‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة النار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة النار. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 9 مايو 2016

عقدة برميثيوس : غاستون باشلار

ترجمة: محمد صوف 


[1]


  Prometheus- Jan Cossiers
إن النار والحرارة تمنحان وسائل التفسير في مجالات متنوعة، لأنهما بالنسبة لنا، فرصة لاستحضار ذكريات حية دائماً. وتجارب شخصية بسيطة وحاسمة. النار، اذن، ظاهرة متميزة تستطيع تفسير كل شيء. اذا كان كل ما يتغير ببطء يعني الحياة، فإن كل ما يتغير بسرعة يعني النار. النار فوق ـ حية. النار حميمية وكونية. إنها تعيش في قلوبنا. تعيش في السماء. تصعد من أعماق المادة وتمنح نفسها كعاشقة. إنها تنزل من جديد في المادة وتختفي. خفية ومحتواة كالكراهية، كالثأر. وهي الوحيدة من بين كل الظواهر، التي تستطيع أن تتلقي بوضوح التقييمين المتناقضين: الخير والشر. تلمع في الجنة وتحرق في النار. انها العذوبة والعذاب، إنها المطبخ والقيامة. انها متعة الطفل الجالس بأدب قرب المدفئة، وعقابه عن كل عقوق إذا ما أراد أن يلعب مقترباً جداً من لهيبها. إنها الشعور بالراحة، والاحترام. وهي إله واقِ، حام وخبيث. تستطيع النار ان تتناقض: هي إذن أحد المباديء لتفسير الكون. 

ومن دون هذا التقويم الأولي لن ندرك معني احترام الحكم الذي يقبل التناقضات الصريحة. ولا الحماسة التي تراكم، دون برهان، النعوت الاكثر مدْحاً: مثلا، أي رقة وأي لا معني نجدهما في هذه الصفحة التي حررها طبيب في نهاية القرن الثامن عشر "لا أعني بهذه النار، الحرارة القوية، الصاخبة، المثيرة والمضادة للطبيعة. تلك التي تحرق الأمزجة والأغذية، بل تلك النار الهادئة، المعتدلة، الترياقية التي اذا رافقتها رطوبة تتوافق مع رطوبة الدم، تتغلغل في الامزجة المتنوعة. وكذا في العصير المغذي، تفرقها، تهدئها، تنشر قسوة ومرارة أجزائها، وتحيلها إلي درجة من العذوبة والرقة تجعلها تتوافق مع طبيعتنا"[1]. في هذه الصفحة لا وجود لبرهان واحد ولا لصفة، يمكن لهما تلقي معني موضوعياً. ومع ذلك، كم هي مقنعة! يبدو لي انها تجمع بين قوة الاقناع لدي الطبيب والقوة التي توحي بالعلاج. وبما أن النار هي العلاج الأكثر إيحاءاً، يصبح الطبيب أكثر اقناعاً إذا نصح باستعمالها. علي أي حال لن أعيد قراءة هذه الصفحة، فليشرح كل واحد هذا التقارب المتين ما استطاع، دون أن أتذكر الطبيب، الطبيب ذي الساعة الذهبية، الذي زارني وأنا طفل، وهدأ بكلمة أمّي القلقة. حدث ذلك في صباح شتوي، في بيتنا المتواضع، وكانت النار تلمع في المدفئة. أعطاني ملعقة من مشروب الطولو، لحست الملعقة. أين هو زمن الحرارة البلسمية والعلاجات الدافئة؟ 


[2]

عندما كنت مريضاً، كان أبي يوقد النار في غرفتي، وكان يضع الأخشاب المشتعلة علي الحطب بعناية كبري، ويمرر حفنة من النجارة بين الأخشاب الصغيرة. 

أن يخطيء في ايقاد النار فهو أمر في غاية البلادة المهينة. لم أكن أتصور أن لوالدي، مثيلاً، في هذه المهمة، التي لم يفوضها لأحد، ولا أعتقد أني أوقدت ناراً قبل سن الثامنة عشرة. لم أكن سيد مدفأتي إلا عندما عشت في الوحدة. لكن فن التدفئة الذي تعلمته من والدي ظل محل اعتزاز بالنسبة لي. كنت أفضل أن أتخلف عن درس الفلسفة ولا أتخلف عن إيقاد نار الصباح. ولهذا، فإني أقرأ بتعاطف كبير، لكاتب مقتدر يشتغل بالأبحاث الجادة، هذه الصفحة من مذكراته الشخصية[2]، "غالباً ما كنت أتسلّي بهذه الوصفة، كلما كنت عند الآخرين، أو كان عندي شخص ما في بيتي: تتبأطا النار وتميل إلي الانطفاء. يجب، اذكاؤها دون جدوي، بدراية ولمدة طويلة عبر دخان كثيف. يتم الالتجاء في النهاية إلي الاخشاب الصغيرة، إلي الفحم. لم تكن دائماً تأتي في الوقت المناسب، وبعد أن أخوض في الاخشاب السوداء، أتوصل إلي الحصول علي شرارات صغيرة: الشيء الذي يتطلب الصبر والجرأة والمتعة. كنت أحصل علي مهلة كهؤلاء التجريبيين الذين تمنحهم الكلية مريضاً بائساً. ثم اكتفي بأن أضع أمام ناظري بعض الجمرات دون أن أثير انتباه أحد. كنت أرتاح دون أن أكون قد اشتغلت، فتتجه إليّ النظرات كأنها تطلب مني أن أفعل شيئا. يتحكم اللهب في الحطب، فأتلقي الاتهام بأني رميت بمسحوق ما في النار. ثم يأتي الاقتناع كالعادة، بأني عرفت كيف أتعامل مع التيار. لم يستخبر أحد عن الحرارة التامة، المندفعة، اللاهية، ولا عن ذاك الجزء من الارض الواقع بين القشرة ونواتها، ولا عن السرعة التي تتصاعد بها درجات الحرارة".

ويستمر دوكارلا مظهراً طاقاته العائلية، ومعارفه النظرية الطموحة، حيث يصف انتشار النار كمتوالية هندسية وفق "سلسلات حرارية". وبالرغم من هذا الحساب الذي جاء في غير موضعه، فان المبدأ الأول للفكر الموضوعي لدوكارلا جد واضح، وتحليله فوري، لنضع جمرة علي جمرة وسيُسعدُ اللهبْ بيتنا.

[3]


قد نستطيع ان نستخرج من هذا مثلا للمنهج، الذي نقترح اتباعه من اجل تحليل نفسي للمعرفة الموضوعية. والامر يتعلق بالعثور علي فعل القيم اللاواعية انطلاقاً من المعرفة التجريبية والعلمية. يجب علينا اذن ان نبين النور المتبادل الذي ينطلق من المعرفة الموضوعية والاجتماعية الي المعرفة الذاتية والشخصية، والعكس صحيح. يجب اظهار اثار تجربة الطفولة في التجربة العلمية، وبهذه الطريقة نستطيع ان نتحدث عن لا وعي العقل العلمي، وعن الطابع المتنوع لبعض البديهيات، ونري عدة قناعات تكونت في عدة مجالات تقبل علي دراسة ظاهرة خاصة.

ولعلنا لم نلاحظ بما فيه الكفاية أن النار كائن اجتماعي اكثر منه كائناً طبيعياً. لادراك صحة هذه الملاحظة، لسنا في حاجة الي تضخيم الاعتبارات المتعلقة بدور النار في المجتمعات البدائية، ولا الالحاح علي الصعوبات التقنية في التعامل مع النار. يكفي أن ندرس علم النفس الايجابي بتفحصنا بنية وتربية عقل متحضر. ان احترام النار احترام مكتسب وليس طبيعياً. ورد الفعل الالي الذي يجعلنا نسحب إصبعنا من لهيب شمعة لا يلعب أي دور واع في معرفتنا. قد نتفاجأ ونحن نعطي هذا اهمية كبري في كتب علم النفس المبدئية، حيث نجده ملازماً مستمراً لتدخل نوع من التأمل في رد الفعل، ولمعرفة  الحساسية الاكثر عنفاً. وفي الحقيقة، فإن الموانع الاجتماعية هي الأولي، وتأتي التجربة الطبيعية في المرتبة الثانية، لتضيف دليلاً مادياً مفاجئاً، أي من الغموض بشكل يحول دون تأسيس معرفة موضوعية. ان الاحتراق، أي الكبت الطبيعي، بتأكيده للمحظورات الاجتماعية، يمنح ـ في نظر الطفل ـ قيمة أكبر لذكاء الأب. هناك إذن في أساس معرفة الطفل للنار خلط بين الطبيعي والاجتماعي يطغي فيه الاجتماعي دائماً. لعلنا ندرك ذلك أحسن إذا قارناً بين اللسع والاحتراق. الاثنان يحثان علي التأمل. لماذا لا تكون اللسعة، كالنار، موضع احترام أو خوف. لأن المحظورات الاجتماعية المتعلقة باللسع أضعف من المحظورات الاجتماعية المتعلقة بالنار. 

وهذا، إذن، هو الاساس الحقيقي للاحترام أمام اللهب: اذا قرب الطفل يده من النار، ضربه والده علي أصابعه بالمسطرة. إن النار تضرب دون أن تحتاج إلي الاحراق، سواء كانت هذه النار لهباً أو حرارة، مصباحاً أو موقداً. فحرص الوالدين لا يتغير.النار اذن، منذ الاول، موضوع منع عام، ومن ثم هذه الخلاصة: إن هذا المنع الاجتماعي هو أول معرفة عامة عن النار.. ما نعرف أولاً عن النار، هو علينا أن لا نمسّها. وبمجرد ما يكبر الطفل، تأخذ الممنوعات بعداً عقلياً: فيحل الصوت الغاضب محل الضرب بالمسطرة، ويحل سرد أخطار الحريق والأساطير التي تحكي عن نار السماء محل الصوت الغاضب. وهكذا فإن الظاهرة الطبيعية تحشر بسرعة في المعارف الاجتماعية المعقدة والغامضة، التي لا تدع مجالاً للمعرفة الساذجة. 

إذن، بما أن الكبت في البدء من الموانع الاجتماعية، فإن مشكل المعرفة الشخصية للنار هو مشكل عقوق ذكي. عندما يكون الطفل بعيدأ عن والده يرغب في تقليده، وكبروميثيوس صغير يسرق عود الثقاب ويركض في الحقول. وفي عمق حافة ما يؤسس بيتاً للهاربين من المدرسة بمساعدة أصدقائه. ان طفل المدن لا يعرف هذه النار التي توقد بين ثلاثة أحجار. لم يذق البؤبؤ مقلياً ولا الحلزون اللزج علي الجمر الاحمر. قد يفلت من عقدة بروميثيوس التي شعرت دائما بفعلها. وحدها هذه العقدة تستطيع ان تجعلنا نفهم الاهتمام الذي نلقاه دائما الاسطورة الفقيرة في ذاتها، عند أب النار، ولا يجب التعجيل والخلط بين هذه العقدة وعقدة أوديب في التحليل النفسي الكلاسيكي. إن المكونات الجنسية للأحلام بالنار هي دون شك تكتسي أهمية كبري. وسنحاول أن نبينها، ولربما كان الأفضل أن نشير الي كل ايحاءات القناعات اللاواعية، بصيغ مختلفة، ولو عرفنا بعد ذلك كيف نترابط العقد. ويبدو لنا أن أحد امتيازات التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية، التي نقترح، هوتفحص منطقة أقل عمقاً من تلك التي تدور  فيها الغرائز البدائية. ولأنها منطقة وسطي فإن فعاليتها حتمية بالنسبة للفكر الواضح والفكر العلمي. إن المعرفة والخلق حاجتان نستطيع تحديدهما في ذاتهما، دون أن تربطهما بإرادة القوة. وفي الإنسان إرادة حقيقية للإدراك.

إننا نحتقر الحاجة إلي الفهم عندما نضعها، كما فعل البراغماتيون والبرغسونيون، تحت السيطرة المطلقة لمبدأ المنفعية. نقترح اذن أن نصنف تحت اسم عقدة بروميثيوس كل النزعات التي تدفعنا الي المعرفة كآبائنا، بل اكثر من آبائنا، كأساتذتنا، بل اكثر من أساتذتنا. وبتعاملنا بدراية مع الموضوع، وبتطوير معرفتنا الموضوعية، نسطيع ان نتطلع إلي وضع أنفسنا علي المستوي العقلي الذي نال إعجابنا لدي آبائنا وأساتذتنا. إن السمو عبر غرائز أقوي يثير، بالطبع، عدداُ كبيراً من الافراد، لكن عقولاً أقل علي عالم النفس أن يتفحصها. وإذا كان العقل الخالص متفرداً، فهو أيضاً يتميز بتطور بشري خاصة. 

إن عقدة بروميثيوس هي عقدة أوديب في الحياة العقلية. 

ــــــــــــــــــــــــ
(*) عقدة برميثيوس، غاستون باشلار، الفصل الأول من كتاب " النار في التحليل النفسي " الذي صدر سنة 1938.


[1]
A-ROY-Desjonade, Les lois de la nature, applicables aux loix physiques de la medecine, et au bien ---general de lhumanite.

 [2]
Ducarla, Du feu complet, p. 307
المصدر: مجلة الكرمل، فلسطين، العدد رقم 30، 1 أكتوبر 1988.

الخميس، 5 مايو 2016

معاني النار ورموزها لدى الفلاسفة والشعراء : حسّونة المصباحي



نوفاليس
الظّاهرة الجديدة في تونس المتمثّلة في الانتحار حرقا ،والتي ازدادت استفحالا بعد أن أقدم الشاب محمد بوعزيزي

يوم  17 ديسمبر 2010 على حرْق نفسه مشعلا انتفاضة شعبّية أدّت إلى سقوط نظام بن علي، تدفع إلى البحث في ما  ترمز إليه النّار  لدى الفلاسفة والشعراء والمبدعين.

أوّل الفلاسفة الذين بحثوا في مسألة رمزية "النار" هو إنباذقولس الإغريغنتي، الذي ولد عام492 قبل الميلاد بمدينة أغريغنتا بصقلّيّة، والتي كانت آنذاك واحدة من أهمّ مدن العالم الإغريقي. وكان فيلسوفا وشاعرا وطبيبا ومهندسا ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطيّة. غير أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مدافعا شرسا عن الديمقراطيّة حتى الرّمق الأخير من حياته وأن يصرف جلّ اهتماماته لخدمة مصالح مدينته  وكامل جزيرة صقلية.

ولإنباذوقلس نظريّة في نشأة الكون تقول بأن هناك قوّتين تتصارعان دائما وأبدا، وهما الكراهيّة والحب وهما تتأدّيان بالتّناوب إلى الانفصال والاتّحاد بين العناصر الأربعة الأساسيّة والتي هي النار والهواء والتراب والماء، وهو يعتقد أن النار تفتن الإنسان لأنها مدمّرة ومطهّرة في نفس الوقت، فهي بإمكانها أن تحرق مدنا وغابات بأكملها، كما أنها تحمي من البرد فتنعش الناس في فصول الشّتاء، وتساعدهم على تحمّل الصّقيع وعلى مواجهة العواصف، كما أن النار رمز للتّحوّل والتجّدد.

وتقول الأسطورة إن إنباذوقلس فضّل في النهاية أن يلقي بنفسه في اللّهيب، ولعلّه فعل ذلك معتقدا أن النار ستمنحه حياة جديدة بعد أن تحوّل جسده إلى رماد، وفي كتابه الشّهير"الجموع والقوّة"، يفرد إلياس كانيتي الحائز على جائزة نوبل للآداب فصلا بديعا عن النّار ورموزها ودلالاتها وهو يقول بأنّ النّار تنتشر بسرعة فائقة وألسنة لهبها تتفاعل مع بعضها البعض ومن جملة ما تتميّز به هو العنف الذي تتعامل به مع الغابات، ومع السّهوب ومع مدن بأكملها، وحتى عندما تكون هناك مسافة تفصل بين الأشجار أو البنايات، فإنّ النّار تتمكّن من الجمع بينها ملتهمة إيّاها.

النار شبيهة بطوفان نوح

ويضيف إلياس كانيتي قائلا بإنّ النّار مدمّرة غير أنه باستطاعتنا ترويضها ومكافحتها وإطفاء لهبها، والماء عدوّها الأساسيّ، كما أن في الأساطير القديمة يمكن أن ينتهي العالم بحريق هائل أو بطوفان شبيه بطوفان نوح ورغم الخوف الذي تبثّه النّار في قلوب جموع الناس عند اشتعالها، فإن النار تفتنهم أيضا. وهذا ما كان يحدث مع هنود "النافاهوس" في المكسيك الجديدة، فقد كان هؤلاء يوقدون نارا هائلة وحولها يرقصون من غروب الشمس إلى شروقها من دون انقطاع ويؤدّون رقصاتهم الوحشيّة شبه عراة ملوّحين بعصيّ في رؤوسها الرّيش ويضطرّون أحيانا للزّحف على بطونهم للإقتراب أكثر من النّار. كما يحاولون أن يشعلوا الرّيش الذي في رؤوس عصيّهم وعند طلوع الشمس يرقص  هنود "النافاهوس" رقصتهم الأخيرة ملقين على أجسادهم العارية الرّماد والجمر وقد بدأ ينطفئ.

ويفسّر إلياس كانيتي طقوسهم هذه قائلا: ”إنّهم -أي هنود "النافاهوس"- يرقصون النّار ذاتها، وهم يصبحون النّار وحركاتهم شبيهة بلهبها وما يمسكونه بأيديهم لكي يشتعل ويمنحهم الشعور بأنهم يشتعلون هم أيضا. ويشير إلياس كانيتي أن التّاريخ يخبرنا أن هناك مدنا في مناطق من العالم تعرّضت للحصار الطويل. ولمّا  تيقّن سكانها باستحالة النجاة، أشعلوا النيران فيها ليموتوا وسط  الحريق الهائل وهذا ما حدث مع سكّان مدينة تالة التونسيّة. فعندما حاصرهم القائد الروماني ميتيلّوس خلال حروبه مع القائد البربري يوغرطة على مدى أربعين يوما، جمعوا كلّ ما يملكونه من أشياء ثمينة في قصر المدينة الكبير ثمّ أقاموا حفلا بهيجا. وبعد أن أكلوا وشربوا وهم يغنّون ويرقصون، أشعلوا النار في القصر وفي منازلهم وعند دخول جيش ميتيلّوس المدينة، لم يجد غير أكوام من الرماد.

العاشق يموت بنار عشقه

وفي القرون الوسطى كان المتشدّدون المسيحيّون يحرقون أعداءهم لأن النار عندهم ترمز إلى الجحيم الذي هو مأوى الهراطقة والفجّار. ويروي كرابلين قصّة امرأة في منتصف العمر، تعيش وحيدة وكانت مهوسة بإشعال الحرائق منذ طفولتها. وقد حوكمت أكثر من مرّة بسبب ذلك، وفي النهاية أرسلت إلى مصحة للأمراض العقليّة لتمضي فيه عشرين عاما. ومع ذلك ظلّت عاجزة عن السّيطرة على نفسها، فكلّما رأت عود ثقاب استبدّت بها الرّغبة في إشعال النّار، فما كان يفتنها ويستهويها هو رؤية النار. وكان الشّاعر الألماني نوفاليس يرى أن الحبّ شبيه بالنار وهو يشبّهه بجسدي العاشقين عند التحامهما أثناء الجماع باحتكاك قطعتي خشب  يتسبّب في إشعال النّار لذلك فإن النار تحيل على الرّغبات المكبوته.

ويجاري الشاعر الألماني راينار ماريا ريلكه نوفاليس في رؤيته للنار ويقول إنها-أي النار-تشبه  النار التي تحرق قلب العاشق المتيّم والعاشق الحقيقي هو الذي يشتهي أن يموت بنار عشقه. وهذا ما يحيلنا إلى التراث الشّعبي التونسي حيث نجد العاشق يحترق بنظرة واحدة من الحبيبة. وعادة ما يشّبّه العاشق عين الحبيبة بالنّار التي تحرق قلبه، بل جسده كلّه والعاشق في أغنية شعبيّة مشهورة يقول بإن الحرائق تتوالى من دون أن يتمكّن حريق من إطفاء حريق آخر ويضيف بأن حرائق عشقه تزداد حدّة من يوم إلى آخر. ونعلم أن عاشق حبيبة مسيكة، المغنيّة التونسية الفائقة الجمال، أحرقها أحد  عشاقها بعد أن ضبطها مع غريم له في فراش الحبّ لأن الحبيبة التي تخون لا تستحقّ غير ذلك العقاب الأليم.

النار أولى أساطير الإنسان

وفي كتابه "التّحليل النفسي للنّار"،اهتم الفيلسوف الفرنسي  غاستون باشلار(1884-1962) بالنّار ودلالاتها النفسيّة والفسفية في الأساطير وفي أعمال الشعراء والفنّانين. ويشير باشلار إلى أنه فتن بالنّار منذ كان طفلا يقرأ على ضوء الشموع والمصابيح في قريته الصّغيرة، وعندما اشتهر كفيلسوف دَرس الأساطير، والأحلام والخيال البشريّ من خلال الماء والنّاروالتراب والهواء.

من هنا يمكن القول إنّ النار ظاهرة متميّزة يمكن أن تفسّر كلّ شيء (…) النّار هي  الحيّة دائما، وهي حميميّة وهي تعيش في قلوبنا وتعيش في السّماء وهي تصعد من أعماق  "المادّة وتُهدَى كما لو أنها الحبّ وهي تنزل في المادّة  وتتخفّى وتكْمن مثل الكراهيّة والرّغبة في الإنتقام. ويضيف باشلار قائلا: "قرب النّار علينا أن نجلس وأن نستريح من دون أن ننام، لا بدّ أن نقبل الحلم الخاصّ موضوعيّا". والنّار بالنسبة لغاستون باشلار هي رمز الشيطان ولهب جهنّم، كما أنها مطهّرة، فهي تحرق الأعشاب اليابسة التي تطلق روائح كريهة.

المصدر: صحيفة العرب اللندنية

الأحد، 12 أبريل 2015

غاستون باشلار وفلسفة النار : سعيد بوخليط

I ـ النار : التقييم الموضوعي:
أكد "فرانسوا بيير" (François Pire)(1)، أن مشروع باشلار تبنى ثلاث منظورات للخيال :
* المنظورالرافض : موقف ينطلق من الموقف التقليدي داخل الميتافيزيقيا الغربية، كان ينظر إلى الخيال كعامل للخطأ والزّيف.
* المنظورالحتمي والجبري : ارتبط عند باشلار ، بالبحث في العناصر الأربعة : الماء/النار/ الهواء/ الأرض. وبالتالي، أصلها ومصدرها الخيالي.
* المنظورالانبهاري،الاندهاشي : سعي باشلار ، هنا إيجاد فلسفة بديلة للصورة الشعرية، تتجاوز الرؤى النفسية والتأويلية.
أنماط فكرية، تمرحلت مع باشلار وفق النماذج التأليفية التالية :
ـ التأويل النفسي للمعرفة الموضوعية : التحليل النفسي للنار (1938).
ـ تحديد خيالات العناصر الكونية الأربعة : الماء والأحلام (1942)، الهواء والأحلام (1944)، الأرض وأحلام يقظة الإرادة (1948)، الأرض وأحلام يقظة الراحة (1948).
ـ فينومينولوجيا الصورة : شاعرية حلم اليقظة (1960)، شاعرية المكان (1957)، شعلة قنديل (1961).
فما هي إذن أهم تجليات المرحلة الأولى في فكر باشلار ؟ لقد مثّل كتابه "تشكل الفكر العلمي" "la formation de l'esprit scientifique" : ))"مفترق طرق سبق كتاب التحليل النفسي، للنار بعشرة أشهر فقط. وهو يندرج بالتأكيد في إطار السلسلة الكبيرة للدراسات الإبستمولوجية الممتدة من عمله "دراسة في المعرفة التقريبية"   (1928) إلى "المادية العقلانية" (1953)، لكنه، سيفتح خاصة سبيلا مهيأ، قاده يوما ما إلى شاعرية حلم اليقظة مرورا بدراساته حول العناصر(( (2).
جاء عمله حول "النار"، كحلقه أساسية في هذا المسار، الذي انتهى أخيرا بالفكر الباشلاري إلى أن يجعل من الشعلة "مصيرا" لأحلام الإنسانية. لقد تواصل نفس البرنامج الذي وضعه باشلار لنفسه بعد قراءته لتاريخ العلم، أي القيام بتحليل نفسي للمعرفة وإظهار بعض العوائق الإبستمولوجية التي تعرقل الإدراك السليم والموضوعي للأشياء ومن بين ذلك ظاهرة النار.
يكشف باشلار ، عن طبيعة تصوره لحدود التقاطع المعرفي والمفهومي بين الكتابين : ((حينما نلتفت إلى أنفسنا، ننحرف عن الحقيقة. ثم حينما نقوم بتجارب باطنية، نتعارض حتما مع التجربة الموضوعية. مرة أخرى، بين طيات هذا العمل نصنع أسرارا ونحصي أخطاء. يقدم نفسه إذن، باعتباره نموذج تحليل نفسي خاص، نعتقد أنه صالح كقاعدة لكل الدراسات الموضوعية. وتوضيح أيضا لأطروحات عامة، دافعنا عنها في كتاب حديث حول : "تشكل الفكر العلمي"  ))(3). فهو، يحاول اختبار وتجريب، بل إعطاء الدليل عن قضايا وتصورات تأريخه للعلم. ولعل قضية النار، تمثل أهم موضوعة أثارت انتباه العلماء ولاسيما في القرن الثامن عشر. لكن، تداعي المفاهيم المغلوطة، عرقل مدة قرن تطور علم الكيمياء، حتى مجيء "لافوازير" (la voisier) محطما هذا العائق، جاعلا من النار ظاهرة لاحقة، في حين يعتبر "الأوكسجين" عاملا أساسيا للاحتراق.
شغلت النار مجال اهتمام الكيميائيين مدة طويلة، وهم يطمحون للإحاطة بكل أسرار العالم إذا استطاعوا قبل ذلك الوقوف على ألغاز النار. إلا، أن معرفتهم ظلت مصحوبة ببعض الأخطاء و الأحكام الماقبلية، نظرا لعجزهم عن تبني البعد الموضوعي حيال النار. بالتالي، بقيت كامنة تلك العوائق الإبستمولوجية المعرقلة لتبلور دراسة عملية حقيقية حول النار.
دعا باشلار ، إلى موضوعية علمية، بعد أن عرقلت دائما "الإشارة الأولى" سبيل العقل الإنساني إلى هذه المعرفة. حل حلم اليقظة La rêverie محل الرؤية العقلانية، فاختلطت المعرفة السليمة اليقينية والمضبوطة بالإحالات الشاعرية. افتقدت النار لوضعها العلمي المناسب، وبقيت : ((موضوعا مباشرا بارزا يفتح نفسه على اختيار أولي مع إزاحة قبلية لظواهر أخرى. بالتالي،  لا يفتح أي منظور للدراسة العلمية. ثم، تظهر لنا من وجهة نظر  نفسية فائدة تتبع تضخيم هذه القيمة الظاهراتية. ونفهم، كيف أن مسألة طغت على البحث العلمي مدة قرون، توجد فجأة مشتتة أو مبعدة دون حسمها أبدا))(5).
بحث باشلار ، في العائقين "الجوهري" و"الإحيائي " ، كما وقف على حدوس النار التي تشكل عوائق إبستمولوجية من خلال القيام بتحليل نفسي للفكر العلمي، وجعله فكرا استدلاليا يقطع مع حلم اليقظة، الذي ((يستعيد باستمرار الموضوعات البدائية، ويشتغل كروح بدائية، رغما عن نجاحات الفكر البرهاني وضدا على استنتاجات التجارب العلمية نفسها))(6).
للبث في مسألة النار من الوجهة السليمة، يستلزم الأمر الاشتغال على التفاعل الكيميائي المؤسس لماهية الاحتراق. لقد، أخفق أغلب الباحثين بهذا الخصوص نظرا لاستنادهم على أحكام قبلية.
نمذج باشلار مقارباته للنار، بوضعه لمجموعة من العقد النفسية :
ـ عقدة بروميثوس : تفسر تلك الرغبة النفسية في معرفة النار والحصول عليها ضد رغبة الأب.
ـ عقدة أومبيدوقل : حيث اختلاط غريزة الحياة بدافع الموت.
ـ عقدة نوفاليس : تلتصق باحتياج أزلي إلى اقتحام النار  والتوحد بدفء الكائن المحبوب.
فما هي أهم الملامح المعرفية لكل عقدة ؟ وكيف صاغ باشلار بواسطة هذه العقدة تصوراته للنار ؟ وهل تمكن فعلا من إدخال النار إلى المرحلة العلمية، وإخراجها بالتالي من بنية أحلام اليقظة، بواسطة التفسير العقدوي ؟ فإضافة إلى الخلاصات النظرية التي لامسها الدرس الباشلاري. وحاورها انطلاقا من تصوره للنار، طرح خاصة تصورا تأويليا جديدا وتأسيسه لأدوات نقد أدبي موضوعي بالمعنى الدقيق للكلمة، موظفا العقدة النفسية قصد مقاربة وحدة عمل أدبي ما.

* النار / الاحترام : (7)
تقدم لنا النار وسائل وأدوات لتحديد ميادين متنوعة. ظاهرة،  تميزها إمكانية تفسير كل شيء. إذا كان ما يتغير ببطء تؤوله الحياة، فالأشياء المتحولة بسرعة تحال على النار. إنها ذاتية وكونية في نفس الآن. قد تحصل على القيمتين المتصارعتين : الخير والشر.
وظف باشلار أسطورة بروميثوس الإغريقيةـ سرقة النار من الآلهة وحملها إلى الإنسان ـ حيث نفهم هذا الانجذاب الغريب نحو النار، والتي تجعل فيلسوفا من حجم باشلار ، يفكر في "ترك حصته الفلسفية على أن تفوته نار الصباح".
تضم هذه الأسطورة بين ثناياها، كل مظاهر التمرد والرغبة في الاكتشاف. يقول : ((نقترح، بتصنيف تحت اسم عقدة بروميثوس ، كل الميول التي تدفعنا إلى المعرفة مثل آبائنا وأكثر منهم. بقدر أساتذتنا، بل وأفضل منهم))(8). إن أسباب الخوف من النار، تنهض على عوامل اجتماعية أكثر منها طبيعية، تؤكد على خطورة النار : ((احترام النار، تجربة مكتسبة، وليس احتراما طبيعيا... . في الواقع، تحتل الموانع الاجتماعية المرتبة الأولى، بينما تأتي التجربة الطبيعية ثانية كي تحمل دليلا ماديا مباغتا))(9).
ينطلق تصورنا للنار، من هذا المنع الاجتماعي : ((إذا اقترب الطفل بيده من النار، سيضربه أبوه بمسطرة على أصابعه. فالنار ترهب دون حاجتها لكي تحرقك. أن تكون هذه النار شعلة أو حرارة، قنديلا أو موقدا، فحرس الوالدين هو نفسه))(10). النار، موضوع منع اجتماعي، أقصى ما نعرفه عنها عدم لمسها لأنها تحرق . وبينما الطفل يكبر، تنتقل هذه الموانع من مستواها البسيط لترسم دلالات أكبر : ((ضربة المسطرة، يعوضها الصوت الغضب، ثم تحل محله حكاية أخطار الطريق وكذا أساطير نار السماء))(11).
تبنى باشلار رؤية موضوعية، من أجل تحليل هذا الأفق الذي تموضعنا خلاله ضمن فكر الآباء والبحث في "الإضاءة المتبادلة" التي تذهب من المعارف الموضوعية إلى الذاتية والعكس صحيح، كاشفا عن "لا وعي الفكر العلمي". وذلك : ((لإظهار آثار التجربة الطفولية داخل التجربة العلمية))(12).، ومن تمة فضح الأسس اللاشعورية والقيم اللاواعية التي تحكم الخبرة العلمية.
يكمن أساس عقدة بروميثوس عند باشلار ، في متابعة هذا الموقف النفسي اللاشعوري المحكوم بخلفية اجتماعية ملقنة ومكتسبة، يتحدد من خلاله سلوكنا اليومي اتجاه النار : ((إذن بما أن الموانع، هي اجتماعية للوهلة الأولى، فإن المعرفة الذاتية بالنار تعتبر تمردا حاذقا. يتوخى الطفل، أن يفعل مثل أبيه، وبعيدا عن أبيه، بل ومثل بروميثي صغير يختلس أعواد الثقاب))(13).
لقد ارتبط ضمنيا. التاريخ الأسطوري للنار، عبر حكايات أصل النار ونشأتها وكذا اكتشاف الإنسان لها، بموقف نظري وحمولة أخلاقية، صاغهما باشلار بأسلوبه الهزلي تحت اسم عقدة بروميثوس. أخذت النار، دائما عند الشعوب البدائية صفات الكائن السري،  المرعب والمثير لكل أنواع الفضول والدهشة. فتحولت عندهم إلى عنصر ثمين. وقد اختزلت الصورة بشكل من الأشكال، مع إحدى الحكايات التي جاءت في كتاب : "أساطير في أصل النار". لصاحبه "جيمس فريزر، الذي  شكل إحدى مرجعيات باشلار في حديثه عن النار : ((لا تقولي شيئا، لا تذيعي هذا السر، ولا ينبغي أن يسمع أحد عنه، ذلك لأنه إذا ما وصل إلى آذان الناس، فإنهم لن يدفعوا شيئا في مقابل النار. فلا تفشي أمرها، ولنستفد من كنزنا الثمين فنأكل طعامنا مطهوا))(14).

* النار/ وحلم اليقظة :
ينزاح باشلار ، عن مسار علم النفس الكلاسيكي الذي  درس أحلام النار ، ذات التأويل الجنسي خاصة. وذلك، ليهتم بمسألة حلم اليقظة أمام النار. يتحدد الفرق بين المفهومين في : ((يسير الحلم خطيا، ناسيا طريقه وهو ينساب.  بينما يشتغل حلم اليقظة كنجم، يعود إلى مركزه ليطلق أشعة جديدة. وبشكل أدق، فإن حلم اليقظة أمام النار، العذب والشاعر بسعادته، هو طبيعيا الأكثر تمركزا))(15).
تمثل نار الموقد عند الإنسان الموضوع الأول لأحلام اليقظة ورمزا للاستراحة ودعوة لها. فالجلوس بمحاذاة النار يعطي للفرد إمكانية خلق تأملات لا تنتهي، وتتحول من صورتها المرعبة أصلا إلى عنصر تظهر فيه قيم الحب والاحترام. تخلق، نار الموقد نوعا من المتعة النفسية، يقول باشلار : ((حلم اليقظة خاص جدا وعام كذلك، يحدد عقدة حقيقية تنطوي على عشق واحترام النار وغريزة الحياة والموت. باختصار، يمكن تسميتها عقدة أو مبيدوقل))(16). مستوحيا، معطيات هذه العقدة من إحدى أعمال جورج ساند George Sand. وهي، تقوم على ثلاث عناصر أساسية : الحب، الموت والنار. تتوحد كلها، وتجتمع في نفس اللحظة.
اللحظة، إحدى مثيرات الحلم وعنصر للفكر. يمكن، أن تنقلنا إلى مصادر الفكر الفلسفي : ((حلم اليقظة ، بجانب النار له محاور فلسفية أكثر. النار عند الإنسان الذي يتأملها، نموذج للصيرورة السريعة وكذا التغير الظرفي. توحى النار، بالرغبة في التغير واقتحام الزمان))(17).
اهتم التحليل النفسي بدراسة الأحلام والأساطير المحيطة بالنار، إلا أنه لم يمنهج بعد حسب باشلار ، باستثناء أعمال "يونغ" : ((دراسة التفسيرات العلمية الموضوعية التي تتوخى تأسيس اكتشافات إنسان ما قبل التاريخ))(18). يجب، أولا انتقاد الشروح العلمية المعاصرة والتي يظهر بأنها لا تلائم اكتشافات الإنسان البدائي، فهي تنطلق من "عقلانية صارمة وسريعة"، دون أن تدرك الشروط النفسية للاكتشافات البدائية. لذا، يعتقد باشلار بوجود : ((تحليل نفسي غير مباشر، يتموقع ثانية، يبحث دائما، عن اللاشعور خلف الشعور والقيمة الذاتية تحت البداهة الموضوعية، وحلم اليقظة بين ثنايا التجربة. فلا يمكن، أن ندرس إلا ما حلمنا به أولا. ينبني، العلم بالأحرى على حلم اليقظة أكثر من التجربة))(19).
من ثوابت هذا التفسير، أن الإنسان البدائي ينتج النار، بعملية حك قطعتين من الخشب. لكن، الدوافع والدواعي الموضوعية المفسرة لسبب التجاء هذا الإنسان  إلى تصور وإدراك، ذلك تبقى غير كافية. فالتأويل العقلاني، يبقى عاجزا عن إيجاد أسباب اكتشاف الإنسان البدائي للعبة الاحتكاك ، باعتبارها تجربة  تأخذ بعدا جنسيا في الدرجة الأولى.
الوسيلة التي يحتفظ بها باشلار ، من أجل إيضاح وتبيان نفسية الإنسان البدائي، تتجه نحو دراسة الشعوب البدائية التي لازالت تعيش بيننا : ((بالنسبة لتحليل نفسي للمعرفة الموضوعية، تتجلى فرص أخرى للبدائية، تبدو لنا في النهاية ملائمة أكثر. يكفي، في الواقع تأمل ظاهرة جديدة، كي ندرك صعوبة الموقف الموضوعي المناسب حقا))(20).
لقد سعى، إلى اتباع نفس مسار "يونغ"، أي دراسة وبحث مكونات الليبيدو عبر تمظهرات كل الأنشطة البدائية، فهو يعتقد أنه لا يتسامى فقط الليبيدو في الفن، ولكنه أصل، ومنبع كل أعمال الإنسان الصانع. الاحتكاك، باعتباره حقيقة موضوعية لنشأة النار، يأخذ في الواقع مع تمثلات التحليل النفسي بعدا جنسيا. تشتعل النار، بالحب والتجنسن.
لتأكيد، أطروحة البعد الجنسي للاحتكاك وكذا النار البدائية. استثمر باشلار حالة الشاعر نوفاليس ، باستلهامه عقدة تحمل اسم الشاعر نفسه. عقدة، تعمل على التركيب بين الدافع اتجاه النار كما يحدثه الاحتكاك ثم الرغبة في الدفء : ((تؤلف عقدة نوفاليس بين الاندفاع نحو النار التي تنتج عن الاحتكاك، وكذا الرغبة في دفء متبادل. سيشكل ثانية، هذا الاندفاع في بدائيته الأصلية غزوا للنار قبل - تاريخي. تتميز، عقدة نوفاليس بالوعي بدفء حميمي يتصدر دائما علما بصريا كليا بالضوء))(21).
 يوحي، هذا الدفء برغبة في اختراق عمق الأشياء والموجودات، مختلفا في ذلك عن النور الذي يبقى عند سطح الأشياء. يقول باشلار : ((حيث العين لا تصل أبدا، وتعجز اليد عن الولوج، يتسلل الدفء. وقد عثر نوفاليس على رمز هذا التوحد بالداخل وكذا الحميمية الحرارية))(22). يعطي، الدفء الناعم شعورا بالسعادة.

* عقدة هوفمان :
تتجلى أهم الملامح المميزة لعمل هوفمان حسب باشلار ، في الدور الكبير الذي تلعبه ظواهر النار، فقصيدة الشعلة تخترق  العمل بأكمله، حيث يتمظهر ما سماه ب "عقدة بنش" وسيدعوها أيضا عقدة "هوفمان". تمثل مثيرات النار، دورا أساسيا في رسم أحلام "هوفمان". كما شكلت، شعلة الكحول أو اللاوعي الكحولي حسب باشلار الإلهام الأول له، مقارنا في إشارة سريعة بين النزعة الكحولية  عند هوفمان ثم تلك التي تضمنتها نصوص إدغاربو Edgar Poe : ((الكحول عند هوفمان يلتهب، يتسم بعلامة للنار كليا نوعية وذكورية، في حين أن كحول بو Poe تغمر وتقود إلى النسيان والموت، فهي تتسم بخاصية مائية، مطلقا كمية وأنثوية))(23).
تتبلور، عقدة هوفمان في حلم اليقظة أمام قدح شراب بنش Punch. إن مسألة اعتماد باشلار على التحليل النفسي، لا تتجلى فقد في توظيفه لمعطى العقدة النفسية، باعتباره تصورا جاء به الدرس الفرويدي. لكن، أيضا تبنيه لمفهوم "الجنسية" كأطروحة أساسية جاء بها باشلار مستلهما أبحاث "يونغ" ، بالدرجة الأولى وقبله فرويد الذي تحدث عن البعد الجنسي للنار. قارب باشلار هذا التصور في فصل عنونه ب "النار المجنسنة"، ملامسا المفهوم وخلفياته النفسية منطلقا من قناعة فكرية جديدة، مفادها أن الدرس الخيميائي تأسس معرفيا في تاريخيته على حلم جنسي واسع، سيطر على كل مناحيه.
تحدثت كتب الخيمياء، عن زواج النار والأرض. ويمكن، تفسير هذا  الزواج حسب باشلار من وجهات ثلاث :
1 ـ في دلالته المادية، كما تفعل الكتابات التي تستحضر تاريخ الكيمياء.
2 ـ من وجهة نظر شاعرية، وهي الرؤية التي تؤسسها النقدات الأدبية.
3 ـ وأخيرا، يقترح باشلار وجهة نظر خاصة، تنظر إلى هذا الزواج في دلالته الأصلية والنوعية.
إذن، كي نتمثل البعد الجنسي لصور النار، يتحتم تتبع مسيرة هذا الزواج على امتداد الخيمياء. تاريخ، اخترقه تأمل جنسي، ظلت معه هواجس وتأملات الموقد، محددات معرفية للخيمياء. يقول باشلار : ((القول ثانية بأن النار عنصر، يثير لدينا أصداء جنسية))(24). النار، المُجنسنة هي : ((بامتياز صلة وصل لكل الرموز. تجمع المادة بالفكر، والخطيئة بالفضيلة. تجرد، المعارف المادية وتجسد المعارف المثالية))(25). النار، هي الظاهرة الأولى التي فكر فيها الإنسان من بين كل الظواهر الأخرى، فميزته عن الحيوان وأعطت الإنسان البدائي إمكانية الرغبة في العشق والحلم. مادام، الإنسان الذي يجلس قرب موقد النار، يتحول إلى كائن حالم يتميز بهذه القدرة على النفاذ والاختراق والإيمان بالصيرورة. لقد، حولت النار الإنسان من كائن عامل يقف عند حدود الأشياء ويتعامل معها في حسيتها ومباشريتها، إلى آخر يتجاوز سطح الأشياء معانقا كل الممكنات الباطنية. سيدخل، الإنسان التاريخ لأنه بدأ يحلم. توحي النار بإحالات أخرى غير العلاقة اليومية المألوفة مع مكونات العالم : ((إن الإنسان الذي يحلم أمام الموقد، هو إنسان الأعماق والصيرورة. أولنعبر، عن ذلك بصيغة أفضل، النار تعطي للإنسان الحالم درسا في العمق، يتميز بصيرورته))(26).
دعوة باشلار للقيام بتحليل نفسي للمعرفة الموضوعية، لا يجب أن يغفل البعد الجنسي للنار، قيمة قد تكون مضمرة وخفية. سواء، إذن استلهم هذا التصور من التحليل النفسي ـ يونغ Jung خاصة ـ أو ارتبط بالسياق المعرفي الذي تموضع فيه، ألا وهو ملاحقته كل المسوغات النظرية التي تقود إليها أحلام اليقظة. قلت، كيفما كان مصدر ذلك، تظل مسألة البحث في جنسية النار، منطلقا نظريا لكل اشتغال حول مجموع الأحلام التي يوحي بها الجلوس قرب الموقد : ((النار، بحقائقها المميزة والمشحونة أكثرـ لا تزال كذلك ـ أحلاما وإنسانية تسكن منذ آلاف  السنين قلب حياتنا وموقدنا))(27).
إجمالا، دراسة النار، امتداد للعمل السابق عنها "تشكل الفكر العلمي"،  ((إنه يحلل نفسيا المعرفة ويعري بعض العقد الإبستمولوجية، اعتمادا على الوثائق الأدبية وبالضبط التي جعلها باشلار تساهم بوفرة في ذلك. فتحت، دراسة النار لصاحبها منظورات جديدة ووجهته نهائيا صوب دراسة الخيال))(28). مؤسسا، بذلك نموذجا نظريا جديدا للأبحاث النقدية، نستخلص خطوطها العريضة فيما يلي:
ـ طرح مسألة علاقة العناصر الأربعة : الماء/ الأرض/ الهواء/ النار. بقضية الأمزجة والطبائع الفردية، ثم تلونها بين عنصر وآخر. وضع نظرية للأمزجة الشعرية، يتأتى حسب باشلارمن خلال المتخيل كعلم. يقول في هذا الإطار : ((إذا أمكن للعمل الحالي، أن يؤخذ باعتباره قاعدة فيزيائية أو كيميائية لحلم اليقظة وكمخطط إجمالي يعمل على تحديد الشروط الموضوعية لذلك، فعليه تهيء الوسائل من أجل نقد أدبي موضوعي، بالمعنى الأكثر دقة للكلمة))(29). أي التحليل الموضوعي للأساطير والأحلام والرموز وكذا التخيلات الأدبية.
إن تأسيس علم للمتخيل، يفترض طريقة جديدة في تفسير المؤلف بالعمل والعمل بصاحبه. بالتالي، تحديد الأحلام المكتوبة، الرموز ثم الصور ببنية الخيال الذي ينتجها. لقد :
1 ـ وضع كتاب النار، الإستراتيجية العامة لهذه العلاقة بين الأمزجة والخيال ثم العناصر.
2 ـ الدعوة إلى بناء علم للخيال، يشكل إحدى مستجدات التحليل النفسي وبدأت الخطوط الأولية لدراسات تهم خيال النار، تسعى إلى وضع قواعد نظرية جديدة لنقد أدبي، صاغ لحظة كتاب النار، نموذج مفهوم علمي للموضوعية. وقد قدم، نظرية في تصنيف الشعراء. صنفت، بعض المبدعين تحت منظومة خيال النار، مثل : نوفاليس ، هوفمان  و دانونزيو. لكن، على الرغم من ذلك، فإن مسألة تصنيف المبدعين، تبقى أيضا واهية أمام الاحتمالات المرجعية المؤسسة للمسار الفكري لمبدع ما. فهوفمان مثلا، يندرج ضمن شعراء الأرض ونوفاليس مع شعراء الماء.
3 ـ طرح كتاب النار، قضية تفسير النص الأدبي بالعقدة النفسية، لشرح الإثارة التي يخلقها لدى المتلقي. بالعقدة النفسية، نفهم جيدا الأعمال الأدبية، بحيث لا تستمد وحدتها إلا بها. على العكس، من ذلك إذا انتهت هذه العقدة وغابت يتفكك.
تأمل باشلار "النار"، مستندا على فلسفة وروح العلم، موظفا التحليل النفسي كوسيلة ضرورية لتشييد معرفة موضوعية. مصنفا أحلام اليقظة، باعتبارها عوائق إبستمولوجية ،أمام كل معرفة تتوخى العلمية، وإن تصورها أيضا مصدرا أساسيا لكل حداثة نفسية.
التحليل النفسي ضروري، يعمل على موضعة الصور، ثم يعين ويفصل في العقد التي تربط الأحلام بالرغبات. لكن باشلار ، سيصطدم بالبعد الحتمي للتحليل النفسي، مسألة تعمل على تقزيم المنحى الإبداعي للعقل الإنساني، مؤكدا في مطلع كتابه "شاعرية المكان" (la poétique de l'espace) (1957)، أن الفلسفة التي تسعى إلى دراسة قضية الخيال الشعري، عليها القطع مع كل المحاور الأساسية لفلسفة العلوم، وكذا عادات وتقاليد البحث الفلسفي. بمعنى آخر، إذا أردنا دراسة قضية الخيال يتحتم تبني منهجية أخرى، تتجاوز الإطار النظري الصارم الذي تدعو له كل نزعة علمية،بحيث أعطى باشلار ، تعريفا جديدا للخيال وتحديدا مختلفا، لعلاقته بالإدراك. حينما، تحول إلى قدرة على إعادة تشكيل للصور التي يقدمها هذا الإدراك.
إن فهم النار بشكل سليم، وتجاوز عائق الحدوس النارية، يتحدد في التموقع موضوعيا قدر الممكن : ((إذا كنا قد ارتكبنا أخطاء حول طبيعة النار، وتوفرت لكثير من العقول المتميزة مفاهيم ساذجة بهذا الخصوص، فذلك لأننا لم نقف حيالها الموقف الموضوعي، باعتباره ضروري للمعرفة العلمية))(30).
تغرينا النار وتتملكنا، بالتالي استعصى التخلص من الذاتية لتفحصها. في سبيل ذلك، سيعود باشلار إلى إحالات الروائيين والشعراء  ثم علماء الميثولوجيا، لأنها تقدم له عناصر المقارنة. وقد كانت مهمته : ((نسبيا سهلة، ما دام قد توفر على توثيق مهم حول القرن 18، لقد أعاد استخدام الأبحاث القديمة للفيزياء والطب التي تصف الظواهر القريبة من النار، أو بالأحرى تلك التي كنا نعتبرها في القديم  تمظهرات لها : الحرارة، الكهرباء، النار، أو نتائج مباشرة لهذا الاحتراق، التفجير، الحمى، الهضم))(31).
أطروحات باشلار القائمة على اجتهادات التحليل النفسي، لن تستمر طويلا أمام الرغبة الجامحة في الدفع بالقصيدة الشعرية إلى حدودها القصوى. فالبعد المفهومي للدرس النفسي، يكبح هذه الخصوبة الدلالية التي تخلفها الصورة الشعرية في علاقتها بالقارئ.
أهم ملاحظة يمكن إسقاطها على طبيعة العلاقة بين باشلار والتحليل النفسي، هو أن عناوين كتبه شكلت مبكرا قطيعة مع الإطار النظري، الذي سطره كتاب "النار" لنفسه. حيث، انتفى منها مصطلح التحليل النفسي، معلنا عن رغبته في تبني استراتيجية مغايرة :
أ ـ سعى باشلار في كتابه "الماء والأحلام" (1942)، إلى تنمية وتطوير تحليل نفسي للعناصر، لكن في اتجاه مختلف عن التأويل الفرويدي ل ماري بونابارت Marie Bonaparte.
ب ـ عمله عن "الهواء والأحلام" (1944)، أسس نظرية للخيال الدينامي، تتمم نظرية باشلار عن الخيال المادي، قادته إلى الظاهراتية وتجاوز مبادئ التحليل النفسي، حيث تبلورت مرحلة جديدة من اشتغالاته، قامت على دعوة للوقوف أمام صورة أضحت عامل خصوبة أو هرمون نفسي لا ينفصل عن الوعي الذي يتلقاها. إنها، عين جدّتها ورنينها.
ما يهم باشلار الآن، الإنتاج الخيالي وتمثل الصورة كبدء مطلق منتقدا الحتمية التي ميزت التحليل النفسي، وهو يختزل الصورة إلى بقايا إدراكات قديمة، لذلك سيرفض نظريته في الخيال ومبدأ السببية.
كيف استثمر باشلار ، كل تلك القطائع في أفق خلق فكر إنساني حالم ؟ وتقديم، اجتهاد نظري ينسجم في روحه العامة مع طبيعة المادة الأدبية، ثم صياغة نظرية تصب نحو فينومينولوجيا المعرفة الذاتية. يقول، فرانسوا بيير François Pire  : ((لقد اعتقد طوال حياته، بضرورة قيام العقلانية ضد التماثلات السطحية واليقينات العاطفية للحس المشترك وحلم اليقظة. هكذا، بدت له مثلا أحلام اليقظة الأسطورية أو الخيميائية مثيرة للسخرية. لكن، التغيير سيبدأ مع العملين اللاحقين مباشرة. من الآن، فصاعدا سيعطي كل اهتمامه إلى حداثة الصور وذاتيتها ثم  خصوبتها النفسية))(32).

II ـ النار : المنحى الفينومينولوجي :

سنقطع حاليا مع الإطار الإبستمولوجي لكتاب النار، كي نستوعب مع باشلار، من زاوية أخرى الاهتزازات الحالمة المؤسسة لعلاقة الإنسان بالشعلة. أهم ما يقدم ذلك، ظاهرة الاحتكاك باعتبارها  آلية فيزيائية، اهتدت بالإنسان إلى اكتشاف النار : ((طريقة حك الخشب هي الأكثر استعمالا وشيوعا إلى حد كبير وهي التي أشارت إليها الأساطير في الأغلب الأعم من الأحيان... تطبق  طريقة حك الخشب في إيقاد النار على أوجه كثيرة نستطيع أن نميز من بينها في العادة ثلاثة أوجه نطلق عليها أسماء : غابة النار، ومحراث النار (أو العصا والفرضة). وغابة النار هي الأكثر انتشارا بين الأجناس البشرية المتخلفة، ولذلك  لا ندهش إذا كانت قد ذكرت في الأساطير في أغلب الأحيان... ويؤدي الحك المتواصل في البداية إلى ارتفاع الحرارة ثم إلى ظهور الشرارة التي تنقلب لهبا في النهاية))(33).
بحث باشلار ، عن تفسير آخر يتجاوز هذا المستوى الطبيعي المباشر، للوقوف عند الخلفيات النفسية والجنسية، التي تفرز نارا مُجنسنة . صحيح أنه وقف عند هذا التصور بشكل مختلف، إلا أنه التقى بشكل مباشر أو غير ذلك مع الأسطورة التي تؤكد أن : ((النار إنما تنبثق من امرأة، وبوجه خاص من عضوها التناسلي، هذه الفكرة تجد تفسيرا مؤكدا لها في التشابه الذي رأيناه، فالكثيرون من البدائيين يرون في عمل غابة النار من جهة وفي العلاقات الجنسية من جهة أخرى شبها واضحا. إذ أن العصا الأفقية التي تثقبها غابة  النار العمودية يمكن اعتبارها أنثى، بينما العصا العمودية أي غابة النار نفسها، يمكن أن تعتبر هي الذكر. وإذا قدمنا هذا التشابه، فإنه بإمكاننا القول إن النار المنبثقة من غابة النار، إنما تنبثق من جسد أنثى، وبخاصة من عضوها التناسلي الذي يمثل هنا بالثقب الذي تدور فيه غابة النار))(34).
النساء يمتلكن النار في الفكر الأسطوري، قبل الرجل. وللوقوف إذن عند الإغراءات الجنسية للنار، يتحتم على الباحث حسب باشلار ، الرجوع إلى الإضاءة النفسية لإنسان ما قبل-التاريخ. وقد انتقد في هذا السياق التفسيرات العلمية المعاصرة، التي لا تستجيب موضوعيا إلى الروح التي حكمت هذا الإنسان في مغامراته اليومية. من هنا فظاهرة الاحتكاك، قد لا تتحمل التفسير الموضوعي المرتبط بقوانين فيزيائية ومادية. لذا، وضع باشلار التفسير النفساني مقابل التفسير العقلاني الموضوعي مقترحا السير على منوال "يونغ" قصد البحث نسقيا عن المكونات الليبيدية في كل تجليات أنشطة الإنسان البدائي. بل، الكهرباء نفسه لا يخرج عن فكرة الاحتكاك في بداهتها الجنسية الأولى. بالتالي، ينطبق عليه ما يقال عن النار. بهذا، الصدد : ((سيطور "رابيكو" Rabiqueau حول مفهوم الاحتكاك، نظرية كهربائية للأجناس))(35). بممارساتنا لعملية الاحتكاك : ((نختبر نعومة دفء موضوعي، ويحدث لدينا الانطباع الساخن عن تمرين جميل. تتماسك الإيقاعات فيما بينها وتستنتج بالتبادل، كما تستمر بحث ـ ذاتي. إذا قبلنا أطروحات "بنهيرو دوس سانتوس" (Pinheiro dos Santos)، المتعلقة بالمبادئ النفسية للتحليل الإيقاعي ، والذي نصحنا، بأن لا نعطي الحقيقة الزمانية إلا للذي يتموج، سنفهم على الفور قيمة الديناميكية الحية))(36). وقد شكل، النموذج الإبداعي لنوفاليس ، هذا الإحساس الجميل بالدفء الناري الناعم، الذي يتأتى جراء الاحتكاك والرغبة في اختراق متبادل لهذا الدفء : ((إذا حذفنا من عمل نوفاليس حدوس النار البدائية، تنهار في الآن ذاته كل القصيدة ثم الأحلام جميعها))(37).
كان اكتشاف النار اجتياحا جنسيا، بكل ما في الكلمة من دلالة. بالتالي،  لا يمكننا أن نفاجأ بكون النار بقيت لمدة طويلة مجنسنة. يعطينا، تاريخها إحساسا لذيذا حينما نجلس قرب الموقد : ((فالحرارة فينا ونحن في الحرارة. حرارة، مساوية لذاتنا. تأتي الحرارة كي تمنح النار سند عذوبتها الأنثوية. ثم، تأتي ميتافيزيقا عنيفة تخبرنا بأننا نقيم داخل الحرارة وعالم النار. لا نستطيع، شيئا ضد بداهات حلم اليقظة))(38).
النار، أول الظواهر الكونية التي اكتشفها الإنسان. ودخلت به، إلى مجال حياتي آخر يختلف عن الأول. وشكلت، بذلك رغبة حقيقية في المعرفة أدخلته التاريخ، وفصلته عن الحيوان. فالجلوس، أمام الموقد، يعطي للإنسان الجالس قدرة ووازعا من أجل الحلم والتعمق وكذا التأمل : ((أمام هذه النار التي تعلم الحالم القديم واللا-زماني. لم تعد النفس منحصرة في زاوية من العالم، بل هي وسط العالم، إنه عالمها. فأبسط، موقد يؤطر عالما بأكمله))(39).

لا يمكن التفسير العقلاني، المؤرخ أو الباحث من إدراك القنوات الجنسية التي أدت إلى اكتشاف الاحتكاك، كعملية تؤدي إلى شرارة النار. في نفس السياق، يبقى المحلل النفسي قاصرا ربما عن استحضار كل كثافة المناخ الحُلمي، الذي يصاحب الجالس أمام الموقد الناري، ويشكل أساسا لأحلام وتأملات تعطي النار بعدا شاعريا : ((فأن يشعر الجسد بدفء كبير، معناه طريقة في الحلم. هكذا مع حركتي حلم اليقظة أمام النار، الحركة التي تجعلنا ننساب في عالم سعيد، ثم الحركة التي تجعل من جسدنا دائرة للسعادة. لقد علمنا هنري بوسكو Henri Bosco كيف نتدفأ جسدا وروحا))(40).

جاءت الإشارات الأولى، للبعد الجنسي للنار عند فرويد في كتابه : "مدخل إلى التحليل النفسي"، حينما تطرق إلى بعض الرموز الجنسية، وكذا ارتباط النار بهذا الترميز : ((إعداد النار، وكل ما يرتبط به يتداخل بعمق مع الرمزية الجنسية. ترمز، الشعلة دائما للعضو التناسلي عند الرجل، بينما يمثل الموقد حجْر الأنثى))(41).
كما تحدث "يونغ" ، عن التأملات الجنسية التي حكمت اشتغالات الخيمياء، وهي مسألة طورها باشلار في كتابه عن النار يقول : ((نريد أن نظهر هنا، بأن الخيمياء يحقق بلا تحفظ الخاصيات الجنسية  لحلم اليقظة بجانب الموقد. وبعيدا، على أن يكون وصفا للظواهر الموضوعية، فهو محاولة للوقوف على الحب الإنساني في قلب الأشياء))(42).
حاولت الصياغة الباشلارية، البحث أكثر في أحلام اليقظة التي تحول المجرى الطبيعي المباشر للنار، إلى مستوى أنطولوجي يعمل أكثر على تخصيب دلالاتها المجازية والبلاغية، وتعطيها بعدا جماليا آخر. في هذا السياق، يجب التأكيد بأن آخر أعمال باشلار "شعلة قنديل"، يعبر أكثر عن ذلك من كتاب "النار". مسألة، ترتبط بالأفق الفكري والمعرفي المشكل لخلفية كل واحد منهما المعرفية والنظرية.

كتاب النار، دعوة بالأساس لتخليص المعرفة من كل الحدوس والتأملات اللاعقلانية، بالتالي لم يلتفت قط إلى حمولة النار الشاعرية، إلا، أن لعبة (الشعلة) أثارت عند باشلار ، رغبة كي يتأمل النار بأوجه مغايرة : ((يثبت تأمل الشعلة، حلم يقظة أولي. فهي، تفصلنا عن العالم وتتسامى بعالم الحالم. للشعلة وحدها حضور كبير، لكن بالقرب منها سنحلم بعيدا وبعيدا جدا))(43). ثم، يضيف باشلار : ((خارج الزمان والمكان وأمام النار، لم تعد كينونتنا مقيدة بكينونة الهنا être-la. ولكي تقتنع ذاتنا بوجودها، وجود يستمر، فليست مضطرة لإعطاء تأكيدات قوية وقرارات تخول لنا مستقبل مشاريع فعالة. إن، حلم اليقظة الموحّد، يعيدنا إلى وجود موحد))(44).

 وحده الجلوس أمام النار، يمكننا من هذا الأفق الذي يضفي على العنصر قيمة ترتقي به من الاستعمال المألوف في محدداته الآلياتية إلى لحظة شعرية جميلة تصيغ من جديد علاقة الذات بنفسها وكذا بمحيطها الكوني : ((جل أحلام اليقظة أمام النار، تميزها السمة الكبرى للبساطة. وحتى نعيشها في بساطتها، يجب أن نحب السكينة. إن طمأنينة الروح، أهم ما نكتسبه من مثل ذلك))(45).
كان اكتشاف النار، حبا وعشقا، ثم رغبة في اكتشاف هذا السر الكبير الملغز والغامض، الذي عرض صاحبه بروميثوس لعقاب إلهي، لأن النار غنيمة إلهية. إن، القارئ للأساطير التي تتحدث عن الدواعي والخلفيات التي كانت وراء الشرارة الأولى لشيء اسمه النار، يمكنه تمثل مجموعة سمات هي بمثابة صفات ألصقت بالنار، يشتغل في إطارها المجال الخيالي للحالم الناري : القداسة والسرية، الاحتفاظ بالنار كسر، الاستيلاء على النار بقوة لأنها ظلت دائما شيئا مختفيا، الخطف والسرقة، امتلاك النار باعتبارها سرا، ربط اكتشاف النار بالطيور أو الحيوانات : ((وإذا ما بحثنا عن السبب الذي من أجله نسبت حيازة النار الأولى في هذه الأساطير إلى الحيوانات في غالب الأحيان أو إلى الطيور التي هي محرومة منها اليوم، فإن الجواب الأكثر احتمالا  في ذلك، هو أن هذه الأساطير إنما وضعت على ما يبدو لتفسير بعض الألوان أو بعد المميزات التي نسبها الإنسان في هذه الحيوانات إلى تأثير النار، وهو لم يلجأ إلا بعد ذلك إلى تفسير أصل النار تبعا لما وضعه من هذه الأساطير))(46).. ثم، ربط النار بالمرأة وإعطائها بعدا جنسيا : ((ذلك لأن النار التي تخرج من الخشية عن طريق الدوران إنما يعتبرها البدائيون بطبيعة الحال موجودة في الخشبة مند الأصل وقبل أن تشتعل النار التي خرجت منها أو أنها في لغة الأسطورة ملازمة للمرأة قبل أن يخرجها الرجل منها. فالبدائي، يتصور أن النار مكرسة في داخل الأشجار قبل أن تخرج منها عن طريق الحك كما بذرة الإنجاب موجودة في المرأة قبل أن يقترب الرجل منها. من هنا يبدو طبيعيا في ذهن البدائي، أن تمتلك النساء النار قبل الرجال))(47).
إعطاء الأولوية إذن في دراسة النار، إلى الجانب الحميمي والإشراقي، حتى نقف حقا عند هذا الاقتحام والغزو الجنسيين للنار، صورة عبرت عنها بشكل كبير تأويلات الخيمياء التي اشتغلت على نار محكومة بخلفية جنسية. لقد، تميز الوقود وكذا الأفران والمقطرات بأشكالها الجنسية.
لا تؤسس النار المجنسنة فقط تأملات الموقد، أو تعمل على زواج العناصر فيما بينها. بل، تشير بالأخص إلى أن العنصر المادي تجب مقاربته بمنطق يتجاوز معطيات الحياة المباشرة. مما يفترض، العمل على إشباع الممكنات الفيزيائية بهذا الحس الشاعري وكذا "الأنطولوجيا الناعمة"، التي شددت عليها الجمالية الباشلارية.

الهوامـــش :

1) François Pire: De l'imagination poétique dans l'œuvre de Gaston Bachelard. José corti, 1967, page 7.
2) Michel Mansuy : Gaston Bachelard et les éléments, Josi corti 1967, page 14.
3) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, Gallimard 1938, nouvelle édition, 1949, page 17.

5) Ibid, page 13.
6) Ibid,  page 15/16.
7) أسطورة بروميثوس Prométhée التي هي منبع إلهام لكثير من الرسامين والمؤلفين الفنانين، توضح إحدى أقدم الأساطير. إنه، خطف النار من طرف إله أو بطل مشترك عند كل الميثولوجيات، فبروميثوس اليوناني يسرق النار من زيوس Zeus لكي يحملها إلى الأفراد، فتمكنوا من التمدن وتطوير الفنون. إنه يظهر كبطل ممدن حقيقي. النار، هي أصل التطور التعديني، وبالتالي  الحياة المتحضرة.
(Voir, Nadia Julien, le dictionnaire des mythes marabaut, 1992,  Page 505.
8) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 30.
9) Ibid, page 28.
10) Ibid,  page 29.
11) Ibidem.
12) Ibid,  page 27.
13) Ibid,  page 29.
14) جيمس فريزر : أساطير في أصل النار، ترجمة يوسف سلب الشام، دار الكندي للترجمة والنشر والتوزيع، ط1، 1988، ص 58.
15) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 36.
16) Ibid,  page 39.
17) Ibidem.
18) Ibid,  page 47.
19) Ibid,  page 48.
20) Ibid,  page 53.
21) Ibid,  page 75.
22) Ibidem.
23) Ibid,  page 156.
24) Ibid,  page 92.
25) Ibid,  page 99.
26) Ibid,  page 100.
27) Michel Mansuy, (1967), op. cit,  page 34.
28) Ibidem.
29) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 185.
30) Michel Mansuy, (1967), op. cit,  page 37.
31) Ibid,  page 34.
32) François Pire: (1967) op. cit, page 23.
33) جيمس فريزر : أساطير في أصل النار. ترجمة يوسف شلب والشام. دار الكندي للترجمة والنشر والتوزيع، ط1، 1988، ص 247.
34) نفسه، 249.
35) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 54.
36) Ibid,  page 58.
37) Ibid, PP 74/75.
38) Gaston Bachelard : La poétique de la rêverie, PUF, quadrige, paris 1960, 4ème édition 1993, page 166.
39) Ibidem.
40) Ibid,  page 167.
41) Sigmund Freud : introduction à la  psychanalyse. petite bibliothèque Payot, 1978,  page 147.
42): Gaston Bachelard La psychanalyse du feu, op.cit, page 93.
43) Gaston Bachelard : la flamme d'une chandelle. PUF, Quadrige, paris, 1961, 8ème édition 1986, PP : 3/4.
44) Gaston Bachelard : La poétique de la rêverie, op.cit, Page 166.
45) Ibid, page 168.
46) جيمس فريزر، نفس المرجع السابق، ص 245.
47) نفسه، ص 250.