‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة العلم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة العلم. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 مايو 2022

”الحقيقـةُالمُطلقـة و العِلـم “

مقـالٌ من موقـع : Big Think

ترجمـة : زينـب شاهين 



أَلِلحقيقةِ المُطلقـةِ وجـود ؟

و هـل منالُهـا مقصِدُ العِلـم ، أم أنَّ المعرفـةَ التَّقريبيَّـة الإحصائيَّـة و مبدأ « اللاحتميَّـة –Indeterminism » باتَـا لُبابَ الإبستمولوجيا العلميَّة المُعاصِرة بعـدَ أن كانـت المُطلقيَّـة الإقليديَّـة أُسَّ العلـم ؟

مُبتدَأُ المقال ، إنَّ ” الحقيقةَ “ أُفهـومٌ يعتَوِرُهُ التَّعقيـد ، إذ ليسَ من اليسيرِ وضعُ تعريفٍ ناجـزٍ لـها ، و لا القبضُ المُحكَـمُ على ماهويَّتِـها ، كذلك الأمـر.

لا يفتأُ اللَّبسُ ينثالُ على ” الحقيقـة “ حتَّـى على صعيـدِ التَّعامُلاتِ الإنسانيَّـةِ ؛ فهـل الحقيقـةُ صِراطُـكَ القويـم ؟ و أنَّـى لكَ أن تُوقِـنَ من أنَّ فُلانـاً من النَّاس أخـو ثقـةٍ و أنَّ منطوقَـهُ عيـنُ الحقيقـة ؟

و على مقلبٍ أنثروبولوجيٍّ هذهِ المرَّة ، فإنَّ كُـلَّ جمـاعةٍ بشريَّـة تعتقـدُ في صوابيَّـةِ و أحقِّيَّـةِ سُلوكٍ ما بِمـا يتساوقُ و قيمَـها الأخلاقيَّـة و مواريثَـها الثَّقافيَّـة ؛ و بالإمكانِ الإتيانُ على غيـرِ مِثالٍ في هـذا المقام :

هل عقـوبةُ الإعـدام و الحقُّ في الإجهاض شرعةٌ مُحلَّلةٌ لـدى كُـلِّ الدِّياناتِ ، السَّماويَّـةِ منها و الأرضيَّـة ؟

هل لِلحيواناتِ و البيئـةِ حقوقٌ وضعيَّـة واجِـبٌ الانصياعُ لهـا تحتَ طائلـةِ الجُنحـة ، كمـا أنَّ الالتزامَ بها مُتجذِّرٌ في الثَّقافـةِ الجمعيَّـة لكُـلِّ المُجتمعـاتِ دونَ استثناء ؟

هـل تُحرِّمُ جميـعُ الدُّولِ على مواطنيـها حِيازةَ الأسلحةِ الفرديَّـة، أمِ الأمـرُ حِـلٌ بِشُروطٍ لدى بعـضِ الحُكومات ، و بِدونِ شُروطٍ البتَّـة لدى أُخَـر ؟

و لِمسرَدِ الأمثلةِ هذا مُتتالياتٌ و توابِـع.

و ما يزيـدُ الطِّينَ بِلَّـة، سريانُ الأخبارِ المُلفَّقةِ و المُضلِّلة في عصرِنـا الآنيّ مسرى النَّارِ في الهشيم ، الأمـرُ الذي يُفاقمُ من تعسُّرِ تجسيرِ المسافاتِ بيننا و بينَ ضالَّتِنا المُتواريـة.

و هـكذا ، نطوفُ في حلقـةٍ مُفرغـةٍ تنوءُ بِالعبث ، حيثُ إنَّ التَّثبيطَ العـمْد الذي تتعرَّضُ له بوصِلتُنا العقليَّـة المُوكلَة باصطفاءِ ما هـو أقربُ للصَّوابِ و المنطِق و طرحِ ما هـو دونَ ذلك يرمـي بِـنا في مضيقِ الارتيابِ و التَّقلقلِ العاطفيّ ، و في خواتيمِ المطاف ، يئِـنُّ اللَّاشعورُ الجمعيّ تحتَ وطأةِ ” الرِّقِّ الفكريّ “ ، أي الانصياعُ العُبوديّ لِلبروباغندا التي يسعى إلى تجذيرِهـا في الغِيرانِ السَّحيقة لِلَّاوعي الجماهيريّ المُهيمنونَ على الماكينةِ الإعلاميَّـةِ العالميَّـة.

هذا على صعيـدَي التَّعاطي و التَّفاعل الفردانيّ و الجمعيّ المُشكِل مع الحقيقة ، و أمَّـا العِـلم ، فينطوي مبلـغُه على الرُّنـوِّ صـوبها دون أدنـى اعتبارٍ لِأيّ نظامٍ قُدسيّ و التزاماتِه الخُلُقيَّـة و القيميَّـة المسنونة عنـه ؛ إذ يربأُ رِجالاتُ العِلـم بِأنفُسِهـم عن الدَّهمـاءِ و مِلَلِهـم و نِحَلِهـم المُتناحِرة ، حسبُهـم من نهج الحِيـاد مِشكاة تُنيـرُ مسارِبَهُـم البحثيَّـة.

و مبعثُ مسلكهـم هذا هو أنَّ الجوهـرَ الرِّياضيّ لِلوجـود ، أو لِنقُـل ، الطَّبيعـة الطَّابِعـة ، لا تُلقِ بالاً لأيِّ شكلٍ من أشكالِ الخُضوعِ الرَّغائبيّ ، اللَّاهوتيّ منه و النَّاسوتيّ ؛ فالعِتقُ من رِبقـةِ الإيديولوجيَّـاتِ إذن ، بِوصفِهـا تزييفـاً معرفيَّـاً ، لِزامٌ يُحتِّمُـهُ تسارعُ الرَّكب العلميّ.

و هكـذا ، فإنَّ اتِّفـاقَ العقلِ البشريّ مع الطَّبيعـة و مُطابقتَـه لهـا ، بمعزلٍ عن أيَّـةِ وساطاتٍ عقائديَّـة مُقوِّضة لِحُريَّـةِ الفِكـر ، يسوقُ العُلماءَ إلى نيـلِ مُنيتِهـم المُشتهاة : الحقيقـة.

من المُفارقاتِ العبثيَّـةِ بِمكان أنَّك تجِـدُ أعتى الكهنوتيّين و أكثرَهُـم تزمُّتـاً حِيالَ العِلـم بوصفِـهِ ” مُحرِّضاً على الإلحاد “ يتنعَّمـونَ بمُنجزاتِـهِ و يستأمِنُـونَ العُلمـاءَ على حيواتِهـم دونَ دِرايـةٍ منهـم ؛ فهـل تعمـلُ مُحرِّكاتُ و مكابِحُ مركباتِهـم بقوَّةِ قوانينِ الهيدروليكا و الميكانيكا الحراريَّـة أم بِحرارةِ الإيمان ؟

و هـل يتفكَّرون ، و لو لبرهـة ، و هُـم قابعون في سيَّاراتهـم ، كيفَ سخَّرَ العُلمـاءُ قوانين الفيزيـاء الفضائيَّـة ابتغاءَ إجراءِ اختباراتٍ لا تُعـدُّ و لا تُحصى و ذاتِ مُستوياتٍ من الدِّقَّـة مُذهلـة و واعِدة أمكنَ للإنسانِ الحديثِ التماسُ جناهَـا في أيسرِ نشاطاتِهِ اليوميَّـة ؟ نتحدَّثُ عن نظامِ تحديدِ المواقع (GPS) الذي أتاحَ للإنسان التَّعرُّفَ على مكـانِ سيَّارتِـهِ عن بُعـد ، بالإضافـةِ إلى تحصيلِ كافَّـةِ الحيثيَّاتِ الخاصَّة بها في حالِ تعرَّضَتْ للسَّرقة ، أو توجيهِ السَّائقِ المُتواجدِ في السَّيارة إن تاهَ عن وُجهتِـه.

أم أنَّهـم مُستغرقون ، حتَّى توِّنا هذا ، في المُماراة و الجِدالات اللَّجوجـة بشأنِ كُرويَّـة الأرض ؟ في الوقـتِ الذي ينشغلُ عُلمـاءُ و مُهندسو الإدارةِ الوطنيَّـة لِلملاحةِ الجويَّـة و الفضاء (NASA) في تصميم مروحيَّـةِ « إنجينويتي » المرِّيخيَّـة ( Ingenuity Mars Helicopter ) ، و هي مروحيَّـةٌ روبوتيَّـةٌ بدونِ طيَّار ؛ مهمَّتُهـا اختبارُ تكنولوجيا مُخصَّصة للبحثِ عن أماكنَ ذاتِ أهميَّـةٍ علميَّـة على سطحِ كوكـب المرِّيخ ، بُغيـةَ المُساهمةِ في تحديدِ أفضلِ طُـرقِ السَّير لمركباتِ المرِّيخ المُستقبليَّـة.

أي نعـم ، ما ذُكِـرَ أعلاهُ مُنجزاتٌ ضيِّقةٌ مديَّاتُهـا إن قِيسَتْ بشساعـةِ الكـون و جلالِ نواميسِ الطَّبيعـة التي لمَّا تُستنبط بعـد ، و لكنَّ مُستندها الحقيقة ، ليسَتِ المُطلقة حتماً ، و إنَّـما التَّقريبيَّة التي يحـومُ في فضائها العُلمـاء في مسعىً لا نهائي بُغيـةَ فهـمٍ أعمـقَ لِنواظم الوجـود و توظيفِ هذا الرصيدِ المعرفيّ المُتراكـم لخدمـةِ البشريَّـة ؛  الحقيقةُ المُبرهنـة و الملموسة و النَّفعيَّـة و التي يميطُ المجمعُ العلميّ اللِّثـامَ عنهـا بعـدَ استيفاءِ شرطِ الإجمـاعِ المُنبجسِ من وضعِ النظريَّاتِ و الاستدلالاتِ و النَّتائجِ موضِعَ الاختبارِ العلميّ الصَّارم ، و إلقاء ما بَطُلَ و تنافرَ و تداعـى منها و الإبقاء على ما ثَبُتَ و اتَّسقَ و صمَد.

و لكِـن ، ما الحقيقّة ؟

تتزيَّـى الحقيقـة بمطليَّاتٍ شبحيَّـة و تستحيلُ أكثرَ تخفِّيـاً ، كُلَّمـا تغوَّرْنـا في حفرِنـا الأركيولوجيّ بُغيـةَ استحواذِهـا ؛ تلكَ مُحصّلةٌ انتهـى إليهـا واحِدٌ من ألمعِ لبائبِ فلاسفةِ ما قبلَ سُقراط في العامِ (400) قبلَ الميلاد ؛ إنَّـهُ « ديموقريطس – Democritus » ، الفيلسوفُ الضَّاحِكُ و عالِـمُ الطَّبيعيّاتِ الذي قالَ يـوماً :

” إنَّ الحقيقـةَ مُتواريـةٌ في أعمـاقِ الظَّواهـرِ أو الأشياء. “

قمينً بالذِّكرِ  أنَّ « ديموقريطس » قـد سبقَ عُلمـاءَ الذَّرَّة بألفَـيْ عـام لجهـةِ دأبِـهِ الحثيثِ على إثباتِ أنَّ الذَّرَّة ، بوصفِها وحدةً مُتجانسةً مُتناهيةَ الصِّغر ، غيرَ محسوسة و غيرَ متناهية العدد ، هي كُنْـهُ الموجودات ، كُـلّ الموجودات ، لِيُطوِّر أوَّل نظريَّـةٍ ذرِّيَّـة و يضعَ المذهـبَ الذَّرِّي بصورتـه الكاملة ، آخِـذاً بِهَـدي مُعلِّمـهِ الأوَّل « ليوكيبوس – Leucippus » .

إذا ما تقصَّيْنـا التَّعريفَ المُعجميّ للحقيقة ، نجِـدُ أنَّهـا ” خاصِّيَّـةُ ما هو حـقّ و صادِق “ ، و كمَـنْ فسَّرَ الماءَ بعـدَ الجُهـدِ بِالمـاء ؛ فأنَّـى لنـا أن نعِـيَ ما هـو حقّ ؟

ينطـوي تعريـفٌ آخـر على جُزئيَّـةٍ جـدُّ مُهمَّـة :

” القضيَّـةُ الحقيقيَّـة هي كُـلُّ قضيَّـةٍ مُسلَّمٌ بأحقِّيَّتِهـا و صِدقِهـا “

التَّسليمُ هو مربطُ الفرسِ ههُنـا ؛ ليسَ التَّسليمُ بِصِبغتِـهِ الثِّيولوجـيّة القائـمة على الإيمـانِ الغيبيّ المُقفـرِ من القرائـنِ و الأدلَّـة ؛ فالتَّسليمُ العلمـيّ بعيـدٌ عمَّـا سبق بُعـدَ الثَّـرى عن الثُّـريَّا ، إذ لا يُسَلِّمُ المجمعُ العِلمـيّ بِصدقِ أيَّـةِ مقولةٍ عِلميَّـة ما لـم تتَّكىء على جِـدارٍ صدٍّ من البراهينِ المنطقيَّـة و الاستدلالاتِ المُثبتَـة ؛ ناهيـكَ عن أنَّ المزِيَّـةَ التي ينفرِدُ بِهـا هذا التَّسليم أنَّـهُ لا إطلاقَ فيـه و لا حسْمَ و لا جُمـود ، فمـن مباعثِ سناءِ العِلـمُ ترييضُـه المُستمرّ و قابليَّتُـه الدَّائمـة للدَّحضِ و الإزاحـة و التَّصويبِ و التَّجديـد.

و على سبيلِ ديناميَّـةِ العِلـم ، نذكـرُ ، قانـونَ الفلكيّ و الرِّياضيَّاتيّ الطِّليانيّ الجليل « غاليليو غاليلي – Galileo Galilei » لِلسُّقوطِ الحُـرّ ، و الذي دحضَ من خِلالِـهِ ميكانيك « أرسطو – Aristotle » و أبطلَ بِذلكَ نظريَّتَـهُ التي سطَّرَ فيها اعتمادَ سُقوطِ الجسمِ في سُرعتِـهِ على كُتلتِـه ؛ و لئِنْ كانـت خيـر البراهيـن التَّجربـة ، أحضرَ « غاليليو » عِـدَّةَ كُراتٍ لها نفسُ الحجم ، إنَّمـا تتمايزُ أثقالُهـا ؛ إذ هي مصنوعةٌ من موادَّ مُختلفة ، و من ثُـمَّ تركَـها تسقطُ من ذُروةِ بُـرج بيـزا بإيطاليـا على مرأى الأشهاد.

افترشَتْ أماراتُ الذُّهـولِ مُحيَّـا الحُضور إبَّـانَ مُشاهدتِهم هذهِ الكُـرات تترافقُ أثناءَ تداعيهـا من عُلـوّ على اختلافِ أوزانها ؛ فصخرةٌ عملاقةٌ و ريشةٌ خفيفةٌ ، بإهمالِ مُقاومة الهواء ، ستسقُـطانِ بتزامُنِ عُنصرَي الوقتِ و التَّسارُع ؛ و بالتَّالي ، إنَّ مزيداً من الضَّخامةِ لا يعني البتَّـة تسارُعـاً أكبر ، فالجاذبيَّـةُ إذن هي العامِـلُ المُؤثِّـرُ الأوحـد على الأجسام.

و علـى سيرةِ الجاذبيَّـة ، فما الجاذبيَّـة ؟

لا شكَّ أنَّ الجُنوحَ صوبَ التَّساؤلاتِ الأُنطولوجيَّـة التي تتأمَّـلُ في الماهويَّـاتَ أشَقُّ من تلكَ المعنيَّـة بتبيانِ الكيفيَّـات.

هي التَّعجيـلُ الأرضي ، بتعبيـرِ « غاليليو » ، و قوَّةُ الجـذبِ النَّاشِئـة بينَ أيّ جسمَيْن و التي تتناسبُ عكسيَّاً مع مُربَّـعِ المسافةِ الفاصِلة بين مركزَيْهما ، وِفقـاً لِـ « نيوتُـن - Newton » الذي تقدَّمـهُ واضِعُ النَّظريَّـةِ النِّسبيَّـة بعـدَ زُهاء ثلاثـةِ قُرونٍ ، مُبطِلاً نظريَّته حِيالَ الجاذبيَّـة ، و ليسَ في ذلِكَ منقصةٌ من إرثـهِ العلميّ المُحايثِ لزمانِـه ببداهـةِ الحال ، و إنَّمـا اقتضَتِ الصَّيرورةُ العلميَّـة أن تصيرَ الجاذبيَّـةُ ” حاصِلَ اضطِّرابٍ أو تشوُّهٍ في الزَّمكان ، أو ما اصطُلِحَ على تسميتِـهِ بِـ « البُعـد الرَّابـع » “ ، تمامـاً كما ستقتضي – تلك الصَّيرورة – دحضَ أو تصويبَ ما انتهـى إليـهِ « آينشتاين – Einstein » إن نبـغَ عالِـمٌ في نظريَّـةٍ مُحدثـة و مُبرهنـة على نحـوٍ مُتَّسِق في قادماتِ الزَّمن.

هـل يقِـفُ جميعُ العُلماء على ضفـَّـةٍ واحدة إزاءَ خطـلِ مقولات الإطلاق و اليقين و الحتميَّـة ؟

قطعـاُ لا ؛ تذهـبُ طائفةٌ من العُلمـاء إلى اعتبارِ مقولاتِ النِّسبيَّـة العلميَّـة و الثَّقافيَّـة محضَ لجـاجٍ سفسطيّ ليس إلَّا ، فيُناكِـفُ عالِـمُ البيولوجيـا التَّطوُّريَّـة البريطانيّ « ريتشارد دوكِنز – Richard Dawkins » ، في مُؤلَّفـه الموسومِ بِـ ” قسِّيس الشَّّيطان – A Devil’s Chaplain “ ، الفيلسوفَ الأبستمولوجيّ البريطانيّ – النِّمسائيّ « كارل بوبر – Karl Popper » النَّاظـرِ إلى الحقائقِ العلميَّـة على أنَّـها فروضٌ حدثَ أن تعذَّر تفنيدها حتَّى الآن ، و أنَّ حقائقَ اليوم ستبدو عتيقةً سخيفةً غـداً ؛  فمركزيَّـةُ الشَّمس – مثلاً - ، يرى « دوكنز » ، حقيقـةٌ مُطلقـة لا يُمكِنُ أن تُنكرَها ثقافةٌ محليَّـة ، و ليسَتْ مجرَّد افتراضٍ بانتظارِ التَّفنيـد.

فلنُنَـحِّ جانباً الإتيانَ التَّفصيليّ على مُجتمعٍ حاليّ قائمٍ بذاتِهِ يضمُّ لفيفاً ممَّن يعتقدونُ بتسطُّحِ الأرض ، و هم من الجدِّيَّـةِ بِمكان أنَّهُـم ذوو غاياتٍ تبشيريَّـة و استقطابيَّـة ، إذ يُكرِّسونَ الشَّبكة العنكبوتيَّة و منصَّات التَّواصلِ الاجتماعيّ بأسلوبٍ منظَّمٍ و مدروس للبرهنةِ على نظريَّتهم و فضحِ ” افتراءاتِ مؤامرةِ الأرض الكرويَّـة المُدبَّـرة من قبل (NASA) و الوكالاتِ الحكوميّة الأُخرى. “

ما هو خليقٌ بِالذِّكـر في هذا الصِّدد ، أنَّ أبَ الثَّورةِ المعرفيَّـة التي أحدثَتْ أعتى انزياحٍ في مسارِ العِلـم الحديث و مكانةِ الإنسان قياساً بِهَـولِ كَـونِـه و أدَّت إلى قطيعةٍ أبستمولوجيَّـة صارِمـة مع الإرثِ الفلكيّ البطليموسيّ الذي دامَ عموداً فقريَّـاً للميكانيكا السَّماويَّة طيلةَ (1400) عام ، أنَّ « كوبرنيكوس – Copernicus » نفسه ، بانقلابـه العلميّ التَّاريخيّ هـذا ، دحضَ النَّظريَّـاتِ المُطلقة و اليقينيَّـة و ابتدعَ جِهازاً مفاهيميَّـاً و نسقاً فِكريَّاً ديناميَّيْن عِمادهُما نِسبيَّـةُ المعرفـة بوصفِها انعكاساً لنسبيَّـة عقل الإنسان و ضآلةِ الأخير الوجوديّة من مُنطلقِ أنَّ ما الأرض سِوى مجرَّدُ كوكبٍ واحد من بين عـدَّةِ كواكِبَ أخرى ، في مجرَّةٍ واحدة ضمن مجرَّاتٍ عديـدة.

 

و في خِتام القـول ، من محامـدِ المعرفة العلميَّـة افتقارُهـا لِلكمـال ، كمـا أنَّ دِقَّتهـا و نجاعةَ تطبيقِـها تطَّرِدُ مع مـدى تطِّورِ أدواتِ و مقاييسِ البحثِ العلمـيّ ، التي كُلَّمـا وثبَـت إلى مديَّاتٍ أسمـى ، تسنَّى للعُلمـاء وضع أيمانِهـم على مكامِـن المثالبِ و الثِّغَـر في النظريَّات الآنيَّـة ، فتاريخُ العِلـم – يقولُ الفيلسوفُ الفرنسيّ الظَّاهراتيّ « غاستون باشلار – Gaston Bachelard » - إن هو إلّا تاريخُ تصحيحِ أخطاءِ العلـم. “

و ما السُّفن الفضائيَّـة و الطائراتُ ذاتيّـةُ القيادة و الأدوية و اللُّقاحات المُطوَّرة و تقنيَّـاتُ الجُزيئات مُتناهيـة الصِّغـر (Nanotechnology) و المقصّ الجينيّ (CRISPR-Cas9) و شبكاتُ الجيلِ الخامس و تكنولوجيا الحاسَّة السَّادسة ، على سبيلِ المثالِ لا الحصر ، إلَّا قرائنُ دامِغـة على ما ذهبَ إليه الفيزيائيّ و المُخترعُ الأمريكيّ « بيرسي سبِنسر – Percy Spencer » من أنَّـه لا مُطلقيَّـةَ في الحقيقة ، ” فالحـقُّ إنَّمـا يُقاسُ بمعيارِ الإنتاجيَّـة و النَّفعيَّـة العمليَّـة “ ، الأمـرُ الذي يُحرِّرُ العِلـم من غلالـةِ الجبريَّـةِ العتيقـة و يُزكِّـي قيـمَ التُّقـى الفكريّ و التَّواضعِ الوجوديّ لدى العُلمـاء ؛ فلا ينزلقونَ في مَوحـلِ الأُصوليَّـةِ العلميَّـة في تواطؤٍ صارخٍ مع أضدَّادهـم ، و لا يُعلِّلون أنفسهم بأقانيـمِ اليقينيَّاتِ المُطلقة و الأجوبـة القطعيَّـة ، فتخبـو جذوةُ شغفهـم و يركـنُ فضولُهـم إلى التَّواني.

 

 * لوحـةُ ” حديـث مع الله “ لِلرَّسَّامِ البولنديّ « يـان ماتيكـو - Jan Matejko » و التي يتسيَّدُهـا العالِـمُ الرِّياضيَّاتيّ و الفلكـيّ « كوبِّرنيكوس » مُعتلياً شُرفةً في كاتدرائية " فرومبروك " ، لحظةَ اكتشافِـه الثَّوريّ لِـ " مركزيَّـة الشَّمس" و كـون الأرض جُـرماً يدورُ في فلكها ، و ذلكَ بعـدِ لأيٍ مديـد و مُكابـدةٍ مريـرة ؛ رافِضاً التَّسليمَ بِتصوُّرِ « أرسطو - بطليموس » العظيمَيـن لمركزيَّـة الأرض ، و الذي دامَ ما ينوفُ على عشرين قرنـاً و أيَّدتـه الكنيسة لِاثنَـي عشرَ قرنـاً ، جاعلـةً محضَ التَّشكيك في هذه النظرية هرطقـةً ، مُتجشِّماً - أي « كوبّرنيكوس » مشقَّـة البحـث و تنكيـلَ الكُهَّـان سنواتٍ طِوال ؛ يُثبَّتُ مِحجرَيـه في ربـوعِ السَّماء أكثر ممَّـا يحسبُ خطاويـه على الأرض ، حتى أثبتَ نظريَّـته و أقـرَّ بُرهانها رُغـم مُمانعاتِ الكهنوت و هـزءِ العـوام .

 

 


الأحد، 12 يونيو 2016

غاستون باشلار والمعرفة - الضد : عبد السلام بنعبد العالي

بقلم عبد السلام بنعبد العالي (*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غاستون باشلار 


ينطلق باشلار من التأكيد على أن الفكر يسلك في بنائه للمعرفة العلمية مسالك متعثرة ودروبًا ملتوية وطرقًا غير مباشرة. إن كانت فلسفات العلم التقليدية، في صيغتها الوضعية خاصة، تعد المعرفة العلمية امتدادًا للمعرفة العادية، فتكتفي بأن تنصح الدارس بـ "الإصغاء لما تقوله الطبيعة"، وتحدّد الموضوعية بأنها نفي للذاتية، بل تجعلها مقابلاً لها، فإن إبستمولجية باشلار تحدّد الموضوعية على أنها "موْضَعة"، وتَدَخُّل في الطبيعة وتحويل للمعطى المباشر، وترى أنها نفي للتلقائية، وطعن في المباشرة. فيقول صاحب "العقلانية التطبيقية": "إن كل موضوعية، مهما كانت شدة التحقق منها، فهي تكذب الاتصال الأوّل مع الموضوع. إن عليها أوّلاً أن تنتقد كل شيء: الإحساس وبادئ الرأي والممارسة العادية".

لا تصف المعرفة العلمية واقعًا معطًى ولا تصف "طبيعة"، بل إنها تتعامل مع "واقع" صُنْعي؛ فملاحظة الطبيعة لا تتمثل في أن يتحول العالم إلى آلة فوتوغرافية. الملاحظة ليست هي، كما كان يقول كلود برنار: "أن يكون الملاحظ مصوّرًا محايدًا للظاهرة، وأن تكون ملاحظته تمثيلاً دقيقًا لها، وأن يكون منفعلاً لا فعالاً، مصغيًا للطبيعة ليسجل ما تمليه هي عليه". في المعرفة العلمية المعاصرة تغدو الملاحظة مشروعًا نظريًا، "فالواقع بالنسبة للعالم لا يتكون إلا بفضل عمليات تعديل متعاقبة ... لقد بلغت المعرفة العلمية مستوى أصبحت فيه الموضوعات العلمية ما نصنعه نحن لا أقل ولا أكثر". فالفكر لا "يصغي" إلى ما يُقال أنّى كان مصدره، وهو لا يقف منفعلاً متلقيًا، وإنما يبدأ بأن يتهم المباشر. وليست بداهاته "أوّليات" ومبادئ؛ فالأوَّليّ موضع اتهام دائمًا، إنه ما ينبغي تحويله واستنطاقه وليس الوثوق به، والبداهات نتائج يُتوصل إليها، وليست منطلقات يعتمد عليها. بهذا المعنى كان باشلار يقول: "ليست هناك حقائق أولى، بل أخطاء أولى"؛ فِـ "بادئ الرأي يكون مبدئيًا دومًا على خطأ، إنه يفكر تفكيرًا سيئًا، أو لنقل بالأحرى إنه لا يفكر، وإنما يترجم حاجيات وينقلها إلى معارف".

المعرفة العلمية هي دومًا معرفة- ضد، لأنها دومًا تصحيح لأخطاء. بهذا المعنى سيسترجع الخطأ قوّته ووجوده الفعلي المتعنت، ولن يعود وجودًا عرضيًا، أو افتراضًا منهجيًا، وإنما سيستعيد صلابته، بل وضرورته إن صح التعبير، مادام يشكل منطلق كل معرفة علمية، إذ إن هذه لن تعود إلا مجموعة من الأخطاء التي قد تم تصحيحها. وذلك، لأن "كل تجربة موضوعية صحيحة ينبغي أن تُحدِّد دومًا كيفية تصحيح خطأ ذاتي".

على هذا النحو، يبدو الكشف عن الواقع دومًا كشفًا متراجعًا إلى خلف، وذلك لأن "الواقع" لا يكون أبدًا ما يمكن أن نظن أنه عليه، بل هو دومًا ما كان علينا أن نعتقده. كل "كشف " لحقيقة يتم في "جو من الندم الفكري" دومًا. في هذا السياق، يؤكد باشلار أن "الفكر وهو أمام المعرفة العلمية، لا يكون قط حديث النشأة، بل شيخًا مثقلاً بالسن، لأنه يحمل من ورائه عمرًا طويلاً يعادل عمر أحكامه المسبقة".

وبناء عليه، ليس الجهل فراغًا معرفيًا، إنه ليس غياب معرفة، بل هو امتلاء معرفي، "إنه نسيج من الأخطاء الإيجابية المتماسكة والملحة"، و"المعرفة لا تصدر عن الجهالة كما ينبثق النور من الظلمات". ليست هناك درجة صفر للمعرفة، كل ما هناك معارف متراكمة، وأخرى مضادة تصحّح مسارها، وتقوّم أخطاءها.

هذه المكانة الأنطلوجية الجديدة للخطأ، لا تغيّر تحديدنا لـ"الواقع" وفهمنا لطبيعة البحث العلمي وحدهما، وإنما تبدّل من طبيعة الفكر نفسه، وتجعله فكرًا "مناضلاً"مقاومًا للأخطاء العنيدة، فاقدًا ثقته في الأوليات، مؤمنًا بأن لا شيء يُعطى إياه، وأن عليه أن يكتسح المجهول، ويقهر "العقبات الإبستمولوجية" المتعددة، فيعلنها حربًاعلى الأخطاء والأحكام المسبقة، ومعرفته غزو وجهاد، وليست مجرد تأمل منفعل. وذلك، لأن المعرفة العلمية تضع الوضوح في التراكيب المعرفية وليس في تأمل منعزل لموضوعات معطاة، كما أنها تؤمن بالوضوح الإجرائي محل الوضوح في ذاته، وبالموضوع المبني بدل الموضوع المعطى، والحدس النتيجة بدل الحدس المنطلق، مؤكدة أن الفكر سلسلة من القطيعات والانفصالات، وأنه دومًا مراجعة ونقد وإعادة نظر.

فليس النقد صفة تُحمل على الفكر. الفكر دوما مراجعة وإعادة نظر، لهذا تبدو عبارة "الفكر النقدي" اليوم من قبيل تحصيل الحاصل، لأن النقد والمراجعة طبيعة الفكر ومحتواه، وليست عرضًا من أعراضه، فلا فكر إلا نقدي. وليست النقدية اليوم اتجاهًا فلسفيًا أو مدرسة فكرية، وهي ليست مرحلة وخطوة يتخذها الفكر تمهيدًا لعمله، إنما هي جوهر الفكر وعمله الأساس، فالتفكير يبدأ حالما يفقد الفكر ثقته بالمعطيات المباشرة ويسيء الظن بها. وحتى الأسئلة التي يطرحها لا تُعطى إياه، وإنما يكون عليه إبداعها وتوليدها. في هذا المعنى يقول صاحب "الروح العلمية الجديدة" بأنه "ينبغي أولاً وقبل كل شيء معرفة طرح الأسئلة"؛ فالأسئلة في الحياة العلمية لا تطرح نفسها، وهي لا تكون، كما يقال، "مطروحة في الساحة"، لأن لا شيء في هذا المضمار "يطرح في الساحة"، ولا شيء يُوهب ويُعطى، ولا ثقة في التلقائية. كل شيء ينبغي أن يُغزى ويُكتسح، وكل معرفة علمية هي، تحديدا، معرفة – ضد .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتب ومفكر مغربي حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، وهو أستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، له كثير من المقالات والدراسات العلمية، وقد نشرت له مجموعة من الكتب من بينها: (الفلسفة السياسية عند الفارابي). (الميتافيزيقا، العلم والأيديولوجيا) (أسس الفكر الفلسفي المعاصر) (ثقافة العين و ثقافة الأذن). (ميتولوجيا الواقع). (الفكر في عصر التقنية) (بين الاتصال والانفصال). (منطق الخلل).

الخميس، 2 يونيو 2016

غاستون باشلار وثوماس كُونْ : مصطفي الحداد




إن من يقرأ كتاب ثوماس كُونْ (بنية الثورات العلمية) يفاجأ بتأثر كون الكبير بالفكر الفرنسي. ففي مقدمة الكتاب أعلن كونْ صراحة تأثره الشديد بألكسندر كويري، وبإميل مايرسون، وبهلين ميتزجير (ص:-v vi، والهامش 1 بالصفحة vi). لكن بعض القراء يستغربون أيضا كيف حصل أن ظل كون بعيدا عن التأثر بغاستون باشلار الذي يبدو في نظر كثير منهم أقرب إلى كون من غيره. فهل كان كون في أثناء الإعداد لكتابه بنية الثورات العلمية قد اطلع على أفكار باشلار وأعرض عن ذكرها في الهامش إياه؟ أم أن تلك الأفكار لم تصله إلا في مرحلة لاحقة على نشر كتاب البنية؟ أم أن الصلة بين فكريهما واهية على الرغم مما بينهما من تشابه؟

الواقع أن الفحص عن الصلة القائمة بين باشلار وكون تُدخل المرء في باب من الكلفة شاق، ليس في قراءة النصوص وفهمها فحسب، بل في الكشف عن التصنيفات التي تحيل عليها تلك النصوص أيضا. وهذه التصنيفات كما يعرف الدارسون تقترن بتقليديْن في فهم فلسفة العلم وتاريخه مختلفين أشد ما يكون الاختلاف هما التقليد القاري (نسبة إلى قارة أوروبا، والمقصود هنا فرنسا وألمانيا) والتقليد التحليلي (الأنجلو أميريكي). فالتقليدان ظلا طويلا منغلقين على بعضهما، وتحديدا منذ كانط. التقليد التحليلي مثلا لم يعط هيغل الذي أعقب كانط الأهميةَ الكبرى التي أعطاه إياها التقليد القاري. بل إن هناك من يربط الفرق بين التقليدين بهذه النقطة تحديدا (رورتي على سبيل المثال): التقليد القاري قرأ هيغل وحمله على محل الجد، في حين أن التقليد التحليلي أعرض عنه ونسيه (حالة برتراند راسل الذي أمضى فترة من شبابه هيغيليا)... وعلى الرغم من أن الميل الوضعي الذي سيطر على التقليد التحليلي كان في الأصل قاريا (فرنسا تحديدا: أوغيست كونت)، سنلاحظ أن هذا الميل سيتعمق في اتجاهات غير مسبوقة وغير متوقعة بسبب ما عُرف بالتحول أو الانعطاف اللغوي الذي أضفى على النزعة الوضعية التي مال إليها التقليد التحليلي طابعا خاصا يصعب ربطه أو رده آليا إلى وضعية أوغيست كونت القارية.

يمكن للمرء إذاً أن يعتمد الفروق القائمة بين التقليدين ويمنحها تأويلا قويا، ويعفي نفسه من الخوض فيما إذا كان كون قد تأثر بباشلار أم لم يتأثر؛ لأن التقليدين كما ألمعنا مكتفيان، كل بذاته، ولا حاجة إلى الخوض في مشروع يروم ربط صلات واهية بين السرديات التي أُنتجت في كل واحد منهما: سواء أكانت هذه السرديات قد تناولت العلم أم تناولت باقي أصناف المعارف الأخرى. وإذا كان هناك من أشياء يشترك فيها التقليدان، فإن هذه الأشياء ترتد إلى الحقبة التي سبقت بروز التقليدين واستواءهما (كانط ومن قبله، إذا سلمنا بالتوصيف الذي عرضه رورتي وقبلناه)... لكن، قبل النظر فيما إذا كان هذا التأويل القوي للفروق مُنتِجا ومُطمْئِنا لا مناص من التعريج على ما تشير إليه المرويات التي تعرضت للقاء الشخصي بين كون وباشلار.

توماس كون

تذكر هذه المرويات أن كون حين جمع الخواطر، وعقد العزم على كتابة (بنية الثورات العلمية) في نهاية الأربعينات من القرن العشرين، أرسله المفكر الفرنسي، مؤرخُ عِلميْ الفيزياء والفلك، ألكسندر كويري الذي كان يُدرِّس في الولايات المتحدة إلى فرنسا للقاء باشلار قصد الاطلاع على الأصول الفلسفية للإشكالات في سياق الفكر القاري، وحَمَّله رسالةَ تزكية إلى باشلار تُسهل اللقاء المرتقب، وترفع من طريقه العقبات... لكن شاءت الأقدار ألا يكون اللقاء مثمرا. وكان للغة الحديث دور في رفع السلاسة عن اللقاء. فبينما كان كُون الذي لا يتقن الفرنسية يفضل الحديث إلى باشلار باللغة الإنجليزية، أَصرَّ باشلار بنوع من العجرفة، كما لمّح إلى ذلك كُونْ، على الحديث بالفرنسية... كان اللقاء خاطفا في مستقر باشلار بزنقة سانت جينوفييف بباريس، ولم يترتب عليه ما يتبعه. لم يكن كُونْ يعرف عن فكر باشلار سوى مِزَقٍ وتفاريق، (كان قد قرأ كتاب فلسفة النفي الذي صدر سنة 1940)، بدا له منها أن الرجل يصدر عن مقولات منهحية (methodological categories) صارمة لم يفهم كون مغازيَها، لنقص فيه أو فيها كما قال، ولا تتلاءم مع المشروع الذي كان قد عقد العزم على إنجازه (ورد وصف هذا اللقاء في حوار مع كون (Kuhn,1997,p.169)).

في الواقع، كان كُونْ يجهل تماما التحولات التي طرأت على فكر باشلار في الوقت الذي زاره فيه... فباشلار، كما ذهبت إلى ذلك كاستلاو لوليس (2004: 874)، أصبح منذ سنة 1942، أي السنة التي نشر فيها كتابه الماء والأحلام، يولي اهتماما كبيرا لقضايا الخيال والإبداع، وللدور التحريري الذي تلعبه الصور والخيالات... وحين عاد إلى الكتابة في قضايا إبستيمولوجيا العلم في كتب مثل: العقلانية المطبَّقَة (1949)، ونشاط الفيزياء المعاصرة العقلاني (1951)، والمادية العقلانية (1953) )، كان قد عاد متأثرا بأعماله التخييلية تلك؛ بل إننا نستطيع أن نقول إن منهجيته بدورها عرفت بعد هذه العودة تحولا كبيرا... إنها أخذت تبتعد عن التأويل التاريخي وعن التأويل المعتمد في التحليل النفسي، وأصبحت تميل ميلا شديدا إلى المقاربة الفينومنولوجية والسريالية للموضوعات وللممارسات العلمية عموما... بعد عودته هذه إلى دراسات العلم نلفيه يرجع مرة أخرى وأخيرة إلى أعمال تتصل بالخيال والشعرية والأحلام كما هو واضح في: شعرية الفضاء (1957)، وشعرية الحلم (1960)، وشعلة القنديل (1961). فالإبستيمولوجيا التي أنتجها باشلار بين المرحلتين، أي في الفترة التي زاره فيها ثوماس كُونْ تحديدا، لم تكن تتضمن، حسب لوليس، المقولات الصارمة التي أبدى كُون تحفظه الشديد إزاءها... ففي هذه الفترة كان باشلار قد شرع في النظر إلى الدعاوى العلمية من منظور اجتماعي... وبدأ يلتفت إلى أهمية البلاغة في الاستدلالات العلمية. فهذه هي الأمور التي كان من المفروض أن يَتعرَّفها كون من نقاشه مع باشلار...

يستفاد مما سبق أن كون على الرغم من كونه نحا في كتابه نحوا يقترب في بعض وجوهه من طريقة باشلار في رصد علاقة السابق باللاحق في العلم، لم يكن ذلك ناتجا عن تأثر مباشر بأفكار باشلار. ربما تأثر كون بالمزاج العام الذي كان سائدا في أوساط الأجيال الجديدة التي تربت على تعاليم الوضعية المنطقية في نطاق التقليد التحليلي، وضاقت ذرعا بتلك التعاليم، وسعت إلى الإفلات منها في اتجاه ما سيعرف بما بعد الوضعية. ونستطيع هنا، إذا أحببنا، أن نستعين بالتأويل الذي عرضه فولر في كتابه الشهير عن كون المعنون بـ ثوماس كون: التاريخ الفلسفي لأزمنتنا (2000)، وفي مقالاته الأخرى أيضا التي شبه فيها كون بالسيد تشانس، البريء والموغل في السذاجة، في الفيلم الشهير (Being there) الذي أخرجه هال آشبي سنة 1979. السيد تشانس (أدى دوره: الممثل بيتر سيليرس) لا يعرف عن العالم إلا ما يراه على شاشة التلفزيون، ولا صلة له بالأشياء إلا من خلال البستنة التي كان يمارسها بمهارة فائقة في حديقة بيته الذي لم يغادره إلا في سن متقدمة. وحين غادر البيت، بمظلته وحقيبته، وجد نفسه في أجواء الحملة الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة يصرح للإعلاميين بآراء حول البستنة وهم يفهمونها على جهة الاستعارة ويعطونها معاني سياسية عميقة جدا لم يقصدها البتة السيد تشانس ولم يسبق لها أن جالت بخاطره... تشبيه فولر لكُونْ بالسيد تشانس مبالغ فيه على الأرجح؛ لأن كون لا يقول أشياء بسيطة ساذجة أو بريئة؛ لكن علاقة كون بدارسيه تشبه من بعض الوجوه علاقة السيد تشانس البريء بمستجوبيه: إفراط في التأويل (over-interpretation) في الحالتين معا. فقسم لا يستهان به من الأفكار التي وردت في كتاب كون سبقه إليها آخرون في التقليد التحليلي نفسه، كستيفن تولمين مثلا، لكن كتاباتهم لم تبلغ في الشهرة مبلغ كتاب كون لأسباب يطول ذكرها تعرض لها فولر بإسهاب في أبحاثه التي أومأنا إليها ترتبط بعوامل سوسيولوجيا انتشار المعارف والأفكار.

إن ميول كُونْ للإفلات من القيود الوضعية في اتجاه ما أصبح يعرف بما بعد الوضعية يمكن الاستدلال عليه بالتأثير الكبير الذي مارسه عليه كواين. فليس من باب المصادفة البتة أن يشدد كُون في متن مقدمة البنية (ص.vi ) على أنه تأثر تأثرا بالغا بالنقد الذي وجهه كواين لإحدى العقيدتين الراسختين اللتين قامت عليهما الوضعية في مقاله ذائع الصيت "عقيدتا المذهب التجريبي" (1951): أقصد العقيدة التي تقضي بالتمييز بين الأقوال التحليلية والأقوال التركيبية والألغاز الفلسفية المحيطة بها التي كشف عنها كواين في نقده لها. هذه العقيدة وشقيقتها القائلة إن أقوالنا تواجه اختبار التجربة قولاً قولاً شكلتا أساس الفكر الوضعي. والنقد الذي صوبه كواين نحو العقيدتين في المقال المشار إليه فتح الباب واسعا أمام جيل بأكمله، وعلى رأسه كون، للخروج من الضيق الذي مارسه الفكر الوضعي في البلدان الناطقة بالإنجليزية.

أعتقد أن قراءة كون في سياق تقليده التحليلي، وفي ضوء تصريحاته بمرجعياته التي ذكرها هو نفسه، تعفينا من التكلف والبحث عبثا فيما كان بإمكان باشلار أن يضيفه إليه لو أن اللقاء الشخصي الذي جرى بينهما كان سلسا. فالإطار التحليلي، بما تضمنه من إشكالات، يكفي بمفرده في نظري لتفسير نجاحات كون وإخفاقاته على حد سواء... وأزعُم أن البحث في العلاقة القائمة بين التقليديْن القاري والتحليلي لم يصبح أكثر وضوحا وخصوبة إلا في السنوات اللاحقة على نشر كون لـ بنية الثورات العلمية، أي حين بدأنا نشهد حوارا صريحا ومباشرا بين الفلاسفة التحليليين وزملائهم القاريين (باتنم وهابرماس، سورل وديريدا، هابرماس و رولز...الخ)، بل حين بدأنا نشهد اهتماما لافتا غير معهود لدى الفلاسفة التحليليين بوجه قاري بارز كهيغل بعد نسيانه أو تناسيه، كما هو واضح في أعمال روبير براندوم (R.Brandom) الأخيرة مثلا، أو في أعمال أستاذه رورتي قبله الذي يجاور في تحليلاته بين مفكرين من التقليديْن بطريقة غير معهودة (ديفدسن هايدغر كواين ديريدا ديوي..الخ)، أو بالعودة من باب الذكاء الاصطناعي إلى النهل من أفكار هايدغر، لنقد الأطروحات الرائجة في هذا المبحث كما هو الشأن عند هيوبير دريفوس مثلا، أو من أجل استلهام تلك الأفكار لصقل تلك الأطروحات وتحصين النماذج المترتبة عليها وتهذيبها كما هو الشأن لدى آخرين مثل وينوغراد (T.Winograd) وغيره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:

Bachelard, G (1972) l’engagement rationaliste. Presses Universitaires de France (PUF).
Castelao-Lawless, T (2004) “Kuhn’s missed opportunity and the multifaceted lives of Bachelard: mythical, institutional, historical, philosophical, literary, scientific”. Studies in History and Philosophy of Sciences. 35. 873-881.
Fuller, S (1992) “Being There with Thomas Kuhn: A parable for Postmodern Times”. History and Theory, Vol. 31, No.3, 242-275.
Kuhn, S. T (1962) The Structure Of Scientific Revolutions. (Second Edition, Enlarged 1970). The University of Chicago.
Kuhn, T (1997). “A discussion with Thomas S. Kuhn, a physicist who became a historian for philosophical purposes: A discussion between Thomas S. Kuhn and Aristides Baltas, Kostas Gavroglu, Vasso Kindi”. Neusis, 6, 145–200
Quine, W. V (1951) “Main Trends in Recent Philosophy: Tow Dogmas of Empiricism”. The Philosophical Review, Vol. 60, No.1, 
20-43.



الثلاثاء، 17 مايو 2016

غاستون باشلار فيلسوف العلم المعاصر: عيسي جابلي



فيلسوف وإبستيمولوجي وواحد من أبرز فلاسفة العلم المعاصرين الذين كان لهم أثر عميق في مفكرين وفلاسفة، مثل ميشال فوكو (Michel Foucault) وألتوسير (Althusser) وغيرهما. إنه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (Gaston Bachelard).

غاستون باشلار 

ولد "باشلار" في "بار - سير - أوب" (Bar-sur-Aube) في الريف الفرنسي في 27 يوينو 1884، وتوفي بباريس في 16 أكتوبر سنة 1962. عمل عشرة أعوام في البريد من 1903 إلى 1913، ثم انتقل لتدريس الفيزياء والكيمياء في كلية "بار – سير – أوي" بين 1919 و1930. استأنف دراسته في مجال الفلسفة، فحصل فيها على الإجازة عام 1922، ثم حصل على شهادة الدكتوراه سنة 1927 عن أطروحة بعنوان "مقالة عن المعرفة التقريبية"، ونشر معها أطروحة مكملة بعنوان "دراسة حول تطور مشكلة فيزياوية: سريان الحرارة في الأجسام الصلبة". وفي سنة 1940، عين "باشلار" أستاذا بجامعة السوربون ليشغل كرسي تاريخ العلم وفلسفته حتى العام 1954. وحصل سنة 1961 على الجائزة الوطنية الكبرى للآداب.

اهتم "باشلار" بحقل الإبستيمولوجيا وضرورتها في العلم؛ فالفلسفات التقليدية في نظره قد استنفذت ذاتها، لما تجاهلت الثورات العلمية المعاصرة وتأثيرها في القيم المعرفية، وفي الفكر نفسه. لذلك دعا "باشلار" إلى ضرورة قيام إبستيمولوجيا بإمكانها مواكبة هذه التطورات المتلاحقة في الفكر العلمي، وتستطيع التوفيق بين الجانب التجريبي من ناحية ومبادئ العقل من ناحية أخرى.

لم يعد ممكناً الفصل بين التجريبية والعقلانية في الفكر العلمي المعاصر. فالأولى، عند "باشلار" بحاجة إلى الدليل العقلي، والثانية بحاجة إلى الاختبار والتجربة. يقول في كتابه "الروح العلمية الجديدة": "لا بد للتجريب من أن يذعن للبرهان أو الحجة، كما لا بد للبرهان أو الحجة من أن يرجع إلى التجريب". وفي ذلك إقرار بعلاقة جدلية وصلة وثيقة بين العلم والواقع. وقد بين في كتابه "الروح العلمية الجديدة"، أن هناك قاعدتين ميتافيزيقيتين سائدتين هما العقلانية والواقعية. تشمل العقلانية الفلسفة والنظرية وميدانها التأويل والعقل، في حين أن الواقعية توفر للعقلانية مادتها لتتمكن من بناء تأويلاتها. ونبه "باشلار" إلى أن الإعلاء من أحد الجانبين عائد بالضرر على المعرفة حتما. فالتوقف عند المستوى التجريبي وحده يصيب العلم بالركود، لأنه يبقى بحاجة إلى وعي ما يفعله. ومن ناحية أخرى، يؤدي الاكتفاء بالجانب العلمي وتقديسه في بناء الحقائق وعقلنة الظواهر الجديدة يؤدي إلى مثالية متعالية لا جدوى منها. لذلك لا بد من الإقرار بالصلة الوثيقة بين الجانبين: الواقع/التجربة والعلم/النظرية. وقد ناقش هذا في كتابه "العقلانية التطبيقية" الذي بين فيه الأسس النظرية للتجربة. يقول: "إذا جاز لنا أن نترجم إلى اللغة الفلسفية تلك الحركة المزدوجة التي تغذي الفكر العلمي في الوقت الراهن قلنا إنها حركة تتأرجح لزوماً بين ما هو قبلي وما هو بعدي، حركة ترتبط فيها النزعة التجريبية بالنزعة العقلانية في الفكر العلمي ارتباطاً غريباً لا يقل قوة عن ارتباط اللذة بالألم والواقع أن كل واحدة منهما تعزز الأخرى وتبررها: إن النزعة التجريبية في حاجة إلى أن تتعقل، والنزعة العقلانية في حاجة إلى أن تطبق، فمن دون قوانين واضحة استنتاجية مترابطة ومنسجمة لا يمكن للنزعة التجريبية أن تكون موضوعا للتفكير ولا مادة للتعليم، ومن دون براهين ملموسة ومن دون التطبيق على الواقع المباشر لا يمكن للنزعة العقلانية أن تتوفر على قوة الإقناع التام، فالقانون التجريبي لا تتأكد قيمته إلا عندما يصبح أساساً للتجربة. إن العلم الذي يقوم على الجمع بين البراهين والتجارب وبين القواعد والقوانين، بين البداهة والحوادث هو إذن في حاجة إلى فلسفة ذات قطبين. وبعبارة أدق هو في حاجة إلى نمو دياليكتيكي، لأن المفهوم لا يتضح إلا بالنظر إليه نظرة متكاملة ومن وجهتي نظر فلسفتين مختلفتين".

تقوم فلسفة النفي عند "باشلار" على النقد المستمر للمسلمات نقداً يكشف بناها الداخلية، كما تنقد الطرق المعتادة في التفكير وتناقش الأفكار لكشف ما تنطوي عليه من غموض، وهي بهذا المعنى فلسفة إيجابية، لأن غايتها هي البناء لا الهدم فحسب، وكل علم يدعي الكمال والانتهاء لا يمكن أن يكون علما حقيقيا، وهو – ما لم يخضع للمراجعة والتحيين والنقد المستمر – مجرد مثالية ساذجة. يقول في كتابه "فلسفة النفي": "فلسفة النفي ليست من الناحية السيكولوجية نزعة سلبية، ولا هي تقود إلى تبني العدمية إزاء الطبيعة، فهي بالعكس من ذلك فلسفة بناءة سواء تعلق الأمر بنا نحن أو بما هو خارج عنا، فلسفة ترى في الفكر عامل تطور عندما يعمل. إن التفكير في الموضوعات الواقعية معناه الاستفادة مما يكتنفها من لبس وغموض قصد تعديل الفكر وإغنائه، وتجديل الفكر معناه الرفع من قدرته على إنشاء الظواهر الكاملة إنشاء علميا، وعلى إحياء جميع المتغيرات المهمة التي كان العلم والفكر الساذج قد أهملاهما في الدراسة الأولى".

يرفض "باشلار" العقل قبل العلمي والطرق المضادة في التفكير، ويرى في العلم عامل تطور مطرد من خلال نقد الواقع. ولا يعترف ببناء معرفي كامل أو نسق منته بل إنه متطور في الزمان. والسمة الأساسية للإبستيمولوجيا الباشلارية هي اهتمامها المتزايد بجوانب النقص والخطأ في حقول المعرفة والعلم، وتصبح الموضوعات العلمية مجموعة من الانتقادات التي وجهت إلى صورتها قبل العلمية قصد البحث لها عن حلول علمية. ذلك أن المعرفة مرتبطة بالعقل أساسا، وهو عقل منخرط في واقعه يتأثر بما يستجد من أفكار علمية، ويعيش جدلاً متصلا مع المعارف التي ينتجها، وهذا ما يجعله عقلاً أبعد ما يكون عن الثبات والركود خلافاً لما تتبناه المعرفة التقليدية من أن العقل حاصل قبلاً على كل ما يحتاجه من أجل معرفة الواقع. كما أن العقل عند "باشلار" عقل منطلق ليس له حدود. فإذا كانت الفلسفات التقليدية تعتقد أنه محدود بقدرة ما، فإن "باشلار" يرى أنه ليس معطى ثابتاً، ويؤكد أن له قدرة غير محدودة. ذلك أن ما كان يبدو قديما غير قابل للحل، أثبت العقل قدرته على تجاوزه وإيجاد الحلول والتفسيرات المناسبة له. لذلك دعا "باشلار" إلى إعادة النظر في الفلسفة ذاتها كي تواكب ما يطرحه التطور العلمي الجديد، وكي تكون مطابقة لعلوم العصر، وذلك ما يقتضي إعادة النظر في المقولات الفلسفية في ضوء ما يستجد في ساحة الفكر العلمي المعاصر.

ترك "باشلار" مدونة فلسفية غنية ساهم من خلالها في إثراء الفلسفة المعاصرة وتحديث مقولات كثيرة، كانت إلى عصره تعتبر مسلمات راكدة. وكان فيلسوفاً وعالماً من علماء المعرفة متميزاً أثرى حقول المعرفة المعاصرة وطور النظر الفلسفي مستفيدا من تكوينه الذي جمع بين العلم والفلسفة.


ــــــــ

الخميس، 3 يوليو 2014

القطيعة الابستمولوجية عند غاستون باشلار " الجزء الثالث "

بقلم : دلال اعواج 

العلاقة بين القطيعة الابستمولوجية والبنيوية

غاستون باشلار

إن احتلال الفلسفة الباشلارية مكانه خاصة ضمن الفلسفة المعاصر ، جاءت نتيجة لعدة عوامل منها :
العامل الأول: استجابة الفلسفة الباشلارية لظرفها من تاريخ العلوم وإرادتها في إبراز القيم الجديدة لهذه المرحلة التاريخية . " أي انه الكيفية التي استجابت بها هذه الفلسفة للتطور الكيفي الذي عرفه تطور العلوم ، والمتمثلة في الإعلان عن أرداه الإعراب الفلسفي عن مظاهر الثورة العلمية إعرابا لا يتخذ صورة تأويل ، بل صورة إبراز لما جملته هذه الثورة من قيم جديدة للمعرفة العلمية الخاصة والمعرفة الإنسانية بصفة عامة " (1)

العامل الثاني: رد فعل الفلسفة الباشلارية على الفلسفات السائد في عصرها بانتقادها وبيان الطرق إلى مجاوزتها .

وبالإضافة إلى هذين العاملين . هناك عامل ثالث ساهم في إضفاء القيمة على الفلسفة الباشلارية وهو " إن هذه الفلسفة قد كانت ملهمة لفلاسفة معاصرين تختلف اتجاهاتهم واختصاصاتهم في آن واحد . وقد كونت هذه الاستلهامات نوعا من القراءات والتا ويلات المختلفة للفلسفة الباشلارية ، وهي تاويلات تزداد أهمية كلما كان اصحابها على موقف فلسفي يتعارض مع باشلار " (2)

ومن هولاء الفلاسفة المعاصرين البنيويين ( لوي التوسير ) و( فوكو ) .

أولا : لوي التوسير
لوي التوسير (1918-1990)

لقد استمده التوسير من باشلار مؤرخ العلم الذي يرى" إن الإحداث والفتوح المعرفية خلال تطور أي علم ، توقف التراكم المستمر للمعرفة وتقطع تقدمها البطئ وتدفعها إلى دخول عصر جديد ، وتفصلها عن أصلها التجريبي ودوافعها الأصلية وتنقيها من تعقيداتها الخيالية ، فتحول التحليل التاريخي من البحث عن البدايات الصامتة إلى البحث عن نمط جديد من العقلانية وعن أثارها المتنوعة بكلمات أخرى ، يفترض باشلار وجود حقب علمية يمكن إن تخلق انقطاعات معرفية من ذلك النوع الذي حدده التوسير في إعمال ماركس " (3) 

بمعنى أخر أي التوسير " يستعير من باشلار مفهوم القطيعة الابستمولوجية ، لاستخدامه كأداة معرفية تساعد على فهم وتحليل التطور الذي حدث في فكر ماركس والذي كان من نتيجته نشأة المادية التاريخية من حيث أنها ما يميز الماركسية . ولا شك إن موقف التوسير ينطلق من موقف فلسفي يختلف عن ذلك الذي نجده عن باشلار " (4)

أي إن التوسير لا يأخذ هذه الأداة الابستمولوجية مرتبطة بغاياتها ، أي استخدامها للوصول الغايات ، كما عند باشلار . ويبين لنا التوسير إن المهم بالنسبة لتحليل الذي يريد إن يكون علميا هو الغاية التي يريد بلوغها . أي الوصول إليها ، وان هذا التحليل العلمي لن يمتنع عن الاستفادة من اية وسيلة معرفية لمجرد أسباب نسقيه فلسفية . 

فالتوسير استخدم مفهوم القطيعة عند باشلار في إعادة قراءة ماكس ، لأنه العلاقة بين العلم والواقع كما يرى التوسير " إن تطور العلم ذاته يؤدي إلى تثبيت هذه العلاقة وتغيرها في آن واحد . ومن هنا شعر التوسير بحاجته إلى نظرية جديدة في القراءة . نظرية يمكن لمبادئها إن تحكم قراءة النص كما تحكم النظرية المتضمنة فيه وتحل محل العلاقة المباشرة بين القاري والنص " (5)
أي " نظرية تحدد طابع النظرية الماركسية والشرط المسبق للقراءة الماركسية ( النظرية التاريخية ) ولقد بدا التوسير في إعادة قراءة المعاني المختلفة للاغتراب في ( مخطوطات 1844 ) و ( راس المال ) مذكرا قارئة بان ماركس رفض الفلسفة في كتابة ( الايدولوجيا الألمانية ) لأنها بلا تاريخ ولا موضوع " (6)
وهذا ما يسميه باشلار بالعائق الإيديولوجي الذي يصبح مصدرا للعوائق الابستمولوجية والقطائع الابستمولوجية . وذلك من خلال إدراك علاقات أخرى للمعرفة العلمية وهي علاقاتها بالايدولوجيا بالظروف المجتمعة .

وان التحليل الذي قام به التوسير لتطور فكر ماركس مستخدما فيه مفهوم باشلار عن القطيعة الابستمولوجية خير مثال عن هذا الذي نقوله ، ذلك ماركس كما لو كانت مجرد قطيعة معرفية فصلت بين المرحلة الإيديولوجية من تطور هذا الفكر وبين المرحل العلمية . ولكنه انتقد نزعته النظرية هذه بداته وكتشف إن ماركس إنما حقق تلك القطيعة بفضل التقدم الذي حققه في تحقيق القطيعة مع أيديولوجيا عينيه هي الايدولوجيا البرجوازية " (7)

كما استطاع التوسير" إعادة النظر فما هو مشترك بين الجدل الهيجلي والجدل الماركسي بفصل ما طرحة الفكر البنيوي من إبعاد جديدة للزمن وما يترتب على ذلك من إمكانية التعاون مع اللحظات التاريخية بوصفها وقائع آنية الحدوث تقع في الماضي . كما تقع في آية لحظة بعينها في كل وقت حاضر فانتهى إلى إن هذين الجدلين يشتركان في شي واحد ، وهو مفهوم التاريخ . أي إذا كانت فلسفة التاريخ عند هيجل أنها تتجلى في مبدأ فريد أزلي فان التاريخ عند ماكس ليس تعبيرا عن جوهر روحي ، بل يتشكل من عديد من الأبعاد المتميزة المتشابكة التي لا يمكن اختزالها في الاقتصاد والسياسة والايدولوجيا والنظرية " (8) 
فتوصل التوسير من خلال قراءة ماركس بان هناك فارق بين الجدل الماركسي والجدل الهيجلي وهو إن الجدل الماركسي يتضمن اتحاد الأضداد ، ولكن هذا الاتحاد ينطوي على حتمية متعددة الجوانب ( مركبة ) وان الوحدة الشاملة عند ماركس مثلا هي الاقتصاد ولذلك فهي وحدة بنيوية ، إما الجدل الهيجلي يتضمن هوية الأضداد والوحدة الشاملة عند هيجل تتكون من كليات ، وكذلك فهي وحدة مثالية وأكد التوسير حتمية الجدل على نحو تتراكم فيه المتناقضات . وهكذا التوسير استطاع قراءة الماركسية باستخدامه لمفهوم القطيعة الابستمولوجيه أو المعرفة عند باشلار .


ثانيا : فوكو 
ميشيل فوكو (1926-1984)

نستطيع إن نتتبع تطور فوكو الخاص من خلال كتبه " فقد ركزت معظم كتاباته في البداية على الجوانب المنهجية وعلى تأسيس حقب ابستمولوجية للمعرفة ، تم ركزت على اللغويات النظرية ، لتنتقل منها إلى التركيز على مركز القوة في كل حقبة من حقب المعرفة " (9)


فكتابه ( الجنون والحضارة ) يوضح وجود المرض العقلي خلال زمانه ومكانه ومنظوره الاجتماعي . وكتابه ( مولد العيادة ) يركز فيه على نشأة قوة الأطباء في الوقت الذي يؤكد العلاقة بين الدال والمدلول في نصوص الجنون والمرض على نحو تغدو معه السلامة العقلية والخلل العقلي والصحة والمرض ، أي هذه الثنائية لا يمكن إن نفهم احدها دون فهم علاقتها بالأخرى ، ويمثل هذا النوع من البحث عن أبنية المعرفة إلى طرح النزعة التاريخية في دراسة التاريخ . ويفيد من مفهوم باشلار عن القطائع العلمية .

فباشلار" يريد إن يبين إن هنالك في تاريخ العلوم قفزات كيفية تجعل العلم ينتقل بفضلها إلى نظريات جديدة لا يمكن ابد النظر إليها على أنها مجرد استمرار للفكر السابق لها ، وبقدر ما تحقق هذه القفزات الكيفية جدة مطلقة في الفكر العلمي ، فأنها تحقق قطيعة بين هذا الفكر العلمي والمعرفة العامة " (10)

فيرى " (فوكو) في كتابة ( الجنون والحضارة ) أم بنية الجنون تداخلت مع بنية اللغة . من هنا درس العلاقة بين البنيتين داخل حقب معرفية محددة على نحو انتهى معه إلى إن تطور الفكر العلمي خلال العصر الكلاسيكي " (11)

أي مفهوم الحقب المعرفية عند فوكو يختلف عن مفهوم العصر الكلاسيكي . لان فوكو يقسم الفكر الأوربي إلى ثلاثة عصور متتابعة تتعاقب على أساس من انقطاعات ابستمولوجية تنتقل بها المعرفة من حقبة إلى أخرى وهي ( عصر النهضة ) الذي يستمر من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن السابع عشر ( عصر الكلاسيكي ) الذي يؤرخ فوكو بدايته بظهور اللحظة الديكارتية في أواسط القرن السابع عشر و ( عصر الحديث ) الذي يبدأ مع مطلع القرن التاسع عشر بظهور مفهوم الإنسان من حيث هو ذات تاريخية .

أي إن الثقافة لها شفرات معرفية معينة يريد فوكو الوصول إليها وإيضاح إلى أي مدى تطابقت اللغة مع الواقع وان كل شفرة مرتبطة بمكان وزمان معين ، كما يقول فوكو " في كل ثقافة بين استخدام ما يمكننا تسميته القوانين الناطقة والتأملات في النظام هناك التجربة العابر للنظام وصيغ وجوده " (12)

ويرى إن في العصر الكلاسيكي كان النظر إلى المجنون على انه روح شريرة وكانوا يشحنون في باخرة ويتم إبعادهم عن الآخرين وفي القرن التاسع عشر ظهر العيادة وتشكل فيه السجن وبالتالي تداخلت بنية اللغة مع بنية الجنون عن طريق التقارير الطبية ، واصبحت اللغة مفهومة بخلاف القرن السادس عشر الذي كانت فيه اللغة غير مفهومة . وذلك كما قال فوكو في كتابه ( الكلمات والأشياء ) . " إن الاستقصاء الاركيولوجي قد بين انقطاعين كبيرين في ابستيمية الثقافة الغربية : انقطاع الذي دشن العصر الكلاسيكي نحو منتصف القرن السابع عشر وذلك الذي طبع في بداية القرن التاسع عشر عتبة حداثتنا . والنظام الذي يفكر على أساسة لا يملك صيغة الوجود نفسها التي يتملكها نظام الكلاسيكيين . وعبثا كنا نملك الانطباع عن حركة شبه مستمرة للعقلانية الأوربية منذ عصر النهضة وحتى أيامنا " (13)

أي إن فوكو هنا يرى بان هناك انقطاعين في بستيمية الثقافة الغربية – انقطاع في عصر الكلاسيكي الذي فيه اللغة غير مفهومة أي يمثل اللغة . وانقطاع في العصر التاسع عشر الذي يمثل الاقتصاد كما انه يشترك مع باشلار في نقده للاستمرارية . ولهذا فوكو " يتقبل فكرة الانقطاع ، ولكنه يرى بعض الاتصال بين الحقب من خلال ما يفترضه من وجود بذور المعرفة الجديدة للحقبة اللاحقة في نهاية الحقبة السابقة " (14)
وهكذا فان الفلسفة الباشلارية قد كانت ملهمة للفلاسفة المعاصرين تختلف اتجاهاتهم واختصاصاتهم ، وهذا ما جعل وجود علاقة بين الفلسفة الباشلارية والبنيوية .
الخلاصة :

إن القطيعة الابستمولوجية ما هي إلا مراجعة للمفاهيم العلمية في الفكر العلمي السابق لها . ولكن هذه المرجعة لا تعني انفصالا ، بل تعني انتقالا جدليا إلى مفاهيم اشمل ، فالمفاهيم القديمة ضمن القطيعة الابستمولوجية لا يتم تركها بصفة مطلقة ، ولكن تتم مراجعتها بالكيفية التي تبين حدود صدقها ، كذلك لا تتم بصورة تجريدية ، بل هناك دائما تعيين للظروف التجريبية التي تسمح لنا بان نعيد النظر في أي مفهوم . 
بالإضافة إلى ذلك إن المهام التي أردنا توضيحها المتمثلة في إبراز القيم الابستمولوجية ، وفي التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية واثبات اثر تطور المعارف في بنية العقل ، ما هي إلا مهام منهجية التي أنجزتها الابستمولوجيا ، فان هناك مهمة أخرى فلسفية التي أرد باشلار إنجازها من خلال الثورة العلمية المعاصرة ، لأنه مهمة إقامة موقف فلسفي جديد يتجاوز التعارض الذي كان قائما بين الموقفين التقليديين العقلاني والواقعي . أي هي البحث في لاكتشافات العلمية الجديدة ، وفي خصائص ونتائج الفكر العلمي الجديد عن أسس الموقف الفلسفي الذي يريده باشلار إن يكون تركيبا فلسفيا جديدا يلغي الصراع في الميدان الميتافيزيقي بين الموقفين الميتافيزيقيين التقليديين العقلاني والواقعي .

كذلك من خلال عرضنا لمفاهيم الفلسفة المختلفة أتضح إن المشروع الباشلاري لم يختلف بصورة كاملة هذا التجاوز الذي يعلن عنه مشروعها بأنها لم تكن كما أراد باشلار إن تكون ثورة في ميدان الفلسفة . وان أول مظهر للتجاوز الفعلي الذي تحققه فلسفة باشلار هو أنها على العكس ما تقول به الفلسفات العقلانية المثالية ، لا تقول بحقيقة مطلقة . بل الحقيقي عند باشلار نسبية وذلك على مستويين : 

المستوى الأول: أنها مظهر لتقدم العلم ، فان تاريخ العلم بين لنا إن ليست هنالك حقيقة تظل ثابتة ونهائية . فالفلسفات العقلانية التقليدية أنها بنت أنساقها الفلسفية على حقائق علمية لفترات تاريخية معينة ، كما لو كان الأمر يتعلق بحقائق مطلقة ونهائية . أي أنها كانت عقلانية تعلن عن انغلاقها . إما باشلار يبحث عن عقلانية التفتح ، أي تعدد في صور المكان والزمان . 

المستوى الثاني: تكون الحقيقة نسبية لأنه العلم المعاصر يعلمنا إن المعرفة بالواقع وخاصة عندما يتعلق الأمر بدراسة الجسيمات الصغيرة بان تكون تقريبه ، لأنها معرفة حقيقة لا تأتي نتيجة لنقص في وسائلنا ومناهجنا للمعرفة . كما عند العلم الكلاسيكي بل تأتي نتيجة لتقوية الوسائل والمناهج وتجديدها وتدقيقها . 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة – مرجع سابق
(2) المرجع – السابق
(3) اديت كريزويل – عصر البنيوية – مرجع سابق
(4) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار – مرجع سابق
(5) اديت كريزويل - عصر البنيوية – مرجع سابق
(6)المرجع السابق
(7) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار – مرجع سابق
(8) اديت كريزويل – عصر البنيوية – مرجع سابق
(9) المرجع السابق
(10) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار
(11) اديت كريزويل – عصر البنيوية – مرجع سابق
(12) فوكو ميشيل – الكلمات والأشياء – ترجمة مصاع صفدي والآخرون – ( مصر – مركز الإنماء القومي - ــــــــــ )
(13)المرجع السابق
(14) اديت كريزويل عصر البنيوية – مرجع سابق

القطيعة الابستمولوجية عند غاستون باشلار " الجزء الثاني "

بقلم : دلال اعواج 

المشروع الباشلاري

نقصد بالمشروع الباشلاري ما كتبه باشلار ليعبر به عن الصورة العامة للموقف الفلسفي الذي يريد بناه ،وعن شروط قيام هذا الموقف الجديد ، ويظهر هذا المشروع في الخطاب الباشلاري علي مستويين :-

غاستون باشلار
المستوى الأول: " هو النظر في مهام فلسفة العلوم كما يحددها باشلار النظر في الشروط اللازمة في نظرة لتحقيق هذه المهام." (1)

المستوى الثاني: " هو الذي ينظر فيه باشلار إلى النظريات العلمية ليس من حيث هي ثورة في ميدان العلوم بل من حيث أنها تمثل دعوة إلى إقامة موقف ابستمولوجي جديد يبرز القيم المعرفية الجديدة التي جاءت بها تلك النظريات " (2)
وتدعي كل فلسفة من الفلسفات التي قدمت نظرية في المعرفة بانها قد قدمت الحل النهائي لهذه المسالة . اذن فلسفة باشلار ترفض كل تطور علمي يعتبر نفسه كاملا نهائيا ، أنها الفلسفة التي ترى إن كل مقال في المنهج هو دوما مقال ظرفي مقال مؤقت لا يصف بناء نهائيا للفكر العلمي ، بل فقط بناء على الدوام ويعاد فيه باستمرار . ولكن تطور الفكر العلمي يكشف عن تهافت مثل هذه الادعاء " ذلك لأننا إذا قارنا نظرية كانط في المعرفة بالنظرية العلمية في النسبية فإننا سنجد إن النظرية تتجاوز ما كان يعتقد كانط حلا نهائيا " (3)
و"ان خطا مثل هذه النظريات العامة في المعرفة أنها تريد إن تقدم حلا نهائيا لمسالة المعرفة ولكنها اذ تفعل ذلك اعتمادا على المفاهيم العلمية في مرحلة معينة من تاريخ العلم ترفع إلى مستوى الحقيقة النهائية ما ليس في الواقع إلا حقيقة نسبية أنها تحاول من وجهة أخرى اة تؤسس مشروعية المعارف العلمية في حين إن هذه المعارف ليست في الواقع بحاجة تأسيس فلسفي لمشروعيتها ألانها هي التي تعطي بذاتها معايير هذه المشروعية "(4)
فان باشلار يقدم هذه المشروعية كامر يرجع إلى المعرفة بذتها فانه يسقط عن فلسفة العلوم أحدى المهام التي كانت الفلسفات التقليدية تعتبرها من مهامها الأساسية . إذن من مهام فلسفة العلوم التي يحددها باشلار ما يلي :-

1- إبراز القيم الابستمولوجية :
من واجب فلسفة العلوم إن تبرز قيم العلم وان تعيد في كل مراحل تطور الفكر العلمي دراسة الموضوع التقليدي حول قيمة العلم ، وهذا يعني إن القيم الابستمولوجية ليست قيمة عامة للعلم ، بل هي مجموعة من القيم المتجددة مع تطور الفكر العلمي .
"كما تعني إن القيم الابستمولوجية قيمة للعلم . أي ليست فلسفة وانه ليس من حق الفيلسوف إن يضفي على العمل العلمي قيما من خارجة فالعلم هو الذي يعطي بذاته قيمة .فالقيم التي يجعل باشلار من مهمة فيلسوف العلم تحديدها وترتيبها وإبرازها قيم تفرض ذاتها في مسيرة العلم التي تسير تبعا لنوع من ضرورة مستقلة " (5)
بالتالي أنجاز فيلسوف العلم للمهمة إبراز القيم الابستمولوجية بشرط أساسي . هو إن يتخذ موقف اليقظة من العلم المعاصر ويظهر هذا الشرط على مستويين هما :-

المستوى الأول: يتطلب من الفيلسوف العلم إن العلم يتجاوز موقفا منهجيا سائدا في فلسفة المعرفة ، وهو الذي يعمل عند البحث في قيمة نظرية ، وليس البحث عن أصول أو بدايات مطلقة لهذا
النظرية ولا يهتم كما يلزم في نظر باشلار بالوقائع من حيث هي أفكار والواقع إن ما يدفع فيلسوف العلم إلى السير تبعا لمبدأ البحث عن أصول هو المتطلبات المختلفة التي يلزمه بالعمل ، ويرى باشلار " حين تتجاذب هذه المتطلبات المتناقضة يعتقد فيلسوف الفكر العلمي انه يستطيع إن يكتفي بدور المؤرخ انه يريد إبراز القيم كما يريد إن يذهب مع العلم إلى عمق الأشياء ولهذا يبحث عن الأصول ، ويرجع إلى بدايات"(6)
إذن مهمة فيلسوف العلم هي إن يبرز القيم الابسمولوجية ولكنه لن يكون قادرا على أنجاز هذه المهمة إلا إذا كان قادر على إن يدرك مظهر الجدة في النظريات العلمية . فكيف ذلك العالم يبحث عن أصول أو بدايات مطلقة ؟ إن المبدأ سيعوقه عن إدراك حقيقة النظريات العلمية من حيث انه سيبحث عن مظهره إلي يرجع إلى أصول ،ويرى في هذا المظهر أساسا لا يمكن إذن إبراز القيم الابستمولوجية إلا بالسير في الطريق المعاكس ، لهذه المبدأ الذي طغى على فلسفة المعرفة ولا ينبغي إن ينفذ إلى عمل فيلسوف العلم .

المستوى الثاني: وهو ضروري لا يجاز فيلسوف العلم لمهمته يبرز في إن فيلسوف العلم الذي يعاصر فترتنا من تاريخ العلم إن ينتبه إلى مظاهر الجدة الخصوصية لها ، ومن هنا سيدرك معنى القيم الابستمولوجية ، لأنه سيجد في خصائص العلم قيما ابستمولوجية جديدة ينبغي إبراز دلالتها ومن هنا يمكن تستخلص خصائص جديدة للعام المعاصر وهي ما يلي :-
1- إن الواقع في العلم المعاصر هو الواقع المبنى وليس الواقع المعطى . بمعنى إن ما يظهر ذلك هو الدور المتزايد للإله ، حيث لم تعد الإله تدقق إدراكنا للواقع فحسب بل أصبحت ما يجعلنا ندرك هذا الواقع الذي لا يمكن إدراكه دونما . إن العلم المعاصر أكثر من العلم السابق أصبح علما أليا .
2- الدور الذي يلعبه الكتاب في المعرف العلمية المعاصرة : أي إن الفكر العلمي كتاب فعال وكتاب جسور وحذر في نفس الوقت كتاب في التجربة كتاب يراد طبعة ، طبعة جديدة متفتحة تعاد تنظيمها . أي ندرك الدور المهم الذي يلعبه الكتاب في المعرفة الموضوعية .
3- إن العمل العلمي أصبح عملا جماعيا : وهي الخاصية التي يسميها باشلار بالخاصية المجتمعية للعلم المعاصر . أي ليس هناك في العلم المعاصر مكان لعمل علمي ينجز بصوت واحد في كل الاكتشافات العلمية والمعاصرة تعاون وتكامل بين عمل مجموعة من العلماء ، وهذا التعاون مستويات ، كالتعاون بين العلماء النظريين علامته انه ليس هناك وقت الحاضر عمل علمي نظري يوقع باسم واحد ، كالتعاون بين التقنيين ، أي كل أنجاز تقني أصبح يقتضي تعاون عدد كبير من التقنيين وأصبح يقتضي كما يقول باشلار مدينة تقنية ن وأخيرا التعاون بين النظريين والتقنيين ، أي لا يوجد في المدينة العلمية المعاصر عمل نظري منفصل عن العمل التقني . أي " إن المجتمعيين أي مجتمع النظريين والمجتمع التقنية يتلامسان ويتعاونان ، هذان المجتمعان يتفاهمان وهذا التفاهم المتبادل الصميمي والفاعل هو الحدث الفلسفي الجديد " (7)
وهذه الخصائص الثلاثة مرتبطة ارتباطا قويا إذا همنا أية واحدة منهما ، فإننا ندخل إلى ميدان ( الطوباوية )*.

2- البحث في اثر تطور المعارف العلمية على بنية الفكر :

إن البنية العقلية ليست ثابتة ، بل بنية متطورة بفعل اثر المعارف العلمية عليها ، هذه قيمة ابستمولوجية استخلصها باشلار من العلم المعاصر بمعنى إن فيلسوف العلم عليه إن يبين لنا في كل مرحلة من تطور الفكر العلمي خالة المعارف العلمية مبرزا القيم المعرفية الجديدة التي تبرز مع هذه المرحلة .
(وعليه إن يبرز الأثر الذي تحدثه المعارف العلمية على بنيتنا العارفة " لقد دعا عدد من الفلاسفة إلى توجيه البحث الفلسفي نحو قدرتنا العارفة ، وعلى راس هولاء ( كانط ) إلا إن ما يريد باشلار حين يقول بالبحث في اثر المعارف في بنية الفكر لا يمكن إن يوضع في نفس السياق هذه الدعوة ذلك إن ما يقصده اولئك الفلاسفة كان هو دراسة الفكر من اجل معرفة طبيعته وحدوده ، في حين باشلار لا يجعل من مهمة فيلسوف العلم لا البحث في طبيعة الفكر ولا يلن حدوده ، فهذه الفلسفات بالرغم من نقدها للفلسفات الميتافيزيقية تضل بالنسبة لباشلار في نفس مجال تلك الفلسفات ، لأنها تبقى على مفهوم الفكر الثابت بالرغم من تطور المعارف العلمية " (8)

ومن هنا يمكن القول بان باشلار يتفق مع كانط على إن العقل يتعامل مع العلم الرياضي والعلم الطبيعي ولا يتعامل مع العلوم الميتافيزيقية ، كما يرى كانط " إن الواقع شاهد على إن الرياضيات والفيزياء علمان مقبولان من الجميع في حين إن الميتافيزيقيا لازالت مبحثا مشكوكا في أمره حتى إن الكثيرين لا زالوا يرفضون التسليم بالمكان قيام مثل هذا العلم " (9)
ولكي تكون مقارنتنا دقيقة لا بد إن نقانه بفليسوف عاصره وعاصر الثورة العلمية التي جعل منها باشلار نقطة انطلاقه مثل الفيلسوف ( برانشفيك ) * الذي يرى الفلسفة عبارة عن تأمل للفكر في ذاته من حيث إن الفكر حين يتأمل تاريخ العلوم والفلسفة في تطورها ، فالميتافيزيقيا عند برانشفيك وفق لهذا المفهوم تتحول إلى نظرية في المعرفة وان أهم ما يميز برانشفيك ويجعله اقرب إلى باشلار بهذا الصدد ، هو انه لا يجعل موضوع الفلسفة الفكر من حيث طبيعته ، بل الفكر من حيث فاعليته التقليدية بعقل ثابت ولا يتحدث عن الفكر كمعطى قبلي . أي إن الفكر عند برانشفيك يعرف بفاعليته ، فانه لا يمكن إن ينحصر في جملة من المقولات الثابتة والقبلية ، كما عند كانط وان برانشفيك ينطلق من اعتبار التغيرات العميقة التي أحدثتها الثورة العلمية المعاصرة على المفاهيم التي كانت تعتبر قبلها مقولات قبلية ثابتة .
ورغم إن كتاباته كانت سابقة لباشلار ، فقد تأثره باشلار ببرانشفيك تأثير التجاوز وليس تأثير تكرار المقولات أو عادتها .

فبرانشفيك بعيد عن القول بعقل ذي مقولات ثابتة قد تأثر بالثورة العلمية واستجاب لها ، ولكن باشلار هو الذي ذهب في الواقع بذلك التأثر وبتلك الاستجابة إلى حدودهما القصوى . وان برانشفيك قد تقدم فعلا بالنسبة لكانط ولكنه يقول مع ذلك بفكر يجد ذاته في كل مرحلة من مراحل تطور ميادين إنتاجه العلمية أو الفلسفية أو غيرها .
إما باشلار فانه يتجاوز ذلك للإعلان عن فكر متطور في بنيته تطور المعرفة العلمية ، ولكن هذا الفكر لا يتطور مع كل اكتشاف علمي جديد ، ولكنه يتطور بفعل النظريات التي تمثل فيها ثورة علمية والتي تفرض قيما ابستمولوجية جديدة .

أي إن " برانشفيك يعين موضوع الفلسفة بصورة تجعلها تقترب من الابستمولوجية أكثر من اقترابها من الفلسفة العامة في صورتها التقليدية فموضوع الفلسفة في نظرة ليس الطبيعة بل الفكر ولهذا يعرف الفلسفة بأنها تأمل منهجي للفكر في ذاته " (10)
أي ما يقصده أولئك الفلاسفة كان هو دراسة الفكر من اجل معرفة طبيعته وحدوده ، في حين أم باشلار لا يجعل من مهمة فيلسوف العلم لا البحث في الطبيعة الفكر ولا بيان حدوده . فهذه الفلسفات بالرغم من نقدها للفلسفات الميتافيزيقية تضل بالنسبة لباشلار في نفس مجال تلك الفلسفات لأنها تبقى على مفهوم الفكر الثابت بالرغم من تطور المعارف العلمية .
أي إن برانشفيك ليس أول من جعل موضوع فلسفة الفكر ويذكرنا بكانط الذي جعل السؤال الأساسي في فلسفته يتعلق بامتحان قدرتنا العارفة ، والبحث في طبيعتها ، غير إن التقدم الذي يحققه برانشفيك بالقياس إلى كانط من حيث نظر إليه في الاتجاه الفلسفي الذي يسير من كانط إلى باشلار ، وهو انه يعين لفلسفة الفكر موضوعا ليس من اجل البحث في طبيعة الفكر ، بل في فعاليته . إن الفكر يعرف عند برانشفيك بفعاليته . حيث إن للفكر فعاليته فانه لا يمكن إن ينحصر في جملة من المقولات الثابتة والقبلية .
" أي عدم الخضوع لرأي الفلسفات العقلانية المثالية التي تؤكدان الفكر الإنساني بنية ثابتة وانه يواجه الواقع ، وهو حائز بصورة فطرية أو قبلية للمقولات التي تؤهله للتفكير في هذا الواقع " (11) 
وهكذا فان فيلسوف العلم حين يؤدي مهمته على هذه الصورة يجعل نفسه في تعارض مع المهمة التقليدية للفلسفة ، أي بناء نظرية في المعرفة ، ولكنه لا يجعل نفسه في تعارض مع العلم ، لأنه يسير في نفس اتجاه العلم ، ولأنه لا يعمل سوى على إبراز اثر القيم الابستمولوجية في بنيتنا العارفة .

3- الدعوة إلى تحليل النفسي للمعرفة الموضوعية :

إن ما يأخذه باشلار هنا عن التحليل النفسي ن هو فرضيته العامة ، المتعلقة بوجود حياة نفسية لا شعورية تؤثر في حياتنا النفسية الشعورية *.
كما إن المحلل النفسي يقوم بافتراض دوافع غير مشعور بها للسلوك الإنساني ، ويجعل من هدفه اكتشاف هذه الدوافع التي قد تؤدي بالسلوك إلى الشذوذ أو المرض . أي " شانه شان فرويد محاولا الكشف عن كل العلاقات القائمة بين المحتوى الكامن والظاهر من الحلم والكشف عن كل الجوانب المحذوفة والوقفات بل الهواجس التي ينطوي عليها خطاب الشخص المحلل نفسيا . " (12)

أي إن فرويد من خلال تحليله بصورة خاصة للحلم يصل إلى الرغبات اللاشعورية التي تؤثر في سلوك الشخصية الإنسانية تأثير كبيرا دون إن يشعر بذلك .
فباشلار" يفترض لذي الباحث العلمي مكبوتات عقلية على الابستمولوجي إن يبحث في أثرها على العمل العلمي لهذا الباحث ، كما إن المحلل النفسي يرى انه من الخطأ إن نكتفي بالبحث في ظاهر السلوك الإنساني ، فان باشلار يرى انه من الخطأ حين ابحث في موضوعية المعارف ، إن البحث في التجربة اة في مجرد تأكيد الواقع إن ما ينبغي ملاحظته في نظر باشلار هو الملاحظ العلمي من اجل إن نضع إمامنا تفسيراته العقلية المكبوتة " (13)
وبالتالي تلتقي هذه المهمة مع المهمة السابقة من حيث العلاقة بالعمل العلمي ، لانه عمل عقلي وعملي نفسي وتختلفان في الهدف الذي تسعى كل منهما إلى الوصول إليه .ففي المهمة السابقة فيلسوف العلم يهدف إلى بيان الأثر النفسي للثورة المعرفية ويهدف إلى إبراز القيم الابستمولوجية من حيث هي قيم عقلية ونفسية . أي " إن على فيلسوف العلم أم يبين لنا في كل مرحلة من تطور الفكر العلمي حالة المعارف العلمية مبرزا القيم المعرفية الجديدة التي تبرز مع هذه المرحلة ، وان عليه أيضا إن يبرز لنا مع ذلك الأثر الذي تحدثه المعارف العلمية على بنيتنا العارفة . " (14) 
إما المهمة الأخيرة هذه ، فان على فيلسوف العلم إن يحلل عمل الباحث العلمي ليبرز فيه جانبه الباطن وأهمية هذا التحليل تظهر من خلال أهمية الجانب الباطن وكذلك من خلال أهمية الجانب الباطن للعمل العلمي

أي " كما إن الحياة النفسية اللاشعورية ليست مجرد جانب مختبئ من الحياة النفسية بل هي جانب دينامي لا يستطيع دون مراعاة دينامية فهم ما يظهر لنامن الحياة النفسية ، فان ما يريد باشلار وصولة من التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية هو بيان الشروط الخفية ، ولكن الدينامية التي
تتحقق فيها معرفتنا والتي يتم ضمنها بناء معرفة موضوعية " (15)

ومن مظاهر التي يقترح فيها باشلار أهمية هذا التحليل كايلي :-

أ- إن فلسفة العلوم عند باشلار تقترح علينا هذه المهمة للابستمولوجيا تبدى إدارة في الاستجابة لتحولات العلمية المعاصرة في كل الميادين العلمية سواء كان في ميدان العلوم الرياضية أو الفيزيائية أو الكيميائية التي تريد إن تستجيب للتحولات العلمية المعاصرة ، لكي تعمل على إن تعكس ذلك على تغيير الموقف الفلسفي من العلم ، أو سواء كانت في ميدان العلوم الإنسانية ، التي تستجيب لهذه التحولات ، لكي تستند إليها تحليل تطور المعرفة العلمية ، وتكشف عن بعض مظاهر الميكانيزم الذي يسير وفقا للمعرف لكي تصل إلى الموضوعية . 
ب- موقع فلسفة العلوم الباشلارية من ألازمة التي عرفتها الفلسفات المثالية التقليدية عند قيام ثورة في العلوم الفيزيائية والعلوم الإنسانية . لان فلسفة العلوم عند باشلار تبدي باقتراحها منهجيا تحليليا لفهم تطور الفكر العلمي . 
ج- إن باشلار يقدم فعلا نتيجة لتحليل الذي يقوم به عن المفاهيم الفعالة في تحليل تاريخ العلوم ،لأنه قادر على تحليل مظاهر من هذا التاريخ ، لا تستطيع وجهة نظر الاستمرارية التي كانت سائد القيام بتفسيرها . 

ولهذا نجد إن باشلار يدعوا إلى ضرورة القيام بتحليل ابستمولوجي يكون فيها هذا التحليل في تكامل مع علم إنساني وهو علم النفس .لانه الابستمولوجيا يمكن إن تستفيد في نظر باشلار من التحليل النفسي من اجل الوصول إلى أهدافها في تحليل المعرفة العلمية .

وان باشلار ليس الفليسوف الوحيد المعاصر الذي يدعوا إلى مثل هذا التكامل . لان هناك الفليسوف ( بياجي ) * يدعوا إلى ذلك . والذي يرى إن السؤال الأساسي بالنسبة للابستمولوجيا لا يتعلق بطبيعتها ، بل بكيفية نموها فهو من إتباع منهج علم النفس التكويني لدراسة تكوين المفاهيم العلمية .
أي " تحديد كيف تنمو المعارف فهذا يتضمن إن ننظر منهجيا إلى كل معرفة من زاوية تطورها ، أي من حيث هي صيرورة لا يمكننا ابد إن نبلغ بدايتها الأولى أو نهايتها . أي كل معرفة يمكن النظر إليها دائما ، بصورة منهجية على أنها متعلقة بحالة سابقة لمعرفة اقل ، وعلى أنها قابلة لأنها تمثل هي ذاتها هذه الحالة السابقة بالنسبة لمعرفة أقوى . " (16)
إذن هذا التكامل الذي يدعوا له باشلار وبياجي ينحدر في دراسة الشروط النفسية للمعرفة ويغفلا إن التعاون مع العلوم الأخرى يجعله يكتشف شروطا ثانية لنمو المعارف العلمية أو لتوقفها . الخلاصة : وقد رأينا إن هذه المهام تكون عناصر برنامج متقدم بالنسبة لما كانت تتصوره الفلسفات التقليدية . إذن هذه هي المهام التي يقترحها باشلار للابستمولوجيا بديلا عن الصورة التقليدية التي كان يتخذها الخطاب الفلسفي حول العلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار – مرجع سابق -
(2) المرجع السابق
(3) المرجع السابق
(4) إبراهيم زكريا - كانت أو الفلسفة النقدية
(5) محمد الوقيدي - فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار
(6) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار
(7) محمد الوقيدي – ما هي الابستمولوجية – مرجع سابق
* الطوباوية Vtoopigne :هو اتجاه خالي من المفكرين والفلاسفة والمصلحين الدين يريدون إصلاح المجتمع ، ولكن ليس عن طريق دراسة التطور الواقعي للمجتمع بل برامج خيالية مستمدة من رغباتهم وأحلامهم
(8) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار – مرجع سابق
(9) إبراهيم زكريا - كانت أو الفلسفة النقدية – مرجع سابق –
* برانشفيك – 1869 – 1944 : فرنسي من ابرز مفكري المثالية الجديدة ومن أهم كتبة الفلسفية كتاب ( صيغة إصدار الحكم ) 1897 ، وكتاب ( مقدمة لدراسة حياة الذات ) 1900 ، وكتاب ( مراحل الرياضة ) 1912
(10) محمد الوقيدي فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار – مرجع سابق
(11) مجمد الوقيدي – ما هي الابستمولوجية ؟ - مرجع سابق
* أي هناك رغبات وميول في اللاشعور يتم كبتها لعدم إمكانية تحقيقها ، لأنها تتعارض مع متطلبات الحياة اليومية ، وهذه الرغبات والميول لا تتوقف عن سعيها إلى الظهور فتتحايل على مظاهر الشعور فتمتزج بها وتظهر من خلالها .
(12)كريزويل اديث – عصر البنيوية – ترجمة جابر عصفور – ط ب ( بيروت - المؤسسة الجامعية – 1997 )
(13) محمد الوقيدي – فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار – مرجع سابق
(14) المرجع السابق
(15) المرجع السابق
نفسي وفيلسوف ومنطقي سويسري ، استاد بجامعة جنيف واسهم بياجي بنصيب كبير من فروع علم النفس ، وقد وضع نظرية ( تكوين العقل ) التي تعتبر العقل نسقا من العمليات ، أي الأفعال الداخلية لذات المشتقه من أفعال الموضوعات الخارجية .
(16) المرجع السابق