‏إظهار الرسائل ذات التسميات بول أوستر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بول أوستر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 فبراير 2020


الشعرية فـي روايـة "لـيلـة التـنبؤ" لبول أوستر
د. مازن الناصر
باحث في الأدب العالمي – سورية


يعرف الروائي التشيكي ميلان كونديرا الرواية بأنها "شعرٌ مضادٌ للغنائية" (فن الرواية: ميلان كونديرا، ترجمة: بدر الدين عرودكي، دار الأهالي، دمشق - سورية، ط١، 1999، ص 149).

يعرف الروائي التشيكي ميلان كونديرا الرواية بأنها "شعرٌ مضادٌ للغنائية" (فن الرواية: ميلان كونديرا، تر: بدر الدين عرودكي، دار الأهالي، دمشق- سورية، ط1، 1999، ص 149) ويقصد بذلك أن يبتعد الروائي عن الذاتية والأحكام المطلقة بغية تحقيق ما يسميه حكمة الرواية التي تتجسد في روح الفكاهة؛ فالرواية بوصفها فنًا أدبيًا لم تولد من روح النظرية وإنما من روح الفكاهة. والفكاهة حسب كونديرا ليست نوعًا من الضحك أو السخرية أو الهجاء وإنما هي نوعٌ من الهزل يكشف الروائي بوساطته عن "العالم في غموضه الأخلاقي، وعن الإنسان في قصوره العميق في الحكم على الآخرين. الفكاهة: النشوة التي تثيرها نسبية الأشياء الإنسانية، المتعة الغريبة المتحدرة من اليقين بأنه لا يوجد يقين" (الوصايا المغدورة: ميلان كونديرا، ترجمة: معن عاقل، دار الأوائل، دمشق-سورية، ص11)

وعلى هذا الأساس يمكن أن نبني قراءتنا رواية ليلة التنبؤ لبول أوستر (ترجمة محمد هاشم عبدالسلام وإصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت) محاولين أن نبين أبرز سمات شعريتها.

يبدأ الروائي بول أوستر الذي ولد سنة 1947 في نيوجيرسي في الولايات المتحدة الأمريكية روايته بمحاولة شخصية (سدني أور) أن يكتب رواية منطلقًا من فكرةٍ وردت في رواية (الصقر المالطي) للكاتب الأمريكي (داشيل هاميت) الذي يتحدث فيها عن رجلٍ كان ماشيًا "ذات يوم في طريقه لتناول وجبة الغداء، سقطت عارضة من ارتفاع عشرة طوابق على مسافة قريبة من رأسه كانت سوف تسحقه لكن هذه العارضة لم تصبه" ص28

أثرت هذه الحادثة في الرجل الذي أدرك عشوائية الحياة ومصادفاتها الغريبة؛ لذا يقرر أن ينهي حياته القديمة ويبدأ حياة جديدة، فيترك عائلته ومدينته ويسافر إلى مدينة أخرى تاركًا خلفه كل شيء.

وبناءً على هذه القصة يبدأ الكاتب (سدني أور) بكتابة روايته التي تتحدث عن رجل اسمه (بوين) يعمل محررًا في إحدى دور النشر، يتعرض لحدثٍ يشبه حدثَ رواية (الصقر المالطي) إذ يسقط (مزراب) إحدى البنايات عندما كان بوين ماشيًا، فتصاب يده، وبعد أن يعي ما حدث له يعتقد بأن حياة جديدةً كُتبت له؛ لذا يقرر أن ينسى حياته الماضية، فيذهب مباشرةً إلى المطار. ويختار مصادفةً مدينة (كانساس سيتي) ليبدأ بها حياته بعيدًا عن زوجته وعمله. يأخذ معه مخطوط رواية (ليلة التنبؤ) التي كتبتها روائيةٌ مشهورةٌ في عشرينيات القرن العشرين.

يواجه بوين في مدينة (كانساس سيتي) صعوباتٍ كثيرة لكنه يصرُّ على متابعة مغامرته إلى أن يقع في مأزقٍ كبيرٍ؛ إذ يجد نفسه محبوسًا في غرفةٍ محصّنةٍ ضد القنابل الذريّة. ولأن الكاتب لم يجد وسيلةً أو ذريعةً يستطيع من خلالها أن يخرج (بوين) من حبسه يقرر أن يتخلى عن مشروع روايته.

أما فيما يخص رواية (ليلة التنبؤ) التي أخذها (بوين) معه فتتحدث عن ملازم بريطاني اسمه (فلاج) أصيب بالعمى في الحرب العالمية الأولى بيد أن هذه الإصابة وهبته موهبة التنبؤ، وهي نعمةٌ ونقمةٌ في الوقت نفسه لأنه كان يعرف المأساة قبل وقوعها (مثل موت أمه).

يحب (فلاج) فتاةً تبادله الحب لمدة سنتين، وقبل عرسهما بليلةٍ يصاب بنوبةٍ من نوبات التنبؤ يعرف من خلالها أن حبيبته سوف تخونه بعد زواجهما. وهنا تكمن المأساة، فالحبيبة لم ترتكب الخيانة في الواقع لأنها لم تلتقِ بالرجل الذي سوف تخون زوجها معه. ومن ناحيةٍ أخرى يرى أن الزواج منها سيكون تصرفًا يفتقر إلى الحكمة، ولاسيما أن النبوءات كانت صادقة. يعيش عذابات صعبة إلى أن يجد نفسه غير قادرٍ على تحملها لتنتهي مأساته بالانتحار.

إن البنية السردية التي تحتضن كلَّ هذه المستويات من السرد تتجسد في أحداثٍ يوميةٍ يخبرنا بها الكاتب (سدني أور) نعرف من خلالها إشكالية علاقته بزوجته (جريسي) من جهة وعلاقته بصديقه الكاتب المشهور (جون تروس) من جهةٍ أخرى، فضلاً عن علاقة الأخير بزوجته.

تتبدى أول سمة من سمات شعرية رواية (ليلة التنبؤ) من خلال ظاهرة التناص التي أضفت على الرواية بعدًا جماليًا وأدت وظيفةً مهمةً تمثلت في تراص الأفكار وانسجامها. وهذا ما جعل الحبكة متينة ومحكمة. وعلى الرغم من اهتمام الروائي بعنصر التشويق اهتمامًا كبيرًا إلا أن ذلك لم يحل دون متانة الحبكة، لا بل استطاع من خلاله أن يجذب القارئ ويشد انتباهه بغية معرفة النهاية التي ستؤول إليها القصصُ المعلّبةُ داخل الرواية.

ومما زاد من شعرية (ليلة التنبؤ) وجماليتها حرصُ الروائي على إبراز عنصر المفاجأة في روايته، وقد تجلى ذلك في أكثر من موضع، من ذلك على سبيل المثال : مفاجأة القارئ بإنهاء قصة (بوين) بعد أن عجز الكاتب (سدني أور) عن إكمالها بسبب يأسه في إيجاد حلٍّ لمأزق بطلها. ولعل في ذلك رمزية تشير إلى عجز الإنسان في هذا العالم ومحدودية إمكاناته.

وكذلك تبدت الشعرية في تقنية الرواية داخل الرواية، كما تبدت في الإحالات الهامشية التي دعمت المتن الروائي، وأسهمت في تفسير بعض القضايا والمواقف.

بيد أن أهم ما يميز شعرية الرواية -حسب زعمنا- يتجسد في روح الفكاهة وفق مفهوم كونديرا للفكاهة؛ فالرواية أثارت أسئلة كثيرة، وطرحت إشكاليات عميقة من شأنها أن تنأى بالقارئ عن إصدار أحكام مطلقة، وهذا ما يؤكد حرص الروائي على جعل نصه مفتوحًا أمام احتمالات مختلفة، وتأويلات متباينة. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى إشكالية العلاقة بين (جريسي) زوجة الكاتب ( سدني أور) والروائي المشهور(جون هوس) فالقارئ لا يستطيع أن يكون موقنًا فيما يخص هذه العلاقة، إذ يجد نفسه أمام احتمالات مختلفة: هل كانت بينهما علاقة غرامية وهذا يعني خيانتهما للزوج والصديق أم أن هذه العلاقة بريئة كعلاقة الأب بابنته. وعلى الرغم من أن الروائي قد أوحى للقارئ من خلال بعض المواقف بوجود علاقة حبٍّ بينهما إلا أن ذلك يبقى ضمن دائرة الشك.

وكذلك يمكن أن نشير إلى مأزق (بوين) الذي حال دون إكمال رواية الكاتب (سدني أور).

ختامًا، تجلت الشعرية في مختلف عناصر البنية السردية لرواية (ليلة التنبؤ) وهذا ما جعلها نصًا حداثيًا مفتوحًا برزت فيه حكمة الرواية من خلال حرص الروائي على النأي بروايته عن الذاتية والأحكام المطلقة.


الدكتور مازن الناصر 
الصفحة علي الفيس: https://www.facebook.com/mazen.alnasser.5

الأربعاء، 18 ديسمبر 2019


سبع قصائد
للشاعر الأمريكي: بول أوستر
ترجمة: محمد عيد إبراهيم

بعدما كتب بول أوستر، الروائيّ الأمريكيّ، أربعة دواوين شعرية لافتة، وجد نفسه في الرواية، وما هي إلا سنوات حتى صار ممن يُعدّ على الأصابع ضمن الروائيين الأمريكيين. اشتُهر بعد نشر روايته: ثلاثية نيويورك (مدينة من زجاج، أشباح، غرفة محكمة). يكتب أوستر بنمط من الواقعية الوحشية: وضوح في التفاصيل، أناقة أسلوبية، عناصر رمزية أسلوبية مع سوريالية ذات اهتمامات معرفية وميتافيزيقية، حساسية ما بعد حداثية، مصادفات سينمائية واختراعات روائية. 
ويعمل أوستر في قصائده تحت هيمنة عناصر واعية، حيث يدفع اللغة إلى حافة الانهيار مما يجعله يضع المنطوق بثوب الحقيقيّ المتغير، كاشفاً عن صوتٍ شعريّ يُخلص دائماً لنبضات رؤاه وأماني أحلامه الواعدة. لكن عالم بول أوستر الشعريّ، والروائيّ من بعده، يتميّز بالبحث في تفاصيل: المصادفة، الوصف المتكرّر لحياة متقشّفة، الإحساس بكارثة وشيكة، السارد المحوريّ لشخوصه، فقدان قدرة الفهم، فقدان قدرة اللغة، وصف الحياة اليومية، الفشل، غياب الأب، التناصّ، التاريخ الأمريكيّ.

سِريّ
تذكّرْ معي اليومَ ـ الكلمةَ
ونقيضَ كلمةِ 
الشهادةِ: الفَجرُ ملموسٌ، ينبعثُ 
من يدي المضمومةِ: قبضةُ 
شمسٍ مخرّمةٍ: في مدى الظلامِ
كتبتُ
على طاولةِ النومِ. 

حانَ وقتُ الرحيلِ  
الآنَ. كلّكم أتيتم
لتأخذوا مني، تأخذوا
مني الآنَ. لا
تنسَوا
لتنسَوا. احشُوا
جيوبكم بالترابِ،
واختموا بابَ كهفي.           

كانَ هناكَ 
حلُمتُ بحياتي
في حلمٍ
كلّهُ نيرانٌ.

مَحجَر
لم يعد غيرُ أن نغنّيها. كأن
الغناءَ وحدكَ
سيقودُنا للعودةِ إلى هذا المكانِ.

كنا هنا، ولم نكن هنا قَطّ.
كنا على الطريقِ حيثُ بدأنا،
ثم ضِعنا.

ليسَ ثمةَ حدودٌ
في النورِ. والأرضُ
لا تترك لنا كلمةً
لنغنّي. لأن الأرضَ تتفتّتُ
تحتَ أقدامنا.

هي موسيقى بحدّ ذاتها، وأن نسيرَ بينَ الصخورِ
معناهُ أن لا نسمعُ
غيرَ أنفسنا.

وإني أغنّي، هكذا، عن لا شيءَ،

كأني وصلتُ المكانَ
الذي لا أعودُ إليهِ ـــــــ

وإن عدتُ، سأحسبُ حياتي
بهذهِ الصخورِ: انسَ
أني كنتُ هنا. فالعالمُ
السائرُ داخلي

هو عالمٌ يصعُب بلوغهُ.

طويّة
لَحمٌ مشتبكٌ
بينَ الواحدِ والآخرِ المتكاملِ.  
وكلّ شيءٍ هنا، كأنهُ آخرُ شيءٍ 
يقالُ: صوتُ كِلمةٍ 
زُوِّجَت للموتِ، والحياةُ 
تلكَ ما بي من قوةٍ
تختفي.

الشُبّاكُ مغلَقٌ. والترابُ 
لذاتٍ سابقةٍ، يفرّغُ الحيّزَ  
ما لَم أشغَلهُ. هذا النورُ  
يتنامَى بركنِ الغرفةِ، 
حيثُ انتقلَت
بأجمعِها. 

الليلُ يتكرّرُ. صوتٌ يُكلّمني
عن صغائرِ الأشياءِ. 
وليسَ حتى الأشياءَ ـ بل أسماءَها. 
وعما لا اسمَ لهُ ـــــــ 
الصخورُ. ثُغاءُ الماعزِ 
وهو يصعَدُ القُرى 
عندَ الظهيرةِ. جُعرانٌ  
هالكٌ في فُلكِ
رَوَثهِ. وسِربٌ بنفسجيٌّ 
خلفَه من فراشاتٍ. 

بمستحيلِ الكلماتِ،
بالكلمةِ الصامتةِ
التي تختنقُ،
ألقَى نفسي. 


خفقة
الذي يتسحّبُ
سيدنو منا
عند الجانبِ الآخرِ من النهارِ.
خريفٌ: ورقةُ شجرٍ واحدةٌ،   
يأكلُها النورُ: والنظرةُ  
الخضراءُ، خضراءُ من فوقِنا. 
حينَ لا تتوقّفُ الأرضُ، 
سنصبحُ أيضاً النورَ، 
حتى لو انطفأَ
النورُ 
بهيئةِ ورقةِ شجرٍ. 
عينٌ تُحدّقُ   
في جوعِ النهارِ. 
حيثُ لم نكن
سنكونُ. شجرةٌ،   
تُنبتُ جِذرَها فينا 
ثم تشرقُ نحو النورِ 
من أفواهِنا.  
يقفُ النهارُ أمامنا.
ويتبعُنا النهارُ
إلى النهارِ. 

الرعويّ
في المناطقِ النائيةِ من الطحالبِ ننتظرُ،
قليلاً كالكلمةِ
التي أيضاً تنتظرُ،
كلّ ما كانَ غير ما هو
كائنٌ، الطحالبُ
لا تزالُ تنتظركَ، والكلمةُ
مِصباحٌ
تحملهُ إلى أعماقِ
الأخضرِ، حتى الجذورُ
قد تحملُ النورَ، وهو الآنَ
صوتكَ
راحلٌ عبرَ الجذورِ، حيثُ
تقعُ الفأسُ
أنتَ، أيضاً، ستعرفُ أنكَ تعيشُ.


الهيراقليطيّ[1]
الأرضُ كلها، مسؤولةٌ
عن الخُضرةِ، الهواءُ
بثقلِ الفحمِ، والشتاءُ
يُشعلُ نارَ الأرضِ، والهواءُ كلهُ يسعى
متّصلاً إلى لحظتنا الخضراء.
نعرفُ أننا نتحدّث عنها. ونعرفُ أن الأرضَ
لن تتنازلَ إلينا
عن كلمةٍ
صغيرةٍ حدّ أن تحضننا. لأن الكلمةَ
هي الهواءُ فحسبُ، وفي الخضرةِ جمرةٌ
لتماثلنا السفليّ، فلا يستجلبُ خوفاً
بل حياةً. هكذا
يمنحنا اسماً
كلّ من ليسَ له اسمٌ. ومَن يرَ نفسَه
في ما لم يُنطق بعد،
سيعرف ما يجب
أن يُخيفَ الأرضَ
بمقياسِ نفسِه.

سيرة العين
أشياءٌ خَفِيةٌ، مَحفورةٌ في البردِ،
وتنمو نحو هذا النورِ 
الذي يتلاشَى
في كلّ شيءٍ 
ينيرهُ. لا شيءَ ينقَضي. الساعةُ
ترجعُ لبدايةِ 
الساعةِ حيثُ نتنفّسُ: كأنهُ
لم يكُن شيءٌ هناكَ. كأني لا أرى
شيئاً
على ما كانَ.

في تُخومِ الصيفِ 
ودفئهِ: سماءٌ زرقاءُ، رابيةٌ أرجوانيةٌ. 
والمسافةُ تبقَى. 
ساعةٌ، بُنيَت من هواءٍ، وفيضُ  
هواءٍ في الهواءِ. 

كهذهِ الصخورِ
التي تتفتّتُ عائدةً إلى الأرضِ. 
كأنهُ وَقْعُ صوتي
في فمك. 
.........................................
ترجمة: محمد عيد إبراهيم




[1]ينتسب إلى فلسفة هيراقليطس، قال إن النار هي منشأ الكون، والكون في صيرورة دائماً "أنت لا تنزل النهر نفسه مرتين. (م)

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
للشاعر  الأمريكيّ: بول أوستر 
ترجمة: محمد عيد إبراهيم



خفقة
الذي يتسحّبُ
سيدنو منا
عند الجانبِ الآخرِ من النهارِ.
خريفٌ: ورقةُ شجرٍ واحدةٌ،   
يأكلُها النورُ: والنظرةُ  
الخضراءُ، خضراءُ من فوقِنا. 
حينَ لا تتوقّفُ الأرضُ، 
سنصبحُ أيضاً النورَ، 
حتى لو انطفأَ
النورُ 
بهيئةِ ورقةِ شجرٍ. 
عينٌ تُحدّقُ   
في جوعِ النهارِ. 
حيثُ لم نكن
سنكونُ. شجرةٌ،   
تُنبتُ جِذرَها فينا 
ثم تشرقُ نحو النورِ 
من أفواهِنا.  
يقفُ النهارُ أمامنا.
ويتبعُنا النهارُ
إلى النهارِ. 

الناسخ
الاسمُ  
لم يغادر شفتَيه: كانَ يكلّمُ نفسَه 
في جسدٍ آخرَ: لقِيَ ثانيةً غرفَته 
في بابلَ. 
كانَ مُسطّراً. 
زهرةٌ
تسقطُ من عينهِ 
ثم تُزهرُ في فمٍ آخرَ غريبٍ. 
سنونو
يُرنّمُ من الجوعِ  
وليسَ بمُستطيعٍ تركَ بَيضتهِ. 
يخترعُ 
اليتيمَ في مِزَقٍ، 
سيحضنُ
رايةً صغيرةً سوداءَ
غربلَها الشتاءُ. 
هو الربيعُ،
وتحتَ شبّاكهِ  
يسمعُ 
مئةَ صخرةٍ بيضاءَ 
تستحيلُ نباتاتٍ هائجةً.  

لذكرى نفسي
فلتكُفّ ببساطةٍ. 
كأني سأبدأُ 
حيثُ صوتي توقّفَ، نفسي
صوتُ كلمةٍ
لا أستطيعُ الكلامَ. 
بكثيرٍ من الصمتِ 
سأعودُ إلى الحياةِ
بهذهِ الومضةِ المستغرقةِ، طبلةُ
الكلماتِ القارعةُ  
بداخلي، كلماتٌ وفيرةٌ   
ضاعَت في العالمِ الرَحْبِ  
داخلي، وعليّ أن أعرفَ 
على الرغمِ من نفسي
أنني هنا.
كأنه هاهنا العالمُ. 
..........................................

(*) Paul Auster: شاعر  وروائيّ أمريكيّ، ولد عام 1947، يمزج بين العبث والوجودية والجريمة والواقعية الفجّة، ويولي المصادفة دوراً في حياته وأعماله. من دواوينه: كشف، كتابة حائط، شذور من البرد، إزاء الموسيقى، اختفاءات. من رواياته: ثلاثية نيويورك، قصر  القمر، موسيقى المصادفة، تمبكتو، كتاب التوهّمات، حماقات بروكلين، 4321.