلى حالة أخرى، تكون بدورها أكثر قربا من الأزمنة الدائرية لتطورات الطبيعة والاقتصاد ؟ إذا كان هذا حقيقي، فإننا سنفقد أكبر قطب للحدث والتحول المبحوث عنه بين  الزمانين الفردي والجماعي، الذي أتلف في نطاق ما رأس العبور إلى الضفة الأخرى. أريد هنا تطوير الدليل، عن الارتباط الفعلي لكل ترددات هيدغر المنطقية والسياسية، بذبول المحور العمومي والجماعي للزمانية الأساسية.
يعرف منذ 1929 أو بعدها، بأن أشخاص الزمان الحاضر، لا يمكنهم في جميع الأحوال، تأكيد كونهم لازالوا يعيشون في "التاريخ" قدر اقتناعه، بعدم إمكانية بقائهم دائما أمواتا. أؤكد بأن أستاذ تودنبرغ Todtnauberg ـ مثل ألكسندركوجيف فيما بعد ـ كان قد اكتشف على طريقته "نهاية التاريخ" أو على الأقل الإمكانية الحالية لنهايته، وسأحاول تبيان ما هي المقاييس التي اتخذها للانفلات من نتائج اكتشافه هذا.
إذا حقا وجد شيء اسمه "سياسة هيدغر "، فذلك فقط في الطريقة التي من خلالها أوحى إلينا المفكر بمشاركته الفريدة إلى أبعد حد في رحيل الواقعية الجديدة خارج الأعراض المرضية الميتافيزيقية لأوروبا الشائخة. إذ أدركنا، بأن الفلسفة عاشت دائما على طموحها لاكتشاف حقيقة الواقع وضبطه بمصطلحات مفهومية، سنفهم بشكل أفضل لماذا كان على الفكر المعاصر امتلاك هذه القضية بطريقة صريحة أكثر من قبل، والارتماء بحماسة زائدة عن كل ما سبقه، في التنافس مع الواقعيات التي أعلنت عن نفسها منذ ذاك الحين عمومية. واقعية هيدغر  الطليعية، القائمة على المنطق الزماني، تظهر ببعد أكثر راديكالية، مقارنة مع باقي الواقعيات الأخرى. لأنه برؤيته، العنيدة ل الدازين  كوجود للموت، انتقل بالزمان الاعتيادي، المبتذل والهامشي بعد إذلاله ودحضه بشكل قصدي ما دام يمسك بالجزئي على حساب الكلي، ثم شيده على أرض سيادة الوجود المتحرك ؟ فهي باعثة مطلقة للأقدار، تحول للأشياء التي أخذت سابقا دورا واقعيا جدا، بل وحتى الزمان المدمر كعنف للتلاشي، يبدو الآن على منوال من يذهب في إطار تراجيديته المظلمة، إلى ما وراء الخطاب الهيغيلي حول التاريخ باعتباره مستودعا للأموات. لم يبق للفيلسوف أولا  أمام هذا الإلحاح،  غير دور المحرض البطولي : أي، الدازين الذي صمم على أن يكون ذاته، يحدد شكل قدرة الوجود المندثر والوجود المتحول داخل الزمان. لكن، كما قلنا، لا يمكن اختزال الزمان الوجودي إلى التباعد بين "لازالت هناك خطوة الآن"، ثم "الآن النهائي" لموته الذاتي. يتمثل الأمر بالنسبة للمفكر، في إعادة تشكيل  زمانية تتموقع فوق نزوعه الخاص نحو الموت، وإدماج هذه الأخيرة. بالضبط زمان " تاريخ"، علينا إظهار، أنه لا يجسد فقط تحولا تحطيميا للأفراد والأجيال، لكنه يقدم البراهين أيضا على إبداعيته وكونه صاحب مشروع. وبشكل أفضل، مثل وعاء يتضمن سيرورة حقيقة كلية. كما أوحى لنا بعد ذلك، بمفهوم عن تاريخ للكائن سيمكن هذا المبتغى desideratum  من التمفصل.
الترافع لصالح إبداعية هيدغر  المفهومية أثناء أقصى مرحلة ذكائه، لا يمكننا على الأرجح، تمديدها أبعد من سنة 1930، مع دخوله أفق أنطولوجية دراماتيكية للراهن  بعد الانتهاء من كتابه : "الوجود والزمان". السمة القوية للوجود - هنا l'être -là داخل زمان حاضر ومؤرخ، سيكتشفه هيدغر  حاليا فيما سماه .stimmungen : "خصائص عميقة".
الخاصية، حمام صباغة ينغمس فيه الوجود مبكرا جدا، بنوع من السبق والاختراق الكافيين، حتى تتمكن الصبغة التي اكتسبها من مجابهة كل شيء فردي كيفما كان، سيقدم نفسه بعد ذلك على طريقة الوجود المعطى موضوعيا. مهما التقيناه فيما بعد، تفصيليا، باعتباره موضوعا، حالة موقف ووضعية، فإن هذا لا يمكنه الظهور إلا من خلال تلون الصبغة التي تسبق (مباشرة) كل من توخى، التوجه إلى الإنسان بطريقة أكثر عمقا من صنيع الفلسفة التقليدية وامتدادتها داخل فلسفة الأنوار، عليه التموضع عند هذا المستوى ما قبل الموضوعي، ثم الشروع من هنا في الاشتغال على الخصائص العميقة. هذا يدنو بنا في الآن ذاته من القطب الكبير لمجرى التاريخ، مادام أن الصبغة العميقة قد تخبرنا عن مرحلة التاريخ (حتى وإن تعذر عليها توجيهنا نحو كيفية مساره وكذا غايته).
مع اكتشاف تيمة الصبغة، تحول الفيلسوف الأكاديمي إلى طبيب سريري ميتا- سياسي أو بالضبط : عالم نفس ومدرب، تكمن مهمته الأولى في تحضير مرضاه للعلاج وإثارة انتباههم بخصوص أحكامهم  القبلية، الأكثر مغالاة وحميمية حول الدازين في مجموعه، وخصائصه الوجودية. يقوم الإجراء تقريبا على مبدأ الطب التجانسي الذي وفقه من الضروري البدء بتهييج أعراض المرضى إلى حد الذروة قبل أن تأتي أزمة تحمل النهاية أو المنعطف. التشخيص دون انفلات للخطأ، حيث معاناة الإنسان المعاصر  من ذيوع معمم، شر يتجلى في عدم القدرة على اقتناعه حقا بشيء ما، يصاحبه نزوع لكي يركض مع الآخرين، ما إن ينبعث إحساس عمومي وجعل الأذن مستعدة لأية محاولة اقتناع.
في خطابه الجديد حول الخصائص العميقة، اكتشف هيدغر عمليا التغير الأنطولوجي لأعراض الحيوية القصوى وكذا الشخصية المتعددة. لكن مع ذلك، لا يميز إلا بطريقة سطحية حمولة  اكتشافه. إذا كان من اللازم، أن يصير المزاج العميق مهما، فلأنه يمفصل أول رباط إيجابي بين الوجود في زمانه الخاص والوجود داخل الحقبة. من جهة، يشكل الجسر المفتقد (أو على الأقل، نقطة الارتكاز لجسر محتمل) بين الفردي والجماعي، في نطاق انصبابه على فئة من الموجودين داخل وضعية زمانية مشتركة. ومن جهة  ثانية، يمنح توجها يسبق أية نظرية، لكن أيضا كل واجب، في نطاق كونه يقود إلى تخفيض مستوى تأسيسات توجهاتنا الذهنية، المرور من "مجرد" البداهة المنطقية والإيتيقية إلى بداهة وجودية مخترقة، أي الانفعال Ergriffenheit.
تعبير الانفعال، كما أصبح دالا عند هيدغر منذ نهاية سنوات 1920، يقصد به، كيف يمكننا التفكير، في أن قطب الكائن يستولي على الوجود. الانفعال، بخاصية عميقة أسعى إليها واعيا، هي في إطار ما صيغة قدرة امتثالي، لبداهة وضعية تحدد المستقبل منذ الماضي.
ما بين سنة 1928/1929، كان هيدغر عند نقطة أمكنه خلالها التفكير في إطالة عمله حول زمانية الوجود انطلاقا من محور كوني أبعد حقا من ولوج الحقول التي هيأت لعمله :الوجود والزمان. فهو يتوفر حاليا، على بنية مفهومية تمكنه من الربط بطريقة واعدة الدازين بالعقدة الجماعية زمان- مكان للقائم المباشر. واقعة بارزة، حيث يتعلق الأمر دائما بمفاهيم تخول تمييز الإقامة في حقبة بين مائين، لأن ما يمكن قوله للوهلة الأولى حول حاضره الخاص، هو الفراغ، الضجر، الغموض مع الافتقاد للأحداث الحقيقية. إذا استندنا إلى الصيغ التي ركز عليها هيدغر  سنوات 1920 حتى يحدد الوسط الجمعي، فسينتقل حينئذ إلى المكتشف الحقيقي وصاحب نظرية : ما بعد التاريخ. أوصافه المتعلقة بالوجود الزائف، في الفصول الشاذة حول الجماعية "On" الواردة في كتابه :الوجود والزمان. لكن أيضا تحاليله للضجر في درسه حول "المفاهيم الأساسية"، لا يترك أي شك بصدد النقطة : توجد عندنا، قضية تشخيص للحقبة من الطراز الأول. تصف هذه النصوص الوضعية الوجودية لأشخاص سقطوا خارج كل تاريخ عاقل. حينما نوجد اليوم، تؤكد الفلسفة الواقعية الجديدة، فإننا نصطدم في كل مكان بالتصنع الخالص، ونلاحظ انكشافا للآني في كليته داخل الفضاء "الدنيوي" الغامض.  



[1]  ـ  Peter Sloterdijk : La politique de Heidegger. Les collections du magazine littéraire – Hors, Série n° 9, 2006, PP :  42/45.

الجمعة، 22 يوليو 2016

حـنة أرندت ومارتن هايدغر.. قصـة حـب انتهـت بالفشل

شاكر نوري

تاريخ النشر: 01 أغسطس 2009

عند الاطلاع على  أرشيف الفيلسوف الألماني الشهير مارتن هايدغر، على قوة العلاقات العاطفية  التي كانت تربطه بالفيلسوفة الألمانية حنة أرندت ما بين عامي 1925 و1930.  ولعل أمر هذا الحب ظل غامضا بل ليس معروفا إلى حين تم نشر مراسلاتهما بين  الأعوام ورسائلهما المتبادلة للمرة الأولى في عام 1998.

وهي تمتد بين سنوات 1925 و1975. دار نشر غاليمار قامت بنشر نسخة من كتاب المراسلات، مصحوبا بـ 170 وثيقة، من القصائد والنصوص وبطاقات التذاكر وغيرها مما يخص العاشقين. ومراسلات حنة أرندت عديدة منها مع زوجها هاينيريش بلوشير، وكارل غاسبار، وماري ماكارثي، وكورت بلومينفيلد، وهيرمان بروش إلا أن مراسلاتها مع مارتن هايدغر تتميز بأنها تعكس أجواء التاريخ الثقافي للقرن العشرين. ظل الغموض يلف هذه المراسلات حيث كانت أرندت تحتفظ بنسخة من هذه المراسلات في غالبيتها. والسؤال المطروح هنا: هل عمدت إلى إخفاء رسائلها أو أضاعتها؟ كانت مراسلات هايدغر تتميز بالصبغة الإرشادية في تطور علاقتهما العاطفية في مدينة ماربورغ أولا، وثمة مسافة مفروضة عليه كما يبدو بحيث كان يطلب من آردنت أن تبتعد وتذهب إلى مدينة هايدلبيرغ من أجل الحفاظ على علاقتهما.


كانت الرسائل الأولى تتميز بالروح الحيادية لأنه كان يخاطبها بالشكل التالي: «عزيزتي الآنسة أرندت». ولكن الرسالة كانت تحمل توقيع: مارتن هايدغر الذي لك ـ 10 شباط (فبراير 1925. وسرعان ما تغّير إيقاع المخاطبة في الرسالة المؤرخة في 21 من الشهر ذاته لتصبح: «عزيزتي حنا» و«مارتن الذي لك».وفي 27 من الشهر ذاته، كتب لها قائلا «الشيطان...... في داخلي»وتجيبه آردنت بنص عنوانه «ظلال»، وهو يتعلق بسيرتها الذاتية، وتشرح له ضجرها ومخاوفها الطفولية. وكان كل واحد من العشيقين يبذل جهودا من أجل التعبير عن تاريخ حياته. هايدغر متزوج أرندت تعيش في غرفة الخدم أي غرفة «فوق السطوح"التي يعيش فيها الطلبة. وكانا يلتقيان في الحدائق والفنادق، وتميز هذا الشغف بطبيعة فلسفية حيث تختلط أحاديث القلب بأحاديث الفلسفة وبالحوارات الطويلة التي تربط بينهما ومشاغلها حول عملهما الفلسفي.

كتاب هايدغر الشهير «الوجود والزمن» صدر في عام 1927 وآردنت تعيش مباشرة الفلسفة التي تعلمتها من هايدغر. ففي ابريل/ نيسان من عام 1925، يتهّيج هايدغر ويتصل بأرندت ويناديها ب«محبوبتي"ويتمنى لها ليلة هانئة ويوقع رسائله «مارتن الذي لك». وفي 13 من شهر أيار يكتب لها قائلا «أشكرك على حبك». وفي 14 من شهر يونيو/ حزيران، تستلم أرندت رسالة منه يقول فيها «لا شيء يفصل بيني وبينك». وفي تاريخ 26، يدشن العاشقان طريقة جديدة من المراسلات ويبدأ بدعوتها إلى مواعيد محددة، قائلا لها «أطلب منك المجيء لرؤيتي في 28 يونيو الأحد بعد الساعة التاسعة... ألف قبلة».

وهكذا في ال17 من يوليو/ تموز كتب لها «هل تريدين المجيء لرؤيتي مساء هذا الأحد... 19 يوليو... سأكون متمتعا للغاية في ساعات اللقاء هذه». وفي ال18أكتوبر/ تشرين الاول يبعث إليها برسالة عنوانها «قبلة الحب». وفي ال10 من ديسمبر يكتب لها قائلا «يا محبوبتي، تعالي، أتوسل إليك، غدا الجمعة، نحو الساعة الثامنة والربع مساء للالتحاق بي على مقعد حديقتنا... وسأكون سعيدا مسبقا». وعلى الرغم من الكيلومترات التي تفصل بينهما، يكتب لها هايدغر بأنه «بأنني أعيش في حاضرك على الدوام». وفي إحدى الرسائل النادرة التي تكتبها له آردنت في مراسلاتهما، تقول له «أقبل جبهتك وعينيك... حنة التي لك».

وفي هذه المرحلة يعيش العاشقان أوج حبهما بل وأن آردنت كانت تعتقد بأنها امرأة حياته، وهي كذلك. لكنها لم تطلب من الفيلسوف هايدغر أن يطلق زوجته الشرعية بل كانت تحلم أن يأخذ المبادرة في هذا الشأن.

وهذا ما لم يتحقق. ولكن هناك عددا من أصدقاء أرندت دون أن يعرفوا علاقاتهما، يحذرونها من مشاعر هايدغر المعادية للسامية لأن أرندت كانت تنتمي إلى الديانة اليهودية. علاقتهما استمرت حتى عام 1933، وهي ترى هايدغر ينتمي إلى الحزب النازي. وهذا ما أصابها بجرح روحي، نتيجة الكراهية التي تولدت في قلب الفيلسوف إلا أنها ظلت متعلقة به.

من المؤكد أنها تبقى تلتقي بهايدغر في عام 1933 الذي ظل عضوا في الحزب النازي حتى النهاية فيما تغادر هي ألمانيا وتعيش المنفى في باريس حيث تبقى حتى عام 1941 قبل أن ترحل إلى الولايات المتحدة. ومما شك به، إنها تعرف جيدا «خطاب عمدة الجامعة"حيث كان هايدغر يدرس في جامعة فريبورغ حيث يوضح فيه علاقته بالحزب القومي الاشتراكي أي النازي. وكانت على علم بأن هايدغر لن يحضر تشييع أستاذها أدموند هوسريل الذي كان يهوديا.

في سنوات 1936 و1937، كانت زوجة هايدغر، ألفريد، هي الأخرى تنتمي إلى حزب هتلر لكنه أخذ يبتعد عن النازية ويكرس حياته للفلسفة. وعندما فك ارتباطه بالنازية، تم حرمانه من التدريس في الجامعة طيلة خمسة أعوام. وأثناء زيارة آردنت في عام 1950 إلى ألمانيا، قامت بزيارته، ويصبحان صديقين من جديد كما تكشف مراسلاتهما المنشورة.
وتعتقد أرندت ان هايدغر لم يكن نازيا أبدا، وهو كان يتظاهر بذلك إلى درجة أنها قامت بالتوسط في نشر أعماله في الولايات المتحدة بل وأجهدت نفسها من أجل إزاحة هذه «التهمة"عنه. وتعترف بأن كتابها «وضع الإنسان الحديث"بأن الفضل في تأليفه يعود إلى فكر هايدغر.
وفي عام 1974، أي قبل عام من وفاتها، كتبت له قائلة «لا أحد يستطيع أن يقوم بتدريس محاضرة كما تقوم أنت به ولم يستطع ذلك أحد قبلك».

كان هايدغر، قبل كل شيء، أستاذها وصديقها قبل أن يتحول إلى عشيق لها بل كان بمثابة الحامي لها. وأثناء لقائهما في مدينة ماربورغ في عام 1925 حيث كان يدرس في جامعتها، وقف الجميع ضدهما.

كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وهو في الخامسة والثلاثين من عمره. كان يعتبر الساحر الصغير في قريته الصغيرة. أنه كاثوليكي، وهي تنحدر من عائلة يهودية. هو ألماني من الجنوب، وهي من مدينة كروغسبيرغ. كان هايدغر هادئا في حين كانت هي مضطربة منذ وفاة أبيها عندما كانت في السابعة. وكانت ساذجة في الحب وهايدغر أول عشيق لها، بل أنه يسحر جميع الطلبة. ولكن هذه العلاقة لم تخرج إلى العلن إلا في عام 1949 عندما تحدثت آردنت عنها إلى كل من كارل غاسبار وماري ماكارثي.

وتكشف رسائلهما عن الخلفية التي كان يفكر بهما الفيلسوفان العاشقان في فترة من أشد الفترات صعوبة وتعقيدا في التاريخ، سنوات حكم النازية: المنفى والنازية ومعاداة السامية واليهودية وغيرها من مفاصل التاريخ التي فرضت نفسها آنذاك.

وكانت علاقتهما محاطة بسرية كاملة، لم يكشف عنها أي من الطرفين، وتفرض عليهما أن يفكرا بجملة من المفاهيم حول العلاقات الإنسانية. كانا طيلة صيف عام 1951 يتناقشان حول «بهجة المعرفة» للفيلسوف نيتشه. وكانت علاقتهما محاطة بنوع من الابتعاد عن ذكر التفاصيل المتعلقة بالحياة الداخلية للعشيقين. وكما يعترف هايدغر أن غالبية الوقت كانا يتحدثان ولم تنقطع رسائلها.
تقول الفيلسوفة حنة أرندت:

«إن فعل التفكير بحد ذاته عملية خطيرة، ولكن ألا تفكر هو أكثر خطورة». هكذا تشرح الفيلسوفة في لقاء تلفزيوني قبل وفاتها في 4 ديسمبر/ كانون الاول من عام 1975 حياة بكاملها قابلة للتقلب. وهذا ما يشرح اللقاء بين طالبة في الثامنة عشرة من عمرها وبين فيلسوف مثل هايدغر. ولعل طفولتها تفسر كثيرا سّر هذه العلاقة. فقد ولدت في عام 1906 في لينيندن، بالقرب من هانوفر في وسط فكري مثقف.

ولكن مرض أبيها النفسي والعقلي جعلها تهرب في عمر الثامنة نحو برلين أثناء الهجوم الروسي في عام 1914. وتطورت المراهقة بسرعة كبيرة. فهي طالبة ذكية، اختارت أن تدرس الفلسفة واللاهوت، وتواصل محاضرات هوسريل في جامعة فريبورغ ومحاضرات غاسبار في هايدلبيرغ، ومن ثم نشرت أطروحتها حول مفهوم «الحب عند أوغستين» في عام 1929.

وبعد ذلك بعام، نشرت مقالاتها في برلين مع غونتر شتيرن الذي تتزوج منه بعد فترة قصيرة. ويظهر لها صديقان هما: هانز جواناس ووالتر بينجامين. مما لا شك فيه أن استيلاء النازية على الحكم وتزايد صعود نعرة معاداة السامية في ألمانيا قلبت حياتها رأسا على عقب بل جعلتها تلك الأحداث تتجه نحو الصهيونية وتدرسها دون الانتماء إليها لكنها عملت في الجمعيات اليهودية التي تدافع عن حقوق الإنسان. وفي عام 1933، يتم توقيفها مع أمها ويتم استجوابهما. وبعد ذلك تغادر ألمانيا إلى براغ وجنيف وباريس. ويلتحق بها زوجها.

وفي باريس تلتقي بكل من والتر بينجامين وجيرشوم شوليم وتتعرف على ريمون آرون. وفي عام 1936، التقت بهانيريش بلوشير الذي أصبح زوجها الثاني في عام 1940 إلا أن السلطات النازية أوقفتهما وأودعتهما في معسكرات فيرنيه وغارس. ولكنهما تمكنا من الفرار إلى مرسيليا، والوصول إلى لشبونة وإلى الولايات المتحدة فيما بعد.

وفي هذه الأثناء، طرد بينجامين نحو الحدود الذي وضع حداً لحياته بالانتحار. وبمساعدة ماكس برود، تجد وظيفة في عالم النشر حيث تقوم بنشر مذكرات كافكا وشولوم وبيرنار لازار وغاسبار. وكانت في هذه الفترة تحضر لكتابها الكبير «أصول التوتاليتارية"الذي صدر في عام 1951 في الوقت الذي كان فيه هذا المصطلح ما يزال جديدا. ومن ثم تتوالى كتبها في الصدور"وضع الإنسان الحديث «1958 و«أزمة الثقافة «1961. وفي عام 1961 تعمل لصحيفة «نيو يوركر"محاكمة ايخمان في القدس والكتاب الذي تؤلفه عنه يثير جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والسياسية. ولعل ما يثير في كتاباتها أنها ربطت بين المعاش والحدث والفكر.

يعود الفضل في المحافظة على الرسائل المتبادلة بينها وبين هايدغر إلى حنة أرندت لأنها كانت تسلم منها نسخة إلى الأرشيف.

هل كانت ترغب في نشر هذه المراسلات؟

على أية حال، كانت قد اتفقت مع هايدغر على عدم تمزيق الوثائق الشخصية. ويؤكد ابن الفيلسوف، هيرمان بأن مثل هذا الاتفاق كان قد عقد بينهما. ويبدو أن الفيلسوف لم يحتفظ الرسائل الأولى المتبادلة بينهما.

وفي المرحلة الأولى من مراسلتها، وبعد أن يعين عميدا للجامعة، يدافع فيها عن تهمة معاداة السامية التي ألصقت به، وكان ذلك يعني تعكير صفو علاقته بأرندت. كان ذلك في عام 1932 و1933. والمرحلة الكبيرة من مراسلاتهما تبدأ في 7 فبراير/ شباط من عام 1950. في المساء، قام هايدغر بزيارة إلى حنة أرندت في فندقها في فريبورغ بعد أن أشعرته بوجودها في مدينته. وتؤكد الوثائق المتوفرة من عام 1950 حتى 1954 بأن جو الثقة عاد إلى علاقتهما من جديد بدون أية كلمة عتاب.

كما تكشف هذه الوثائق تفاصيل هامة في سيرة حياة الفيلسوف في بداية الخمسينات. ولم يتقابل العشيقان من عام 1952 حتى عام 1967 لأسباب متعددة أهمها الغيرة الأنثوية التي أظهرتها زوجة هايدغر، ألفريد، والعلاقة المتوترة بين هايدغر وزميله الفيلسوف كارل غاسبر. إضافة إلى أن العاشقين كانا عاكفان على تأليف كتبهما الأساسية وما يتولد عن ذلك من تبادل البحث والنقد.
وفي عيد ميلاد الفيلسوف الثمانين، كتبت أرندت «بأنها تعلمت التفكير من «المعلم»، وتقول في كلمتها «بعد خمس وأربعين لا زلت أفكر بك كما كنت على الدوام». وقبل هذه الاحتفالية، قامت مع زوجها بزيارة الزوجين هايدغر. وقبل الذكرى الثمانين، مات كارل غاسبر.

وفي عام 1970 ودعت زوجها، فتتحول مدينة هايدغر إلى نقطة لقاء بينهما. وكانت تتوقف في هذه المدينة لفترة من الزمن عندما تأتي إلى أوروبا في سنوات السبعينات، وهي تقول عن هايدغر «أسئلتك ترافقني على الدوام». وتضيف «أرجو أن تتحدث لي عن أعمالك وإلا فإنك ستحرمني من التعلم منك». وفي كتابه الشهير «كانط ومشكلة الميتافيزيقيا»، أهدى لها نسخة كتب فيها إلى حنة آردنت... أحييها من صميم القلب ـ مارتن هايدغر».

وعلى الرغم من ذلك، وجدت حنة آردنت في هاينريش بلوشير الصديق والعشيق والمتعاون والموحي والزوج في آن واحد. وجرت بينهما مراسلات مهمة من 1936 حتى عام 1968. إضافة إلى مجموعة من المراسلات مع كورت بلومنفيلد وماري ماكارثي وكارل غاسبار، وهي على درجة كبيرة من الأهمية. وهنري بلوشير على درجة كبيرة من الثقافة الواسعة والمعرفة الدقيقة بتاريخ الفن.

وفي الحقيقة أن الفيلسوفة حنة أرندت ولدت في هانوفر من عائلة فنية يهودية، ومن ثم واصلت دراستها في برلين وماربورغ وفبريبورغ وهايدلبيرغ. وتتلمذت على أيدي اكبر ثلاثة فلاسفة: هايدغر وهوسريل وغاسبار.

وفي عام 1933 كانت في ال27 من عمرها عندما شب حريق ريشتاج، كانت تقوم ب«أعمال غير شرعية"أي معادية للنازية مع زوجها الأول غونتر ستيرن وقدمت الدعم للشيوعيين بالفرار من ألمانيا. ويتم توقيفها لبضعة أيام ثم تتمكن من الفرار إلى فرنسا حتى عام 1951 حيث تحصل في هذه السنة على الجنسية الأميركية.

وفي باريس تتعرف على كل من بيرتولد بريشت وستيفان زفايج ووالتر بينجامين. وفي عام 1937، تلتقي بزوجها هاينريش بلوشير الذي كان ينحدر من عائلة عمالية وينتمي إلى الحزب الشيوعي الألماني. وفي عام 1940 يتزوجان في 16 يناير/ كانون الثاني بعد رحلة شاقة من الهرب من فرنسا حيث كان زوجها رهن معسكرات الاعتقال إلى إسبانيا ومن ثم إلى لشبونة ومن بعد ذلك الرحيل إلى أميركا. ولكنهما لم ينقطعا عن زيارة أوروبا باستمرار حيث زارا في عام 1969 مارتين هايدغر.

زوجها توفي في عام 1970 وهي توفيت في عام 1975 ودفنا سوية. وكان هذان الزوجان يشكلان نموذجا لامرأة فيلسوفة معروفة ورجل يعمل في الظل مثل قائد الأوركسترا، يشبه إلى حد ما الرجل المختفي في الظل والذي يحرك لعبة الفلسفة بطبيعة. وكثيرا ما كان يختار زوجها مهنة «محرك الدمى» في أوراقه الشخصية كما تؤكد جوليا كريستيفا. ولم يقتصر زوجها على الحديث عن روزا لوكسمبورغ وبوخارين وقراءة ماركس ولينين بل دفعها إلى نقد الماركسية التقليدية من خلال تحطيم الأوهام الميتافيزيقية والأنظمة المغلقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: البيان 



عندما عصف الحب بين هيدغر اللاسامي وحنة أرندت اليهودية

موريس أبوناضر 

تاريخ النشر: 24 نوفمبر 2014

قد تكون الرسائل المتبادلة بين الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر وحنة أرندت التي أصدرتها «دار جداول»، بترجمة حميد الأشهب من الألمانية الى العربية، من أجمل النصوص في الأدب الفلسفي. يتفق معظم المفكرين الغربيين على أن هيدغر هو من أهمّ فلاسفة القرن العشرين، وينظرون الى كتابه «الوجود والزمان» على أنه من أهمّ الكتب الفلسفية التي تناولت الجانب الأنطولوجي في الفلسفة. كان مارتن هيدغر متزوجاً وله ولدان عندما ظهرت في حياته فتاة تسمّى حنّة. كانت في الثامنة عشرة، بينما كان هو في السادسة والثلاثين. كان هو أستاذاً في جامعة فريبورغ بينما كانت هي تلميذة درست عليه الفلسفة، ثمّ تطوّرت العلاقة بين الأستاذ وتلميذته الى عاشق وعاشقة يعيشون الحب كما يعيشه الفلاسفة.

كانت حنّة يهودية طاردتها النازية فهربت الى فرنسا، ومن هناك سافرت الى الولايات المتحدة حيث تزوجّت وعملت واشتهرت كفيلسوفة في الفكر السياسي. أما هيدغر فتعاطف مع النازية فترة طويلة من حياته، تسلّم أثناءها عمادة الجامعة، ثم صرف منها بعد الحرب، ومنع التدريس. لكن شهرته كأستاذ وفيلسوف لم تسمح لأعدائه بتحقيق غاياتهم بعزله نهائياً عن المجالات الثقافية. استمرّت العلاقة بين الأستاذ وتلميذته بعد الحرب العالمية الثانية، واستمرّت الرسائل بينه وبينها، وكانت له خير سند في معاركه السياسية والفلسفية الى أن توفّي بعدها بعام أي 1976.

تتشكّل العلاقات العاطفية بين هيدغر وأرندت من ثلاثة فصول: بدأ الأوّل في شباط (فبراير) من عام 1925 عندما كتب لها الرسالة الأولى من بين سبعين رسالة يضمها الكتاب الذي قامت بترجمته دار جداول، يعبّر فيها عن حبه لأرندت بإيحاء وخفر، طالباً منها إقامة علاقة خاصة تكون بسيطة وصافية، مؤكّداً لها أنه، وإن لم يكن من حقّه الاحتفاظ بها لنفسه، إلا أنه واثق من أنها لن تخرج يوماً من حياته. يكتب هيدغر لحنة في رسالة شباط من عام 1925 «لا بدّ أن يكون كل شيء بيننا وببساطة واضحاً ونقياً. لقد حصل لنا الشرف بالتعرف على بعضنا البعض، وأن تصبحي طالبة لي، وأن أصبح أستاذاً لكن ما هو إلاّ سبب لما حصل لنا. لن أستطيع امتلاككم أبداً، لكن ستنتمين من الآن فصاعداً الى حياتي وسينمو هذا الأمر فيك». ويكتب في رسالة من الشهر نفسه «لماذا يكون الحب فوق طاقة كل الإمكانيات الإنسانية الأخرى، ويكون ثقلاً حلواً بالنسبة للمعني بالأمر». ويكتب لها في نيسان (أبريل) من السنة نفسها «عندما سلّمتك المخطوطة اليوم غمرتني فرحة عارمة الى درجة أنني أصبحت دون حيلة ولا عون. لقد سلّمت لك جزءاً من روحي شيئاً قليلاً لحبك، وقد أتى شكرك اللطيف على الأخضر واليابس داخلي».

تميّزت الرسائل الأولى التي كتبها هيدغر الى أرندت بنوع من الحياد لأنه كان يخاطبها «عزيزتي الآنسة أرندت» لكن مالبث أن أخذ يخاطبها «عزيزتي حنة» و»مارتن الذي لك»، و»محبوبتي». يكتب لها في أيار(مايو) من العام نفسه «أشكرك على حبك» ثم يعود ويرسل إليها رسالة أخرى يقول فيها «لا شيء يفصل بيني وبينك»، وأخرى يدعوها فيها الى مواعيد محدّدة «أطلب منك المجيء لرؤيتي في 28 حزيران (يونيو) الأحد بعد الساعة التاسعة ...ألف قبلة «. ويضيف: «إذا كان النور مشتعلاً في غرفتي، فإن ذلك يعني أنني منشغل بموعد آخر. في هذه الحالة، وهذا أمر مستبعد تعالي يوم الأربعاء في الوقت نفسه». أما رسائل أرندت إلى هيدغر وعلى رغم قلّتها فهي تعبّر عن حبّ جارف، وتعلّق بالإستاذ الذي بهرها بعلمه وشخصيّته، فتعترف له بأعزّ ألأمور التي تحياها وتحدث لها. تكتب له في نيسان من عام 1928 «ما أودّ أن أقول لك ما هو في العمق إلا عرض واع للوضع. إنني أحبك كاليوم الأوّل، وهذا أمر تعرفه، وكنت أعرف هذا قبل لقائنا من جديد. إن الطريق الذي أرشدتني إليه هو أطول وأصعب مما كنت أعتقد» ثم توضح في الرسالة نفسها: «سأفقد حقي في الحياة لو فقدت حبي لك». وتكتب له عام 1929 «وهكذا أتوجّه إليك اليوم بالثقة القديمة وبالطلب القديم: لاتنسني ولا تنس أنني أعرف بعمق بأن حبّنا قد أصبح نعمة حياتي». في القصل الأول من علاقاتهما الغرامية تتواصل اللقاءات خلسة تارة في بيته، وتارة في الكوخ الذي يملكه في الغابة السوداء، ومرة ثالثة في الحدائق والفنادق. ولكن مالبث أن انكشف أمر العلاقة في أعين زوجته الغيور، فطلب هيدغر من أرندت الانتقال الى جامعة هايدبرغ حيث صديقه الفيلسوف الوجودي المعروف كارل ياسبرز. وقد ظلّت الرسائل متواصلة بينهما، تجمع بين تدفّق العاطفة وهموم الفلسفة وإشكالات الفكر.

في الفصل الثاني من علاقة هيدغر بأرندت الذي ابتدأ عام 1933 سنة اعتقالها على يد النازيين وفرارها الى فرنسا تنقطع الرسائل بين العاشقين، بخاصة أن هايدغر تقرّب من النازية، وعيّن رئيساً للجامعة، قبل أن يستقيل منها ويعتزل في بيته في الغابة السوداء، ممنوعاً من التدريس بعد هزيمة بلاده.

يبدأ الفصل الثالث من علاقة هيدغر بحنة أرندت بعد سنوات الحصار المفروض عليه، إذ تعيد الاتصال به في شباط (فبراير) عام 1950. يلتقيان في فندق صغير في مدينة فريبورغ الألمانية بعد لحظة عتاب قصيرة تعود المياه الى مجاريها. يكتب لها في هذه المناسبة: «لنا يا حنة ربع قرن يجب أن نسترجعه أودّ أن أعرف أكثر عن طريقك الحالي وعن أعمالك». بالفعل تكشف الوثائق أن العاشقين كانا يعملان كما ذكر هيدغر، هو على كانط، وهي على التوتاليتارية، ولم يتقابلا بعد لقائهما الأوّل لأسباب متعدّدة أهمها الغيرة الأنثوية التي أظهرتها زوجة هيدغر، والعلاقة المتوتّرة بين هايدغر وزميله كارل ياسبرز، إضافة إلى مشاغلهما العائلية. يكتب هيدغر لحنة قائلاً: «سأرسل لك الكتاب حول كانط ومجموع ما اشتغلت عليه حول هولدرلين كتحية بمناسبة عيد الميلاد». وتجيبه حنة في الموضوع نفسه: « لقد طلبت من الناشر أن يرسل لك كتاباً لي، وأودّ أن أقول كلمة في هذا الأمر. ستلاحظ بأن الكتاب لا يحتوي إهداء. لو أن الأمور كانت مرّت بيننا في أحسن الأحوال - أعني بيننا إذن لا أنت ولا أنا - لكنت قد سألتك إذا ما كنت تسمح لي أن أهديك إياه. تحقّق هذا الكتاب من الأيام الأولى في فرايبورغ مباشرة، وإنه مدين لك في كل اللحظات بكل شيء».

تغلب في الرسائل المتبادلة بين هيدغر وأرندت لغة الفكر والتجريد والتعبير الموارب، وإن لم تغب حرارة العاطفة ودفء الحب. رسائل كانت بالنسبة إلى هيدغر وسيلة للتعبير عن حبه الصعب لتلميذة يهودية تتلمذت على يديه في زمن صعود النازية، وكان بالنسبة إلى أرندت أداة للتعبير عن تعلّقها بـ «المعلم» كما كانت تسمّيه. المعلم الذي تعلّمت على يديه كيف تفكّر، وكيف تحبّ.
ــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة

هيدجر: جدل الفن والحقيقة

مجاهد عبد المنعم مجاهد 

لقد غرق الإنسان في عالم الأشياء .. نسي نفسه وسلبته الأشياء نفسه . نسي حقيقة جوهره، وفقد إنسانيته، وفقد تواصله الإنساني، وانفصل الإنسان عن الإنسان، ولم يعد الإنسان إنسانا، وطرد من ذاته فأصبح اللامأوي هو سكناه وهكذا اغترب الإنسان .. ومارتن هيدجر يريد لهذا الإنسان أن يعود الي جوهره وإنسانيته وحدد رسالته ووسيلته في هذا وهي أن نحل امتلاك الإنسان للأشياء بدل أمتلاك الأشياء للإنسان .. والفن هو احدي الوسائل التي يلجأ اليها الإنسان لكي يتحرر من رق الأشياء ..

في عالم الأشياء الجزئية نكون في العالم المزيف وعندما نصل الي الكل القائم علي الحقيقة والحق نتحرر من هذا العالم الجزئي المتشيء  ونصل الي ذروة الحرية ويتمكن الإنسان من أن يجد ماواه  الحق بدل أن يكون المطرود دوما .. فالمهم تاسيس الحقيقة وهذا التأسيس هو الوجود الحق وهذا الوجود الحق هو موضوع الفن ورسالته.

ان العمل الفني عند هيدجر ليس انتاج ذاتية جزئية تكون حاضرة في أي وقت، انه بالعكس انتاج الماهية العامة للشيء .. وسط التشتت الذي تحدثه الأشياء ليستخلص الفنان الكلي والحقيقي فهو اذن يجمع المفقود . اذن في العمل الفني هناك شيء ما آخر يتجمع مع الشيء المصنوع ... اذن جوهر الفن هو أن تكون به حركة لكن هذه الحركة لا يجب أن تكون من الشيءالي  العمل بل من العمل الي الشيء .. يجب أن يكون الاتجاه من الجوهري إلي الأشياء لنضفي عليها الجوهري بدل أن نتجه من الأشياء فنطمس الجوهري ونشيؤه .. وبهذا نصل إلي حقيقة الوجود .. ولهذا فان الفن يفتح كوة ينفذ منها الوجود وتنفذ منها الحقيقة . فالعمل الفني يفتح بطريقته الطريق لوجود الموجودات وهذا الكشف يحدث في العمل .. في العمل الفني فان حقيقة ما هو موجود تعمل . ان الفن هو الحقيقة وقد أطلقت نفسها للعمل.

ان الفن اذا عبر عن الجزئي والحسي والسطحي غرق في التشيؤ وعشنا حالة الاغتراب وبعدنا عن رسالته وجوهره ونكون ازاء فن مزيف .. وعلي هذا ينص هيدجر علي أن الفن يعمل شموليا وكليا .. وبهذه الشمولية والكلية يقضي علي الاغتراب ويقضي علي الحالة الزائفة للأشياء ويحدث انفتاح الحقيقة وبانفتاح عالم فان كل الأشياء تكتسب ابتعادها ودنوها، مداها ومحدودياتها، وفيه تتجمع المسافات ... ان العمل الفني يفتح المسافة التي هي تحرير والفن هو الاحتفاظ الخلاق بالحقيقة في العمل . فالفن هو صيرورة وحدوث الحقيقة .. وهذا الحدوث هو فعل .. ان الفن صراع حتي تبزغ الحقيقة .. ذلك أن طبيعة الحقيقة هي الصراع الأولي الذي فيه يجري كسب ذلك المركز المفتوح .. والعمل هو خوض المعركة حيث يجري كسب لا تحجب الموجودات ككل .. ان عالم الأشياء حجاب والحقيقة مختفية خلف الحجاب ولابد من ازاحة حجاب الأشياء حتي تظهر فالحقيقة لا تمثل الا كصراع بين النور والاخفاء في التعارض بين العالم والأرض .. العالم رمز التكشف والأرض رمز التخفي .. والفن عند هيدجر بهذا كما تصوره الفنان دورر : " في الحقيقة الفن يكمن خفيا في الطبيعة، ومن ينتزعه منها يمتلكه ".

ان هيدجر شأن فلاسفة الجمال العظام يحدد الفن برسالته حيث أن ماهيته قائمة في وظيفته ولهذا يقول : " ان العمل الفني لا يكون له تأثير فعلي كعمل الا عندما نبعد أنفسنا عن روتيننا اليومي ونتحرك الي ما ينكشف في العمل حتي يجعل طبيعتنا الخاصة تتخذ لها مكانة في حقيقة ما هو موجود " .. اذن هو انقاذ للإنسان للخروج من حالة اغترابه .. وهذا يعني ان يسكن الإنسان بشاعرية علي الأرض .. فليست الشاعرية تحليقا ولكنها تأسيس الجوهري . فالعودة الي الجوهري والينبوع والبيت والوطن هي عودة الي الإنسان .. وهذه العودة هي عودة شاعرية لأن الشعر هو تاسيس لانسانية الإنسان .. وطبيعة الفن كله هي الشعر وطبيعة الشعر هي تاسيس الحقيقة والتأسيس لا يكون فعليا الا في الحفاظ والحفاظ هو اظهار الوجود بجعله يوجد .. ولهذا فانفتاح الوجود هو جوهر الحقيقة وجوهر الفن .. وبهذا تظهر الحرية .. وبهذا تمتلكنا الحرية لا أن نمتلكها ..

ويحذرنا هيدجر من الخبرة الجمالية فالخبرة عنده هي العنصر الذي فيه يموت الفن .. فالخبرة ذاتية والذاتية ضد الحقيقة لأن الحقيقة كلية لأنها حقيقة الوجود الذي هو تكشف وتجاوز ولهذا فان طبيعة الفن هي هكذا : حقيقة الموجودات تطلق ذاتها في العمل الفني .. والعمل الفني يفتح المسافة التي هي تحرير وبهذا يصبح الفن كله شعراً لأن الشعر هو انفتاح الوجود وهو الذي يحمل الإنسان علي الأرض ويحمله الي السكن . بل ان الشعر هو الاعتراف الأصلي بالسكن وعندما يظهر ما هو شاعري الي النور حيئنذ فان الإنسان يسكن بإنسانية علي هذه الأرض . وكتابة الشعر ليست اساسا علة لقرح الشاعر، بل بالأحري ان كتابة الشعر هي نفسها فرح، ابتهاج، لأنه في الكتابة تتألف العودة الرئيسية الي البيت والي الوطن والي الينبوع والي الإنسان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرجع: إبعاد الاغتراب فلسفة الفن الجميل، تأليف: مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة للنشر والتوزيع، صص90:87.