الأحد، 27 نوفمبر 2016

هيدغر والرؤية السياسية[1]

بقلم  :بيتر سلوتردايك

ترجمة: سعيد  بوخليط.



بأي معنى يمكننا التحدث عن "سياسة هيدغيرية" ؟ سؤال مركزي حاول بيتر سلوتيردايك ، الإجابة عليه في محاضرة ألقاها شهر دجنبر 2004 بمدينة ستراسبورغ.
انطلق هذا الباحث، من أطروحة تتناقض مع شهادات كثير من الزملاء والتلاميذ وكذا الأقارب، الذين تمسكوا بصورة عن هيدغر تظهر انتفاء "أية علاقة له بالسياسة" ـ مما يفسر عدم تبصره سنة 1933 ـ فقد توخى  سلوتيردايك إظهار الوجود الفعلي لإشكالية سياسية في فلسفة هيدغر خلال المراحل الأولى.
بترخيص حميمي من الكاتب وناشره الفرنسي "مارين سيل"، ننشر  القسم الأول من مداخلته، حيث قام "أوليفيي مانوني"  بإنجاز ترجمتها عن اللغة الألمانية.
تجد الفلسفة الهيدغيرية ذاتها في سياق فلسفة نموذجية للتاريخ، أثناء  سنوات 1930، ينعتها سلوتيردايك ب " الواقعية الجديدة". فالدازين Dasein الهيدغيري ، سيتم التفكير فيه داخل مسار حقق مجموعة من التحولات جاء بها كل من ماركس و داروين و نيتشه ثم فرويد، يقود إلى واقع " يتأسس من الأدنى إلى الأعلى".
يقوم إذن السؤال السياسي، في إطار صعوبة توفيقية، بين مغامرة جديدة للكائن، محض فردية، مع حجم تاريخ فوق ـ فردي، "زمانية أنطولوجية لجماعة تستعملها من أجل حقيقة، تتوخى تجسيدها أو الحفاظ عليها".
" سياسة هيدغر"، هذا يشير كمرحلة أولى إلى مشاركة مفكر شاب،  في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى. رجل، طبعته الكاثوليكية القديمة، الوسط القروي، والجامعة، ثم ذلك الحدث الكبير لتاريخ الذهنيات، أقترح لتسميته تعبير " قيامة الواقع" . ليس هناك من شك، في ابتداء هذا الحادث فعليا قبل سنة 1918. يمكننا مثلا،  إظهار بأن ذلك أضحى بارزا بعد موت هيغل ، حينما دفع النزاع حول تراث الأستاذ، يسارا ميتافيزيقيا لكي يأخذ منعرجا ويضع على عاتقه مهمة جعل لغز الفلسفة شعبيا إلى أقصى حد. بناء على دعاية اللا-إيمان، فإن اللغز الأكثر حماية من قبل أساتذة الحكمة القدماء، تفشى في الوسط البورجوازي : الاكتشاف الباطني بعدم وجود إله أو آلهة. وبالتالي يشكل العالم الواقعي، حيث نقيم، الوجود الحقيقي. بالطبع، ليست لنا غير معرفة ضئيلة جدا بهذا الخصوص، لأن رؤيتنا التي تربت على التعالي تنساب عادة، دون إدراك للقوى المؤسسة للواقع.
على امتداد آلاف السنين، تركنا الشعب سواء بأفراده الساذجين أو المتعلمين، يفترض بأن هذا العالم الحقيقي المحتمل، يوجد في عالم آخر متعالي، لكن ها هي ساعة استرجاع الواقعي للحقيقي قد دقت وحانت. في هذا السياق، تمكنت اتجاهات حركة ما بعد ـ المثالية من وضع جدول أعمال يتمحور حول الهنا.
 أسماء الأربعة : ماركس ، داروين ، نيتشه ، وفرويد. أو أساتذة التفكير في القرن التاسع عشر، كما اعتبرهم "أوجين روزنستوك هيسي" سيرسمون، أهم أبعاد الأدب الواقعي الجديد القائم على الكشف : حينما تحدثوا عن الإنتاج المادي، حيوانية الإنسان، إرادة القوة، ثم أقنعة الليبيدو. فذلك، ليهذبوا فكر المحدثين على الإيمان بالقدرة الكلية وكذا الحضور المطلق لواقع يتأسس من الأدنى إلى الأعلى، بحيث تبقى دائما البنيات الفوقية في ارتباط مباشر تقريبا مع قوى القاعدة الضخمة.
علماء الفيزيولوجيا، ثم البراغماتيون وكذا الأنثروبولوجيون هم أساتذة الخلف والسلف. ينتشون بنظريات الأصل والسلالة والجنيالوجيات، التي ترى فينا ذواتا تنحدر من أسلاف مختلطين. في حين،  عمل البرغماتيون على انتشالنا من أوهامنا المتعالية. يتمثل الموضوع كل مرة، في الوصول إلى أرض الوقائع والقوى التي تنهض عليها مطلق ممكنات العصر الجديد. من الآن، نستخلص حقيقة الواقع من الأجساد، المال، إرادة القوة وكذا حركات هذه القوى الأساسية.
علينا، ربما العودة بقيامة الواقع إلى تاريخ الثورة الفرنسية. إبان، هذه اللحظة وللمرة الأولى منذ التوقف الكبير للمسيحية، سادت برغماتية ذات مسحة رومانية جديدة، تحولت إلى طريقة حياة le modusvivendi هيمنت على أوروبا. يقوم هذا المركز الخفي  في الباطنية الطبيعية للماركيز دوساد ، حيث تنكشف تلك الحقيقة الأخيرة حول المادة القادرة على الإسعاد، خاصة للعقول الحرة النادرة التي تصبح وسائل إعلام  حقيقية للطبيعة، ما إن تعلن اعتقادها بالجريمة التي تعتبر كأقصى تقنية للسعادة. من غير المفيد تفسير، لماذا النسبة الكبيرة من الواقعيين الجدد حتى ولو أضافوا صفة "جذري" إلى راياتهم، فقد ظلواعلى مسافة حيال هذا النوع من التفاقم.غير أن، ما يربطهم ثانية ب ساد Sade، هو الأفق الأنثروبولوجي الجوهري، الذي يحتم مساعدة الإنسان، المبدع والطموح كي يجد إشباعه داخل العالم.
لا يكمن دورنا هنا، أن نفسر بشكل دقيق كيفية دخول هيدغر في اتصال مع تيار الواقعيين الجدد. يمكننا، أن نأخذ إذن كما هو  التحول الذي عرفه من شاب مدرسي إلى آخر راديكالي. الذين فحصوا سيرته الذاتية، وقفوا على الانطباع العميق الذي تركته لقاءات هيدغر  الكاثوليكي مع أعمال لوثر  وكير كجورد أثناء الحرب العالمية الأولى. يظهر من المؤكد أيضا، قراءته ل دوستويفسكي  سنوات 1920، فأفاده ذلك كثيرا، مستعيرا بعض الدوافع  مثل الخوف والضجر. علينا إدراك خاصة، بأنه بعد قطيعة هيدغر مع أصوله في الدين والفلسفة المدرسية، تميزت أعماله الناضجة بتفخيم متطرف، وحضور قوي للمزاجية، لكنها تتماثل مطلقا مع الحقبة.
لم يكن قط المفكر، أكثر اقترابا من القطب المولد لطاقته المفهومية، إلا اللحظة التي اشتغل فيها على هجرة شبه أبدية للمعرفة المدرسية، مع دخوله الزمان المتمرد للدازين Dasein المعاصر. يتموضع هذا الدازين كليا، تحت الإضاءة المضطربة لارتباكه وهيجانه. أفصح المفكر، في هذا الشأن عن قوة تفسيرية تشكل أفضل شهادة عن عبقريته. مفهوم، الدازين أو الوجود - هنا، يتحمل على الفور تذبذب وعي بالزمان يتحقق بقوة. يعمل الوجود، في الأسلوب الواقعي الجديد، على إبراز الحركية ضدا على التعالي. ويمارس بالتزامه الذاتي، عدم خلوده. ثم، بانحداره من هذا العالم الثاني الذي أضحى حينئذ غير قابل لكي يدافع عن نظرية التباعد، فإنه يتوخى الانصهار مع تدفق وسيلان الحاضر (التعبير عن ذلك بنبرة لينينية : تحققه)، مندفع باستعداده الذاتي نحو الحقيقة، لكي يؤكد على انتمائه للعصر المتهور. تضخيم الخروج من العالم الآخر، ينفذ إلى طمأنينة بطولية، سمة لا تميز فقط الفكر الهيدغيري فترة الأوج، بل يمثل إحدى الخاصيات البارزة للممارسة الفلسفية، والإبداع الفني في أوروبا بين الحربين العالميتين. المفكر الذي سعى القيام بوساطة إعلامية لمهمته الطليعية، وأن يصير مكبر صوت بخصوص قيامة واقع يحتضن بشكل مضاعف "زمانه الخاص".
 من جهة، أكد هيدغر استعداده للانخراط والمشاركة في اضطرابات العصر. لكنه، من ناحية ثانية، يغرق في قلقه الانعزالي الذي هيمن على وعي سلوكه الخاص. يتسم إذن العنصر المميز لوجود يخضع جذريا للإثارة، بتمرينين للسلب. يتجلى المظهر الأول ، في افتقاد  مقبول، لموقع ثابت أمام الزمان الذي يعبره أو يمر خارجه، مادام وحدها الوضعية التي تنساب معه، يمكن الإقرار بها كنموذج إلزامي للواقعية المعاصرة. بينما يتجسد المنحى الثاني، في إقرار المفكر بالسلب النهائي لذات مؤجلة، ستحمل له موته الذاتي. لقد غير بذلك، فيلسوف الطليعة المنظور البورجوازي والأكاديمي لمقولة : (( أفكر، إذن أنا موجود. وبقدرما أنا موجود، أتملك ذاتي بيقين)) ضد المنظور البطولي/الفني ل : ((سأموت لكن، ليس الآن. أريد، القيام بشيء خالد خلال الزمان الذي تبقى لي)).
مثل كل الواقعيين الجدد للقرن التاسع عشر، الذين طوروا قيامة العمل والحيوانية. تميزهيدغر في مرحلته الواقعية الجديدة الصاخبة، تميز بقيامته المستندة على الزمانية الوجودية، ينفتح في إطارها معنى الوجود فقط، للوهلة الأولى بناء على كائن - للموت.
مع ذلك، لم يكن هيدغر  صائبا، في إعادة تجميع بطريقة مقنعة، التزمن الفردي للكائن من أجل الموت (وتعبئة ما تبقى له من وقت في حياته لمشروع تحتاج إليه الآنا) مع التزمن الجماعي، بالانتماء لجماعة، يغيرها التاريخ داخل العالم. حول هذه الإشكالية بالضبط، تبدأ سلسلة العمليات الذهنية، التي قد نسميها بنوع من المشروعية الموضوعية : سياسة هيدغر.
 يتعلق الأمر في هذا الصدد، كيف لي، أنا الفرد الملقى به داخل العالم أو العدم، معرفة كيفية التخلص من التقادم الذي يقودني نحو موتي الذاتي. أن أقتحم الزمان الذي يفصلني عن الموت حتى "أعبر" إلى زمان الحياة وتأسيس تاريخ  جماعي شامل.
إن مكتشف معادلة الوجود والزمان، مجبر على تفعيل انتقال لهذا النموذج. لأنه طبيعيا، لم يكن بإمكانه حصر الفرد داخل وجودية (يمكننا أيضا القول : الوصف الافتتاني) كائن – في - الزمان. بوجهة النظر تلك، فكتابه "الوجود والزمان" كما لاحظنا باستمرار، ليس له إلا وظيفة تهيئ. لكن، مفاهيم هيدغر خلال هاته الحقبة تميزت بالإبهام بخصوص الطريقة التي يمكننا بها التفكير لإدماج تاريخ الدازين في تاريخ  للكائن، بل وكيف نتمثل هذا الأخير كما هو. لكي يقود عمليته الحاسمة (تأهيل الزمانية عبر تحقق الذات أو "مشروع" دازين : Ek-statique) نحو أعمق يتطابق مع السيرورات التاريخية، الفوق ـ ذاتية، فإنه يظهر  نفسه مسؤولا عن التحقق من عقدة أو جماعة تمكننا من إدراك على نطاق واسع اتجاه التزمن الأساسي. من الضروري أن يكون ذك جماعة أو عقدة، تشكل بوجودها الواقعي شرطا لإنجاز مهمة تاريخية ذات طابع كلي، غير قابلة للتفويض أو الرفض.
هيدغر ، حسب ديلتاي Dilthey رائد نقد العقل التاريخي، يدرك سلفا لماذا الانتقال من زمان الفرد إلى زمان العالم لا يمكنه أن يحدث بطريقة مباشرة. وبالتالي،  لا يتم دائما إلا بشكل غير مباشر. إذا كانت المعرفة السيرذاتية الفردية تنطوي بالتأكيد على قدرة لإضاءة السيرة الذاتية الخاصة، كمجموع يفهم نفسه. فعلى النقيض، لا فرد له القدرة على أن يعيش ويحكي تاريخ العالم، مثلما يفعل مع سيرته الذاتية. عليك، أن تصير شخصيا فكر العالم حتى يحصل عندك حدسا بمجموع كائن يتغير بتاريخ وضعيته الحالية.
يتعلق الأمر إذن باكتشاف منفذ آخر، داخل التاريخ ما فوق ـ الفردي. نعرف، بأن هيدغر في سعيه لتحديد الزمانية الجماعية، فقد جرب  تتابعيا كثيرا من الحالات وكذا نماذج مختلفة جدا بل ومتعارضة. انطلاقا، من زمان للبدء ثانية وانقلاب الشعب الألماني، بالانتقال من زمان نضج الاشتغال الفني إلى غاية انتظار الصامتين بالريف، الذين يترقبون وحيا جديدا أو إلها أخيرا. هذا الإله سيضع ظهوره أو "مروره" نهاية لسلسلة القيامات اتجاه العالم الدنيوي. يتحدد الأمر  في كل مرة، بالنسبة للمفكر تشييد جسر بين الزمانين النوعيين. إذا كان هذا المعبر حقيقيا، فمن الضروري أن يؤسس انتقالا مستساغا بين الزمانية الوجودية للفرد المنقطع لموته الذاتي، ثم المشروع الذي عليه أن يخلقه قبل ذلك، ويتحمل مسؤوليته. ومن ناحية ثانية، فالزمانية الأنطولوجية لجماعة تخدم حقيقة، سواء بتحقيقها أو الحفاظ عليها، أو من أجل عمل يقوم بصياغة العالم.
سنلاحظ على الفور، الجانب التهكمي لهذا التحول. لقد حملت بالتأكيد الأنطولوجيا الوجودية، توضيحا خالدا حول النقطة التالية : يؤسس سلوك الفرد بنية زمانية فريدة، والتي بقدر ما هي وجودية، تميزت كليا، عن الزمان الفيزيائي والكوسمولوجي ثم الزمان الثري، كيفما كانت شروط الحضارة (حتى ولو كان على الطب المعاصر، أن يجيز مكتسبات جليلة جدا، لزمان الحياة). لكن هذا لا يقال، إذا توخينا الحصول على إثباتات واضحة جدا بالنسبة للبناء الزماني للعقد والجماعات. يبقى أيضا، سؤال المعرفة منفتح كليا إذا أمكننا في كل الظروف، القيام بتشكيل دائم لوظائف أخرى أو حركات تاريخية. ثم، إذا كان "التاريخ" في كليته مع المهام التي يستدعيها، لا يمكنه من ذاته الوصول إلى نهايته. من يستبعد، بأن التاريخ في مجموعه ينتقل إلى حالة أخرى، تكون بدورها أكثر قربا من الأزمنة الدائرية لتطورات الطبيعة والاقتصاد ؟ إذا كان هذا حقيقي، فإننا سنفقد أكبر قطب للحدث والتحول المبحوث عنه بين  الزمانين الفردي والجماعي، الذي أتلف في نطاق ما رأس العبور إلى الضفة الأخرى. أريد هنا تطوير الدليل، عن الارتباط الفعلي لكل ترددات هيدغر المنطقية والسياسية، بذبول المحور العمومي والجماعي للزمانية الأساسية.
يعرف منذ 1929 أو بعدها، بأن أشخاص الزمان الحاضر، لا يمكنهم في جميع الأحوال، تأكيد كونهم لازالوا يعيشون في "التاريخ" قدر اقتناعه، بعدم إمكانية بقائهم دائما أمواتا. أؤكد بأن أستاذ تودنبرغ Todtnauberg ـ مثل ألكسندركوجيف فيما بعد ـ كان قد اكتشف على طريقته "نهاية التاريخ" أو على الأقل الإمكانية الحالية لنهايته، وسأحاول تبيان ما هي المقاييس التي اتخذها للانفلات من نتائج اكتشافه هذا.
إذا حقا وجد شيء اسمه "سياسة هيدغر "، فذلك فقط في الطريقة التي من خلالها أوحى إلينا المفكر بمشاركته الفريدة إلى أبعد حد في رحيل الواقعية الجديدة خارج الأعراض المرضية الميتافيزيقية لأوروبا الشائخة. إذ أدركنا، بأن الفلسفة عاشت دائما على طموحها لاكتشاف حقيقة الواقع وضبطه بمصطلحات مفهومية، سنفهم بشكل أفضل لماذا كان على الفكر المعاصر امتلاك هذه القضية بطريقة صريحة أكثر من قبل، والارتماء بحماسة زائدة عن كل ما سبقه، في التنافس مع الواقعيات التي أعلنت عن نفسها منذ ذاك الحين عمومية. واقعية هيدغر  الطليعية، القائمة على المنطق الزماني، تظهر ببعد أكثر راديكالية، مقارنة مع باقي الواقعيات الأخرى. لأنه برؤيته، العنيدة ل الدازين  كوجود للموت، انتقل بالزمان الاعتيادي، المبتذل والهامشي بعد إذلاله ودحضه بشكل قصدي ما دام يمسك بالجزئي على حساب الكلي، ثم شيده على أرض سيادة الوجود المتحرك ؟ فهي باعثة مطلقة للأقدار، تحول للأشياء التي أخذت سابقا دورا واقعيا جدا، بل وحتى الزمان المدمر كعنف للتلاشي، يبدو الآن على منوال من يذهب في إطار تراجيديته المظلمة، إلى ما وراء الخطاب الهيغيلي حول التاريخ باعتباره مستودعا للأموات. لم يبق للفيلسوف أولا  أمام هذا الإلحاح،  غير دور المحرض البطولي : أي، الدازين الذي صمم على أن يكون ذاته، يحدد شكل قدرة الوجود المندثر والوجود المتحول داخل الزمان. لكن، كما قلنا، لا يمكن اختزال الزمان الوجودي إلى التباعد بين "لازالت هناك خطوة الآن"، ثم "الآن النهائي" لموته الذاتي. يتمثل الأمر بالنسبة للمفكر، في إعادة تشكيل  زمانية تتموقع فوق نزوعه الخاص نحو الموت، وإدماج هذه الأخيرة. بالضبط زمان " تاريخ"، علينا إظهار، أنه لا يجسد فقط تحولا تحطيميا للأفراد والأجيال، لكنه يقدم البراهين أيضا على إبداعيته وكونه صاحب مشروع. وبشكل أفضل، مثل وعاء يتضمن سيرورة حقيقة كلية. كما أوحى لنا بعد ذلك، بمفهوم عن تاريخ للكائن سيمكن هذا المبتغى desideratum  من التمفصل.
الترافع لصالح إبداعية هيدغر  المفهومية أثناء أقصى مرحلة ذكائه، لا يمكننا على الأرجح، تمديدها أبعد من سنة 1930، مع دخوله أفق أنطولوجية دراماتيكية للراهن  بعد الانتهاء من كتابه : "الوجود والزمان". السمة القوية للوجود - هنا l'être -là داخل زمان حاضر ومؤرخ، سيكتشفه هيدغر  حاليا فيما سماه .stimmungen : "خصائص عميقة".
الخاصية، حمام صباغة ينغمس فيه الوجود مبكرا جدا، بنوع من السبق والاختراق الكافيين، حتى تتمكن الصبغة التي اكتسبها من مجابهة كل شيء فردي كيفما كان، سيقدم نفسه بعد ذلك على طريقة الوجود المعطى موضوعيا. مهما التقيناه فيما بعد، تفصيليا، باعتباره موضوعا، حالة موقف ووضعية، فإن هذا لا يمكنه الظهور إلا من خلال تلون الصبغة التي تسبق (مباشرة) كل من توخى، التوجه إلى الإنسان بطريقة أكثر عمقا من صنيع الفلسفة التقليدية وامتدادتها داخل فلسفة الأنوار، عليه التموضع عند هذا المستوى ما قبل الموضوعي، ثم الشروع من هنا في الاشتغال على الخصائص العميقة. هذا يدنو بنا في الآن ذاته من القطب الكبير لمجرى التاريخ، مادام أن الصبغة العميقة قد تخبرنا عن مرحلة التاريخ (حتى وإن تعذر عليها توجيهنا نحو كيفية مساره وكذا غايته).
مع اكتشاف تيمة الصبغة، تحول الفيلسوف الأكاديمي إلى طبيب سريري ميتا- سياسي أو بالضبط : عالم نفس ومدرب، تكمن مهمته الأولى في تحضير مرضاه للعلاج وإثارة انتباههم بخصوص أحكامهم  القبلية، الأكثر مغالاة وحميمية حول الدازين في مجموعه، وخصائصه الوجودية. يقوم الإجراء تقريبا على مبدأ الطب التجانسي الذي وفقه من الضروري البدء بتهييج أعراض المرضى إلى حد الذروة قبل أن تأتي أزمة تحمل النهاية أو المنعطف. التشخيص دون انفلات للخطأ، حيث معاناة الإنسان المعاصر  من ذيوع معمم، شر يتجلى في عدم القدرة على اقتناعه حقا بشيء ما، يصاحبه نزوع لكي يركض مع الآخرين، ما إن ينبعث إحساس عمومي وجعل الأذن مستعدة لأية محاولة اقتناع.
في خطابه الجديد حول الخصائص العميقة، اكتشف هيدغر عمليا التغير الأنطولوجي لأعراض الحيوية القصوى وكذا الشخصية المتعددة. لكن مع ذلك، لا يميز إلا بطريقة سطحية حمولة  اكتشافه. إذا كان من اللازم، أن يصير المزاج العميق مهما، فلأنه يمفصل أول رباط إيجابي بين الوجود في زمانه الخاص والوجود داخل الحقبة. من جهة، يشكل الجسر المفتقد (أو على الأقل، نقطة الارتكاز لجسر محتمل) بين الفردي والجماعي، في نطاق انصبابه على فئة من الموجودين داخل وضعية زمانية مشتركة. ومن جهة  ثانية، يمنح توجها يسبق أية نظرية، لكن أيضا كل واجب، في نطاق كونه يقود إلى تخفيض مستوى تأسيسات توجهاتنا الذهنية، المرور من "مجرد" البداهة المنطقية والإيتيقية إلى بداهة وجودية مخترقة، أي الانفعال Ergriffenheit.
تعبير الانفعال، كما أصبح دالا عند هيدغر منذ نهاية سنوات 1920، يقصد به، كيف يمكننا التفكير، في أن قطب الكائن يستولي على الوجود. الانفعال، بخاصية عميقة أسعى إليها واعيا، هي في إطار ما صيغة قدرة امتثالي، لبداهة وضعية تحدد المستقبل منذ الماضي.
ما بين سنة 1928/1929، كان هيدغر عند نقطة أمكنه خلالها التفكير في إطالة عمله حول زمانية الوجود انطلاقا من محور كوني أبعد حقا من ولوج الحقول التي هيأت لعمله :الوجود والزمان. فهو يتوفر حاليا، على بنية مفهومية تمكنه من الربط بطريقة واعدة الدازين بالعقدة الجماعية زمان- مكان للقائم المباشر. واقعة بارزة، حيث يتعلق الأمر دائما بمفاهيم تخول تمييز الإقامة في حقبة بين مائين، لأن ما يمكن قوله للوهلة الأولى حول حاضره الخاص، هو الفراغ، الضجر، الغموض مع الافتقاد للأحداث الحقيقية. إذا استندنا إلى الصيغ التي ركز عليها هيدغر  سنوات 1920 حتى يحدد الوسط الجمعي، فسينتقل حينئذ إلى المكتشف الحقيقي وصاحب نظرية : ما بعد التاريخ. أوصافه المتعلقة بالوجود الزائف، في الفصول الشاذة حول الجماعية "On" الواردة في كتابه :الوجود والزمان. لكن أيضا تحاليله للضجر في درسه حول "المفاهيم الأساسية"، لا يترك أي شك بصدد النقطة : توجد عندنا، قضية تشخيص للحقبة من الطراز الأول. تصف هذه النصوص الوضعية الوجودية لأشخاص سقطوا خارج كل تاريخ عاقل. حينما نوجد اليوم، تؤكد الفلسفة الواقعية الجديدة، فإننا نصطدم في كل مكان بالتصنع الخالص، ونلاحظ انكشافا للآني في كليته داخل الفضاء "الدنيوي" الغامض.  



[1]  ـ  Peter Sloterdijk : La politique de Heidegger. Les collections du magazine littéraire – Hors, Série n° 9, 2006, PP :  42/45.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق