السبت، 24 يناير، 2015

غاستون باشلار - نحو نظرية في الأدب

تأليف : سعيد بوخليط 


(غاستون باشلار نحو نظرية في الأدب)
كتاب " غاستون باشلار - نحو نظرية في الأدب " ، تأليف سعيد بوخليط ، والذي صدر عن 
دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:


مقدمـــــة

[I]

تنقسم أعمال غاستون باشلار (1884-1962) إلى قسمين متميزين: قسم، يظهر تأملاته الإبستمولوجية حول تطور الفكر العلمي المعاصر، والعوائق التي يواجهها حينما تنتقل مقولات الحس المشترك إلى مقولات لهذا العلم.
ويفكر باشلار أيضا من خلال ذلك، في الدور الذي تلعبه الرياضيات في هذا التطور العقلاني، والدروس التي يمكن استخلاصها خاصة بالنسبة لبيداغوجيا العلوم الدقيقة. ونراه هنا، يسائل فلسفة علوم عصره ولاسيما الوضعية والعقلانية والواقعية...، متهما جميعها بكونها ستاتيكية جدا وبالتالي عاجزة عن أن تنصف معرفة وفكراً يتميزان بالدينامية.

الخيار بالنسبة إليه إذن، هو أن نأخذ من تاريخ العلم خاصيته العقلانية المنفتحة، التي تؤدي إلى ثورات مفهومية وذاتية تعتبر جوهرية في فهم جذري للعالم الفيزيائي.

القسم الآخر من مشروع باشلار، كرسه بشكل حصري تقريبا لتجليات الأدب والفن والتي تمليها طاقة العناصر الكونية الأربعة: النار والماء والأرض والهواء، على الخيال المبدع للذات الحالمة. سنلاحظ هنا، توظيفه السهل -كما فعل ذلك في إبستمولوجيته- لمبادئ علم النفس التحليلي اليونغي، باعتباره منهجية تمكننا من الوصول إلى العقد وتجلياتها في أعمال الفن. وكذا الظاهراتية، التي مكنته من تناول الصورة (l’image) في الآن نفسه وهي تتشكل في روح المبدع والقارئ.
إن تلقي مؤلفات ومقالات باشلار خارج فرنسا، ظل دائما انتقائيا. في الولايات المتحدة الأميركية ومع استثناءات قليلة، فإن فلاسفة العلم، يجهلون بالمرة عمله الإبستمولوجي، والأكاديميون الذين يعرفونه هم بالأحرى مختصون في سوسيولوجيا العلم. في حين، يتم تداول نقده الأدبي بشكل مألوف عند الباحثين في الفن، لكنهم على النقيض يجهلون الباشلارية العلمية.
في فرنسا، اهتم الباحثون بكتاباته حول العناصر. أما الإيطاليون فقد اتجه انتباههم كليا إلى فلسفة باشلار في العلوم.
رؤية معرفية إذن، أحادية الجانب، جزئية وغير مكتملة توجد في كل مكان من العالم.

إن قيمة اختيار الباحث سعيد بوخليط، للنصوص التي ترجمها في عمله الحالي، تدخل في إطار مشروعه، وضع جمهور اللغة العربية وكذا أكاديمييها ضمن سياق مختلف المنظورات الباشلارية مع تركيز خاص على الجزء الشعري، بناء على تأملات مفكرين ينتمون إلى ثقافات وجنسيات مختلفة: عرب، وأوربيون وأميركيون.
قام سعيد بوخليط باختيار مقالات ترصد مجموعة من المعطيات البيوغرافية حول غاستون باشلار، وبالتالي تمكِّن القارئ من تمثل الحقبة المهنية والشخصية لهذا الرجل الفذ.

[II]

ينقسم العمل الذي بين أيدينا إلى ثلاثة أقسام:
(1)
 ترجمات.
(2)
 مقاربات نقدية.
(3)
 حوار

جاءت المقالة الأولى في قسم ترجمات تحت عنوان: «غاستون باشلار والشعراء»، وهي بقلم الشاعرلوي غيوم    (Louis Guillaume). مقاربة تشكل في حقيقة الأمر، شهادة مثيرة عن حياة وشخصية باشلار، وإظهاراً لمختلف اهتماماته.
وصف غيوم باشلار بكونه "شعلة كبيرة"، أضاءت فكر زملائه وتلامذته. لقد عمل دائما على تشجيع الفنانين الشباب، وهو يضع أعمالهم نديا مع أعمال شعراء كبار.
اتجه اهتمام غيوم بالخصوص إلى "الموجهات الحلمية" التي جاء بها كتاب التحليل النفسي للنار (La psychanalyse du feu) وكذا أحلام اليقظة المرتبطة بوضعيات الإستراحة أو الإرادة، محيلا في هذا الإطار على كتابي: شاعرية المكان (La poétique de l’espace) و شعلة قنديل (La flamme d’une chandelle) .


المقالة الثانية، والتي اختار لها صاحبها جون لبيس (Jean Libis) عنوان "الفيلسوف والشاعر"، تتمم بشكل جيد إشارات غيوم. لقد حاول أن يشركنا في بعض مقاطع الرسائل التي تبادلها باشلار مع غيوم، وهي بالمناسبة وثيقة ثمينة جداً، تظهر بشكل واضح كآبة باشلار طاعن في السن، وهو يسترجع مسيرته الفلسفية الطويلة.
هكذا يعترف باشلار للشاعر، بأن قراءة القصيدة وحلم اليقظة الذي توحي به، هو ما يشكل حقا أكبر مباهج حياته الروحية.
بالتأكيد، "القوة الدراماتيكية" لأفكار باشلار حول احتمال الوجود ظهرت بالفعل من خلال المضمون النوستالجي لـ: شاعرية المكان (La poétique de l’espace) وخاصة مقاطع من شعرية النار (Les fragments d’une poétique du feu) ، ثم كتابات أخرى جاءت في المراحل الأخيرة لحياته، مظهرا كذلك رغبته في أن يبين لنا العلاقة بين الأفراد والنباتات من خلال سبر ذكريات تثيرها روائح الطبيعة "ستكون منبعا لرغبات وأشواق لا نهائية".

لا يتأتى الاهتمام فقط هنا من روح الشاعر المبدعة، ولكن كذلك من روح القارئ التي تستوحي القصيدة، حتى يوقظ في نفسه ذاكراته وقواه الروحية.

المقالة الثالثة في قسم ترجمات دائما، وهي للباحث مارسيل شيتل، (M.Schaeltel) فإنها تتمم وبشكل منطقي، الشهادتين السابقتين. من خلال مقاربته: "باشلار والشعراء: حول صورتين للوي غيوم"، توخى مارسيل شتيل إذن، الحديث عن توظيف باشلار لمجموعة من صور الشعراء وخاصة تلك التي جاءت بها قصيدة غيوم.

باشلار "قناص وجامع للصور"، لكن مع ذلك يصعب الفصل في تفضيلاته الشعرية، نظرا لانتقائيته الفكرية والتي ميزت كذلك إبستمولوجيته العلمية.

الاختيار الأدبي لهذا الفيلسوف، يذهب على سبيل المثال من ريلكه (Rilke) وبودلير (Baudelaire) وبوسكو (Bosco) وبو (Poe) ، وشار (Char) إلى بروتون (Breton) ...، توخيا لمراكمة مجموعة من الكلمات أو جمل تتسامى بعقلانية المجازات، وتعطيه منفذا على صور شاردة وملتبسة تتأتى لروح الذات الحالمة.

أخيرا، فإن إطلالة الباحث عمور الشارني (Amor Cherni) علينا بـ: "باشلار والعرب"، قربتنا من الحضور "المحدود لكن العميق" لكتابات باشلار في العالم العربي. يمكنني القول ودون مبالغة، أن هذه المقالة تشكل مرآة لتناول باشلار في العالم بأكمله.
انطلاقا من تحليل ثاقب جدا، سيظهر الشارني تعددية النظر إلى باشلار لصالح مؤسسات ومن خلال موضوعات مختلفة جدا. هناك على سبيل المثال، باشلار الثانويات ثم تدريس باشلار أو البحث في باشلار داخل الجامعات، وكذا باشلار الجمهور ارتباطا بتعريبه وإشعاعه خارج المدرسة....

يظهر الشارني تذمره بشكل معقول تجاه "تآليف لكن دون معرفة كبيرة" وانحصار الاهتمام الذي يثيره باشلار عند الجمهور، وكذا تباعد المعايير بين أولئك الذين يقرؤون بالعربية، والذين يكونون في غالب الأحيان خاضعين لسلطة المترجمين. ثمة مفكرون آخرون -التونسيون بالخصوص- ينجزون جل أبحاثهم من أجل الميتريز والدكتوراه باللغة الأصلية لنصوص باشلار أي الفرنسية.
إلى جانب هؤلاء، توجد كذلك فئة حولت باشلار إلى مجرد أداة لاستهلاك جامعي دون إدراك فعلي وحقيقي لرسالته التحررية.
القضية الكبرى التي يطرحها الشارني، هي هذا النزوع داخل العالم العربي من أجل تأويل باشلار عوض "تركه هو نفسه يتكلم".


[III]

يبدأ قسم "المقاربات النقدية"، بقراءة الباحث سعيد بوخليط، لكتاب التحليل النفسي للنار (La psychanalyse du feu) ، مظهرا لنا بأن هذا العمل يمثل رغبة باشلار ـ مسألة تم التأكيد عليها قبل ذلك في كتاب "تشكل الفكر العلمي: مساهمة في تحليل نفسي للمعرفة الموضوعية"- في تأويل وثائق ماضي العلم بمناهج يقدمها التحليل النفسي للاوعي.

لقد تكلم باشلار هنا عن العوائق التي تحدثها المعرفة الأولى أمام المعرفة العلمية، وكذا قوة حضورها في لاوعي الكائن الإنساني. هكذا تشكل النار مثلا، حالة نموذجية وجذرية عن الشيء الذي يصمد أمام كل تموضع (Objectivation) نظراً لعلاقتها الوثيقة مع مجموعة من العقد الشخصية والثقافية بل والكونية.

إن "عقلا نقديا"، يمثل إذن ضرورة ليس فقط بالنسبة لحالات كهاته يكون فيها اللاوعي أكثر قوة، وينعكس بشكل مباشر على المعرفة (كما هو الحال مثلا مع الخيمياء) ولكن كذلك بالنسبة لكل الأشياء التي يؤسسها العلم المعاصر.
Gaston Bachelard: un Rationaliste romantique

العمل الثاني في هذا القسم، يتعلق بإعادة قراءة كتاب: غاستون باشلار: عقلاني رومانسي (Gaston Bachelard: un Rationaliste romantique) والذي اعتبره (J.J. Wunenburger) في تقديمه لهذا العمل، بأنه يمثل بالتأكيد مدخلا لحياة وكذا عمل غاستون باشلار.

الفصل الأول كتبه، باسكال نوفل (P. Nouvel) تحت عنوان: "غاستون باشلار، فيلسوف فائض"، إشارة إلى اشتغال باشلار في بداية حياته بمكاتب البريد.

نلاحظ هنا، نفور باشلار من سلطة المجازات البرغسونية، مع افتتان مجموعة من معاصريه بمفاهيم مثل "معطيات الوعي" والطاقة الحيوية".

وأشار باسكال نوفل، إلى طبيعة تفاعل باشلار مع وجودية جان بول سارتر، وكذا موقفه المزدوج نسبيا حيال فينومينولوجيا موريس ميرلو-بونتي. ثم انتقل بنا، إلى مواقف بعض المفكرين المعاصرين لباشلار، والذين أثروا فيه كما هو الحال مع جان هيبوليت (J. Hypolite) . أو على العكس، أثر فيهم باشلار بشكل قوي كما هو الحال مثلا مع جورج كانغليم (G. Canguilhem) ، وميشيل فوكو (M. Foucault) أو لوي ألتوسير (Louis Althusser) .
أحال باسكال نوفل كذلك على أعمال باشلار، خاصة تلك المتعلقة منها بالنقد الأدبي لإظهار أن مشروعه توخى الوقوف على هذه "السيادة الشعرية المستقلة، حيث الكلمات صور كذلك".

في الفصل الثاني من كتاب (غاستون باشلار: عقلاني رومانسي) ، توخى جون ليبيس (J. Libis) بمقالته "جانوس والمالنخوليا" تحطيم الأسطورة التي تؤكد على انفصال وتباعد بين الإبستمولوجيا العلمية لباشلار وكذا نقده الأدبي. حيث استند الباحث، وضد النزوع التأويلي المألوف، على "توتر داخلي" ظل يحكم باستمرار المشروع الكلي للفيلسوف.

كما تحدث ليبيس عن الانتقائية والتفضيلات الأدبية والفلسفية لبشلار، واستحضاره بالأخص لأسماء مثل: شوبنهاور (Schopenhauer) وكانط (Kant) وهوسرل (Husserl) ونيتشه (Nietzche) ويونغ (Jung) .... وقد أثروا ربما في الخاصية "المضطربة" و"الدراماتيكية" لإبستمولوجيته.

لكن ما يثيره الانتباه في هذا الفصل بشكل خاص، هو الإدراك المستخلص من أعمال باشلار حول الخيال المبدع وتحليله النفسي للإبداع الأدبي، ولما اصطلح عليه ليبيس بـ "سعادة نادرة في الكتابة"، بالخصوص تلك التي ارتبطت بكتاباته الشعرية التي تتوافق مع "حرية الخيال".

[IV]

القسم الثالث والأخير من مقاربات الباحث سعيد بوخليط لفكر باشلار، جاء على شكل حوار أجراه معي بخصوص مستويات حضور العمل الإبستمولوجي لباشلار في أميركا الشمالية، انطلاقا من المجهود الذي أبذله حتى يشع هذا الفكر أكثر في أوربا وخاصة في النمسا وإيطاليا وكذا أميركا الجنوبية (البرازيل).

البحث في انفصال باشلار عن التقليد الوضعي، وتشابه بعض مواقفه الفكرية مع تلك التي جاء بها فلاسفته كـ: كارل بوبر (Karl Popper) ، وتوماس كوهن (Thomas Kohn) وميشيل بولاني، وكذا تبنيها من قبل البنيويين الاجتماعيين، يمثل كل ذلك جزءاً مهماً من المشروع الذي أقوده.

باختصار، يمثل العمل الحالي لـ "سعيد بوخليط" محاولة تستحق التقدير لإعطاء جمهور اللغة العربية نبذة عن حياة ومشروع غاستون باشلار وتقريبنا من تأملات، يمكنها أن تثير مفكري اليوم.

* Prof. Teresa Castelao-Lawless. Grand Valley State University USA. Avril 2004.



               



الجمعة، 23 يناير، 2015

غاستون باشلار وخيالات الماء : سعيد بوخليط


L'eau et les rêves 
يعود ارتباط باشلار Bachelard بالماء، إلى سنوات الطفولة والأمكنة التي تعلق بها منذ صغره. أقصد، بذلك منطقة "شامبانيا" "Champagne"، في قرية تجري وديانا وأنهارا، وتتميز بكثرة جداولها. يقول : ((الموطن الأصلي، مادة أكثر منه امتداد. إنه، غرانيت Granit، أرض، ريح، جفاف، ما أو ضوء، يجسد أحلام يقظتنا، ومعه يأخذ حلمنا عنصره الصحيح، ثم منه نطلب لوننا الأساسي))(1). يعطي الموطن الأصلي لأحلامنا حقيقتها الجوهرية، وقيمتها الحُلمية. بالتالي، مثّل فضاء الولادة عند باشلار Bachelard المادة الأصلية التي بنى عليها تأملاته : ((بالحلم قرب النهر، كرست خيالي  للماء. ماء، أخضر ورقراق تخضر معه الحواشي. فلا، يمكنني الجلوس بالقرب من نهر دون أن ينتابني حلم يقظة عميق وأرى سعادتي ثانية))(2). اكتشف باشلار Bachelard منذ صغره، بأن مادية الصورة ليست وهما ومسخا للواقع، لكنها تتضمن قوة حقيقية. يقول : ((بالقرب من الماء ووروده، فهمت بشكل أفضل أن حلم اليقظة كون يتصاعد. نَفَس عطري ينبثق من الأشياء بواسطة الحالم))(3).

وانطلاقا، من ذلك سعى باشلار Bachelard للوقوف على بعض خصائص الماء الأنطولوجية :
يوحي الماء بالعمق والأنوثة والخفة. كما يظهر أحيانا،بأن الماء المتخيل يشبه النفس الإنسانية : ((للماء كآباته، غَفواته (حين ينام) ثم خدعه وهو يتظاهر بالنوم. يبتسم، يعصف ويبتلع. حتى الكلام،  يفتقده  ما دام يثغثغ مثل طفل))(4).
الماء، دم وحياة الأرض. لكنه، كذلك عنصر للموت : ((الماء مبدأ الحياة والموت، بالنسبة لحلم اليقظة المزدوج))(5).

الموت وسط المياه، هو أكثر أمومة. إنه، موت شاب وجميل ومزهر. من هنا، يمكن فهم استعمال الطقوس الجنائزية للماء والسفر عبر الماء، القارب/الثابوت مثل "قارب كارون" .Caron . يقول باشلار Bachelard : (( الماء، مادة للموت الفتي والجميل والمزهر. أثناء مآسي الحياة والأدب، هو عنصر بلا كبرياء ولا انتقام. إنه، انتحار مازوشي))(6). ((ماء صامت، كئيب وراقد، يتعذر سبره. وبقدر الدروس المادية التي ينطوي عليها تأمل الموت. لكنه، ليس درس  موت هيراقليطيسي، موت يحملنا أبعد مع المجرى كمجرى. درس، موت ثابت وعميق. يمكث معنا، بالقرب منا وفينا))(7). الماء، الراكد : ((مأتمي بقدر جريانه، مادمنا نصفه كذلك بالموت. وقد أحس إدغاربو EdgarPoe أكثر من غيره بكآبة المستنقعات الصامتة ليلا))(8). وإذا كان الماء قبرا، يرمز للموت والقساوة ثم العنف فأنه يظهر : ((بالأحرى ناعما ومضيافا في خيالات الماء عند شعوب البحر والأودية الكبرى))(9).

تتجلى فكرة الموت المائي، في مسألة تموضع النهر كعائق يتعذر عبوره : ((وضعه القدر بين الأحياء وأمكنة "لا نعود منها أبدا". ليس الموت مجرد مغامرة في قلب المياه. لكنه إيتيمولوجيا وفاة، انتقال القارب إلى ما وراء العائق))(10).

ادغار آلان بو (1809-1849)
وخير من جسد عقدة الموت في الصور المائية، هو الشاعر إدغاربو Edgar Poe،  والذي تمثل قصيدته بالنسبة ل باشلار Bachelard أفضل نموذج عن الإحساس العميق بالمحددات الحُلمية لصورة الماء. هذا الماء، عكس مصير  الموت التي التصق به قدر إدغاربو EdgarPoe. بعد موت : الأم "إليزابيت"، الأم المتبنية "فرانس"، الصديقة "هيلين"، والزوجة "فيرجينيا". يقول باشلار Bachelard : ((لقد فضل خيال إدغاربو Edgar Poe، الماء. إنه جوهر الجوهر. الجوهر، الأم. بإمكان، إذن قصيدة إدغاربو Edgar Poe وحلم يقظته أن يقدما لنا نماذج تحدد أهم عنصر لهذه الكيمياء الشعرية التي تؤمن بإمكانية دراسة الصور بأن تتبث لكل واحدة وزنها على مستوى حلم اليقظة الداخلي وكذا مادتها الباطنية))(11).


لقد بينت "ماري بونابارت" Marie Bonaparte، أن شعرية إدغاربو Edgar Poe، صورة للأم الميتة، والإنسان هو الموت. بالتالي، تتبع الصور سياق حلم اليقظة الباطني، باعتباره تأمل في الموت. تقوم شعرية إدغاربو Poe Edgar  على عنصر محدد، يمنح الخيال وحدة عضوية. إنه، الماء وبشكل خاص "الماء الثقيل"
Eau lourde. وتتميز، قصيدة إدغاربو Edgar Poe حسب باشلار Bachelard بوحدة للخيال : ((تتقنّع أحيانا ببناءات ذهنية، وعشق للاستنباطات المنطقية وكذا الطموح إلى فكر رياضي))(12). معتمدا في قراءاته على بعض المسلمات النظرية ل ماري  بونابارت Bonaparte، التي اكتشفت الدافع النفسي المؤسس لوحدة تتأتى من دفاعه عن ذكرى خالدة.


كل ماء يعيش قدر التثاقل والتباطئ، فهو طريق للموت. النظر إلى  الماء، يعني الإنسياب والذوبان : ((انسياب حلم اليقظة، سيقود إدغاربو Edgar Poe إلى بلاد للموت))(13). يبدأ الماء، صافيا هادئا، ثم يتجهم ويمتص "الألم الأسود"، ينمي شحنة الألم الإنساني : ((هكذا فالماء دعوة للموت. موت خاص، يمكننا من ملاحقة أحد الملاجئ المادية الأولية))(14). هذا الماء: ((الغني بالانعكاسات والظلال، هو ماء ثقيل. ماء، يميز حقا ميتا شعرية
La métapoétique إدغاربو Edgar Poe))(15).

يتحول الماء من عنصر يرسم الحياة، إلى ممارسة جنائزية للموت. ويصير، الجمال الطبيعي سببا للموت : ((ليس موت الوادي الصغير، كما أن مياه "إدغاربو Edgar Poe "، لا تمثل خريفا رومانسيا. لا وجود لأوراق ميتة، والأشجار لا تصفر معه. ببساطة، تنتقل الأوراق من أخضر لامع إلى أخضر معتم))(16). من الضروري، الذهاب نحو الماء الميت، لأنه الحامل الحقيقي للموت. وقد وجد باشلار Bachelard ذلك خاصة مع "إدغاربو Poe Edgar " في المياه الساكنة التي تستدعي الأموات، مثل مياه البرك والمستنقعات. يلزم في كل لحظة العمل على التأليف بين الجمال والموت والماء(17)، بمعنى آخر، الربط بين الشكل والواقعة ثم العنصر. بحيث، عمل حالم كبير مثل "إدغاربو Edgar Poe " على توحيد ذلك في قوة رمزية، الماء: ((مادة الموت الجميل والصادق. يمكنه، وحده أن يموت وهو يحرس الجمال))(18).

تتأسس قصيدة إدغاربو Edgar Poe على معطيات الموت التي تسعى إلى ربط الماء بخاصية الصمت والكآبة والانغلاق والسوداوية... أي إحالة الموت على مستوياتها القصوى. لكنه، يختلف عن التصور الذي أُعطي لمضمون "هيراقليطس"، وهو يؤكد على الصيرورة اللانهائية للماء. إنه، دائم، الانسياب والتدفق والحياة. بالتالي : ((لا نستحم في نفس النهر مرتين)).

إلى جانب منحى الموت، يجعل الخيال المادي من الماء صورة للاستراحة الأبدية. ويجد فيه تمثيلا للحياة والحب. بل، يمكن اعتباره رحما وأمّا لكل الأشياء. وقد اعتبره بالفعل يونغ Jung، من الرموز الأكثر قدما للنمط الأصلي L'archètype المتعلق بالأمومة. أمومي، كذلك الماء الذي يهدهد، لأنه يشبع رغبة مستترة. قد يجسد الماء، أيضا المرأة المعشوقة.

الماء، مُطهر يدعو النفس البشرية للصفاء والنقاء. تنبعث منا غريزة النقاء والطُّهر، كي تتبلور رمزيا. والماء، عنصر وجودي يعكس ذلك. في هذا السياق، نستحضر التصور اليوناني الذي حسب المطر "بول" "زيوس". أما المصريون فقد نظروا إلى نهر النيل باعتباره منبثقا من "أوزيرس". في السياق ذاته، نظر البعض إلى منابع الماء مثل أمكنة لإقامة الحوريات والآلهة الصغيرة.

تشكل صور الماء الديناميكية، قاعدة للغضب، حيث درس باشلار Bachelard مكونات هذه الفعالية المائية في نصوص الشاعر  "سوينبرن" Swinburne، تحت اسم : عقدة سوينبيرن. تمزج، بين عشق السباحة والخوف من الموجة وكذا الغطس الأول، هو قفز في المجهول.

البعد الفعال للماء، يخول إمكانية اختراق الأجسام الصلبة ثم  صهر وإذابة الأشياء. فالماء، صورة للذكاء الذي يتغلغل في أسرار الطبيعة. ثم، ينزلق باشلار Bachelard من فكرة الاختراق إلى تحقق الزواج، حينما لاحظ ميل الماء واستعداده  للامتزاج بعنصر آخر، كي ينتج مع الأرض عجينا.

الماء أيضا صوت، في الوقت الذي يثرثر فيه النبع، ثم تثغثغ العين وتهمس المجاري، ويرفع المحيط صوته مزمجرا، للماء أسلوب يختلف عن العناصر الأخرى سواء بإيقاعاته أو أصواته.

تحيل المياه الصافية، على المنحى المرآوي للماء. وقد قارب باشلار Bachelard عقدة نرجس Narcisse، كاستثمار نفسي لهذا البعد الذي يقدمه الماء وهو يشكل مشهدا للعالم.

لقد تحول الماء عند باشلار Bachelard مثله في ذلك، مثل العناصر الكونية الأخرى : النار، الهواء، والأرض. إلى مجال مفهومي تحدده وتصنفه المكونات التالية :
* يتسامى، الماء من مجرد كونه مادة تلبي حاجات بيولوجية إلى "هرمون خيالي"، يتمثل مجموعة مجازات واستعارات تأخذ صفات إنسانية.

* الماء عظة وعبرة أخلاقية. تأمله، لا يمكّن فقط "تربية الخيال الإنساني". بل، قد يقتسم مع الإنسان مجموعة صفات وخصائص. فالماء، كائن يؤنسن. تتحدد، حالته المادية أساسا بكل ما يختلج  النفس الإنسانية من عواطف ومشاعر. هو صوت، يطوي أحاسيس الأمومة الدافئة لحظة السكينة. على النقيض، غاضب وساخط. ولكل، مجال من هذه الصفات معطياته الأنطولوجية. ستتجلى، قيم الأمومة،  الأنوثة، الصفاء، واللغة... .

يتفاعل، الماء انطلاقا من بعدين كبيرين هما : الحياة/ الموت. وعلى ضوئهما، تنبثق جل القيم والصفات التي تلصق به. بل، يمكن القول بأن الإطار العام لكتاب "الماء والأحلام"، نسجته متواليات هذه الوظيفة التي يتحملها الماء، أو بلغة علماء النفس، الماء المتفائل ثم الماء المتشائم. الماء، كثلة مشاعر وانفعالات وأحاسيس تتقاطع مع النفسية البشرية، في كل ما قد يترتب على هذين الحدين الكبيرين. وانطلاقا من ذلك، استوعب باشلار Bachelard، نفسية الخيال المادي المائي، فدرس هذا العنصر الأكثر أنوثة وانتظاما مقارنة مع النار. ومن ناحية الأمزجة والطبائع، فإن  النخاميين، ارتبطوا خاصة بعنصر الماء. وإن كانت الوثائق قليلة وفقيرة في هذا الإطار، يقول باشلار Bachelard : ((فالشعراء والحالمون، يتسلون في غالب الأحيان، أكثر مما تثيرهم  الألعاب الظاهرية للمياه. حينئذ، فالماء زينة مناظرهم، وليس حقا "جوهر" أحلام يقظتهم. وللتكلم، مثل  فيلسوف، فإن شعراء الماء "يساهمون" بشكل أقل في الحقيقة المائية للطبيعة، من الشعراء الذين ينصتون إلى النار أو الأرض))(19).

يوحي الماء بنوع "خاص من الحميمية"، تختلف عن تلك التي يمكن أن تقدمها أعماق النار أو الحجر. فالخيال المادي، نموذج خاص للتخيل : ((لكن إذا تمكنا من إقناع قارئنا بوجود سلسلة صور عميقة وثابتة أكثر فأكثر، تحت الصور السطحية للماء، فلن يتأخر لكي يحس من خلال تأملاته الخاصة على أُلفة حيال هذا التعمق. كما، يشعر بانفتاح لخيال الجواهر بين ثنايا خيال الأشكال))(20).

يحقق الماء نموذجا للقدر والمصير. مصير، يغير بلا توقف جوهر الكائن. يدرك معه المرء، أحد المعطيات الكبرى للهيراقليطيسية، بكونها فلسفة حسية وشاملة : ((إننا لا نستحم في نفس النهر مرتين. لأنه قبل ذلك، فالكائن الإنساني له  في العمق مصير الماء الذي ينساب))(21).

الماء عنصر عابر، يكشف عن التحول الأنطولوجي الأساسي بين الأرض والنار، يموت في كل لحظة. الماء، موت يومي : ((ينساب الماء باستمرار، يسقط وينتهي دائما إلى موته الأفقي))(22).

يظهر الماء كل خصائص السوداوية والكآبة، التي توحي بها المياه الراكدة. لذلك، فكل الجزئيات الصغيرة للماء تشكل دلالة نفسية عميقة، وكمثال على ذلك رائحة أو عطر النعناع المائي، حيث تتحول الحياة بأكملها إلى عطر: ((أنا أولا رائحة نعناع المياه))(23).
يصير الماء في الأساطير الشعبية، بذرة منوية : (( تكفي قطرة ماء قوية كي تخلق عالما وتذيب ليلا. وحتى، تحلم كثيرا فلا تحتاج إلا قطرة ماء  مُتخيلة في العمق. لذلك، فالماء الذي يتم تحريكه بهذه الكيفية، أصل يعطي الحياة انطلاقة لا نهائية))(24). نرى الماء في كل المكان، يولد وينمو، ينفخ البذرات ويفجر المنابع.

للماء سمات عميقة وأخرى عابرة، درس باشلار Bachelard على ضوئها تآلفه مع باقي عناصر الخيال المادي : ((من خلال بعض أحلام اليقظة، يبدو بأن كل عنصر يسعى إلى زواج أو صراع نحو مغامرات تهدئه أو تثيره))(25). فالماء  المُتخيّل عنصر : ((للمصالحات وخطاطة أساسية للامتزاجات))(26). وقد، أعطى باشلار Bachelard، أهمية قصوى لاختلاط الماء بالأرض، وقد وجد دلالته القصوى في العجين La pâte.

من أجل طرح العلاقات الواقعية والتجريبية للعلتين الشكلية  والمادية، ينبغي الوقوف مطولا عند دراسة العجن والقولبة : ((حينما سنفهم بأن كل تمازج للعناصر المادية، يمثل زواجا بالنسبة للاوعي، قد ندرك صفة الأنثى، التي تمنح تقريبا للماء دائما من قبل الخيال الساذج وكذا الخيال الشعري))(27).

يصير الماء في أحيان كثيرة، وازعا للعظة والعبرة الأخلاقية جراء إدراك مادته الجوهرية. فالنقاء والطهر، لحظتان أخلاقيتان يستشفهما الإنسان وهو يتأمل الماء. وارتباطا بهذا "النقاء الأنطولوجي" يمكننا فهم السيادة التي ينم عنها الماء العذب والناعم، مقابل ماء البحار : ((الماء موضوع إحدى تقييمات الفكر الإنساني الكبرى : تقييم النقاء. ماذا ستكون فكرة النقاء دون صورة ماء شفاف وصاف، وهذا اللغو الجميل الذي يحدثنا عن ماء نقي))(28).

يغير الماء جنسه. فبالرغم من أنثويته، قد يتحول إلى ذكر عنيف وشرس : ((يتقمص الماء في عنفه غضبا خاصا. أو بمعنى ثان، يحصل الماء بسهولة على كل السمات النفسية لنمط من الغضب))(29).

ينطوي الماء على حقيقة شعرية مباشرة، ((فالأنهار والوديان، تجعل بوفاء غريب المناظر الخرساء رنانة، مثلما أن المياه الهديرة تعلم الغناء للطيور والناس))(30).

الماء، كائن شمولي له جسد وروح وصوت، فهو أكثر من أي عنصر آخر حقيقة شعرية متكاملة : ((إن شاعرية للماء بالرغم من تعدد مشاهدها، تؤمن بوحدة. يوحي الماء للشاعر بإلزامية جديدة :وحدة العنصر))(31).

ينعدم لدى الصور المائية، ثبات وصلابة الصور التي تقدمها الأرض والمعادن والأحجار الكريمة، كما تفتقد أيضا لتلك الحياة القوية المميزة لصور النار، فتعجز عن بلورة وتأسيس، ما سماه باشلار Bachelard ب "أكاذيب حقيقية"، بل الأمر يحتاج إلى نفس جد مضطربة للانخداع حقا بأوهام  النهر. بالتالي، لا توقظ فينا ذلك الانفعال العميق كما تصنعه الصور الأرضية والنارية، فهي عابرة لا تحدث إلا أثرا عابرا. يقول باشلار Bachelard : ((يعيش الخيال المادي المائي باستمرار وضعية خطيرة، بحيث يوشك على الانمحاء حينما تتأتى الخيالات المادية للأرض أو النار. إذن، فالتحليل النفسي لصور الماء، نادرا ما يكون ضروريا مادامت هذه الصور تتبعثر))(32).

يكشف الماء لحظة هدوئه وسكينته، علامة "نرجسية" عشق الإنسان لصورته الخاصة، وكذا وجهه كما ينعكس في ماء هادئ. لهذا، يدعو باشلار Bachelard إلى فهم واستيعاب حمولة  المياه النفسية : ((يفيدنا الماء في إعطاء سمة طبيعية لصورتنا، وإعادة شيء من البراءة والبساطة إلى كبرياء تأملنا الجواني. فالمرايا، أشياء  متحضرة ومرنة جدا، وكذلك هندسية بما فيه الكفاية، ثم ببداهة زائدة، هي أدوات للحلم تتكيف من تلقاء ذاتها مع الحياة الحُلمية))(33). فمرآة الينبوع، فرصة أولية لخيال منساب. ((أمام الماء، يحس نرجس Narcisse وهو يتأمل صورته، بأن جماله يتواصل، لم يكتمل وبالتالي يجب إتمامه (...). إن شاعرا، يبدأ بالمرآة سينتهي حتما عند ماء ينبوع إذا أراد صياغة تجربته الشعرية بأكملها))(34). ويضيف باشلار Bachelard : ((تظهر الصورة التي نتأملها في المياه، كمجال  مداعبة مرئية كليا، في غير حاجة قط إلى اليد المداعبة))(35). كما يشكل الماء أداة لنرجسية الورد : ((فكل الورود تتنرجس،  حيث يمثل لها الماء عنصرا مذهلا للنرجسية))(36).

تتحقق جمالية العالم، وهو يرتسم فوق جسد المياه : ((بجوار النهر، ومن خلال انعكاساته ينزع العالم نحو الجمال))(37). انطلاقا،  من الصور المصطنعة : ((التي تتفاعل عند سطح العنصر، دون إعطاء الخيال مساحة زمانية، كي يُشغِّل المادة))(38)، يحدثها سطح الماء الهادئ. يستحضر باشلار Bachelard كيفيات تشكل النرجسية عبر نرجسية كونية حقيقية : ((إن مسألة النرجسية هاته الغنية جدا، ليست إلا تجليا للماء الاصطناعي. لكن، الخيال المادي، يسعى كذلك إلى الحلم وسط النداوة البلورية للينابيع))(39). فقد، اكتُشفت النرجسية، لأول مرة : ((حينما توقف الإنسان أمام ماء هادئ، يعتبر النمط المثالي للمرآة. فيتخيل باشلار Bachelard هذا النرجس وقدافتتن بنفسه: ماذا به ؟ ثم،  يجيب المحلل النفساني دفعة  واحدة : ليبيدو Libido يتوجه إلى الذات بدلا عن العالم، بنوع من الشدة قد تصبح مؤلمة. بالنسبة لباشلار Bachelard أيضا، فإن الرجل وخاصة المرأة التي تتمرأى، فهي لا تفتتن بذاتها فقط، بل تسعى إلى التيقن من الغواية التي تثيرها محاسنها))(40). فالنرجسيون المفتتنون بذواتهم يجدون بأن : ((صفاء الماء وطراوته والخُضرة المجاورة، كلها تعطي  لسماته جمالية مفرطة. لقد تأمل باشلار Bachelard، شاعرية هذا الوجه الذي أصبح انعكاسا))(41).

تمكننا شعرية الماء من المساهمة في هذه الدراسة المزدوجة : الرؤية والتمظهر. يتحدث باشلار Bachelard في هذا الإطار عن استحالة دراسة كثافة الماء العميق قبل المرور أولا من المظاهر السطحية والعابرة. هذه الكثافة، التي تميز بين قصيدة سطحية وأخرى عميقة.

تجد أغلب تمظهرات عقدة النرجسية في بلورة الماء انتعاشتها. وبالإحالة على نرجس، تماهى باشلار Bachelard مع ممكنات الماء/المرآة، ثم حضور العالم في مرآة المياه، يجعل تأمل الماء تأملا منفتحات : ((حينما نستأنس بصور الماء، نكون دائما على أُهْبة الاستعداد للتمتع بوظيفته النرجسية. والعمل الذي يوحي بهذه الوظيفة، يدركه بسرعة الخيال المادي للماء))(42).

نستحضر مع باشلار Bachelard، أيضا علاقة النهر أو الوادي بعراء المرأة متسائلا : ((ما هي إذن وظيفة النهر الجنسية ؟ إنها تمثل للعراء الأنثوي (...) فالمرأة التي تستحم فيه ستكون بيضاء، شابة وبالتالي عارية. فضلا عن ذلك يستدعي الماء العراء الطبيعي الذي يمكنه المحافظة على البراءة (...). الكائن الذي يخرج من الماء، هو عبارة عن انعكاس يتجسد شيئا فشيئا : إنه صورة قبل كونه كائنا ثم رغبة قبل تحوله إلى صورة. بالنسبة لبعض أحلام اليقظة، كل ما ينعكس في الماء يحمل السمة الأنثوية))(43).

وظف الأدب الباشلاري مفهوم الإوزة le cygne، وذلك للإحالة على المرأة العارية، فمن يحب الإوزة يعشق ضمنيا المستحمة : ((تتميز صورة الإوزة ببعدها الخنثوي Hermaphrodite، ذلك أنها أنثى حينما نتأملها في المياه المضيئة، ثم  تتحول إلى ذكر أثناء الحركة. بالنسبة للاوعي، فالحركة فعل ولا يوجد لديه إلا الفعل. لذلك، فالصورة الموحية بهذا الفعل تطورت عنده من الأنثى إلى الذكر))(44). ثم، يضيف باشلار Bachelard : ((الماء موطن للحوريات الحية والميتة، ويعتبر بذلك المادة الحقيقية للموت الأنثوي جدا))(45).

حينما نرتبط بالماء، نحب جسد المرأة، وهو ينمي العراء الذي يوحي بكل أشكال الصفاء. يضفي الخيال المادي على الماء كل صور الاستراحة الأبدية ورمزيات الحياة والحب. يرسم، الماء مثالا للمرأة المعشوقة : ((حيث نتوحد بها كليا، ونحن نغطس في الماء، إلى غاية الإحساس بها باطنيا. جل، تأويلات الحلم، تقر بأن أحلام الماء مرتبطة بالحب والولادة))(46).

من جهة أخرى، بعد وقوفه عند الممكنات المجازية للماء السطحية، سينتقل باشلار Bachelard إلى شاعريات الماء المتخيل في جوهره، من خلال ميتاـ شعرية إدغاربو Edgar Poe مبرر هذا التصور، ما يلي : ((يتهذب الخيال مع المواد الأصلية، وتترابط تعارضات عميقة ودائمة. إنها، خاصية نفسية ثابتة جدا، بحيث يمكن أن نعلنها قاعدة أولية للخيال. القضية العكسية : إن مادة، لا يعمل الخيال على جعلها تعيش بشكل مزدوج، تعجز عن إدراك الدور النفسي للمادة الأصلية))(47).

فالمادة، التي لا تؤسس ذاتها باعتبارها مناسبة لتعارضات نفسية، تظل عاجزة عن استيعاب ازدواجيتها الشعرية التي تعطيها إمكانية القيام بتغيرات لا نهائية، أو كما نعتها باشلار Bachelard ب "مانوية" حلم اليقظة كما رسخته نصوص إدغار بو Edgar poe وهو يتأمل الأنهار والبحيرات. فحينما، نقرأ نصوصه نفهم سر الغرائبية الجنائزية للمياه الميتة. بالتالي، يقارب باشلار Bachelard تيمة الماء/الموت كما تشتغل عليها نصوص إدغار بو Edgar poe بتراكيب مرعبة في إطار بنية ثالوثية تنطوي على : الحياة، الموت والماء.

يقترح باشلار Bachelard استرجاع عقدتين : 1) عقدة كارون Caron 2) عقدة أوفيلي Ophélie. بحيث، يرمزان إلى الانصهار والموت: ((الاختفاء في الماء العميق، أو بين ثنايا أفق بعيد يتوحد مع العمق واللانهائية. ذاك، هو المصير الإنساني الذي يأخذ صورته في قدَر المياه))(48). يتوحد مصير الماء والإنسان، بحيث تتحول لعبة الموت/الحياة إلى جدلية أنطولوجية، ندرك على أساسها الماء في ذاته. وعندما، تكتشف الذات أبجديات هذه الثنائية، يعثر الشاعر العميق على حقيقة الماء الجوهرية.

ينزاح ماء إدغاربو Edgar Poe، عن البعد الذي أخذه في المرحلة الأولى، بحيث يصبح خاصة ثقيلا وأكثر عمقا وموتا من كل المياه الميتة التي نجدها في الطبيعة. فالماء الثقيل، لا يصبح  أبدا ماء خفيفا، كما أن الماء القاتم، لا يستضيء قط.
يرتبط الماء بخاصية الانعكاس، قد نقف معها بداية عند عشق إدغاربو Edgar Poe لماء مُتخيل يحقق مثالية حلم يقظة مبدع : ((يعكس الماء بصفائه الفتي سماء بنجوم تأخذ حياة جديدة. هكذا، فإن إدغاربو Edgar Poe وهو يتأمل عند حافة المياه، سينحت هذا المفهوم المزدوج والغريب ل : نجمة ـ جزيرة. نجمة سائلة، سجينة للبحيرة  وجزيرة للسماء))(49).

يعمل الماء بانعكاساته على مضاعفة الأشياء والعالم، والدخول بالحالم إلى تجربة حلمية جديدة. يصبح الماء : : ((وطنا كونيا، يملأ السماء، بأسماكه. فاتحاد وثيق للصور، يعطي الطائر للماء العميق والسمك للسماء. فالانعكاس، الذي اشتغل على المفهوم  المبهم الجامد للنجمة ـ الجزيرة، يتفاعل هنا مع مفهوم مبهم وحيّ للطائر ـ السمك))(50). هكذا، يتحول السمك إلى كائن يحلق ويسبح.

فالماء وتحت تأثير الانعكاسات، يخلق ويهيئ تصورا للحلم. ولكي، ندرك ذلك، يحتاج الخيال إلى جدلية بالنسبة للخيال المزدوج، لا تعتبر المفاهيم مراكز صور تتراكم بالتماثل والتشابه، لكنها نقط لتقاطع الصور. يقول باشلار Bachelard  : ((كيف يمكن القول بصيغة أفضل، أن الماء يلاقي الصور ؟ ونفهم جيدا قوته المجازية ؟))(51).

وانطلاقا من ذلك، يحيل الماء على الزمان، فلا يمكن أن نصف ماضيا دون صور العمق. إن ماضي الذات مثل ماء عميق. بالتالي، لا يمكن إدراك صورة متكاملة عن هذا العمق دون تأمل الماء.

إذن، التصور الأول للماء عند إدغاربو Edgar Poe، تميزه خاصية الصفاء والشفافية أي تلك الحالة المطابقة لحلم الألوان السعيدة، إنه حلم عابر. لكن هذا الماء، سيتجهم ويتعتم، فيصير قبرا يوميا لكل شيء يموت فينا. الماء دعوة لموت خاص. وكل، ما ينساب في الطبيعة يتثاقل ويتألم، يشبه دما ملعونا يجرف الموت. هناك إذن، شعرية للدم والمأساة ثم الألم، فالدم لا يكون أبدا سعيدا. الماء، يؤنسن الموت : ((يجد خيال المأساة والموت في مادة الماء صورة محض مادية قوية وطبيعية. هكذا، عند بعض الذوات، فإن الماء  يمسك حقا بالموت في جوهره))(52). الموت في ماء هادئ، له ملامح أمومية، يتفاعل مع كل تأملات القدر المشؤوم ثم الانتحار. إنه عنصر سوداوي بامتياز، ينطوي على كل معاني فقدان الأمل.

يبقى الماء، العنصر الأكثر وفاء لمفاهيم المزج والاختلاط. يميز باشلار Bachelard في هذا السياق بين خيال شكلي يحتاج  لفكرة التركيب، مقابل خيال مادي يتغيا المزج : ((يعتبر الماء، العنصر الأكثر ملاءمة لإبانة موضوعات امتزاج القوى. يستوعب عناصر كثيرة ويجذب إليه ماهيات مختلفة. يتفاعل، بالسهولة نفسها مع مواد متعارضة كالسكر والملح. يتأثر بكل الألوان والنكهات وكذا الروائح. ندرك، إذن بأن ظاهرة انصهار الأجسام الصلبة مع الماء، يشكل إحدى الظواهر الرئيسية لهذه الكيمياء الساذجة التي تبقى كيمياء للحس المشترك، والذي يعتبر بقليل من الحلم  كيمياء الشعراء))(53).

يوحد الخيال المادي. الماء بالأرض والماء بالنار ثم الأرض بالنار. أما البخار، فهو وحدة بين الهواء والماء. يقول باشلار Bachelard : ((طبيعيا، سنجد عند الشعراء بأن الخاصية المباشرة للاختلاط، تحدد أكثر مجازات فجائية وإبداع عجيب ثم ذاك الجمال الساطع))(54). لكن، يبقى التعارض  بين الماء والنار، الوحيد الجوهري حقا : (( وإذا كان منطقيا استدعاء أحدهما للآخر، فإنه جنسيا الواحد منهما يرغب في الثاني))(55). وحينما، يحلم الخيال بوحدة الماء والنار، يؤسس صورة مختلطة قوية، يسميها باشلار Bachelard ب : L'humidité chaude(56)، تشكل منطلقا رئيسيا لمجموعة من الأحلام الكونية.

قد يختلط الماء أيضا بالليل : ((يبدو الليل ظاهرة كونية، حيث يمكننا تناوله حقا مثل كائن ضخم يُفرض على الطبيعة بأكملها، ولا يلمس  في شيء الجواهر المادية. إذا تمت أنسنة الليل، فلأنه آلهة déesse  لا شيء يصمد أمامها. تعطي وتخفي كل شيء، إنها آلهة الحجاب))(57). يخترق الليل الماء، ويطويه في قلبه.

أما وحدة الماء والأرض، فتصنع العجين la pâte، وهو أحد النتاجات الأساسية للمادية، لم تنتبه إليه الفلسفة جيدا. مع العجين، تبدو حركة الماء بديهية.

يهدهدنا الماء، ويمنحنا إحساسا بالأمومة، يجعلنا ننام ويتحول إلى غذاء حليبي. لأنه يستوفي كل المظاهر اللبنية : من بين كل العناصر الأربعة، فقط الماء يمكنه أن يهدهد (...) مثل أم"(58)، ويضيف باشلار Bachelard : ((من الضروري القول، بأن الماء حليب. ويشكل أكثر تحديدا، كل مشروب مبتهج يعتبر حليبا أموميا))(59) . كل سائل هو ماء، في حين الماء مثل الحليب يعتبر غذاء متكاملا: ((ما هي إذن في العمق صورة هذا الماء اللبني ؟ إنها صورة ليل دافئ وسعيد. وكذا ماء شفاف وأخاذ. صورة، توحد في الآن ذاته الهواء والماء والسماء والأرض. إنها، كونية، واسعة، ضخمة وناعمة))(60).

يجد الخيال المادي في الماء، مادة نقية جدا : ((فالماء يظهر ذاته  كرمز طبيعي للنقاء ويعطي معاني محددة لنفسية تغالي في النقاء))(61). كل إنسان، يقف بسهولة ومن أول وهلة على صورة للماء يحتفي بالنقاء. في المقابل، يُتهم الماء القذر بكل أنواع الآثام : (( فإذا قبله الفكر الواعي باعتباره مجرد رمز خارجي للشر. فإنه، بالنسبة للاوعي يكون موضوع ترميز فعال وداخلي ثم جوهري كليا، يشكل الماء القذر داخل اللاوعي وعاء للشر، ينفتح على كل الشرور. إنه، جوهر الشر))(62).

أدنى قذارة تؤدي إلى تبخيس الماء النقي، وتكشف عن فكر شرير يجسده، ماء فقد صفاءه وانتعاشته. نحاور الماء، مثلما نفعل مع الوعي، حيث يتحول الماء إلى وعي وإرادة : ((عندما نتأمل هذا الفعل النقي والقذر، نمسك بتحول للخيال المادي إلى آخر ديناميكي. الماء النقي والقذر، لا يتم التفكير فيهما فقط كجواهر بل مثل قوى))(63).

يعطي الخيال المادي للماء أيضا، خصائص علاجية ووقائية من مصائب الأمراض والشرور والميتافيزيقية. وكنموذج لذلك، الأعمال الطبية الكثيرة التي كُرست في القرن 18 للمياه المعدنية والحرارية. بل، الماء مقدس لأنه إلهي.

إجمالا، يمكننا القول، لقد سعى باشلار Bachelard في كتابه السابق عن النار إلى تصنيف أنماط الخيال المختلفة بوضع قاعدة للمحددات الأنطولوجية، للعناصر الأربعة. وحينما انتهى من دراسة النار، قطع مع التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية، وبداية أعماله حول المتخيل. توجه، تفكيره إلى الماء لكن هذه المرة دون الإشارة لمفهوم التحليل النفسي
"
la psychanalyse"، بل وظف عنوان "الماء والأحلام" 

"
l'eau et les rêves". يبرر باشلار Bachelard ذلك : ((لكي نتحدث عن التحليل النفسي، من الضروري أن نتوفر على تصنيف للصور الأصلية، دون أن نترك للواحدة منها أثر امتيازاتها الأولى. ثم، يجب تحديد وتعيين العقد التي عملت لمدة طويلة على الربط بين الرغبات والأحلام.  وأعتقد، بأنني طبقت ذلك في التحليل النفسي للنار))(64). كان باشلار Bachelard عقلانيا حيال النار، مسألة لم ينجح في تطبيقها  اتجاه الصور التي يقدمها الماء لأن إثارتها مستمرة دائمة. وقد وجد في الدراسة التي خصصتها "ماري بوناربارت" Marie Bonaparte لنصوص إدغاربو Edgar Poe، ومن خلال  اكتشافها للدلالة العضوية لمجموعة من الموضوعات، مثالا عن البعد الفيزيولوجي لبعض الصور الشعرية. يقول : ((لقد فهمت قيمة الطرق الجديدة للقراءة  التي تقدمها مجموع المدارس النفسية الحديثة. فما إن نقرأ عملا بوسائلها في التحليل، حتى نمارس  تساميا متنوعا جدا يقر بصور بعيدة مانحا للخيال انطلاقة عبر قنوات  متعددة. بينما، عرقل النقد الأدبي الكلاسيكي تلك الانطلاقة  المتشعبة. ذلك أن طموحاته إلى معرفة نفسية غريزية وكذا حدس فطري. أحالت الأعمال الأدبية إلى تجربة نفسية قديمة))(65). حيث، شكلت إعادة قراءته لأعمال إدغاربو Edgar Poe وسيلة عملية لممارسة تصوراته الجديدة، والتي اعتبرت نصوص هذا الشاعر تعبيرا ضمنيا عن ارتباط عضوي بالماء، تستحضر في كل آن ذكرى الموت.

من بين أيضا، ممثلي المزاج المائي، سيقف باشلار Bachelard عند قصيدة الشاعر الإنجليزي "سوينبرن" Swinburne وما تزخر به من مكونات الفعالية المائية : ((وقد حدد في هذا الإطار، ما سماه بنكهة الدعابة المعتادة لديه : عقدة سوينبرن))(66). والتي تنطوي على دلالات عشق الماء والشغف بالسباحة، لكن أيضا خوف الشاعر من الموجة والغطسة الأولى.

أقام، إذن كتاب "الماء"، أول محطة حقيقية لدراسة الخيال الإنساني، بعد أن جسد هذا الأخير عائقا في "النار" أمام مقاربة موضوعية لهذا  العنصر، بإمكانها وحدها تحقيق العلمية، وبالفعل، يوحي حلم اليقظة المنطلق من الماء، بمجموعة مجازات تشعر معها الذات الإنسانية باسترخاء نفسي كبير : ((يستريح العالم في الماء النائم. كما أنه، أمام هذا الماء النائم يكتشف الحالم استراحة العالم))(67).

صاغ باشلار Bachelard، مضامين كتابه عن الماء، والعالم يعاني ويلات الحرب، إضافة إلى أن فرنسا كانت تعيش وقتها تحت الاحتلال النازي، مما يفسر رغبته القوية نحو الخلاص باللجوء إلى الحلم والخيال. إنه، سعي لتجاوز قوانين هذا العالم المجحفة. بالتالي، تحتم الانزياح عن الخط "العقلاني" الذي تبناه في النار : ((لقد قاربنا النار برؤية عقلانية. تلزمنا الحقيقة، لكي نعترف بأننا لم ننجح في نفس التقويم حيال الماء. ذلك أن صور الماء، نعيشها  حتى الآن تأليفيا في عقدتها الأولى، حيث ننخرط معها في الغالب بشكل "لا عقلاني"))(68). تتهاوى، المسافات بين الذات والصورة، ويصبح إدراكها لحظة من لحظات معايشتها.

لم يكن إذن، تبني باشلار Bachelard لعنصر الماء صدفة،  بل جاء نتيجة اختيار مسبق يبرره إيمان مطلق بالخيال الإنساني، بعد أن استبعده في مرحلة أولى، لأنه يقود إلى الخطأ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الهـــوامش :
(1) Gaston Bachelard : l'eau et les rêves, essai sur l'imagination de la matière, José corti, 1942, 15ème réimpression, 1979, Page 11.
(2) Ibid, Page 12.
(3) Ibid, page 11.
(4) Michel Mansuy : Gaston Bachelard et les éléments. José corti, 1976, Page 181.
(5) Gaston Bachelard: l'eau et les rêves, Op, cit, Page 99.
(6) Ibid, pp 112-113.
(7) Ibid, Page 96.
(8) Michel Mansuy : Op.cit, P 187.
(9) Ibid, page 189.
(10) Ibid, page 190.
(11) Gaston Bachelard : l'eau et les rêves, Op, cit, Page 64.
(12) Ibid, page 63.
(13) Michel Mansuy : Op.cit, P 159.
(14) Gaston Bachelard : l'eau et les rêves, Op, cit, Page 77.
(15) Ibid, page 80.
(16) Ibid, page 88.
(17) Ibid, page 92.
(18) Ibidem.
(19) Ibid, page 8.
(20) Ibidem.
(21) Ibidem.
(22) Ibid, page 9.
(23) Ibid, page 10.
(24) Ibid, pp 13/14.
(25) Ibid, page 18.
(26) Ibid, PP : 18/19.
(27) Ibid, page 20.
(28) Ibidem.
(29) Ibid, page 21.
(30) Ibid, page 22.
(31) Ibid, page 23.
(32) Ibid, page 30.
(33) Ibid, page 32.
(34) Ibid,  page 33.
(35) Ibid, page 35.
(36) Ibid, page 37.
(37) Ibid, page 38.
(38) Ibid, page 15.
(39) Michel Mansuy : op. cit,  page 186.
(40) Ibid, page 183.
(41) Ibid, page 184.
(42) Gaston Bachelard : l'eau et les rêves, Op, cit, Page 40.
(43) Ibid, page 49.
(44) Ibid, page 52.
(45) Ibid,  page 111.
(46) Michel Mansuy, op. cit, page 203.
(47) Gaston Bachelard : l'eau et les rêves, Op, cit, PP 16/17.
(48) Ibid, page 18.
(49) Ibid, page 67.
(50) Ibid, page 72.
(51) Ibid, page 74.
(52) Ibid, page 122.
(53) Ibid, page 126.
(54) Ibid, PP 131/132.
(55) Ibid, page 133.
(56) Ibid,  page 136.
(57) Ibid, page 137.
(58) Ibid, page 177.
(59) Ibid, page 158.
(60) Ibid, page 163.
(61) Ibid, page 181.
(62) Ibid, page 189.
(63) Ibid, page 195.
(64) Gaston Bachelard : l'eau et les rêves, Op, cit, Page 9.
(65) Ibid, page 81.
(66) Ibid, page 210.
(67) Gaston Bachelard : la poétique de la rêverie, PUF, Quadrige, Paris, 1960, 4ème édition, 1993, page 169.
(68) Jean Lescure : un été avec Bachelard, luneu Ascot éditeurs, 1983, page 64.

*ناقد وباحث أكاديمي مغربي
المصدر : المجلة الثقافية