الثلاثاء، 31 مايو 2016

التأملات في الفلسفة الأولى لديكارت: عثمان أمين

تحليل التأملات في الفلسفة الأولى

1- تعريف بالتأملات :

“التأملات في الفلسفة الأولى ” من روائع المؤلفات الفلسفية على الإطلاق ، وهي بلا
René Descartes
ريب أهم أجزاء الفلسفة الديكارتية وأجدرها بالاعتبار. ونظرة إلى المسائل التي تناولتها ، والحقائق التي بينتها تقنعنا بأنها أوفى ما ألف الفيلسوف في الميتافيزيقا بوجه عام ، وأبدع ما كتب في النفس الإنسانية ،ووجود الله بوجه خاص ، كما يشير إلى ذلك النص الكامل لعنوان الكتاب :” تأملات في الفلسفة الأولى ، وفيها يبرهن على وجود الله وخلود النفس .
نشر ديكارت ” التأملات ” سنة 1641 باللغة اللاتينية، دون الفرنسية، وكان قصده من ذلك كما يحدثنا هو نفسه أن يقصر كتابه على الخاصة دون العامة، إذ أنه قد التزم في شرح المسائل الميتافيزيقية سبيلاً قلّ سالكوه ، وبَعُد عن الطريق المألوف بعداً كبيراً .
ورأى ديكارت أن يقدم للتأملات برسالة إهداء ” إلى العمداء والعلماء بكلية أصول الدين المقدسة بباريس ” يسألهم فيها أن يؤيدوا آراءه، ويبيّن لهم أن منهجه الجديد في الفلسفة، على الرغم مما بينه وبين منهج ” المدرسين ” من اختلاف عميق، يستطيع ان ينصر العقيدة والدين ببراهين قاطعة من شأنها أن تخرس ألسنة الملحدين ، ولكي يضمن أن يظفر كتابه بحسن القبول عند علماء اللاهوت المسيحيين ، أرسله قبل الطبع إلى صديقه الأب ” مؤسن ” ليُطلع عليه مشاهير العلماء والفلاسفة ورجال الدين ، أمثال ” أرتو ” و ” جَسَّندي ” و” هويز ” و” كاتروس ” و ” بوردان ” وغيرهم ، وتلقى مرْسن من هؤلاء العلماء طائفة من الاعتراضات التي أوردوها على كتاب التأملات . وكتب ديكارت ردوده عليها ، وجمعت الاعتراضات والردود ، ونشرت في ذيل الطبعة الثانية لكتاب ” التأملات ” سنة 1642 وفي سنة 1647 نُشِرت للكتاب ترجمة فرنسية بقلم الدوق دو لوين، وقد راجعها ديكارت وصححها بقلمه ، وهذا مما يجعل الترجمة في منزلة طبعة أصلية .

ألف ديكارت كتابه هذا ليعرض على الخاصة مذهبه في الميتافيزيقا عرضاً علمياً منظماً ، ويلاحظ أن الفيلسوف كان يحيل من أراد الوقوف على جملة نظراته في الميتافيزيقا غلى هذا الكتاب وحده ، دون سائر كتبه ، صحيح أنه قد أورد بعض المسائل الميتافيزيقية في القسم الرابع من كتاب ” المقال في المنهج ” ولكنه عرضها هناك عرضاً سريعاً ومسها مساً رفيقاً لم يكن يقصد فيه إلى التعمق و الاستقصاء . على أن هذا العرض نفسه لا يفهم حق الفهم إلا بالرجوع إلى التأملات . وصحيح كذلك أن الباب الأول من أبواب كتاب مبادئ الفلسفة يبحث في أصول المعرفة الإنسانية ، وهو لهذا كان أدخل في بحوث الميتافيزيقا أو الفلسفة الأولى ، لكن هذا الباب أيضاً لا يتيسر فهمه جيداً إلا بعد قراءة التأملات أما كتاب البحث عن الحقيقة فهو محاورة نقدية بين أشخاص مختلفي الآراء ، ولا ندري على التحقيق ما قصد إليه ديكارت في كتابتها ، وإذن فيجب على الباحث عن الميتافيزيقا الديكارتية أن يلتمسها أولاً في كتاب التأملات الذي هو المرجع الأول في هذا الباب .


التأملات في الفلسفة الأولي ترجمة وتقديم عثمان أمين


2- الفلسفة الأولى :

والفلسفة عند ديكارت إنما تبدأ بالميتافيزيقا ، أي الفلسفة الأولى ، والفلسفة عبارة عن دراسة الحكمة، والحكمة ليست هي التبصر في الأمور وحسب ، وإنما هي أيضاً وعلى الخصوص معرفة نظرته كاملة لجميع ما يستطيع الإنسان أن يعرفه لتدبير حياته ، وحفظ صحته ، واختراع جميع الفنون ، ولكن هذه المعرفة الكاملة ليست في المعاني التي يجدها كل شخص في نفسه بدون تأمل ، ولا في المعارف المكتسبة من التجربة والمحادثة ، والقراءة ، إنما هي المعرفة عن طريق العلل والمبادئ الأولى التي يُستنبط منها كل ما يستطاع معرفته . والمبادئ التي يتحدث عنها ديكارت هنا هي الميتافيزيقا عينها : فإننا إذا وضعنا الميتافيزيقا استطعنا أن نستنبط منها سائر ما عداها : ” رأيت أن وجود هذا الفكر هو المبدأ الأول ، واستنبطت منه المبادئ التالية : أن هنالك إلهاً هو خالق كل ما في العالم ، ولما كان هو مصدر كل حقيقة ، فإنه لم يخلق أذهاننا بحيث تكون عرضة للخطأ فيما تقرر من أحكام على الأشياء التي نتصورها تصوراً واضحاً جداً ومتميزاً جداً . تلك هي المبادئ التي اصطنعتها في الأشياء اللامادية أو الميتافيزيقية ، ومنها استنبطت بتمام الوضوح مبادئ الأشياء الجسمانية أو الفيزيقية ، أي أن هناك أجساماً ممتدة طولاً وعرضاً وارتفاعاًَ ، وأن لها أشكالاً وتتحرك على هيئات مختلفة “

قد كان ” المدرسون ” يعرّفون الميتافيزيقا بما عرّفها أرسطو حين قال إنها ” علم الموجود بما هو موجود ” ، أي أنها العلم بالخصائص الجوهرية للوجود لكن هذا التصور المدرسي للميتافيزيقا لا يقبله ديكارت ، إذ أن المشكلة الكبرى عنده هي أن نتبين متى يسوغ لنا إثبات الوجود ، وبعبارة أخرى أن الميتافيزيقا الديكارتية إنما تهتم بالذات التي تعرف والتي تقرر الوجود أكثر مما تهتم بالموضوع الذي يمكن أن يُعَرف أو يكون موجوداً .

وما دام ديكارت لا يستطيع أن يحدد الميتافيزيقا من جهة الموضوعات التي تتناولها ، فلا بد من أن يميزها بعلامة ذاتية تحمل طابع الذات العارفة ، وإذا كان الأمر كذلك فالميتافيزيقا عنده هي أشد العلوم يقيناً ، وهي العلم الذي ينبغي أن نستيقن من نتائجه قبل أن نستيقن من نتائج العلوم الأخرى ، والذي يضفي على الميتافيزيقا يقينها ليس هو طبيعة موضوعها ، بل الطريق الذي يسلكه الذهن في طلبها ، ونحن نقرأ في كتاب ” القواعد ” : ” ليس أمام الجنس البشري طرق مفتوحة للمعرفة اليقينية سوى طريق الحدْس البديهي والاستنباط الضروري اللذين بينهما المنهج “

والمنهج الذي يحدد ماهية الميتافيزيقا هو المنهج الذي وصل إليه الفيلسوف بملاحظة العمل الذهني في الرياضيات ، فقد لاحظ أن في الرياضيات استدلالات صحيحة لا نجدها في غيرها ، وقرر أن من مرّن ذهنه على عمليات الرياضيات أصبح أهلاً للبحث عن الحقائق الأخرى ، لأن منهج الفكر واحد من جميع الأمور .

وفي كتاب ” القواعد لهداية العقل ” و ” المقال في المنهج ” بيان للمنهج الدقيق الذي يجب أن يتوخاه طالب الميتافيزيقا.

وإذن فالميتافيزيقا علم دقيق يمكن إثبات قضاياه بيقين رياضي ، وقد صرح ديكارت في الرسالة التي كتبها في 15 إبريل سنة 1630 أنه اهتدى إلى ” السبيل إلى البرهنة على الحقائق الميتافيزيقية ببراهين هي أكثر بداهة من براهين الهندسة ” ، وهو يقول في موضع آخر : ” ثِقْ أنه ليس في الميتافيزيقا شيء إلا اعتقد أنه واضح كل الوضوح للنور الفطري ويمكن أن يبرهن عليه برهنة دقيقة ” , وإذن فالميتافيزيقا هي علم يعادل في يقينه علم الهندسة إن لم يزد عليه ، وهي أكثر يقيناً من الهندسة ، لأن طائفة كبيرة من الحقائق الميتافيزيقا يمكن اكتشافها قبل أن يرفع الشك عن حقائق الرياضيات ” . ولهذا ظن الشكاك وغيرهم أن إثبات وجود الله أمر غير ممكن ، وكثرون حتى يومنا هذا يظنونه مستحيلاً ، مع أن شأنه كشأن جميع الحقائق الميتافيزيقية ، إثباته ميسور جداً ، ويقينه أكثر من يقين براهين الرياضيات .. ” وإّذن فالبراهين الميتافيزيقية أكثر يقيناً من البراهين الرياضية .

والميتافيزيقا عند ديكارت هي علم منهجه هو عين منهج الرياضيات ، بل إنها أكثر العلوم يقيناً ، لأنها من بين جميع العلوم الإنسانية الخالصة أكثرها إمكاناً للبرهنة العقلية ، فوجود الله ، وطبيعة الذهن ، والمادة يمكن إثباتهما بدقة رياضية ، زد على ذلك أن الميتافيزيقا يمكن أن يتعقلها جميع من يهتمون ببراهينها اهتماماً كافياً وينظرون في أدلتها ” بأذهان قد تجردت عن الحواس ” . ومن أجل هذا لم ير ديكارت داعياً إلى مناقشة ” التأملات ” أو مراجعتها ، فما دامت تحتوي على برهنة كاملة للحقائق الميتافيزيقية فقد انتهى الأمر ولا حاجة إلى زيادة عليها فيما خاضت فيه من مسائل ، وقد اعتقد ديكارت أن ميتافيزيقاه وحدها هي الميتافيزيقا الصحيحية ، وأنه لا حاجة بالناس إلى ميتافيزيقا بعدها ، وإن كان من الميسور لغيره أن يهتدي إلى براهينها ، وهو يقول : ” أرى أن جميع من أنعم الله عليهم بنعمة العقل يجب أن يستعملوه قبل كل شيء في محاولة معرفة الله ومعرفة أنفسهم ؛ وهذا هو الأمر الذي اتفقت عليه جمهرة الناظرين ، والذي وفقني إلى أن أبلغ فيه ما يرضيني تمام الرضا ” .

ولما كانت الميتافيزيقا الديكارتية تسيطر عليها مشكلة الوصول إلى اليقين ، فهي ليست نظرية في وجود النفس والله والعالم فحسب ، إنما هي إعداد للمعرفة ، وللمعرفة العلمية على وجه الخصوص .

(ج) طريق التأملات :

ولنلق الآن نظرة على الطريق الذي سلكه ديكارت في تأملاته .

خصص تأمله الأول لنظر ميتافيزيقي مداره البحث في الضرورة العقلية التي تقضي بانتهاج سبيل الشك ، باعتباره تمهيداً للفلسفة ، ولكي نفهم منهجه في ذلك يجب أن نتبين الأسباب التي جعلته يدعونا إلى أن نصطنع الأناة ، ونتوقف عن الحكم ، ونرفض التصديق لما يُلقَى إلينا من أقوال وآراء حتى ما كان منها شديد الرجحان ، فلا نسلم بأن شيئاً من ذلك ما لم نتبين بالبداهة أنه كذلك : لأن بداهة العقل عند الفيلسوف هي معيار اليقين بمعنى أنها هي العلامة المميزة للمعرفة الصحيحة المبرأة من الخطأ والزلل .

ويلخص الفيلسوف تأملاته فيقول : ” قدمتُ ، في التأمل الأدلة ، الأسباب التي تجعل في استطاعتنا أن نشك على العموم في الأشياء جميعاً وعلى الخصوص في الأشياء المادية ، على الأقل ما دمنا لم يتيسر لنا من أسس أخرى في العلوم سوى ما تيسر لنا حتى الآن . غير أن شكاً عاماً كهذا ، إن لم يظهر نفعه أول الأمر ، له مع ذلك نفع عظيم جداً ، من حيث إنه يجعل من غير الممكن ، في المستقبل أن نشك أبداً في الأشياء التي قد نهتدي فيما بعد إلى أنها صحيحة ” .

” وفي التأمل الثاني نجد الذهن يستعمل حريته الخاصة فيفترض أن جميع الأشياء التي يقع له عن وجودها أدنى شك هي أشياء معدومة ، لكن يتبين أن من الممتع إطلاقاً حينئذ أن يكون هو نفسه غير موجود ، وهذا أمر فيه كذلك نفع عظيم ، فإنه بهذا الوجه يتيسر له أن يميز الأشياء التي تخصه ، أي التي تخص الطبيعة الذهنية ، من الأشياء التي تخص الجسم “

” لكن قد يتوقع بعض القراء مني أن أورد في ذلك الموضع أدلة لإثبات بقاء النفس ، ومن أجل ذلك أرى لزاماً عليّ هاهنا أن أنبههم إلى أنني حاولت ألا أكتب في هذه الرسالة كلها شيئاً إلا ولديّ عنه براهين دقيقة جداً ولذلك وجدت نفسي مضطراً إلى اتباع ترتيب شبيه بالترتيب الذي يصطنعه أصحاب الهندسة ، وهو تقديم جميع الأشياء التي تتوقف عليها القضية التي نبحث عنها قبل استنتاج أي شيء منها ” .

“وأول وأهم ما يُطلب للتحقق من معرفة بقاء النفس أن نكوّن عنها تصوراً واضحاً صريحاً ومتميزاً كل التميز عن جميع التصورات التي يمكن أن تكون لدينا عن الجسم : وهذا ما صنعته في ذلك الموضع ، ويطلب فضلاً عن ذلك أن نعرف أن جميع الأشياء التي نتصورها بوضوح وتميز صحيحة على نحو ما نتصورها ؛ وهذا ما لم أستطع إثباته قبل التأمل الرابع ويلزم أيضاً أن يكون لدينا عن الطبيعة الجسمية تصور متميز ، يقوم بعضه في هذا التأمل الثاني ، وبعضه في التأملين الخامس والسادس ” .

” ويلزم أخيراً أن نستخلص من ذلك كله أن الأشياء التي نتصور بوضوح ونميز أنها جواهر متباينة ، مثلما نتصور الذهن والجسم ، هي حقاً جواهر متميز بعضها عن بعض في واقع الأمر ؛ وهذا ما انتهيت إليه في التأمل السادس ، ومما يؤيده أيضاً في هذا التأمل نفسه أننا لا نتصورها إلا غيرمنقسمة ، ذلك أننا لا نسنتطيع أن نتصور نصف أي نفس ، كما نستطيع أن نتصور النصف لأصغر جسم بين الأجسام ، وعلى هذا النحو نتبين أن طبيعتهما ليستا متباينتين فحسب بل هما متضادتان بوجه ما ، ولم أزِدْ على هذا القدر في معالجة الموضوع في هذا الكتاب : لأن في ذلك ما يكفي لإفهام الناس ،بدرجة من الوضوح لا بأس بها ، أن فساد الجسم يقتضي فناء النفس ، ولملئ قلوبهم بالأمل في حياة أخرى بعد الموت ؛ وكذلك لأن المقدمات التي يمكن أن نستنتج منها بقاء النفس تعتمد على شرح الفيزيقا بأسرها : أولاً لمعرفة أن جميع الجواهر على العموم ، أي جميع الأشياء التي لا يمكن أن توجد دون أن تكون مخلوقة لله ، غير قابلة للفساد بطبيعتها ، وأنها لا يمكن أن تنقطع عن الوجود أبداً ، إلا إذا منع الله نفسه عونه عنها فأحالها إلى العدم ؛ ثم لملاحظة أن الجسم على العموم جوهر ومن أجل ذلك أيضاً لا يفنى ؛ لكن الجسم الإنساني ، من حيث هو مختلف عن الأجسام الأخرى ، ليس مركباً إلا من أعضاء على هيئة معينة ومن أعراض أخرى تشابهها .

أما النفس الإنسانية فليست كالجسم مؤلفة من أعراض ، ولكنها جوهر محض : فمهما تتغير جميع أعراضها ، ومهما تكن مثلاً نتصور أشياء وتريد وتحس أشياء أخرى ..إلخ .. فلن تصير شيئاً آخر ؛ في حين أن الجسم الإنساني يصير شيئاً آخر متى تغير شكل بعض أجزائه ، ويلزم عن ذلك أن فناء الجسم الإنساني أمر ممكن ميسور ، أما ذهن الإنسان أو نفسه فباقية بطبيعتها ” .

” وفي التأمل الثالث بينتُ ببعض الإسهاب فيما يلوح لي أهم دليل استخدمته لإثبات وجود الله ، ولكني لم أرد أن استخدم في هذا الموضع تشبيهات مشتقة من الأشياء الجسمية ، لكي أبعد أذهان القراء بقدر ما في وسعي عن استعمال الحواس والاتصال بها ، ولذلك ربما بقيت هنالك مسائل كثيرة غامضة ( أرجو أن أوضحها توضحياً تاماً في ردودي على الاعتراضات التي وجهت إلى الكتاب منذ فرغت من تحريره ( ، ومنها المسألة التي أوردها فيما يلي : كيف أن فكرة موجد كامل إطلاقاً – وهي فكرة نجدها فينا – تشمل قدراً من الحقيقة الموضوعية ، أي تشارك بالتصور في قدر من درجات الوجود والكمال بحيث يلزم أن تصدر عن علة كاملة على الإطلاق ؟ وهذا ما أوضحته في تلك الردود بإيراد التشبيه بآلة في غاية البراعة والاتقان ترِدُ فكرتها على ذهن صانع ما ؛ فإنه كما أن ما لهذه الفكرة من إتقان موضوعي لا بد له من علة معينة إما أن تكون علم ذلك الصانع أو علم واحد غيره تلقى هو عنه تلك الفكرة ، فكذلك يمتنع بالنسبة إلى فكرة الله ، التي هي فينا ، ألا يكون الله ذاته علة لها “.

” وفي التأمل الرابع أقمتُ الدليل على أن جميع الأشياء التي تتصورها تصوراً واضحاً جداً ومتميزاً جداً هي كلها صحيحة، كما أوضحت طبيعة الخطأ أو الباطل، مما تلزم معرفته ضرورةً لتوكيد الحقائق السابقة. ولفهم الحقائق التي تتلوها فهماً صحيحاً لكن ينبغي أن يلاحظ أني لا أنظر هنالك في الخطيئة أي في الخطأ الذي يُقّترف في طلب الخير والشر. بل الخطأ الذي يقع في الحكم وتمييز الحق من الباطل وليس قصدي أن أتكلم هنالك في الأمور التي هي من شأن الإيمان أو سلوك الإنسان في الحياة، بل في الأمور التي تتصل بالحقائق العقلية والتي يمكن معرفتها بمعونة النور الطبيعي وحده ” .
ويتحدث ديكارت في التأمل الخامس عن ماهية الأشياء المادية، ثم يعود إلى الحديث عن الله ووجوده وهو يستند إلى معيار البداهة ، فيرفض مرة أخرى أن يضفي على المادة من الخواص إلا الإمتداد، أي خاصة الجسم في أن يكون ممتداً ، ولا يقبل إلا الحركة في المكان، وينكر في الوقت نفسه جميع ” الصور الجوهرية ” و ” الصفات الخفية ” وغيرها من الكائنات والمبادئ التي كان يتحدث عنها الفلاسفة ” المدرسون ” .

وقد نستطيع هنا أن نلاحظ أن ” نيوتن ” حين قال بمبدأ ” الجاذبية العامة ” قد أدخل في العلوم ما يشبه تلك المبادئ الخفية التي ذهب إليها علماء القرون الوسطى، وقد خُيّل إلى الناس أول الأمر أن العلم النيوتوني قد ظفر في هذا السبيل بنصر حاسم، ولكن منذ ظهور ” أينشتين ” قد صار العلم ديكارتياً من جديد، كما قال بعض المعاصرين .

وينبغي ألا ننسى أن ديكارت عالم رياضي ، وأن المثل الأولي للبداهة عنده هو البداهة الرياضية ، فهو ينظر إلى الفكرة الواضحة التي تكون في أذهاننا عن الله ، فيجد أن شأنها كشأن فكرة المثلث، ومن ثم يعود إلى البرهنة التي قام بها في التأمل الثالث وينقلها إلى هذا المستوى الفكري الجديد، منتهياً إلى القول بأن القضيتين : ” مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين ، و ” الله موجود ” هما قضيتان متعادلتان في اليقين .

وليس من الضروري ، في التأمل السادس ، أن نتابع ديكارت في تفاصيل مذهبه ، فهو يكتفي هنا ببسط النتائج العملية لما انتهى إليه ، بعد أن يبيّن أن النفس الإنسانية مستقلة عن البدن، قرر أنها مع ذلك متحدة به اتحاداً وثيقاً، وأن هذا الاتحاد أمر واقع تشهد به التجربة والمشاهدة ، وكل امرئ لا بد متنبه إلى أنه يجمع في ذاته بين طبيعتين متباينتين ، جسمانية ونفسانية : وهذا أمر واقع لا سبيل إلى المنازعة فيه .

ويختتم الفيلسوف تأملاته مبيناً أن الأدلة على وجود عالم الماة والأجسام ليست من المتانة والوضوح بمنزلة الأدلة التي تؤدي إلى معرفة النفس وإلى معرفة الله .

ويقول ديكارت نفسه في تلخيص التأمل السادس ما يلي ” وانتهي في التأمل السادس بتمييز فعل الفهم من فعل المخيلة، وأصف علامات هذا التمييز، وفيه أبيّن أن نفس الإنسان متميزة عن الجسم حقاً، وأنها مع ذلك واحداً وفيه أبسطُ جميع ضروب الخطأ الناشئة من الحواس، مبيناً الوسائل لاجتنابها، وأورد أخيراً .

جميع الأدلة التي يمكن أن يستنتج منها وجود المادية ، لا لأنني أرى لها فائدة كبيرة في إثبات ما تثتبته – أعني أن العالمَ موجود وأن للناس أجساماً ، وما شابه ذلك لأن إمعان النظر فيها يطلعنا على أنها لم تبلغ من المتانة والبداهة مرتبة الأدلة التي توصلنا إلى معرفة الله ومعرفة النفس ، وبهذا الاعتبار تكون الأدلة الأخيرة أوثق وأبيَن ، ما يمكن أن يقع للذهن الإنساني من معرفة ." وهذا كل ما قصدتُ إلى إثباته في هذه التأملات الستة ، ومن أجل هذا أغفلت ها هنا مسائل أخرى كثيرة تكلمت عنها عَرضاً في هذه الرسالة ".

إن لتأملات ديكارت آثاراً بعيدة المدى في التاريخ، كانت آراء الفيلسوف بمثابة ثورة فكرية هائلة، بل كانت على التحقق أكبر ثورة فلسفية عرفها الناس منذ أيام الفيلسوف اليوناني ” سقراط ” حتى عهد الفيلسوف الألماني ” كانط ” وقد جاءت المثالية الألمانية التي أبدعها ” كانط ” . وكذلك المثالية ” الكانطية الجديدة” ( عند ” فشته ” و شوبنهور” موافقتين لبداية المثالية الديكارتية ، وإن كانتا قد اختلفتا عنها في النتائج الواقعية التي انتهت إليها، ولقد رأى ” شِلْنج ” ان الطابع الذي يميز الفلسفة الحديثة هو الفصل بين ” المتناهي ” و ” اللامتناهي ” وأن ديكارت قد عبّر عن الثنائية تعبيراً علمياً، وما الفلسفة النقدية إلا تحقيق تلك الفكرة التي بدأت بديكارت، ويبدو مفكرو الألمان اليوم ميالين إلى قبول نظرية ديكارت في المعرفة، وهم يجلون الفيسلوف الفرنسي ، ويرون فيه مثال المفكر الصحيح العميق . ومن أشهر من تأثروا في عصرنا هذا بفلسفة ديكارت الفيلسوف الألماني ” إدموند هوسّرْل ” وهو نفسه يعترف في مستهل كتابه ” تأملات ديكارتية ” بأثر ديكارت عليه ويقول بصدد مذهبه في ” الفينومنولوجيا ” : ” ربما صح أن نسمي هذا المذهب ديكارتية جديدة ، وإن كنا قد اضطررنا إلى أن نطرح على التقريب كل ما للديكارتية من فحوى معروف، وذلك لأننا بسطنا بعض المسائل الديكارتية بسطاً قائماً بذاته ” . ولا نزاع اليوم في أن فيلسوفنا كان مصدر إلهام قوي لفلسفات الحرية التي ظهرت آثارها في الأجيال اللاحقة في الغرب والشرق على السواء .

الأحد، 29 مايو 2016

ظلّ ـ خرافة للشاعرالأمريكيّ: إدجار ألن بو(*)

ترجمة: محمد عيد إبراهيم 



                                   معَ ذلك سرتُ في وادي الظلّ. 
                                                   ـ مزمور داود. 


كلّ مَن يقرأ لا يزالُ ضمنَ الأحياءِ؛ لكني الذي يكتبُ سأشتاقُ منذ مضيتُ على طريقي في منطقةِ الظلالِ. ستحدثُ واقعياً أشياءُ غريبةٌ، وستُعرفُ أشياءُ سريّةٌ، وستمرّ قرونٌ عدّةٌ، وسيرى الناسُ في وقتها هذهِ الذكرياتِ. وحينَ تُرى، سيكونُ ثمةَ ما لا يُصدّق، وبعضٌ من الشكّ، وهناك قليلٌ سيجدُ الكثيرَ يفكّر ملياً في السّماتِ المنقوشةِ هنا بقلمٍ مستدقٍّ من حديد. 


كانَ العامُ عامَ فزعٍ؛ وبمشاعرَ أشدّ توتّراً من فزعٍ لا اسمَ له على الأرضِ. حدثَت معجزاتٌ وعلاماتٌ عدّة، بكلّ مكانٍ، عبرَ البحرِ وفوقَ الأرضِ، وقد انبسَط جناحا طاعونٍ أسودَ في كلّ اتّجاه. معَ ذلكَ، كانَ مكرٌ في النجومِ، ولم يُعرف أن السّماواتِ كانت تتلبّسُ هيئةَ مرضٍ؛ بالنسبةِ لي، كان أوينوس(*) اليونانيّ، بين أشياءَ أُخَر، شاهداً على بلوغِ التعاقبِ عام سبعمائة وأربع وتسعين، حينَ انضَمّ كوكبُ المُشتري، بمُدخلِ بُرجِ الحَمَل، إلى حلقةٍ حمراءَ من زُحَلَ المريعِ. ظهرت روحٌ عجيبةٌ في الأعالي، إن لم أُخطئ كثيراً، لا في مدارِ الأرضِ الطبيعيّ فحسبُ، بل في الأرواحِ، الخيالاتِ، وتأمّلاتِ الجنسِ البشريّ. 

عبرَ قواريرِ نبيذِ "شِيانَ" الأحمرِ، بينَ جدرانِ رواقٍ نبيلٍ، في مدينةٍ معتمةٍ تُدعَى بطليموس، جلَسنا، ليلاً، ثلةٌ من سبعةٍ. أما غرفتنا فلم تكن بمدخلٍ محدّد لولا بابٌ مرتفعٌ من نحاسٍ: وكان البابُ على نمطِ الصانعِ الماهرِ كورينوس، بحِرفيّةٍ نادرةٍ، مربوطاً من الداخلِ. ستائرُ سودٌ، أيضاً، في غرفةٍ كئيبةٍ، مُسدَلةٌ لحجبِ رؤيتنا القمرَ، الأنجمَ الوَهّاجةَ، والشوارعَ الخاليةَ من المارّةِ ـ إلا فيما نَدُرَ وذكرياتُ الشرّ المُستَبعدَةُ. ثمةَ أشياءُ من حولنا لكن من دونِ أن ألمحَ أيّ قيمةٍ مميزةٍ ـ أشياءُ ماديةٌ وروحانيةٌ ـ ثقلٌ في الجَوّ ـ حِسٌّ بالاختناقِ ـ التوتّرِ ـ وفوقَ هذا كلّهِ، حالةٌ من وجودٍ مريعٍ تجربةٍ عصبيةٍ بأحاسيسَ بالغةِ الحيويةِ والتنبّهِ، وبهذهِ الأثناءِ، تقعُ قوَى التفكيرِ هامدةً. ثقلٌ ميتٌ فوقنا يتعلّقُ. يتعلّقُ فوقَ أوصالنا ـ فوقَ أثاثِ منازلنا ـ فوق الأقداحِ التي منها نشربُ؛ وكلّ ما أَحبَطنا، وما تولّدَ عنه ـ كافّة الأشياءِ تحتفي فقط بمشاعلِ المصابيحِ السبعةِ التي تُنيرُ احتفالَنا. وهي ترتفعُ في خطوطٍ أسطوانيةٍ طويلةٍ من النورِ، وتظلّ هناكَ تُضيء كلّ ما هو شاحبٌ ساكنٌ؛ وفي المرآةِ حيثُ يتشكّلُ البريقُ فوقَ طاولةٍ مستديرةٍ من الأبنوسِ نجلسُ إليها، كلٌّ منا مجتمعٌ باللقاءِ ممتَقَعُ الملامحِ، بالوَهجِ الساطعِ في عينيهِ المُسبلتَين ضمنَ رفاقهِ. ومعَ أننا نضحكُ وكنا سعداءَ بطريقتنا السديدةِ ـ وكانت هستيريةً؛ نردّد أغنياتِ أناكيرون(*) ـ وهي الجنونُ بعينهِ؛ ونشربُ مستغرقين ـ برغمِ أن النبيذَ القرمزيّ يذكّرنا بالدماء. لكن ثمةَ نزيلٌ آخرُ بغرفتنا في شخصِ زويلس(*) الشاب. كانَ ميتاً، وبطول جسمه رقدَ، مكفّناً؛ المشهدُ عبقريٌّ شيطانيٌّ. حَسرتاهُ! لم يكن يحملُ ذرّةً من جذَلنا، ناهيكَ عن ملامحِنا، فهو مشوّهٌ من الطاعونِ، وعيناهُ، ملؤهما الموتُ بل نصفُ مطفأتَين من نيرانِ الوباءِ، أبدَى اهتمامَه بجذَلنا كما يفعلُ الموتى فرحينَ في جذَلِ بمَن حانَ حينهم. ومعَ أني أحسَستُ، أنا، أوينوس، أن عينَيْ الفقيدِ منصَبّتان عليّ، إلا أني غصَبتُ نفسي ألاّ أدركُ مرارةَ ما فيهما من تعبيرٍ، وظللتُ أحدّقُ أسفلي في أعماقِ المرآةِ الأبنوسِ، أردّد بصوتٍ عالٍ جَهوريٍّ أغنياتِ ابنِ زيوس. لكن أغنياتي سَكَنت تدريجياً، من ثم تدَحرَجت أصداؤها مبتعدةً بينَ جوخِ ستائرِ الغرفةِ، وهَنَت، ولم تعد مميزةً، فتلاشَت. وعَجباً! من بينِ تلكَ الستائرِ السودِ حيث انقَضَت أصواتُ الأغنيةِ، هَلّ أمامي ظِلٌّ داكنٌ هُلاميٌّ ـ ظِلٌّ لكأنهُ القمرُ، وهو خفيضٌ بالسماءِ، لربما كانَ بشكلِ جسمٍ بشريٍّ: لكنّ الظلّ لم يكن لإنسانٍ أو إلهٍ، ولا لأيّ شيءٍ أليفٍ. وقد رجَفَ فترةً بينَ ستائرِ القمرِ، ارتاحَ بطولهِ كلّهِ في منظرٍ تامٍّ على سطحِ البابِ النحاسيّ. لكنهُ ظِلٌّ مبهَمٌ، وعديمُ التشكّلِ، لا يحدّهُ شيءٌ، ولم يكن الظلّ لإنسانٍ أو إلهٍ ـ لا رباً من الإغريقِ، لا رباً من الكِلدانيّين(*)، لا رباً من أربابِ المصريّين. وارتاحَ الظلّ على المدخلِ البرونزيّ، وتحتَ قنطرةٍ من مِدماكِ البابِ، فلم يهُمّ بحركةٍ، ولا نبَسَ بكِلمةٍ، بل ظَلّ جامداً وتلَبّث. وكانَ البابُ حيثُ ارتاحَ الظلُّ، لو تذكّرتُ صحيحاً، فوقَ قدمَيّ زويلس الشابّ مكفّناً. لكننا، السبعةَ المجتَمعينَ هناكَ، رأينا الظِلّ وهو يخرجُ من بينِ الستائرِ، لا نجرؤ على النظرِ إليهِ بثباتٍ، بل نصرفُ أعيننا، محدّقينَ على الدوامِ بأعماقِ المرآةِ الأبنوسِ. وتكلّمتُ، أنا، أوينوس، طويلاً، بضعَ كلماتٍ بصوتٍ خفيضٍ، طالباً من الظِلّ أينَ يقيمُ واسمَهُ. ورَدّ الظِلّ "إني أنا الظِلّ، مُقامي قريبٌ من سِردابِ الموتى(*) في بطليموسَ، وقاسٍ جنبَ وديانِ الجِنانِ المعتمةِ التي تحدّ قناةَ شارون(*)". فانطلَقنا، نحنُ السبعةَ، مِن مقاعدنا في رعبٍ، وانتَصَبنا نرتجفُ، ونرتجّ، مذعورينَ، من نبراتِ صوتِ الظِلّ فلم تكن نبراتٍ لأيّ كائنٍ كانَ، بل لِجَمعٍ من الكائناتِ، تتنوّعُ إيقاعاتُها من مقطعٍ إلى مقطعٍ وهي تسقطُ قاتمةً على آذانِنا بعلاماتِ نطقٍ مألوفةٍ نذكُرها جيداً من بينِ آلافٍ مما نعُدّ من الصِحابِ الراحلينَ. 

                                                                                                                                        (1835) 

ـــــــــــــــــــــــــ

(*) Edgar Allan Poe: ولد في بوسطن بولاية ماساشوسيتس عام 1809. تيتّم في الثالثة، وربّاه أب في ريشموند بولاية فرجينيا. أجبرته ديون القمار على ترك جامعة فرجينيا. التحق بالجيش 1827، ونشر عامها ديوانه الأول "تايمورلين". كان يكسب قوته بنشر القصص والمراجعات، ثم صار محرّر مجلات في نيويورك وفيلادلفيا. يُعزى إلى إليوت مقولة "بو ذو عقل موهوب للغاية حتى قبل بلوغه"، فقد ابتكر أساليب لا تزال ملهمةً. وليس أفضل منه في حكايات الأشباح، ففي قصته "جريمة قتل في شارع مورج" 1841، ابتكر القصة البوليسية كنوع أدبيّ. مارس تأثيراً عميقاً على بودلير ومالارميه، الذي ترجمه، وعلى "الرمزية الفرنسية" عامةً. في "قبر إدجار بو" كتب مالارميه إن تراث بو أنه "منح حساً أنقَى لكلمات القبيلة". بعد وفاة زوجته الشابة بذات الرئة في 1847، صار بو كارهاً عابثاً مدمناً للخمور، ليغصب نفسه على السُلوان. يوم 3 أكتوبر 1849، وجد فاقداً وعيه في بلتيمور، ثم توفي بعد 4 أيام بسكتة دماغية. (م) 
(*) Oinos: نوع من النبيذ اليونانيّ. (م)
(*) Anacreon: شاعر غنائيّ يونانيّ (582/ 485 ق.م). (م)           
(*) Zoilus: ناقد بلاغيّ يونانيّ، اشتُهر بنقده قصائد هوميروس. (م)    
(*) Chaldaea: الكلدانيين، كانوا يسكنون جنوب العراق. (م)           
(*) Catacombs: سرداب للموتى أُقيم أيام الحضارة الرومانية، لترسيم احتفالات دينية. (م)
(*) Charonian: شارون هو العجوز الذي يهدي أرواح الموتى إلى العالم السفليّ، بحسب الأساطير اليونانية. (م)           
       
(*) شكر خاص للشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم.



ماذا قدّم جلال الدين الرومي للإنسان؟

بقلم: خالد محمد عبده




جلال الدّين الرّومي صوفي مسلمٌ وُلد في رِحاب الإسلام، ونشأ في بيت صوفيّ حسبما تروي المصادر، وإذا لم يكن هناك تأكيد تاريخي حول انتساب والده إلى الطريقة الكبروية لصاحبها (نجم الدّين كُبرى صانع الأولياء) إلاّ أن والده بما ترك من آثار (كتاب المعارف) يتأكد لنا أنه كان صوفيًا راقيًا وله نظرته الخاصة وطريقه الروحاني، الذي ورّثه من بعده لتلاميذ، كان منهم (برهان الدين محقق ترمذي) الذي خلف والده في تربية جلال الدين تربية صوفية.

شأن الطلبة المتأهلين حصّل الرّومي المعارف الدينية، كما كان قد حصّل المعارف الروحية على يد أب صوفي وشيخ عارف، ثم تابع على يد محقق ترمذي العارف أيضًا، وبعد سنوات لا أيام كما يظن المريد اليوم، اعتمده شيخه سالكًا صادقًا وصوفيًّا متحققًا، ورأى فيه تمام الإتقان، وإذا كانت صفة الأسد لا تطلق إلا على الملك والشجاع، فقد قرن أستاذه بينه وبين الرومي قبل أن يرحل عن قونيه معللاً ذلك بقوله: لا يجتمع أسدان في مكان واحد!.

ومن الرحلة البدنية والعقلية والصوفية الطُرقية بدأت الرحلة الروحية التي لا تنتهي وفُتحت أبواب السماوات السبع على مدينة وإن قلّت فيها أعداد البشر إلاّ أن من فيها تحسدهم الملائكة لنقائهم وجمالهم وصدقهم مع أنفسهم، التقى الرّومي شمس الدين والدليل الذي سيُحرق من أجل أن ينير الرومي العوالم، وكان لقاؤه غير مرتّب أو مطلوب، فقد كان الرومي يسير في رحلته التي نجد لها نظائر في سير السابقين (زاهد – شيخ يعلّم – خطيب منبر- صوفيٌّ يربّي مريدين).

ثم حدث ما غيّر مجرى حياته، وجعل العالم أجمع بعد وفاته ينشغل بما قدّمه للإنسان. أشرق شمس على الرومي أو تلألأت روح الرومي من النظام والحركة الاعتيادية إلى الانبساط والتلقائية، ومن الوِردِ المرتّب إلى الذّكر الدائم، ومن الصورة إلى المعنى، ومن الحكاية إلى أن أصبح هو بطل الحكاية، فإذا كنّا قد اعتدنا أن نقرأ آية القرآن في الأعلى ومن بعدها التأويل والتفسير والمعنى، فإن الآية هنا أمست فعلاً وحياة وعالم بأسره يمكنك إن تعرّفت عليه أن تتعرّف على الكتب السماوية وحكايات الأولين وحكم السابقين أنبياء وفلاسفة وسالكين وغير ذلك. وإذا كان الحلاج قد صُلب وقتل بحد الشريعة، فإن الرّومي الذي عاش ما قاله الحلاج وأكثر من ذلك انتقل من الظاهرة الصوفية السابقة التي قدّست الأسماء والأفكار ليسجّل فكرته الخاصة، التي لم تقطع مع السابق أو تتماهى فيه ناسية عيش حياتها وأنها بذاتها حقّ ينبغي أن يتحقق، فتلاوة الذكّر لا تُنسي المذكور، والحضور مع المذكور لا يلغي الذاكر.

وكما كان النبي قرآنا ًيمشي على الأرض، حاول الرومي أن يحيا ذلك لا ترديدًا لكلمات فحسب، أو النقل عن السابق بالصورة والحرف دون أن يستوعب المعنى أو يستوعبه النصّ دون معنى! فكانت آثار الرومي آثار رجلٍ حيّ ترى أثر الفقه الإسلامي فيها، وكما ترى الظلال الأعجمية في حروف آيات القرآن ترى من آثار اليونان في مثنوي مولانا، وكما تسمع عن عيسى الذي جعله الله آية من آيات الجمال ترى في المثنوي مريم الطاهرة التي تحمل في بطنها عيسى الذي لم نسمع عنه يومًا أنه ضرب أو شتم أو أهان أحد، وكما تسمع عن أم موسى في القران، يتردد ذكر موسى وفرعون مئات المرّات في المثنوي. وإذا قيل لك أن العشق والحب محصّلته الشهوة التي تتشابك فيها أغصان العنب وبعد الاشتباك تنتهي المحبة، فإن الرّومي يعلّمك أن العشق أكبر مما تراه العين وتسمعه الأذن أو يعبّر عنه آلاف البشر من حولك.

وإذا كانت المرأة موضوعًا اليوم للوصول أو الانتهازية أو الطعن أو السب أو البحث لها عن قبر أو ميدان أو شاغلاً من مشاغل أهل العمامة أو أدعياء البحث عن الحقوق وهم لا يعرفون من الحق سوى رسم الحاء والقاف، فإن المرأة في المثنوي باب من أبواب الجنّة خالقة لا مخلوقة فحسب، كما كانت في حياة نبيّه الأكرم حاضنة مُدثّرة عاطفة حنون قوية صاحبة رأي.  وإذا كان بعض الفقهاء انشغل بالأمرد والصبي الجميل وجعلوه خلف ظهورهم أو في أواخر مجلسهم، فإن الرومي لم ير في صُنع الله ما يدين صاحبه أو يجعله مختصرًا في قولة مسكين غلب جسده على عقله فأنساه احترام الإنسان وتبجيل صُنع الله، وكما بدأ أحدهم من ظاهر القول وأدان الرومي وانتقل من الإدانة إلى تقديس الرومي، كذلك ترى الرومي لم يقنع بما قاله الفقيه عن السلطان أنه ظلّ في الأرض، بل رأى الإنسان أيًّا كانت صورته أو جنسه أو ديانته صورة الله في الأرض.

قدّم الرّومي للإنسان اليوم صورة من صور المسلم الصادق مع نفسه، الذي إن قرأ استفاد، وإن أكل ما حرم غيره من الطعام، وإن قصده محتاج وجد عنده الملاذ، وإن خالفه في معتقده أحد بسط فراشه له وأجلسه بإكبار واحترام وما حرمه الحديث، بل عنّف من نظر إليه باعتبار جنسه وديانته وعرّفه أن القلوب تتشابه في المقصد وإن اختلفت الألسنة والتعابير.قدّم الرومي للبشر احترامًا للفنون فالنفخ في الصور الذي قرأه في القرآن علّمه أن النفخ في الناي ليس من أنغام الشيطان، ومن يستمع إلى الكائنات ويتذكّر ما قاله ربّه عن تسبيحها وأنينها لا بد أن يخشع لذكرها، فالناي إنسان آخر وليس كما هو صامت في صورة العصا.

قدّم الرومي رقصًا لا يكتفي بكشف الصدر أو الفخذ أو التركيز على إثارة الشهوات، بل نقل حركة الجسد من الانغماس في الصورة والطين إلى العلو والارتفاع عن هموم البشر والمساكين، فالدرويش الراقص في الأصل لا اليوم رقص وجدًا وطربًا من ذكر المحبوب دار أو سقط وقف أو استمر هو لا يدرك ما يفعل ولا يُسأل عنه كما كان بالأمس أثر الوجد والذوق كلمًا سُمي بالشطح، أصبح هنا حركة تؤدي إلى فقد الفائت وتلتحق بالحق!.

حوّل الرّومي الشعر من موضوع للمدح والثناء والهجاء والتغني إلى قالب صبّ فيه الرموز والإشارات، وفصّل فيه المجمل من الكلمات، ورتّل فيه الآيات، واستعاد آلاف الحكم والأحاديث وما خلا نبض الحياة من كلّ كلمة مما قال، فلم يراع نظامًا لقوالب حُددت سلفًا ولم يشغله الترتيب والتنسيق عن سرد الأفكار، فهو ليس أعظم شاعر وإن قال عنه أحد الأعاجم أنه أعظم من شكسبير لكن يمكن أن تقول إنه إنسان صوفي متدين سجّل في آلاف الأبيات من الشعر ما استعصى على غيره أن يسجله بهذا الشكل.

إن أردت أن تتعرف على صورة من صور القرآن الكريم، فاقرأ المثنوي المعنوي الذي اعتبره صاحبه أصل (أصل) أصول الدين، واعتبره محبّوه من بعده بهذا الكتاب فريدًا في تاريخ البشر وقالوا عنه: إنه ليس نبيًّا لكنه أوتي الكتاب، وبعضهم اعتبر كتابه هذا تمجيدًا ومبالغة: (قرآن العجم) ولم يمنعهم هذا من تبجيل كتاب الله وتعظيمه، ولا يزالون يتدبرون الكتاب. -إن أردت أن تتعرف على صورة الشيخ الذي تلقّى عن المشايخ يعظك ويذكّرك بآيات الله وتتعرّف منه على إشارات ومعاني دينية راقية، فاقرأ في كتاب الرومي (فيه ما فيه) فهو من كتبه النثرية المفيدة في التعرّف على عالمه. وكذلك مجالسه. -إن أردت أن تتعرف على علاقته بالسلاطين والحكّام فاقرأ رسائله. -إن أردت أن تتعرف على قلبه وروحه الجميلة التي ذابت عشقًا فاقرأ في غزلياته التي سماها باسم حبيبه وبابه إلى الوصول شمس تبريزي.



الجمعة، 27 مايو 2016

من البنية الى الذّات: أنسنة العلوم الإنسانيّة؟ فرانسوا دوس


ترجمة: موقع الأوان


في عالم العلوم الإنسانيّة، ترك عقدان زمنيان من البنيويّة المجال فجأة لظهور فوضى
جليّة في الأفكار. لكنّ هذه التّوجّهات الجديدة، أو بكلّ بساطة المنحدرة من تقاليد ظلّت غير معلومة حتّى ذلك الزّمن، تترجم عن فلسفة مشتركة: هي فلسفة عودة الذّات وكذلك عودة الجزء الظّاهر من الأفعال الإنسانيّة.

كان انتصار البنيويّة في الخمسينات والسّتّينات في هذه النّقطة مذهلا إلى درجة التّماهي مع التّاريخ الفكريّ الفرنسيّ كلّه منذ سنة 1945. ففي تلك السّنوات، لم يكن هناك مفرّ ممّا كان يظهر بمثابة النّظرة الجديدة على العالم وعلى الثّقافة الإنسانية. ولأنّها كانت الفترة الزّاهية للفكر النّقديّ وتعبيرا عن الإرادة التّحرّريّة للعلوم الاجتماعيّة الفتيّة الباحثة عن المشروعيّة، بثّت البنيويّة حماسا جماعيّا في كلّ الأنتلّيجنسيا الفرنسيّة طوال عقدين من الزّمن على أقلّ تقدير. كانت كلمة بنية في معناها الواسع بمثابة كلمة العبور لدى قسم هامّ من العلوم الإنسانية. وهكذا كان ميشال فوكو يعتبر أنّ البنيويّة "ليست منهجا جديدا، بل هي الوعي المستيقظ والقلق للمعرفة الحديثة"، وكان جاك ديريدا يعرّف هذه المقاربة بأنّها "مغامرة ينجزها النّظر". البنيويّة إذن هي حركة تفكير، علاقة جديدة مع العالم أوسع من أن تكون مجرّد منهج مناسب لحقل البحث هذا أو ذاك. غير أنّ هذا الموقف سيؤدّي إلى نتائج متباينة حسب الميادين المتنوّعة الّتي سيطبّق فيها: إن كانت اللّسانيات أو علم الإناسة أو علم الاجتماع أو الفلسفة أو التّاريخ العامّ أو تاريخ الفنّ أو علم التّحليل النّفسيّ أو النّقد الأدبيّ، الخ. ولكنّ البنيويّة، كما يوضّح ذلك فيلسوف العلوم ميشال سار سنة 1961، تأمل في أن تشكّل برنامجا تحليليّا يمكن أن يطبّق في جميع مجالات المعرفة.

في بداية الأمر، استمدّ هذا البرنامج قسما هامّا من إلهامه من مصدر وحيد هي لسانيات دي سوسّير كما نظّر لها عالم اللّغة ريمان جاكبسون في الأربعينات. فقد تمّ الاحتفاظ ببعض الأفكار الجوهريّة. أولاها بلا شكّ هي فكرة أنّ الغاية الصّارمة للعلوم الإنسانية تتمثّل في دراسة الأنظمة الشّكليّة. ففي النّظريّة الدّيسوسيريّة لا تستمدّ العلامة اللّغويّة دلالتها من صلتها بالشّيء الّذي تعيّنه بل من تعارضها مع علامات أخرى. اللّغة إذن هي نظام مغلق من الأشكال الّتي يعارض بعضها البعض وليست مجموعة من المضامين أو من المفاهيم أو من الدّلالات. ستعطي هذه الفكرة عند نقلها إلى حقول أخرى الأولويّة لدراسة الأشكال والعلاقات مستبعدة دراسة الجواهر والخاصّيات: كالاهتمام بالمتعارضات الثّنائيّة عند كلود ليفي ستروس، أو المربّع الدّلاليّ عند ألجيرداس جوليان غريماس والجناسات اللّغويّة عند جاك لاكان.

أمّا الفكرة الثّانية فهي نتاج للسّابقة: إذ يعتبر فرديناند دي سوسّير أنّ اللّغة نظام سابق على استعمالنا لها. وليست الكلمات، أي الجمل الّتي ننتجها من خلال استعمالنا لهذه اللّغة، سوى انجازات لاحقة و تاريخيّة. من هنا نزوع البنيويين عموما إلى تفضيل البعد الآنيّ التّزامني في الظّواهر الّتي يدرسونها. وهكذا سنجد مؤرّخين مثل ايمانيال لوروي لاديري يحبّذون "تاريخا ثابتا ".

الفكرة الثّالثة، وهي موجودة عند دي سوسّير، تتمثّل في أنّ اللّغة ظاهرة اجتماعيّة تتشكّل قواعدها دون علم تامّ بها من الذّات الّتي تستعملها. من هنا أيضا نزوع البنيويين، المستمدّ بدوره من مصادر أخرى، نحو ترسيخ دراساتهم ضمن حتميات اجتماعيّة وإبعاد الإدراك الواعي للذّات. طموح المفكّرين البنيويين المشترك هو في الواقع الوصول إلى درجة من الحقيقة غير مرئيّة للوهلة الأولى: يسمّيها جون لاكان اللاّوعي البنيويّ وغريماس البنية السّرديّة العميقة وستروس الصّيغة الأصليّة للأساطير وفوكو الأبستيميّة.

وأخيرا، كانت تلك الحقبة من الزّمن، لأسباب سياسيّة وعلميّة، ممهورة بفكرة أنّ الخطاب يُستعمل في آن واحد لإخفاء الحقيقة وللتّعبير عنها. لهذا السّبب، كان بالإمكان وصف التّمشّي البنيويّ بأنّه "فلسفة الشّكّ": إنّه تمشّي مفكّرين وضعوا لأنفسهم هدفا متمثّلا في كشف خداع الآراء الشّائعة، في رفض المعنى الظّاهريّ، في خلخلته والبحث فيما وراء الخطاب عن التّعبير عن سوء النّيّة. هكذا باشر رولان بارت في كتابه "أساطير"، موظّفا بعض التّصنيفات الماركسيّة، تعرية الرّوح البرجوازيّة الصّغيرة الّتي تحرّك جماليّة الاستهلاك الحديث. ويندرج موقف الفضح هذا حقيقة ضمن الابستيمولوجيا الفرنسيّة، ابستيمولوجيا غاستون باشلار مثلا، الّتي تؤكّد على وجود قطيعة بين المعرفة العلميّة والحسّ المشترك، باعتبار أنّ هذا الأخير يقع تحت هيمنة الوهم.

أخيرا، نجد في خلفيّة البنيويين تشاؤما عميقا، نقدا للحداثة الغربيّة الّتي يسعون إلى المسك بوجهها الخلفيّ من خلال صورة الطّفل أو المجنون أو المتوحّش. وكما فعل فوكو في تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيّ، فهم يقتنصون، خلف الخطاب التّحرّري للأنوار، ترويض الأجساد وسجن العقول في منطق قمعيّ للمعرفة والسّلطة. وقد عبّر رولان بارت وكلود ليفي ستروس، كلّ بطريقته، عن رفض جوهريّ للثّقافة الغربيّة بالقدر الّذي كانت فيه تريد الاستعلاء على الثّقافات الأخرى، سواء الموجودة منها أو الممكنة. ويرى الثّاني أنّه لا يمكن لأيّة ثقافة خاصّة أن تدّعي أنّ لها معنى خاصّا وأنّها في الوقت نفسه قادرة على التّعبير عن حقيقة الثّقافات الأخرى. ليس من الممكن إذن تبرير المركزيّة الأوروبّيّة. وحدهما التّنوّع والاختلاف لهما قيمة. هكذا تتشكّل البنيويّة في فلسفة تشترك فيها ثلاثة علوم اجتماعيّة: هي اللّسانيات العامّة الّتي تحلّل نظام اللّغة اللاّواعي، وعلم الإناسة حينما يهتمّ بالعلاقات بين العلامات أكثر من محمولها، وعلم التّحليل النّفسيّ حين يدرك اللاّوعي باعتباره من فعل الكلام. وينبغي القول إنّ هذه العلوم الثّلاثة قد وجدت مقاومة شديدة من الإنسانيات الكلاسيكيّة في السّوربون القديمة ومن تقاليدها ومن توجّهها المحافظ. فالبنيويّة تتبنّى موقفا وسطيّا إذ تقع بين الأدب والعلوم الصّحيحة. ولقد تفادت عائق السّوربون من خلال التّعبير عن نفسها في جامعات محيطة، في النّشر، في الصّحافة، ومن خلال تولّي المناصب في مؤسّسة محترمة هو معهد فرنسا. في هذه المعركة بين "القدامى والمحدثين" لعبت موضوعة القطع أو القطيعة دورها على عدّة مستويات. فالعلوم الاجتماعيّة وجدت في البنيويّة وسيلة للتّحرّر من الفلسفة من خلال اكتسابها لمنهج علميّ قائم على الّلسانيات. وقد قام بعض الفلاسفة الّذين وعوا بأهمّيّة هذا التّمشّي بالاستحواذ على هذا البرنامج وببلورة نقد للفلسفة على أنّها خطابات عن الحقّ أو الجمال أو الخير: وهو ما سيقع تسميته بـ"علم الأثر"، بمعنى استرداد ما تنجزه العلوم الإنسانية من أعمال عبر فلسفة تفكّك في الآن نفسه التّصنيفات المستخدمة في طيّات الممارسات. وبهذا تحتفظ الفلسفة بموقعها المركزيّ في نفس الوقت الّذي تعلن فيه عن نهايتها. كما يرتبط الدّور الأكبر الّذي لعبه فلاسفة مثل لوي ألتوسير بقدرتهم على تغليب برنامج توحيديّ في أواسط السّتّينات وعلى التّلويح بمفهوم البنية باعتباره راية للالتقاء.

ينبغي علينا أيضا أن نولي اهتماما لهذا التّاريخ من منظور الأجيال. فقد كانت أحداث تاريخيّة كثيرة وراء البصمة المشتركة الّتي طبعت المثقّفين في تلك الفترة. هناك أوّلا الحرب العالميّة الثّانية وصعوبة التّعامل بنفس التّفاؤل الموجود في بداية القرن، كما لاحظ تيودور أدورنو، مع تاريخ غربيّ تحوّل مع أوسكهويتز (Auschwitz إلى الكراهية والجرائم ضدّ الإنسانية. سيصبح هذا التّاريخ الغربيّ تحديدا موضوع شكّ واتّهام من جديد، موضوع نقد أقصى. لم يعد الجحيم إذن هم الآخرون كما كان يقول جون بول سارتر بل الأنا نفسه باعتباره ذاتا غربيّة. وإذا كان المجتمع قادرا على اختزال الفرد في مجرّد رقم مسجّل فيعني ذلك أنّ وجود الذّات وتمظهراته الكاذبة ليس إلاّ وهما خطيرا. إنّ هذا اليأس الدّاعي إلى اتّخاذ مسافة نقديّة للشّكّ سيتضاعف خلال الخمسينات والسّتّينات مع التّحرّر التّدريجيّ للشّعوب المستعمَرة الّتي ستقطع مع النّير الأوروبّي وتسترجع استقلالها. وسيرى عدد كبير من المثقّفين في هذا الرّفض للتّلقيح الغربيّ تدعيما لموقفهم النّقديّ، وسيعتبرون صورة الآخر، أي صورة التّحوّل المطلق عن الغرب، مجالا للتّعبير تحديدا عن الحقيقة وعن نوع من النّقاء. سيسمح هذا الخروج عن التّاريخ الغربيّ بأن نرى لدى نمبيكواراز البرازيل مثلا الّذين قام ك.ليفي شتراوس بوصفهم، التّعبير عن إنسانية غير مؤذية. وستتعزّز مثاليتهم بما كان يعلَن بشكل متعاقب عمّا يحدث في البلدان الشّيوعيّة وما ينجرّ عنه من سخط. وتعتبر سنة 1956، تاريخ غزو الدّبّابات السّوفييتيّة للمجر، تاريخا جوهريّا بالنّسبة الى جيل من المثقّفين الماركسيين الّذين سيجدون ملاذا في ماركسيّة مهيكًلة، "ماركسيّة مضغوطة" وفق تعبير جون- ماري دوميناك تنفلت من ثقل كوارث الشّيوعيّة الفعليّة. وسيقطع الكثير من المثقّفين مع الثّقافة الشّيوعيّة ويخرجون من التّاريخ على أطراف الأصابع ويلوذون بسياج النّصّ والعلم وبإجلاء الذّات والمدلول.

الفعل والقول:

بصفة مباغتة، فقد كلّ شيء توازنه في مطلع الثّمانينات: فقد توفّي عدد كبير من أبطال المغامرة البنيويّة الفرنسيين واختفت فجأة أعمالهم، وقوي الشّعور بنهاية حقبة من الزّمن. إذ تمّ تجنّب القيام بالحداد والنّقد الضّروريين لانجاز تقويم صحيح لما مثّل فترة من الفترات الأكثر خصوبة في تاريخنا الفكريّ. لقد شكّلت الأفكار الّتي ظهرت في الثّمانينات، بعيدا عن مسألة انتشارها وتعدّد صياغاتها، شكلا جديدا نعت بأنّه ما بعد بنيويّ. هو نتاج لجيل متأثّر جدّا بأحداث ماي 1968. إذ أنّ ممثّليه قد عبّروا عن إحساس قويّ بالالتزام، وعن اهتمام بما هو اجتماعيّ. كان أفقهم المشترك هو التّصالح مع الدّيمقراطيّة، مع المواطنة التّشاركيّة، مع التّكنو-علوم. وقبلوا بإعادة طرح مسألة العلاقات بين الفرد والسّياسيّ، ورفضوا ما سيسمّى "فكر 68". كانت تحرّكهم إرادة تجاوز الشّروخ القديمة بين الفرديّة والجمعيّة والقطع مع المناشدات الانضباطيّة. وكان توقهم إلى الانفتاح وتجاوز الحدود والعلاقات المتبادلة يمثّل اتّجاها مجدِّدا. لقد اتّسمت الفترة البنيويّة بنوع من مقاومة الأمركة الّتي وقفت في وجه انتقال المناقشات الأنجلو- سكسونيّة إلى فرنسا. وفي نهاية السّبعينات، سيقوم بعض الفلاسفة ممّن سيتخلّفون عمّا بعد البنيويّة الفرنسيّة، بانعطافتهم من خلال حضورهم الجسديّ في الولايات المتّحدة مثل جون- فرانسوا ليّوتار وميشال سار وجاك ديريدا وجون- بيار ديباي الّذين درّسوا فيها. بينما جعلها برينو لاتور حقلا لدراساته. وانطلاقا من الثّمانينات، أقامت التّرجمات المتزايدة وبروز المناقشات المتعلّقة بالأطروحات الجامعيّة الدّليل على ظاهرة ما انفكّت تتأكّد يوما بعد يوم هي ظاهرة القبول بالفلسفة الأنجلو- سكسونيّة المسمّاة "تحليليّة" الّتي جاءت لتقطع مع التّقليد الفرنكو- ألمانيّ "القارّيّ ".

على المستوى النّظريّ، تميّز هذا التّجديد في الأفكار بردّ الاعتبار للجزء الظّاهر والواعي في الفعل. فرأينا خلال الثّمانينات عودة للفاعل في علم الاجتماع. فمنذ 1983 كرّس عالم الاجتماع ألان توران مؤلَفا بأكمله لمسألة عودة الفاعل. ودافع ريمون بودون أكثر من أيّ وقت مضى عن "فرديته المنهجيّة" وصار صوته مسموعا أكثر من قبل.
في موازاة ذلك، كشفت العلوم الاجتماعيّة الفرنسيّة خلال الثّمانينات واكتشفت من جديد ميراث علم الاجتماع الإدراكيّ لويلهالم ديلثاي وجورج سيمّال وخاصّة ماكس فيبر، الّذي دافع عنه ريمون آرون في السّتّينات ولكنّه لم يجد القدر الّذي يستحقّ في ذلك الزّمن.

لكنّ الأمر لا يتعلّق فقط بمجرّد عودة الذّات كما كان يُنظر إليها في تمام سيادتها المنشودة وشفافيتها الممكنة. ذلك أنّ البحث قد تحوّل إلى دراسة مسألة الوعي الّذي يحمله النّاس عن أفعالهم، واستفاد لهذه الغاية من سلسلة من المقاربات كانت تُعتبر في السّابق ثانويّة وإيديولوجية: إنها البراجماتيّة الّتي تدرس حصّة الفعل في الخطاب، وهي الإدراكية الّتي تراعي أوضاع الفاعلين العقليّة، وهي أيضا نموذج الاختيار العقلانيّ الّذي يصف نصيب الإستراتيجيا الّتي تحفّز أيّ فاعل. كان مخطّط الشّكّ يتطلّب المرور من خلف الإستراتيجيا الواعية للذّهاب مباشرة نحو الدّوافع اللاّواعية. أمّا التّمشّي الجديد فينطلق من الظّواهر، من الأفعال، ممّا يبدو بمثابة الدّالّ لتفسير وعي الفاعلين. إنّ برنامج البحث هذا ينفتح على أفق مركّب، خال من كلّ اختزاليّة.

النّتيجة المترتّبة عن هذا الجزء الظّاهر والواعي من الفعل العائد إلى الصّدارة هي أنّه صار من الممكن مرّة أخرى كتابة تاريخ سياسيّ ومفهوميّ ورمزيّ. هذا ما توضّحه أعمال مارسيل غوشيه عن الدّينيّ والسّياسيّ، وجيرار نواريال حول الهويّة، وألان بورو حول الإيمان، وبصفة أعمّ كلّ المشروع التّذكاريّ لبيار نورا.

لكنّ هذا التّنقّل محسوس أكثر في علم الاجتماع الجديد. فهذا العلم الّذي يقترحه ليك بولتنسكي ولورون تيفنو يعتبر أنّ عددا من المسلّمات في علم الاجتماع الفرنسيّ ينبغي التّشكيك فيها. منها مثلا القطيعة الجذريّة بين الكفاءة العلميّة والكفاءة العموميّة مثلا، وهي مسلّمة ينجرّ عنها عدم التّعامل بجدّيّة مع قدرة النّاس العاديين على وصف وضعهم الخاصّ. ذلك أنّ الفترة البنيويّة كانت ترى بشكل منهجيّ في تلك القدرة انعكاسا لوهم إيديولوجي. ومنها كذلك علم الإناسة المتشائم الّذي يجعل من المصلحة الدّافع الوحيد والأوحد للفعل. فقد لعبت المصلحة دور الرّافعة بالخصوص في جميع مشاريع تعرية ادّعاءات الفاعلين والتّشهير بها. ومنها أيضا زعم النّموذج النّقديّ تحليل سلوكيات جميع الأفراد في جميع الأحوال. ومنها أخيرا عدم تساوق النّموذج البنيويّ الّذي يدّعي أنّه نقديّ والحال أنّه يشهّر بالطّابع المتسلّط لرأي الفاعلين وبأوهامهم ومعتقداتهم دون أن ينقد في الآن نفسه أسسه المتسلّطة الخاصّة به.

ارتكز قلب النّموذج الحاصل في الثّمانينات على هذه الملاحظات لإعادة صياغة برنامج بحث قادر أكثر على مراعاة العناصر المكوّنة للفعل.
وقد ساهم علم منهجيّة العناصر مساهمة فعّالة في هذا التّحويل المتمثّل في البحث عن المشابهات بين التّفسيرات العلميّة والتّفسيرات الّتي يقدّمها الفاعلون أنفسهم. وأدّت هذه المقاربة الى انقلاب حاسم تمثّل في جعل النّقد نفسه موضوعا لعلم الاجتماع. ذلك أنّ النّموذج القديم لم يكن بإمكانه أن يتّخذ من العمليات النّقديّة موضوعا له لأنّه إذ يرتكز على قطيعة جذريّة بين الوقائع والقيم يبقي عالمَ الاجتماع بمنأى عن أيّ مشروع نقديّ.

مذاق جديد للملاحظة:

يقع اختبار النّموذج الجديد في البحث الميدانيّ، في الحقل التّجريبيّ. فعندما أجرى ل. بولتنسكي ول. تيفنو بحثهما حول الطّريقة الّتي بها نجري نقاشاتنا اليوميّة، بدآ بتجميع مدوّنة متنوّعة هامّة من الملاحظات. من ناحيتهما، استند برينو لاتور وميشال كالّون قبل أن يشكّكا من جديد في الفصل الكبير بين المعرفة العلميّة والمعرفة الشّائعة إلى وصف أجناسيّ دقيق لممارسات العلماء وخطاباتهم. كما مكّن هذا التّشكيك في القطائع الكبرى من ربط الصّلات الحميمة ثانية بين الفلسفة والعلوم الإنسانية. وما يستتبع هذا التّوجّه الجديد هو التّعامل بجدّيّة مع « الانعطافة اللّسانيّة » الّتي أمسك بها الفلاسفة الأنجلو- سكسونيون الذّين يرون أنّه ينبغي على أيّة دراسة أن تبدأ بدراسة الكلام الّذي يصف فيه النّاس أفعالهم ودواعيها. على الباحث حينئذ أن يلتزم، مثلما يفعل لوي كاري أو ألان كوتّورو أو فرانسوا ديباي، بتتبّع الفاعلين عن كثب في عملهم التّأويليّ. فيهتمّ بحججهم وبالبراهين الّتي يسوقونها، دون أن يسعى إلى التّقليل من قيمتها أو استبعادها من خلال مواجهتها بتأويل أقوى ممّا تحتمل. لكي ينجز هذا العمل، ويتجنّب أيّ شكل من التّأويل الصّارم، يلتفت علم الاجتماع الجديد كثيرا إلى الفلسفة التّحليليّة والذّرائعيّة والإدراكيّة والفلسفة السّياسيّة كما يقوم بذلك كلّ بطريقته الخاصّة منشّطو مجلّة Raisons Pratiques جون- ليك بيتي وبرنار كونين وجاك غيلومو وغيرهم. جميع هذه المسالك المتشابكة تساهم في خلق شعور بالتّوحّد حول نموذج جديد. ويمكن نعت هذا الأخير بالنّموذج التّأويليّ باعتبار أنّه يرمي إلى توضيح مكانة التّأويل في بنيان الفعل وذلك بالنّظر من جديد في كلّ الشّبكة المفهوميّة وكلّ المقولات الدّلاليّة الخاصّة بالفعل: كالمقاصد والإرادات والرّغبات والدّوافع والمشاعر الخ.

إنّ التّأويليّة كما يراها بول ريكور مثال جيّد على هذا الإطار المشترك الّذي يُعرض على العلوم الإنسانية وعلى الفلسفة. ذلك أنّ تمشّيها يسمح باستثمار جميع الطّاقات الكامنة في القطبين المتعارضين عادة ونعني بهما التّفسير والفهم. فهو يتجنّب تقديم ما يُفترض أن يكون من اختصاص علوم الطّبيعة ( التّفسير) وما ينبغي أن يتوافق مع علوم الفكر (الفهم) على أنّهما متعارضان. وهكذا، يكون عالم الحياة أو العالم المعيش ومختلف إجراءات التّذييت والجمعنة الممكنة في أساس عمل لا يسعه إلاّ أن يلتقي مجدّدا بالعلوم الإنسانية حين تتساءل هذه الأخيرة عن الفعل، أي عن المعنى الّذي يجب إعطاؤه للممارسة الاجتماعيّة.

هذا التّزاوج الجديد بين الفلسفة والعلوم الإنسانية يفتح على "تطعيم تأويليّ" لا يعني مطلقا الانغلاق، كما فعلت البنيويّة، داخل سياج النّصّ. فهو مصحوب بتجاوز الخيار الّذي ظلّ مبجّلا لفترة طويلة بين اللّغة واللّفظ، وذلك بالارتكاز خاصّة على نظريّة التّلفّظ لجيل بينفينيست الّذي يرفع من قيمة وحدة الخطاب باعتباره تفاعلا ملموسا بين البشر.
وهكذا أعيد الاعتبار إلى وجهة نظر الذّات في جزئها الظّاهر. ونُظر بجدّيّة إلى الفاعلين في أقوالهم وتمثّلاتهم ومعتقداتهم. وهذا لا يقصي البتّة الاعتبار الّذي كان يوليه البنيويون إلى الشّروط التّاريخيّة والسّوسيولوجيّة والثّقافيّة المفترضة، حيث يبين المعنى الظّاهريّ عن نفسه.
ــــــــــــــــــــ
(*) "فرانسوا دوس" هو مؤرخ وكاتب وباحث وأستاذ جامعي في باريس 12 (كريتاي). اهتم بالتاريخ الفكري لفرنسا وأيضاً بإبستمولوجيا التاريخ. كما كانت الكتابة البيروغرافية أيضاً في قلب اشتغاله، كما تشهد على ذلك مؤلفاته الضخمة حول "ميشال دو سارتو"(Michel de Certeau)، و"بول ريكور" (Paul Ricoeur)، و"جيل دولوز" و"فليكس غاتاري" (Gilles Deleuze et Félix Guattari)، وأخيراً "بيير نورا"(Pierre Nora).


المقال منشور في الموقع الألكترونيّ لـ Sciences Humaines.Com

المصدر: من البنية إلي الذات 

الخميس، 26 مايو 2016

جماليات التصوُّف ورومانسيته: بُعدان مميَّزان (*)

شكِيلُ الرَّحمن (**)

ترجمة عن الأُردية: هاني السعيد




كان حسين بن منصور الحلاَّج يسير راقصًا نحو المشنقة، حيث يواجه العقوبة عن قوله: "أنا الحق".
كان كل الواقفين هناك يرجمونه بالحجارة.
فأمسى غارقًا في دمائه، حتى بدا تجسيدًا لها.
غير أنَّ صوت "أنا الحق" وإيقاع رقص الحلاَّج ... كانا منجذبين إلى بعضهما، فيما تتناثر دماؤه بسرعة متناهية هنا وهناك مصاحبةً هذا الصوت: "أنا الحق .. أنا الحق"، وهو ما زال يسير ضاحكًا.
كان بين الواقفين الذين يرجمونه بالحجارة ثمة رجل يعرِف المنصور حقَّ المعرفة، ويَعِي أيضًا ما يقوله، ولِمَ يرقص وهو متَّجهٌ صوب المشنقة، كما يعرِف أيضاً لِمَ تتجاوبُ أصداء صوت "أنا الحق". لقد كان يعلم أنَّ المنصور بريء؛ فأَنَّى لحسين بن منصور الحلاَّج أن يكون هناك، ما هنالِك سوى صوت الله. وما رقصُ الحلاج إلا حركةً  مترنِّمة لهذا الصوت، وما ينبثق عنه من وَجد إنما هو أثره الفعَّال.
تقدَّم هذا الرجل - الذي كان واقفًا بين الرَّاجمين بالحجارة- إلى الأمام،
ورجم المنصور مترَفِّقًا بوردة جميلة.
ثم تاه بين الناس ... إذ كان يتوجَّسُ أن يلحظ أحدهم هذا الذي رجم الحلاَّج بوردةٍ جميلة وسْط وابل الأحجار.
أما حسين بن منصور الحلاَّج - الذي كان مغمورًا بدمائه وسْط معمعة الرَّجم المتلاحق.
هذا الذي كان يحتفل راقصًا بأبهج فرحةٍ في حياته.
هذا الذي كان يضحك بلا انقطاع، و ما زال يسير كما هو ضاحكًا.
إذا به يصمت على نحو مفاجئ.
ثم راحت الدموع تتقاطر من عينيه.
ولما استخبره أحد الواقفين إلى جواره قائلًا: "لقد كنت تضحك لتوِّك، و على الرَّغم من انغماسك في الدماء كان رقصك متواصلًا، وصوتك صَدَّاحًا. فما الذي أصابك بغتةً حتي تبكي؟"
ولِمَ أجهشت بالبكاء فجأةً بعد أن رجمك أحدهم بوردة؟
ردَّ عليه المنصور بقوله:

قال مولانا الرومي: يرقص البواسل في دمائهم, وينقر مطربوهم الدفوف داخلهم، فتصفق البحور مع تصاعد نشوتهم، إنك لم تر الأوراق على الأغصان، يصفقن راقصات بهفهفات الصَّبَا، لا ترآها أنت لكن من أجل سماعهم تصْطَكّ الأوراق مصفقات على الأغصان، لا تبصر عيناك رقص الأوراق، ولا يتناهى إلى سمعك تصفيقها.
إن صوفيًا مثل المنصور حين يرقص في دمائه المتدفقة أثناء سيره نحو المشنقة لا بد أن رقصه هذا ينطوي على رقص العناصر والأشياء كلها، ويكتنز بداخله ألحانها وإيقاعاتها، وما مثل هذا الرقص إلا رقص تجربة حياة مدهشة للغاية، وهو يرمز إلى الفرحة والبهجة والاحتفاء بالحياة؛ ففي هذا الرقص يتناثر بهاء الحياة في شتى الأرجاء، إنه رقص ينبع من أعماق الباطن حيث أولئك المنشدون الذين ينقرون الدفوف داخل الوجود فيتناهى صوتها إلى كل مكان في الخارج. وهذا بُعد رفيع وبالغ الوضوح لجماليَّات التصوُّف وسمو رومانسيته وسعتها وعمقها والتباسها.

يكمن جمال و جلال و رومانسية البعد الأول في أن المنصور قد صعد إلى المشنقة راقصًا وهو يحمل تجربته الحافلة بالأسرار والعامرة بالأنوار بكل ماهيتها، وظل سرُّها كما هو سرًا لم يُفش أو ينكشف، وظلت الأسرار المكنونة لكل ما استلهمه وجدانه كما هي أسرارًا؛ فهي محض همسات هُمست عن جمال وجلال خالق الأكوان، ظل سرُّها دفينًا كما هو في صدره.
أما جمال وجلال ورومانسية البعد الثاني فيتجلَّى لنا في قول مولانا الرومي:
أفش سر كل الأسرار!
ثم إنه يعرِّفنا شيئًا فشيئًا حقائقَ الحياة وخبراته الوجدانية. فهو راقص يعتريه الوجد، وهو أيضاً يدور ويدور. ويُسمى بالدرويش الراقص لابتكاره تقليد هذا الرقص. يشرح لنا وجود الإنسان وحقائق الحياة فيقول ما معناه أن: أول كل إنسان صورته ثم تليها روحه التي هي جوهر جمال سريرته، وأول كل فاكهة صورتها ثم تليها لذاذتها التي هي جوهر غايتها.
                           
                                  ***

نبّه مولانا الرومي على قوة الباطن وعطر الوجود بأشكال شتى، يقول: مثلما يحتاج الرَّشَأُ إلى آثار خطوات أمه الغزالة لبعض الوقت ثم تغدو نافجة الغزالة ذاتها دليله، كذلك أيضًا يتعرَّف الإنسان على عطر وجوده شيئًا فشيئًا حتى يصير عطره دليله.
لا بد أن يثق المرء في وجدانه و"رؤيته" الخاصة، فقوة الباطن وعطر الوجود نعمتان لا مثيل لهما؛ إذ إن سير مرحلة واحدة على هدي مسك النافجة يفوق تجوال مئات المراحل.
إن عطر الوجود يقرب المرء من الله، فهي علاقة مفعمة بالأسرار بين العطر والعطر، فالعطر الذي محله القلب يصل المرء بالإله الحق، وتُفتَّح به أبواب المعارف، فقلب العارف يكون له بابًا وليس جدارًا، دُّرًّا وليس حجرًا. وما نراه نحن في المرآة يراه العارف قبل ذلك في قطعة من حديد. فقلبه هذا مطلع شموس عديدة.
نقول هذا نحن كاشفي الأسرار والرموز، مهمتنا هي استخراج الأسرار من خزائن الكتمان.
                           
لقد أخبرنا أن العلم هو الثروة العظمى، فبالعلم والعرفان فقط يتمكن الإنسان من مشاهدة وقائع الأحداث في قطعة من حديد، كما يتسنى له تذوق عصير الثمار قبل زراعتها، وهو إذ يسير على هدي مسك نافجته يتلقى عرفان الإيقاع ووحدة الإيقاع. ولشدة إحساس مولانا الرومي بإيقاع الكون وتناغمه المترع بالأسرار فقد قال: إن آلات الطرب التي صنعها الإنسان تتمازج مع آلات الكون، فثمة علاقة حافلة بالأسرار بين الأصوات الحادة والإيقاعات المهدهدة "للبوق" أو "النفير"، و"للطبلة" أو "النقَّاريه"، وبين أصوات وإيقاعات الكون. لقد استلهمنا معازفنا من وحي التموجات العذبة والخلابة التي لمسناها في ألحان الكون، وسواء أكانت الأصوات حادة أم مرتفعة لدرجة تبدو فيها حالة من الصراخ. وسواء أكانت أصوات "بوق" و"نفير" أم أصوات  "طبلة " و "نقَّاريه "، أم كانت أصواتًا مشوبةً بالنعومة والهدوء أم تُشيع مجرَّد حالة من الشجن - فإنها جميعًا تُصدِّر لنا إحساسًا ما بانسجامها مع الإيقاع الكوني. لقد أسبغ الإيقاع العظيم جمالًا ما على كل الأصوات، والذين يقفون على هذا السر هم بالضرورة عاشقون، "فالسماع" غذاء العاشقين؛ إذ لا تنبثق الحركة من الإيقاع العظيم والأعظم  إلا في حالة السَّكينة التامَّة للعقل والقلب. فتتَّقد المُخَيِّلَةُ، وتنطلق طاقات العقل والقلب الخفية، وعندئذ تبدأ عملية الفانتازيا؛ إذ كل ما يُبتدع من صور جمالية هو هبة هذه الحركة؛ ذلك أن إيقاع الكون يُؤجِّج نار العشق إلى أقصى ما يكون.

يقول مولانا الرومي: إن القلب قدَّاحة فيها نار مستترة، وهي إذ تخرج راقصةً على أنغام الموسيقى تخلق فضاءات مفعمةً بالوَجد، ما هذا؟ إنه حتمًا صدى إيقاع تجلِّيات مركز النور، والرقص المتواصل للألحان في هذه الأجواء هو الذي يُستمد منه عرفان العلائق بين الإنسان والإنسان ومفردات الكون، ندرك مثل هذا العمق المذهل لعاطفة العشق؛ لأنه ما من أحد يستطيع تحليلها أو توضيحها؛ ذلك أنه لا يمكن بحال حصر أبعاد الرقص الذي يتبدَّى لمرآنا، وما يقوم عليه من إيقاع، كما تصعب معرفة أحواله البليغة، حيث تختلف صورته وحالته بالتأكيد في أعماق الوجود؛ إذ تقوم العلاقة بين الرقص والإيقاع كليهما وبين القلب ونار القلب، فتمثُل في الداخل بانوراما "رقص النار" ، وسواء أكان الرقص والإيقاع ماديين أم حدسيين، رومانسيين أم كونيين، فليس من الصعب إدراك أساليب  وأحوال  "رقص النار". وقد بيّن مولانا الرومي نفسه ماهية مثل هذه التجارب، فقال: إذا لم ننظر إلى "الشكل" و"التجربة الخارجية" فقط بل وفَّقنا بين الحالة الباطنية والتجربة الداخلية للموضوع وبين خيالنا ووجداننا فستتبدى لنا الحقيقة.
       

****************************


(*) الفصل الأول والتمهيدي من كتاب أُردي بعنوان "جماليَّات مولانا الرُّومي" لمؤلفه الهندي: شكيل الرحمن، والصادر في مدينة گُرگَاون بولاية هَريانه في الهند، سنة 2002م.
(**) شكيل الرحمن:
- باحث وناقد وأكاديمي وكاتب درامي هندي كبير.
- وُلد في 18 فبراير سنة 1931م في مدينة موتيهاري (التي وُلد فيها جورج أورويل) بولاية بِهار في الهند.
- توفى في مساء يوم الإثنين الموافق 9 مايو سنة 2016م بمستشفى فورتس بمدينة گُرگَاون في الهند.
- حصل بتفوق كبير على شهادات الدي. لِتّ (أو الدكتوراه العليا في الآداب)، والماجستير، والليسانس في اللغة الأُردية وآدابها من جامعة پَتنه بولاية بِهار في الهند.
- شغل عدة مناصب أكاديمية مهمة في جامعتي كشمير وبِهار،
كما اشتغل بالسياسة لفترة ما من حياته حيث فاز بعضوية البرلمان الهندي، ثم عُين بعدها وزيرًا للصحة والرعاية الأسرية بالهند.
- كتب ما يزيد عن أربعين كتابًا أغلبها عن الجمال وتجلياته الأدبية والفنية والحضارية.
- كما كتب أكثر من خمسين عملًا دراميًا بين مسرحي، وإذاعي، وتليفزيوني.
- كُتبت عنه وعن أعماله العديد من المقالات، وخُصصت له عدة كتب وأعداد خاصة من المجلات الأدبية والثقافية الجادة.
- حصل على جائزة الدولة، وجائزة غالب، وجائزة مجمع اللغة الأردية في دلهي، وجائزة أحمد نديم قاسمي.
********