‏إظهار الرسائل ذات التسميات لوركا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لوركا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 30 يوليو 2016

قصائد للشاعر الأسباني جارثيا لوركا، ترجمة: عدي الحربش



قصيدةُ الحمامِ الأسود
.....................

من خلالِ غصونِ الغار
رأيت حمامتين داكنتين
الأولى .. الشمس
والأخرى .. القمر
قلت لهما: يا جاراتاي
أين هو قبري؟
في ذيلي، قالت الشمس
في جوفي، قال القمر
وأنا الذي كنت أمشي
والأرض حزامٌ لي
رأيت حينها نسرين من الرخام
وبنتاً عارية
أحدهما كان الآخر
والبنت كانت لا أحد
قلت لهما: أيّها النسرين
أين هو قبري؟
في ذيلي، قالت الشمس
في جوفي، قال القمر
من خلالِ غصونِ الغار
رأيت حمامتين عاريتين
إحداهما كانت الأخرى
وكلتاهما .. لا أحد.


 ***

أغنيةُ شجرةِ البرتقالِ المجدبة
.......................

أيّها الحطاب.
اقطع ظلي
خلصني من العذاب
من رؤيةِ نفسي دونَ ثمر.
.
لماذا وُلِدتُ بين المرايا؟
اليومُ يدورُ من حولي
والليلُ يصنعُ نسخاً مني
في كل النجمات.
.
أريد العيشَ دون رؤية نفسي
وسوف أحلم بأن النملَ
وأن الشوك
صارا أغصاني وطيوري
.
أيّها الحطاب.
اقطع ظلي
خلصني من العذاب
من رؤيةِ نفسي دونَ ثمر.

 ***


قصيدةُ الحضورِ الرهيب
.....................

أريدُ الماءَ محمولاً من مرقدِه.
أريدُ الريحَ متروكةً دون أنهار.
أريد الليلَ مطروحاً بلا عيون
وقلبي دونَ زهرةِ الذهب.
وأريد أن يتحدثَ الثورُ مع الأغصان
وأريد أن تتخلصَ الدودةً من الظلال.
وأريد أن تلمع أسنانُ الجماجم
وأريد أن يتغلغلَ الأصفرُ في الحرير.
أستطيع أن أرى مبارزةَ الليلِ الجريح
متلوياً في نزالِه مع النهار.
أنا أقاوم حلولَ السمِ الأخضر
والأقواس المكسورة حيث يعاني الوقت.
لكن لا تغمرني بنور جسدك العاري
كما لوِ الصبّار الأسود فتحَ الخيزران.
دعنى في حسراتِ الكواكبِ المظلمة
لكن لا تريني خصرك البردان.


*** 


قصيدة الغرام الغير مرتقب
....................

لا أحدَ أحاطَ بسرِ عطرِ
الماجنوليا السوداءِ في رحمِك.
لا أحد علمَ أنكِ عذبتي
طيرَ الغرامِ الطنانِ بين أسنانِك.

.

ألفُ مهرٍ فارسي أسلمَ للنوم
في ساحةِ جبينكِ المضاءةِ بنورِ القمر
عندما كنتُ - عبرَ أربعِ ليالٍ
- أعانقُ خصرَكِ .. عدوَ الثلج.

.

نظرتكِ مابينَ الجصِ والياسمي
كانت غصناً شاحباً من البذور.
فتشتُ في قلبي كي أمنحكِ
الرسائل العاجية المسطرة بـ دوماً

.

دوماً .. دوماً .. يابستانَ لوعتي
جسدكِ يهربُ مني دوماً
الدم في عروقكِ وسط فمي
وفمكِ دونَ نورٍ يرقبُ موتي.

 ***

قصيدة الغرام اليائس
..................

الليل يرفض أن يأتي
كي لا تستطيعين المجيء
ولا أستطيع القدوم.
.
لكن سوف آتي
رغم أن عقرب الشمس ينهش وسط صدغي.
.
لكن سوف تجيئين
بلسانٍ ألهبته قطرات المطر المالح.
.
النهار يرفض أن يأتي
كي لا تستطيعين المجيء
ولا أستطيع القدوم.
.
لكن سوف آتي
رامياً للضفادع قرنفلي الممضوغ.
.
لكن سوف تجيئين
عبر مجاري الظلمة الطينية.
.
الليل والنهار يرفضان القدوم
كي أموتَ من أجلكِ
وتموتين من أجلي.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : موقع "أدب" الموسوعة العالمية للشعر العربي.

السبت، 11 يونيو 2016

قصيدة " الموت الأسود " للشاعر الإسباني غارثيا لوركا

ترجمة: عدي الحربش




أريدُ أن أغفوَ غفوةَ التفاحْ
أريدُ أن أبتعدَ عن زحمةِ القبورْ.
أريدُ أن أنام نومةَ طفلٍ
أرادَ شقَ قلبِه بعيداً في البحور.

.

لا أريدُ أن يخبرونني مرة ثانية كيف تحتفظ الجثة بدمِها
كيفَ أن الفمَ المتفتتَ يظل ينشد جرعةَ ماء.
لا أريدُ أن أسمع عن فصولِ التعذيبِ التي أعدها العشب
ولا عن القمر الذي أتم أعماله قبل الفجر
وأنفه الأشبه بالثعبان.

.

أريد أن أنامَ نصفَ ثانية
ثانيةً .. دقيقةً .. دهراً
لكنني أريدهم أن يعلموا بأنني مازلت حياً
أنني أمتلك معلفاً ذهبياً مابينَ شفتي
أنني مازلت الرفيقَ الصغيرَ للريحِ الغربية
أننّي أنا الظل الهائلُ لدموعي.

.

عندما يحلّ الفجرُ ارمِ فوقي شيئاً من ثيابْ
لأنني أعلم أن الفجرَ سيذرّ النملَ عليّ.
واسكب قليلاً من الماء على حذائي
كي تخطئني -عندما يأتي- مخالبُ عقربِ الفجر.

.

لأنني أريدُ أن أغفوَ غفوةَ التفاحْ
وأتعلم أغنيةَ نوحٍ تغسلني من كل الأرض
لأنني أريد أن أحيا مع ذاك الطفل الذي
أرادَ شقَ قلبه بعيداً في البحور.

...........


السبت، 14 مايو 2016

في رسائل غارثيا لوركا

ترجمة: د. عدنان محمد آل طعمة 


غارثيا لوركا (1898-1936)
كانت علاقة غارثيا لوركا بأدباء وشعراء وفناني عصره علاقة متميزة يُبادلهم الرأي والمشورة والنصحية؛ يأخذ بآرائهم وايماءاتهم فيما يقرأون له أو يراجعون أعماله قبل دفعها إلى المطبعة وأحياناً يصمّمون له أغلفة دواوينه كانوا يبادلونه الزيارات؛ يكتب لهم فيما يقرأ ويؤلف؛ ويكتبون له فيما يستجد لهم من أمور وقد شاء الله أن يصبح أصدقاء غارثيا لوركا رواداً في الأدب والرسم والموسيقى من أمثال "رامون خمينيت" مؤلف ( الحمار وأنا ) الحائز على جائزة نوبل؛ ورفائيل ألبرتي، كذلك؛ وسلفادور دالي؛ ومانويل دي فايا الموسيقي الكبير وغيرهم.. وقد ظهرت رسائله هذه إلى أصدقائه في جزءين نشرتها دار Alianza  سنة 1983 بمدريد؛ وقد قامت الدكتورة وجيهة كاظم آل طعمة بترجمة رسائله إلى مانويل دي فايا في العدد 69 من الأداب الأجنبية 201-220؛ وأقوم اليوم بترجمة بعض رسائله إلى بعض صديقاته ممن كانت تربطه معهن علاقات ثقافية وأسريّة؛ خاصة آنا ماريا دالي شقيقة الرسام العالمي سلفادور دالي؛ فقد كان يقضي الشاعر عندهم بعض فترات الصيف في منطقة فطلونية وتأتي هي عندهم لزيارة غرناطة وتبقى أياماً مع شقيقاته؛ والثانية هي ماريا ديل ريبوسو أوركيا Maria del reposo Urquia؛ والثالثة هي إميليا والرابعة   إيزابيل غارثيا رورديفث، لا أريد التعليق على هذه الرسائل وأترك ذلك للقارىء إيماناً مني بأحقيته في الحكم عليها لأن لوركا ترك كل خياله وإبداعه ورومانسيته وثقافته الواسعة عبر هذه الرسائل؛ لم أترجم جميع رسائل آنا ماريا دالي وعددها ثمانية بل ترجمت رسالتين فقط وبطاقة بريدية.

إلى ماريا ديل ريبوسو أوركيا
ليلة 1 فبراير 1918
عزيزتي الصديقة القريبة البعيدة:
ربما ستتعجبين- حضرتك- إنني أكتب إليك بهذه الصورة، وفجأة، لكن كما هو الحال لا يمكن أن تذهب صورتك الرقيقة والظريفة عن مخيلتي، أتصور دائماً أنني أتحدث إليك، ربما يكون ذلك توافق الأرواح.
آه لا تضحك، لا تضحك.. يا ريبوسو
ربما تجاسرت في الكتابة إليك، أقول تجرأت لأنه في إسبانيا تعتبر هذه التصرفات جسارة وجرأة، كتبت إليك من أجل أن تسدي إليّ خدمة.
لأنني عازم على نشر كتاب.
أتوافقين أن أخصص فصلاً عنكِ؟ إذن أجيبيني على ذلك.
أعتقد أنه سيكون لي الشرف إذا وصلتني إجابتك، لا أنتظر شيئاً آخر من امرأة مثلك، كعاشقة لشوبان، أو مثل ترجمة جيدة لأعماله.
أحياناً تأتي لحظات- ياصديقتي ريبوسو- نشعر بأننا نرغبُ بالكتابة إلى روح اختفت في البعد، وأنَّ تلك الروح تسمع نداء الصداقة بيننا.
في المرحلة الحالية نحن الرومانتكيون علينا أن نغرق أنفسنا في ظلال اجتماعي.
ربما حضرتك- أنت رومانتيكية مثلي- تحلمين في شيء روحي جداً بحيث لا يمكن العثور عليه، نعم، نعم، لا تضحك.
ولو أدى ذلك إلى الضحك لديك، شيء لا أعتقده.
إنه كذلك.
ربما لا ترغبينه.
دائماً لدينا مرارة بأن لا نستطيع تحقيق انتزاعه، آسف لأنني أزعجتك.
أنا دائماً عاطفي، لا أريد أن أزعجك أكثر! أتوافقينني على ذلك؟
ما أفعله هو من أعماق قلبي.
كنتِ واحدة من تلك النساء اللاتي مررن في طريق حياتنا وتركن أثراً هادئاً ولطيفاً ومريحاً وروحياً، شيء من هذا القبيل.
يشبه أريجاً يعبق من وردة اختفت في المكان البعيد، كم كتابتي سيئة أليست هذه هي الحقيقة، آسف.
أجيبي في الحال، إن لم يكن لديك عائق.
سأشكرك إلى ما لانهاية،تحدثي دائماً مع صديقك
تحياتي إلى باكيتو.
                                                      
                                                                                   فدريكو غارثيا لوركا

                                              ***
إلى إميليا يانوس-  مدينة
مدريد- 25 نوفمبر 1920
صديقتي إميليا:
أطلب منك السماح لأنني تصرفت تصرفاً سيئاً معك أيتها الفاتنة الرائعة
لكنني أعلم جيداً، أن إميليا تعذر دائماً، لأنها صديقة ممتازة لي، أليست هذه هي الحقيقة، أنا أعمل كثيراً، وأحيا أكثر قليلاً لأن أكون قادراً..لأن القمر جميل.
وأحياناً النجوم زرقاء.
أنا أعيش أغنية أصيلة من أعماق قلبي.
حاضر، سأكتب لك على مهلي، وبشكل مطول
أجيبي حضرتك؛ بالله عليك،"سأطلب إليك راكعاً" أتوسل إليك.
اكتبي لي على الأقسام الداخلية للطلاب- بينار 15 الذي هو عنواني.
إلى اللقاء أيتها الفاتنة إميليا.
لا تنسي صديقك المخلص.
                                                                                                 فدريكو

ملاحظة: هذه الرسالة كتبت بقلم الرصاص في نهاية رسالة أخرى للرسام إسماعيل جونثالث دي لاسرنا إلى إميليا يانوس حول كتابة مع خط إسماعيل جونثالث دي لاسرنا موجهة إلى غرناطة- بلاثا نويبا "الميدان الجديد" رقم 1- 

                                                     ***
الأنسة إميليا يانوس
إلى أميليا يانوس مدينة
مدريد 28 نوفمبر- تشرين الثاني 1920
إلى الآنسة- إميليا يانوس - بلاثانويبا
   - الميدان الجديد- غرناطة.
عزيزتي إميليا:
منذ أمدٍ بعيد لم أعرف عنكِ شيئاً؟ البارحة- فقط- أشتقت إليك جداً؛ كما- أنا- أعرف بالشعور الذي ينتابني حينما يتعلق الأمر بأشخاص عزيزين عليَّ جداً، ورقيقين جداً من أمثالك؛ إذ أنني أراك وسط ذلك المشهد الغرناطي الجميل؛ كامرأة غرناطية فريدة لها القدرة على الإحساس بذلك، ويسرني جداً أن تكوني لي صديقة ترى ذلك الحور المتلألىء؛ وأن ترى تلك الأشياء البعيدة كما أراها أنا.
 كم هو جميل؛ وكم هو محزن سيكون طريق حدره Darro؛ وأيّ غيوم داكنة تستمر عبر فالبرايسو Val Paraiso!
أليست هذه الحقيقة؟
أتذكر غرناطة عندماكنت طفلاً كما أتذكر خطيبين ميتين؛ وكما أتذكر يوماً مشمساً! هل سقطت الأوراق كلها؛ هنا في مدريد أصبحت الأشجار جرداء؛ وباردة سوى قسماً منها؛ بقي فيها وريقة تتحرك مع الريح الحزينة؛ تتحرك كفراشة ذهبية، الآن بدأت تمطر؛ وأصبح كل شيءٍ مغطى بسحابة رائعة سأكون صريحاً معك؛ ينتابني قليلٌ الحزن؛ ينتابني قليل من الكآبة، أشعر في روحي مرارة لتكون وحدها التي تحب، أعلم أنك في حالة حزن عابرة.. لكن أثرها دائم.
البارحة ذهبت إلى شارع سان خيرونيمو San Jeronimo؛ ورأيت امرأةً بدا لي أنها تشبهكِ؛ تشبهك في القامة؛ وتشبهكِ في الرشاقة وأكثر من ذلك أنها كانت واقفة في واجهة محلّ للتحفيات..! وأي تحفيات؛ جرار صينية؛ كؤوس يابانية؛ قلائد هندية.. كنت قد صرخت عالياً حتى أن الجنوي صاحب المحل قد فرَّ مذعوراً (1) هل ستكوني معي أكثر مودةً إذا أرسلتِ لي صورة موقعة بلطفك؟ 
أتفعلين ذلك؛ سأرى؟
أنا سأدفع مقابلها قصيدة؛ اتفقنا؟
لهذا اليوم يكفي؛ لا أتحدث أكثر في هذا؛ أنا سعيد جداً؛ وأنتظر الجواب لكي أكتب إليك أكثر تفصيلاً.
إلى اللقاء يا إميليا العزيزة؛ لا تنسي صديقك!
تحياتي إلى  فدريكيتو     يانوس    
                                                                                                   فديريكو

                                                   ***

إلى آنا ماريا دالي A. Ana Maria Dali
1
مايو 1925
عزيزتي الصديقة:
لا أعرف كيف يكون موقفي أمامكِ وأنا أكتب إليكِ هذه الأسطر؛ يبدو أنني أتصرف بدون خجل- نعم، بدون خجل- مثل أي رجل قبيح! الناس الذين لا يستحون؛ يصعدون هكذا حتى يصبح قبيحاً كبيراً؛ مع شروين لامعة لبرج إيفل Tour Eiffe.
 لكني أنا أعلم أنك ستسامحيني طوال هذه الأيام كلها؛ كنتُ أفكر بالكتابة إليك؛ لماذا لم أفعل ذلك ؟
أنا نفسي لا أعرف ذلك؛ تذكرتُ أكثر منك؛ لكن أنتِ ستعتقدين أنني نسيتك تماماً.
 على شاطئ البحر؛ تحت ظلال الزيتون في صالة الطعام ببيتك عند البحيرات؛ في صالة الطعام في بيتك تحت لوحة الراعية الإلهية، عندي في ألبوم الصور ذكرياتي معك؛ ضحكاتك التي لا يمكن أن أنساها؛ علاوة على أنني لا أنسى ذلك أبداً؛ يمكني ألا لا أظهر مشاعري للحياة لكن حدّتي غير ظاهرة.
كيف حال عمتكِ؟ وكيف حال أخيكِ؟
على الرغم من سؤالي عنه؛ لم تصلني الإجابة عن استشارتي لهُ!
كيف حال والدكِ؟
أفكرُ في قداقس- Cadeques، تبدو لي أنها مشهد خالد ومعاصر لكنه رائع؛ الأفق يرتفع مشيداً قناة مائية كبيرة.
الأسماك الفضية يخرجن لتناول القمر؛ وأنتِ تبلّلين ضفائرك في الماء حينما تبتعد وتقترب أصوات متقطعة لزوارق الغازولين؛ حينما يكونون جميعاً عند باب منزلكم؛ سيأتي الغروب ويصبح المرجان في يد العذراء وهاجاً ومشتعلاً.
لا يوجد أحد في صالة الطعام؛ فالخادمة ستكون قد ذهبت إلى الرقص والراقصتان السوداوان في الكريستال الأخضر والأبيض ترقصان الرقصة المقدسة التي تخيف الذباب في النافذة وعند الباب، حينذاك؛ ستجلس ذاكرتي على إحدى الأرائك.
ذاكرتي مثل كوسيل؛ وشراب وردي، أنتِ غارقة في الضحك وأخوك يحلمُ كأنّه زنبور من ذهب؛ في الأسفل الأروفة البيضاء تحلمُ بالأكورديون.
عند باب ليديا ينادون الغرسة الطبية؛ لكن لا أحد يجيب:
الصيادان الشجعان لكوليب- Culip يبكيان بأصواتٍ 
- جالسة على ركبتيها.
ليديا أصبحت ميتةً، أنا أريد أن أسمع في هذه اللحظة؛ يا آنا ماريك؛ الضجيج المنبعث من جنازير جميع البواخر اللاتي رفعن الأنجر Ancla  منهن في جميع البحار.. لكن طنين الذباب؛ وصوت هيجان البحرمنعها.
بالطابق العلوي في غرفة أخيك يوجد قديس على الحائط،بويك باخاديس Puig Pajades في بطنه التي تشبه منطاداً صغيراً؛ نازلاً على السّلم، لقد بقيت وحدي طويلاً في صالة الطعام؛ 
لكن لا أستطيع أن أنهض.
أحد رسوم سلفادور مشبك أرجلي؛ أي ساعة ستكون؟
أنا أريد أن آكل الآن؛ في هذه الساعة؛ من سمك المرلوثا.
كيف يقال ضباب؟
سحابة عبر النافذة.. تمرّ الغيوم؛ تبكي حزناً على هذه النساء المغبرات لابسات الحداد اللواتي ذهبن لرؤية القاضي الشرعي.
هكذا كنت في صالة طعامكم؛ أيتها الآنسة آنا ماريك!! 
ذكرياتي هي.. دائماً حادة.
أتذكرين- أنتِ- كيف ضحكت حينما رأيتِ القفازات الممزقة
يومَ كنّا سنغرق!
آمل أن تتعلمي كيف تسامحينني؛ لا تكوني ناقمة.
أخواتي ليس لديهن ما يفعلنه، سوى السؤال عنك؛ وكيف حالك؟
بلغي تحياتي إلى والدك وإلى عمتكِ.
ولك مني أفضل التحيات     
                                                                                              فدريكو
 هل ستجيبين على رسالتي؟
                                                       ***

إلى آنا ماريا دالي
بطاقة بريدية
باحة الساقية- الحمراء
25- تموز- يوليو 1925
آنستي- آنا ماريا دالي دومينيش
مقاطعة خيرونا "جيرون"- 
 يسرني جداً أن أقدم لكِ تهانيَّ في ذكرى يوم تعميدكِ 
تحياتي إلى عماتكِ وخالاتك وإلى والدكِ وأخيك-
                                                                                                  فديريكو
- سروري البالغ بيوم تعميدك.
                                                            ***

إلى آنا ماريا دالي
خريف 1925
عزيزتي الصديقة آنا ماريك :
استلمت- في غرناطة- رسالتك العذبة؛ لا أنساك أبداً، وإذا كنتُ لم أكتب لكِ من قبلُ، فلم يكُ ذنبي، ولكن بسبب أيامي القليلة المجنونة التي قضيتها في مدريد.
الآن في الأندلس - أصبحت شخصاً آخر؛ نفسه الذي كان في قداقس كم هي المرات التي تذكرت فيها ذلك الزورق الحقيقي الذي غرق بنا في كاب دي كريوس Cap de creus؛ كم كان لذيذاً ذلك الأرنب الذي أكلناه سوية بالملح والرمل، تحت تمثال النسر البرتقالي.
ذلك البحر هو بحري أنا؛ يا آنا ماريك، جميل جداً ما تقولينه لي حول قفازاتي البائسة "التي استلفتها؛ من أجل أن أعمل لنفسي قيمة في البيت جميل جداً 
 عبر هذه القفازات والقبعات تظهرشخصية المرء حينما تكون مستخدمة ومبللة، أعطني قفازاً أخبرك عن شخصية صاحبه.
 في غرف المهملات لبيت بيشوت Pichot عدة قفازات من كلِّ تلك الأنواع، سوداء بلون جلد الماعز؛ بيضاء صغيرة لبالغي سن الشباب محاكة بشكل.. من المؤكد أن من يراها في سلة العُصب سينبهر بها؛ خاصة قفازات الأم؛ لا أريد التفكير في موضوع إبسن هذا!!
لنفكر في نيني Nini الذي جاء لابساً قفازات أورفيو Orfeo مغنياً كبحار؛ وسكران على صدفة من صفيح.
 تقولين لي: إنَّ الصيف الماضي كان جميلاً؛ وهذا يسعدني جداً كان صيف الزوارق والإيماءات الكلاسيكية.
 وأنا في المقابل؛ قد مرت عليَّ أيامٌ سيئة. A
قد عملت كثيراً؛ لكن لديَّ قلق كبير عندما أكون في البحر. B
ثم أصبحت؛ وقد تعافيت تماماً.
 أستطيع القول إنَّ مالقة قد أعطتني الحياة؛ هكذا استطعت إنهاء إفيجينيه mi Ifiginia؛ التي سأرسل لكِ بعض قطرات منها.
 ما يتعلق بـ"ليديا" فهو شيء رائع؛ لديَّ صورتها، وضعتها فوق آلة البيانو العائدة لي؛ يقول العبقري- خينوس Xinius. إنَّ ليديا لها روعة دون كيخوتة Don quijote "هنا يجب أن نطبق بشدة شفائفهُ ونغمض العينين"؛ لكنهُ قد أخطأَ.
 ثربانتس قال عن بطله أنَّه أخرج سرَّهُ "شهرته"؛ هذه هي الحقيقة جنون دون كيخوتة جنون جاف؛ نبوءة كاذبة على هضبة عالية؛ جنون أجرد دونَ أخيلة.
أمَّا جنون ليديا فهو جنون طري؛ ناعم، مليءٌ بالنوارس، ومليءٌ بجراد البحر جنون تشكيلي؛ دون كيخوتة يمشي في الهواء؛ وليديا تسير على شاطىء البحر المتوسط؛ هذا هو الاختلاف؛ وأريد أن أكون على يقين من أجل أن لا نرمي جذور خفة العبقري "خينوس xenius".
 ما أعجب قداقسي هذه! وأي شيء مسلٍّ هذا الذي أستطيع أن أقارن من خلالهُ؟ بين ليديا وآخر نبيل جوّال "دون كيخوتة"!
 وأنت هل ستسامحيني على تحليلي المقتضب لهذه الأمزجة؟
أعتقد ذلك؛ لأنه في مرات عديدة تحدثنا- نحن- حول هذه الموضوعات استطعنا على كلِّ حال أن ننقذ أنفسنا من هذه الحماقات؛ هذه المطبات؛ وهذه الصخور؛
 ألم تتعرفي إلى آرنستو هالفر E. Hffter؟
حقيقة أنه مجنون مهم جداً؛ يملك حماقة كافية ليصل .. ليكون فناناً عظيماً.
 لماذا لا تأتين، أنتِ وشقيقك إلى غرناطة
شقيقاتي سيكتبن لكِ ليدعوكِ لزيارتنا.
 سلمي على عمتكِ؛ ووالدكِ؛ وأنا أشكرهم جداً على العناية الفائقة؟ وعلى المودة القلبية، وتحياتي إلى سلفادور Salvador واعلمي أن صديقك لن ينساك
                                                                                                  فديريكو

وصديق قطلونيا المطلق؛ دائماً هو كذلك! يا حلوة.
كيف ترين ياآنا ماريك اللوحة التي رسمها السيد أخوك؛
 اكتبي لي ما يقوله! لا تنسي هذا الغريق الأندلسي المسكين.

                                                      ***
إلى إيزابيل غارثيا رودريفت
"ممبرثي Mimbrete؛ عنوان"
مقهى الرَّملة- برشلونة
برشلونة مايو أو يونيو 1927
حضرة العزيزة العمة إيزابيل: أبعث إليك تحية قلبية من برشلونة حيث؛ كما تعلمين؛ أقوم بتحضير الحفلة الافتتاحية لمريانا بينيدا Mariana Pineda اليوم قمتُ برسم صورة لي، كاريكاتيرية- ولديَّ منها في بيتنا الكثير؛ وأرغب أن تكوني أنت ممن يحصل على بعضها؛ تلك التي أرسمها؛ مزحة خفيفة، لكن أبعثها لكِ مع ما كلّ المودة القلبية.
سلمي على جميع الأصدقاء؛ كذلك إلى العائلة جميعاً، خاصة العم بيبي Pepe  وقبلات إلى الأطفال؛ ولكِ مني عناق شديد؛ وقبلة من ابن أخيك الذي يحبك جداً سواء كان عن قربٍ أو عن بعد .
أشواق كثيرة إلى عمتي ماريا وزوجها؛ كذلك إلى الحلوة الجميلة الرقيقة مرثيديكاس Mercedicas؛ وأطفالها؛ وإلى مانويل؛ تحياتي إلى ريكاردو.

                                                                                                  فديريكو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحواشي: 

1- ج.م نفس المصدر ص134؛ يشير إلى الجنوي رودريفت دي أروفات صاحب متجر للتحفيات في الميدان الجديد في غرناطة؛ وفدريكتو الذي عناهُ في نهاية الرسالة هو فدريكـــــــو 
نيخيرو يانوس ابن أخ إميليا يانوس.

الهوامش:

· لوركا؛ كان قد عاد من إقامته الأولى في قطلونيا- تقريباً- في التاسع عشر من إبريل سنة 1925 "انظر أنطونيو رودريغو- غارثيا لوركا في قطلونيا "ص43- 51" قال الشاعر إنه أحس كما لو كان حقيراً؛ أو كمن انتزعت أخلاقه؛ لأنه ترك الزمن يمر دون أن يكتب..
إذا سوغ لنا أن نضع الرسالة في مايو؛ أو ندرجها في يونيو وفقاً لما ذكرته آنا ماريا دالي؛ هذه هي الرسالة الأولى التي وصلت من فدريكو غارثيا لوركا "رودريغو- المصدر نفسه ص53-54".
· مما لابد منه لكي ندرك الصور المميزة؛ والاستعارات المجازية لهذه الرسالة؛ والرسائل التالية ينبغي الاعتماد على التوضيح الخاص لآنا ماريا دالي "انظر رودريغو- المصدر 53- 59".
· كتب فديريكو غارثيا لوركا في رسائل عديدة- آناماريك- كان ذلك مما يحبب له أن يناديها بهذا الأسم، رسالة آنا ماريا دالي إلى جامع الرسائل في 17/6/1981 التي أشكرها على هذه المعلومة.
 A- آرتوروبل أويو Arturodel Hoyo ؛ هل يسير على خطى بلاسكو؟ يضع تاريخ الرسالة خريف 1927؛ لتكون عقب الزيارة الثانية للوركا إلى قطلونيا ربيع وصيف 1927 لكن لإعبتارات مختلفة ويجب أن تكون في 1925.
لقد ورد ذكر القفازات؛ وذكر الغرق في Cabo de cruis ؛ صلة هذه الرسالة واضحة في الزيارة الأولى، القفازات كما يقول فدريكو إنها استعرت حتى أعمل لنفسي قيمة في البيت" التفسير سيكون غير ضروري سنة 1927؛ إضافة إلى ذلك؛ فبعد انقضاء صيف 1927 كله تقريباً مع عائلة دالي من غير المحتمل أن لوركا يقول بعد هذا في خريف تلك السنة، تقولين إنه مضى علينا صيف جميل جداً؛ وأنا بالمقابل قد انقضى عليَّ صيف سيء جداً".
B- ولا يحتمل أيضاً أن يكون قد قضى صيفاً في قداقس- والفجيرات وبرشلونة- يقول:
"لديَّ قلق شديد لكوني في البحر"؛ يقول لقد كان في مالقة؛ وقد كتبت في صيف 1925 "خلال مدة قصيرة جداً سأذهب إلى مالقة لأسبح في البحر"
ورسالة أخرى إلى بيللو في هذا الصيف ذاته تضمنت وصفاً شاعرياً للبيئة؛ رسمها لوركا في خياله وأرسلها إلى صديقه عبر رسالة غنائية؛ في الوقت الحاضر يبدو واضح جداً عبر كل هذه الحقائق أننا قد أرخّنا هذه الرسالة بخريف 1925؛ كذلك الدرامة المجهولة رافيجينا!! التي ذكرها لوركا في الفقرة الثالثة.

المصدر: مجلة الآداب الأجنبية،تصدر عن اتحاد الكتاب العرب، بدمشق - سوريا، العدد رقم 90، 1 فبراير 1997، 

الخميس، 12 مايو 2016

خمسون عاماً بلا لوركا

بقلم الشاعر الفلسطيني محمود درويش



غارثيا لوركا
لم  يكن المغني يغني، كان ينبثق من بلور لوركا المكسور. لم يكن أمانيثيو برادا  يغني لنا، كان يلم شتات الروح. وكان علينا أن نصرخ لنشفى من حريق الورد:  أُلِّي... الله، في مساء مدينة البرتقال الإسباني فالينسيا، لم يكف خوان غويتسولو عن تأكيد البهجة: إن سوناتات الحب المعتم هذه، هي أحب قصائد لوركا على قلبي.

إسبانيا في كل أرجاء الذاكرة. إسبانيا في تمام إيقاعها المحاذي لموت يقدَّس. ونحن على هامش الهامش. لا ندخل ولا نخرج، نتحرر قليلاً من عقدة الخوف من الطرب. ولكن، من هو هذا المغني الذي يتلاشى، جسدياً، مع الأغنية؟

إنه متخصص في غناء قصائد لوركا... إنه يسبح ضد التيار الجارف الذي يعزل الغناء عن الشعر، كما فعل لوركا وهو يقاوم عزل الشعر عن الغناء

كان لوركا ينشد. كان لوركا يقول إن الشعر يحتاج إلى ناقل، يحتاج إلى كائن حي، سواء كان هذا الناقل مغنياً أو منشداً. وكان لوركا يمتحن حاسة الذوق، ويمتحن القصيدة ذاتها بالإلقاء. كان يبحث عن العلاقة المباشرة بين الصوت والقلب. فالشعر ليس فناً بصرياً. لا بد من إذن. لا بد من جرْس

ساعة واحدة. ساعة واحدة فقط كانت كافية لأن تنقلنا مما نحن فيه، من زماننا ومكاننا إلى... ما لا ندري، بشفافية الشعر، وفضة الصوت، وأمهات البرتقال الإسباني. لماذا نُصاب بهذا الفرح، وبهذا الشجن، لماذا ننتفض؟ هل نسينا أن هذه الرهافة، وهذا الغياب، هما وطن الشعر، الذي لا وطن له؟ وهل نسينا هذا الزواج الأبدي السعيد بين الشعر والموسيقى، لتعيد لنا تلك الساعة مشهد الروح وهي تحوّل البصري إلى صوت، وتطلع من الصوت رائحة الخريف؟
نسمة ملح تنقش أسماءنا على الرخام. إيقاعات زهر تنثر في الدم دبابيس الرغبة. بعيد يبتعد. ويد تحضن الكلام نوافير من ضوء ينسكب من بين غصون. إسبانيا، لوركا، خوف من قمر يرى ويفضح. لا نفهم هذه اللغة، ولكننا نحس ونؤلف كلاماً لمشهد يُطل علينا منّا. لذلك، ندرك الشعر الذي تقوله، لأنه أشكال داخلنا، ولأننا نعرف ما حدث في تلك الليلة، التي نحاول طردها عنّا، كما نطرد ذبابة بمروحة، على رغم أن سلفادور دالي واصل تناول السردين بشهية حين قالوا له إنهم قتلوا لوركا. هناك دالي، وهنا بابلو بيكاسو، الذي احتاج عشرين سنة أخرى ليرسم الحمام.

خمسون سنة على غياب لوركا. خمسون سنة على غياب وعد الجمهورية. ماذا نفعل بلا لوركا، ماذا نفعل بلا جمهورية؟

المغني يبوح بحساسية أخرى، باعتراف مظلم هو جزء من حرية. ولكن كنائس الكلام كانت تنتشر فينا كغابة صنوبر متباعدة الأشجار. إذ ليس لوركا فينا، سرّه الشخصي، بقدر ما هو فضيحة الإبداع المعدية... ولا أستطيع التحرر من الإحساس بأنهم يقتلون لوركا الآن. هنا، أمامي. لقد فتحت لي الأغنية باب خوفي الأوّل من القمر، الذي كان يكبّر الأشباح، وأعادتني إلى درسي الأوّل، الحاد الغامض، في قابلية الألفاظ الحسية على نشر مشاهد بصرية. هو... هو الذي أخذني إلى هذه الظلال، إلى هذا المزيج الناري، وإلى تسليط القلب على «الطبيعة الميتة"كما يقول الرسامون، وعلى إغراء العقل في التسلل العلني إلى القصيدة. هو الذي علمني شد الوتر من الحجر، والسير في غابات الزيتون. هو الذي دلني إلى طريق الخيل والمطر فوق منحدرات الجيتار. وهو الذي علمني الرحيل إلى قرطبة...

خمسون سنة على غيابه. ماذا فعلنا في غيابه؟ لقد توقف الجسد الإسباني، ذو السلالة العربية، عن التساؤل الخبيث: هل الأسطورة هي التي خلقت الشاعر، أم الشاعر هو الذي خلق الأسطورة؟ يريدون، لكي لا يحجبهم ضوؤه، أن يستبدلوا مجال الشاعرية بساحة إعدام. الشفقة لا الحب. ويريدون أن يقايضوا جداول حبنا القادمة من ينبوع شعر نادر برصاصة تثير التعاطف الشهير. لقد توقف هذا الجسد الإسباني، منذ عجزت الحواس عن العمل بلا أصوات لوركا الملونة، ومنذ عجز الديكتاتور القابع في القصر، وصغار الضباط المندسين في الشعر، عن الحيلولة دون انبثاق أغنية لوركا من كل أعضاء الجسد، ومن كل مجالات الروح التي تمتد إلى قدمي الراقصة الإسبانية الطامحة إلى الإقلاع عن جاذبية الأرض، ومنذ عجزوا عن اقتلاع أشجار الزيتون من أي حلق أندلسي، ومنذ عجزوا عن تحويل الغجري إلى موظف.

لوركا! من يستطيع وقف الرعشة إزاء هذا الاسم المكهرب؟

المغني يتسلل على حبل الظل. يرسم أغنية لوركا الهشّة. يتلوى، يصلّي، يزني، يعود على حافة الوتر الذي يجرح الهواء. ونحن نصفق لما تبقى فينا من قدرة على الافتتان: أولِّي... أُلِّي... الله. هل نسينا طابع الشعر هذا، هذا الطابع؟ وهل في وسع الشعر أن يجدد إنتاج حياته بغير هذا الحلق... وبغير هذه الأذن... وبغير هذا الاتصال؟ ليس مقياس الشاعرية أن يُقرأ الشعر - منْ وضع هذا المقياس؟ - بل أن يُسمع، أن يُغنى، وأن يُعاد إنتاجه على مستوى علاقة - منْ رفض هذا المقياس؟

خواطر. فرح. من سمَّى هذا الطرب عيباً؟ سؤال يُحال إلى عملية التدمير الذاتي التي يُمارسها الشعراء بتطهير شعرهم من العاطفة، وباستبدال غموض الأحاسيس المعلقة على أشجار الليل بوضوح الرياضيات، الذي لا يُفهم. أهذا ما يريده الذين ضاقوا ذرعاً، أو جهلاً بالموسيقى فحاولوا استحضارها من الكيمياء؟

غنِّ أكثر، أيها الكائن الحيّ، غنِّ أكثر يا ناقل الأغنية إلينا، نحن الجمهور. الموسيقى تعلن انتسابها العضوي، ولا تشرح. الموسيقى تنبثق ولا تصاحب. الموسيقى أحد أرواح الشعر، ما أُعلن منها، وما بُطِّن. غنِّ أكثر، ولكن لا تذكر كلمة «لونا». لا تذكر القمر. 

الليلة قتلوا لوركا...

وهكذا قدّم القاتل شهادته في رواية فيلالونغا: «ذهبتُ في طلب لوركا، في منتصف ليلة التاسع عشر من آب (أغسطس). انهض... هذا هو الموعد. قال: متى شئت أنا جاهز. نظرت إلى ساعتي: على مهلك. معنا وقت. قال لوركا: أحب ألا يحدث ذلك في المقبرة، فالمقابر ليست ليموت الناس فيها. إنها، فقط، للصمت والأزهار والغيوم. ولا أحب الموت على مرأى من القمر.

«... وحين وصلنا ساده فرح غامر فهمت معناه: لا يوجد قمر. توقفت السيارة. نزل منها رجال الفصيل السبعة. كما ترجّل قس طرّز على ثوبه الكهنوتي قلب يسوع المقدس. وضعت إصبعاً على كتف الشاعر، وقلت له: تقدّم... وأنا أدله على الطريق. سار راكضاً في الطريق المحاذي لمجرى ساقية جاف. وبعد دقائق عدة من المشي توقف. ظهرت أمامه في الأفق لاسييرا، وقد غطاها ضباب الليل الأزرق، وقربها وراء غابة الحور السوداء، قرية الشاعر ومسقط رأسه. سمعته يتمتم مرتين: لماذا يا ربي... لماذا؟ كان أحد رجال الفصيل يمشي إلى جانبي، ومسدسه في يده. أدخل فوهته في صُلب الشاعر، وانتهره بجلافة: إمشِ، وإلا بقرت بطنك. استأنف لوركا سيره متعثراً بالـحجـارة، وسـقط ثلاث مرّات على ركبتيه. 

وفجأة توقف وسألني: قل لي الحقيقة... هل هذا مؤلم كثيراً؟ 

«... فجأة ندّت صرخة... صرخة لا يبدو أنها خرجت من حنجرة إنسان. توقف لوركا عند حافة الجرف... أخدود عريض حفر في بطن الأرض، كاشفاً عن جذور الأشجار العميقة... عشرات القبور أخذت شكل الأجسام المواراة تحت التراب الرمادي الناعم... وهناك على مرأى من أبصارنا، منظر فاحش فظيع: ساق امرأة عارية ظلت خارج القبر، فوق التراب المحرّك منذ وقت قريب. أجهش لوركا بالبكاء...
«... تقدّم الكاهن، وفي يده صليب. قال للشاعر:
اعترف؟
تساءل: بماذا أعترف؟
قال الكاهن: بما تريد...
مد لوركا يده وأبعد الكاهن. عبّأ رجال الفصيل سلاحهم. قلت له: اركض! نظر إليّ، وهو لا يفهم قصدي، وأنا أؤكد: أقول لك اركض. قال: بأي اتجاه؟ قلت: على خط مستقيم... إلى أمام!

ركض عشرين متراً تقريباً في شكل يثير الشفقة، وتوقف. اركض، أيضاً. استأنف الركض، ويداه تهتزان، ورأسه يتداعى كأنه تمثال لا حياة فيه. وأصدرت أمري: نار.
ولما اقتربت منه رأيت وجهه معفراً بالدم والتراب الأحمر. كانت عيناه جاحظتين. قال بصوت خافت: أنا ما زلتُ حيّاً. حشوت مسدسي، وصوّبته إلى الصدغ. انطلقت رصاصة، ونفذت من البطن. ودفناه عند جذع شجرة زيتون».
غنِّ أكثر، أيها الكائن الحي، لنصدق أن على مثل هذه الأرض المجبولة بالجريمة، شيئاً ما يستحق الحياة. إنهم يذبحون الشاعر كالأرنب. وحين يعجزون عن ذبح الأغنية، يحيلون هذه المهمة إلى شعراء آخرين، يحيلونها بدورهم إلى نقاد آخرين. وحين ينتابنا الخوف من قمر أو خنجر، نتحسس قلوبنا.

وبقدر ما نجد لوركا نواصل البحث عن الروح في الغناء، والبحث عن الغناء في الروح.

خمسون عاماً بلا فيدريكو غارسيا لوركا...

شعراء أكثر، وشعر أقل.

ــــــــــــ
(*) دأب محمود درويش على كتابة مقال اسبوعي في مجلة «اليوم السابع» الصادرة في باريس، بدءاً من العام 1986 حتى توقفها. ويعمل حالياً الناقد الفلسطيني حسن خضر على جمع هذه المقالات بغية اصدارها في كتاب خاص. 
هذا المقال الذي يستعيد الذكرى الخمسين لرحيل الشاعر الاسباني لوركا 
نشر في المجلة في 23/6/1986.