‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرحمن تمام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرحمن تمام. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 أغسطس 2017

قصيدة: أُصدِّق "ݒارَّا"
للشاعر المصريّ
عبد الرحمن تمام
إلى/ محمود حربي


أُصدِّق "ݒارَّا" حين قال:
"أنا أيضاً إله على طريقتي/ خالقٌ لا ينتج شيئاً... "(1)
فَلِست ليالٍ،
وأنا أجلسُ هكذا ــــــ سانداً ذقني على باطن كفي اليسرى ـــــ
قُدَّام عتمةٍ رحيمةٍ (أو صفحةٍ بيضاءَ كما يقول الناس)
ما عَدَتْ شجرةٌ فيها،
ولا سقط حرفٌ ليجسَّ ضَرْعها، فـتبوح.
قلتُ وعلى باب القلب خليلان: الذي رفع القواعد من البيت و"البجلاتي"(2)
"ها هي ذي اللحظة التي أُهدِّم فيها الصنم الأكبر
وأرفع فأسي بعدها عالية..
فالبداية تتطلب حركةً والحركةُ تفترض وجوداً
فلِمَ لا أُنصِت للأشياء حولي، دافعاً ظلالها للرقص
كي تصحو ملائك الغرفة
وأوشوش هوائي الثقيل (كأنما لا شيء يحدث)(3) هنا؟!"
***
فوق طاولتي القديمة
عُبَّادٌ(4)
ومغدورون(5)
وثوَّار(6)
ومُرضِعات(7)
وإخوةٌ في المرض(8)
وعُميان(9)
ورفاق لعبة(10)
ونظَّارة للقراءة
وشريط "ليرولين 150 مجم"
ومنفضة سجائر مليئة بالأعقاب
وأقلام HB
ودفاتر لم تحبل بعد بحقلٍ أو مشنقة
وموبايل "Samsung Galaxy J1_6" مُغلَّق طوال الوقت
وقماشة مُطرَزّة 25 X 50 سم
أهدتها لي امرأة ــــــ ذات خريفٍ ــــــ وسط الزحام
وكانت قد كتبتْ بالإبرة على خيوطها قبل عشرين برِّيَّةٍ:
 [... تحت ظِلّه اشتهيتُ أن أجلس، وثمرتُه حلوةٌ لحلقي.
 أَدْخَلَنِي إلى بيت الخمر، وعَلَمُه فوقي مَحَبَّةٌ. أَسْنِدُونِي بأقراص
الزبيب. أَنْعِشُونِي بالتُّفَّاح، فإني مريضةٌ حُبًّا...] (11)
تخيَّل أنني أشمُّ الليلك الحَيّ فيها بأناملي
كلما رمى الضَّجر شِباكه ــــــ واثقاً ــــــ في مياه القلب
وأرى أحرفَها المُلَوَّنة تصير _لوهلةٍ_ أيائلَ،
إن تطفر، تندهني الينابيع.
أتمددُ على سريري،
نافخاً دُخاني المغشوش
وأفكّر باسم صاحبتي وهو ينكسر بين شفتيَّ كجرّة عسلٍ، جَبَليّ
غير عَابِئٍ بأولئك الذين يقدّون قميص روحي من دُبُرٍ
وبأيديهم معاول صَدِئةٌ ونُوتات
غير عَابِئٍ بالغضب الآتي واليقين والملكوت
غير عَابِئٍ بالخيبة وشرخ الحائط ولقمة العيش وطلّة الچنرال ومحفظة
جيبي الفارغة والميتافيزيقا ومرارة الحَلْق وتاريخنا الأعرج وصِبْيان العهر المُموَّل والجمهورية التي تعبث ـــــ جَهرةً ــــــ بدمامل مؤخرتها السمينة والصائدين بماءٍ عكر والسائرين مثلي ــــ حفاةً ـــــ إلى النسيان و... و...
و...
آخر الأمر
وحده "آندي ويليامز" يمنح هذي الغرفة ضِمادةً لجُرْحِها المُمَدَّد:
I Know I'll need her"
Till the stars all burn away
And she'll be there"

فأتذكَّر آنذاك صاحبتي،
أتذكّرها وهي تُدخّن معي في مقهىً بوسط البلد
وتُرسل ضحكاتها شلالاً من حمائم خُضرٍ
لتقول: "عليك أن تدحرج قمراً كل ليلةٍ
وتزرعه تحت شُبّاكي العالي
فليس جديداً على الشعراء
أن يمتهنوا البستنة لأجل حبيباتهم"
أظنني أنفقتُ سنتين كاملتين والله ، أحاول فيهما زرع قمرٍ واحدٍ
ولكن دون جدوى
وبينما أغذُّ الخطى في الطرقات يائساً، قلتُ بغتةً:
"ليكن...
مَنْ لم يُجِد حِرفةَ (البستنة)، فلا بد أن يُتقن ــــــ ولو لمرةٍ  ــــــ فن (العُواء)"!
فَــــرُحْتُ أجهّز العُدَّة،
وناديتُ صاحبتي بصوتٍ مبحوحٍ، أجشٍّ
ولمّا تَبدَّتْ كــأنها (الواحدة، الكُلّ)(12)،
قتلتُها غِيلةً تحت قمرٍ أحمرَ
ومزّقتُ أطرافها، ناثراً إياها في جميع الجهات
ومذ ذاك فار التَّنُّور ورأيتُ كيف يدبُّ على الأرض النشيد!

***


أربعة جدران تحيط بي
ما من صورٍ فوتوغرافية مُعلَّقة عليها غير واحدةٍ فقط
كنتُ فيها رضيعاً على فخذ أمي
وخلفنا سنابل قمحٍ وخلاءٌ واسعٌ
أمي تلبس بلوزة يميل لونها للحُمْرَة و(جونلة) بيضاء، مُقلَّمة بالأسود والأحمر
وعلى رأسها منديل حريريّ يُبدي خُصْلات شَعرها الفاحم
وبـسَبَّابَة يدها اليمنى تشير إلى عدسة الكاميرا
حتى أنظر مثلها للمُصَوِّر!
وأنا... سانداً دماغي على صدرها
أحدِّق مشدوهاً في الأعالي
إبهام يُسْرَاي في فمي
واليمنى مرفوعة سَبَّابَتها باتجاه السماء(13)

***

هنا شرائط "كاسيت" تملأ الأدراج
لأم كلثوم وسعدون جابر والكحلاوي ونجاة ويوسف شتا وحليم
وناظم الغزالي وجمال الإسناوي والتوني وغيرهم
آآآهٍ، لماذا يُطِلُّ الماضي الآن عارياً تماماً كالنهايات وفائراً كالدم المسفوح؟!
...
اعتدتُ في ليالي الصيف الجلوس مع أبي بعد صلاة العشاء
وريثما أُعِدُّ له قهوته يكون قد انتخب حادياً لسَهْرتِنا
ذات مرّة
كنا نُرتِّبُ فيها مكتبة البيت العامرة بالكتب
وجدتُ صليباً فِضّيّاً يسقط من عبرات "المنفلوطي"
وبينما يدهن "التهامي" حينذاك هواءنا بـــــ "لا خير في الحب
إن أبقَى على المهج"
سألتُ أبي: لِمَنْ هذا؟!
فأجاب: "لامرأة عرفتها قبل أُمّك بسنواتٍ عديدة
عيناها كانتا فراديسَ وأفراحاً وعِطْرُها ـــــ يا بُنَيّ ــــــ لم يزل خلخالاً رنّاناً"!
وحكى عن صاحبته... كيف اجتمعا؟ ولِمَ افترقا؟
ثم قال والأسى بادٍ على وجهه: "ربضنا على عتبات الرب طويلاً ودعوناه أن نكون معاً وما استجاب ثم رحلتْ هِيَ وتركتْ فوق طاولتي القديمة:
خُصلة من شَعرها
وكتاب (أجبية)(14)
وصليب رَقَبتها
وآية من العهد القديم مُظلَّلة بأحمر شفتيها:[ ها أنت جميل يا حبيبي وحلو، وسريرنا أخضر]
و...
***

أُصدِّق "ݒارَّا" يا صديقي
فكل ما حولي يتحرك؛ كل ما حولي شعر(15)
وهأنذا "قد فتحت الطريق،
دحرتُ الأرواح الشريرة،
وتحننتُ على أولئك الذين أخفوا وجوههم وغرقوا في أعماق التعاسة.
جئتُ لأَسِرَ الظلام وأُوقِد العتمة وها هي تضيء، ها هي تضيء"(16)
......................................
(*) اللوحات، للفنان الإنجليزيّ: لوسيان فرويد
(*) هوامش القصيدة
(1) عن المختارات الشعرية (كأنما لا شيء يحدث في تشيلي/ أبيات ݒارَّا لتضليل الشعر  ــــــ قصائد مضادة) للشاعر/ نيكانور ݒارَّا بترجمة أحمد حسَّان.
(2) إبراهيم البجلاتي .. صديقٌ وشاعرٌ مصريّ.
(3) نفسه.
(4) العُبَّاد: هرمان هيسه_ رابندرانات طاغور_ اخناتون _ نيكوس كزانتزاكيس _فرناندو بيسوا _محمد عفيفي مطر_ النور أحمد علي (النور اللحمر).
(5) المغدورون: إدموند جابيس _ عبدالحكيم قاسم_ أمية بن أبي الصلت_ غيوم أبولينير _ رياض الصالح حسين.
(6) الثوَّار: ماياكوفسكي _ أنتونان آرتو _ الحسين بن منصور "الحلاج"_ يحي الطاهر عبد الله _ سحيم "عبد بني الحسحاس"_ ڤيكتور خارا_ عبدالهادي الجزار.
(7) المُرضِعات: حنة آرندت _ ميرا لوخفيتسكايا _ عائشة بنت طلحة_ نهى طوبيا _آن ساكستون _ فروغ فرخزاد.
(8) الإخوة في المرض: ستيفان مالارميه_ألبير قصيري _ الشيخ محمد رفعت.
(9) العُميان: بورخيس_ المعري_ هوميروس_ بشار بن برد.
(10) رفاق اللعبة: أولهم "وديع آزمانو" وآخرهم "محمد علاء الدين" وبينهم: سجاد ابن فاطمة ومفيدة صالحي وشهدان الغرباوي وأسامة بدر  وعبدالغفار العوضي وسامية ساسي وديمة محمود وآلاء فودة ومحمد القليني ومؤمن سمير وميسون الإرياني وعبد الرحمن مقلد وديمة حسون ومنال محمد علي وعنفوان فؤاد ورضا أحمد وحامد صبري ويونان سعد ومصطفى أبو مسلم وعربي كمال وعُلية الإدريسي ومحمد سالم وسيد العديسي وسونيا بو قديدة وهالة عثمان وخالد حسان وهبة مصطفى أحمد وعائشة المغربي وسميرة البوزيدي ومصطفى الحفناوي وأحمد عبدالله ومحمود سليمان و....
(11) من نشيد الأنشاد (2_3/5).
(12) من ألقاب الربّة (إيزيس) في النصوص المصرية القديمة.
(13) حَكَتْ لي أمي أكثر من مرّة عن صوري التي التُقِطَت لي صغيراً  فقالت ذات يوم قائظ : " كان التصوير هواية أبيك الوحيدة _كما تعلم_ ورغم براعته في التقاط اللحظة المناسبة إلا أنه لم يستطع أخذ صورة واحدة، مميزة لك فكنتَ كلما حاولنا أن نجعلك تنظر إلى العدسة، تشيح بوجهك وتحدّق في السماء أو السقف ثم تشير بسبابتك الصغيرة إلى أعلى كأن شيئاً ما كان يتبدى لعينيك دوننا نحن، ولكم طرقتَ باب غرفتنا وجلاً، مرتاعاً، قائلاً بصوتٍ مرتعشٍ: (أسماكٌ ذات رائحة نتنة تسبح في الحجرة وتريد أن تعضَّ قضيبي!)".
لما ألجمتْ أمي جواد حديثها تذكَّرتُ حُلْماً رأيته في التاسعة عشر من عمري (كنتُ أقطع فيه طريقاً طويلةً فإذ بامرأة عند النهر، تفكُّ جدائل شَعرها وتغني. وحولها أربعة كباش ذات قرون مُقَوَّسة فطلبتُ منها خبزاً وماءً فأطعمتني السيدة وسقتني ودعتني إلى المبيت فوافقتُ. وما إن حلَّ الظلام حتى رأيتها تتعرى ثم اقتربتْ من فراشي راغبةً
وناغَشـتْ،
تنسَّمـتْ،
داعبـــتْ،
تلمَّظــتْ،
كاشفـتْ،
تحنَّنـــتْ،
تهدَّلـــتْ،
وزمَّلـــتْ،
فوَلِجتُ بهوها، جاعلاً من أصابعي محراثاً ومن ريقي سُقْيا
أسكرتني أنفاسُها،
هالني غُنجها ونخيرُها تحتي،
فقذفتُ متأوهاً فوق سُرَّتها.. وفيما أتأمّلُ يمامتيْ صدرها الهادلتين،
وجدتُها تلحس بطَّرف لسانها مائي من أعلى سبّابتها
وأسرَّتْ: "في ليلةٍ ساطع قمرُها سينطق لسانك بالحَقِّ وستحمل بيديك هاتين مَذَبّةً وصولجاناً وسوف ترى الأبدية وهي تموء تحت قدميك"
فجأةً.. امتلأ كوخ السيدة بأسماك غريبة، تقفز من كل جانب فصرختُ فزعاً وأيقنتُ بالهلاك للحظةٍ ثم رأيتُ جناحين عظيمين ينبتان خلف ظهري ساعتها فـَـطِرّتُ)......
(14) ويسمى كتاب الساعات أيضاً لأنه يحتوي على الصلوات السبع الأساسية التي تقال على مدار اليوم وكلمة الأجبية كلمة قبطية بمعنى السَواعي أو الساعات.
(15) بتصرف عن مقولة " ݒارَّا": (كل ما يتحرك شعر).

(16) بتصرف عن ترجمة السير "والس بيدج" وترجمة "بول بارجيه" للفصل الـ (80) من كتاب الموتى الفرعوني/(برت إم هرو).

الاثنين، 1 مايو 2017

قصيدة: (صَبا... زَمزَمة)
للشاعر المصريّ: عبد الرحمن تمام

إلى النسّاج الأبهى محمد عيد إبراهيم 
(كنتُ أومِن أن الحب آخر بلاد الله حتى حللتُ بك)


{1}

الكلمة حجرٌ

ألقيتُ به في الماء الراكد

لمّا غافلتني الموسيقا ونطَّت من قفص التكوين

فكان كل شيء

وحدي أدركتُ آنذاك فداحة اللعبة

وقلتُ: الاستعارة مبيد ناجع

للتخلص مما يلهج باسمي حول العرش

فلمَ لا أضرب الأمثال؟!

...

(بلغني أيها الطريد أن مملكةً قديمةً تربَّع على كُرْسيها ملكٌ أبتر وكان جباراً، ذا بطش لم ينج من شره مُتهتِّكٌ أو قانِت. عُرِف بسوء الطبع وفساد السريرة وحدة المزاج لدرجة أنهم قالوا:

ـــــــ في مازورة واحدة دفن أربعين مهرّجاً وحكيماً ما فلح أحدٌ منهم في التسرية عنه ـــــ
اعتاد الخروج إلى برّيّة موحشة كلما فحَّ السأمُ و ماد تحت عريش روحه، تاركاً خلفه حليلةً  حسناء وقصراً عامراً بالعبيد والقينات وندماء ثلاثة اصطفاهم من بين رعيته

أولهم: عرَّاف     وثانيهم: درويش    وثالثهم: شاعر

وكان قد رتّب لهم الجوامك وأعطاهم الأمان وأسكنهم تحت سقفه...

حتى إذا بلغت قدماه موطئاً معهوداً وضع قيثارةً ذهبيةً لا يفارقها في حِلٍّ أو ترحال أمامه ثم حرّك أصابعه الغليظة عليها صارخاً بمعانٍ وحشيةٍ، متأوهاً إلى أن تتقصَّل الأوتار.

ذات مرة خرج الملك في إحدى سَورات هياجه تلك ونسي قيثارته الأثيرة ولما انتصفت به الطريق عاد ليحضرها وبينما يفتش عن مطلبه في ردهات قصره تنصَّت على باب  زوجه فإذ بها تطارح ندماءه الخُلَّص الحديث بشأن المملكة وأحوال الرعية التي ساءت وغرابة أطوار الملك وجنون فِعاله فعقد العزم على مداهمتهم والدخول من فوره مَحلّ نجواهم وحين علَت الصُفرة وجوههم وسَرت الرعدةُ في أجسادهم مرتبكين لمرآه

قال الملك بعدما أحكم إغلاق الرِتاج:

ستنصاعون جميعاً لما آمركم به وإلا نحرتكم كخراف الحظائر

فأجابوا بصوت متهدج واحد:

سمعاً وطاعة

أومأ الملك لامرأته أن تتعرى ثم قال للعرَّاف:

قم إلى سرير مليكتي وارقد معها!

فغر العرَّاف فاهاً وتجمّدت أوصاله وارتعش لسانه ناطقاً:

ولكن... أي ذنب جنيته يا سيد الأرضين لتختبرني هكذا؟!

دمدم الملك: افعل وإلا قتلتك شَرّ قتلة

فلما قضى وطره منها تبسّم الملك وقال:

يا نديمي صِفها لنا ولك تَقْدِمة أجَلّ من الأمان

ــــــ كل فتح يعقبه انشراح ونصر

ماؤها أقوى من هوائها وترابها ونارها

ــــــ هل ترغب فيها ثانية؟!

قال العرَّاف:

سأتوضأ من بئرها ثم أصلي ستّ ركعات كل ركعتين بتسليمة وأكتب على كفي اليمنى "برهيولا "(1) "برهيولا" "برهيولا" "برهيولا " "برهيولا " "برهيولا " "برهيولا "

فبحق هذا الاسم اجعلني أراها مرةً أخرى ولو في منامي.

قام الدرويش من مجلسه ووطئها أمام أعينهم ثم مسح عرقه بطرف ردائه وصاح:ضربتُ بعصاي فرأيتُ أصحاب "ليس كمثله شيء" وأصحاب "يد الله فوق أيديهم" على طودين عظيمين فمررتُ بينهما متلفتاً يمنة ويسرة فسمعتُ ماءها كصلصلة الجرَس وكنتُ من المغرقين

_ هل ترغب فيها ثانية؟!

سُرَّتها ـ يا مولاي ـ نقطةُ الباء


تفرّس الشاعر في المشهد وزفر زفرةً عميقة هامساً بصوتٍ يشوبه الأسى:

ما أردتها عارية!

قال الملك: إن لم تفعلها كصاحبيك نزعتُ عن جسدك هاته الرقبة

فلما قضى الشاعر أربه من المرأة الممدّدة تمتم:

كدتُ أجعل من نهديها قنديلين وألقي فوق حشيشة الملكوت ناراً وتراءى لي

الجائعون وأبناء السبيل وحاملو الفؤوس وأهل الخطوة وضاربو رمل الكلام

وهم يخمشون الريح في بِطاحها هاتفين: حُرِّيَّة... حُرِّيَّة... حُرِّيَّة

 _ هل ترغب فيها ثانية؟!

قال الشاعر: النبع بَلام(2)!

ظل الملك في ركن القاعة بعدما حدث يُجيل النظر في مَن حوله ثم قال:

أليس أمراً مغرياً أن جعلتُ مملكتي على صورتها:

فالجبل دييز(3) والبحر بيمول(4) والأرض كل الأرض بيكار(5)

أسند صاحبنا ذقنه إلى كفه واضعاً كوعَه على فخذه وأردف ممتعضاً:

لماذا لا يسحق الفخاريُّ عمل يديه طالما أنه يرى موته ألف مرة في طينه؟!

فجأة... دنا الملك من العرّاف فأزهق روحه جاعلاً منه ليلاً ثم جعل من روح الدرويش نهاراً وأبقى على الشاعر والمرأة في محبسٍ ضيقٍ حتى أنجبت طفلاً جميلاً ضمّه ساعتها إلى صدره ودثّره بيديه، وفيما كان يذرع المكان جيئةً وذهاباً ويحدج الحبيسَين تارة والوليد تارة أخرى، وجفَ قلبه واجتاحه إحساس غامض فقبض روح الشاعر إليه على حين غرة وجعل منه قمراً  وقبض روح امرأته وجعل منها شمساً.


يقال إن الملك صنع من عظام ندمائه الثلاثة قيثارةً وشدّ لها من ضفيرة امرأته أوتاراًثم حمل الطفل الصغير في قِماط وغادر مملكته خلسةً نازحاً من الأعالي إلى قرىً بعيدة فلم يتعرف عليه أحد هناك وكان يجوب الأسواق والأندية والأراضي المأهولة  لاعباً بأنامله على أوتار قيثارته الآبِدة تلك التي أدهشتْ الناس رِدحاً من الزمان.

وما إن شبّ الطفل في ظل الملك حتى أضحى هو الآخر عارفاً بجميع فنون الكَلِم وما فتئ ينشئ الشعر ويتغنى به في الطرقات بصحبة رَبّه الآبق إلى أن سكتا عن الكلام المباح)

·       يقول "الذي نجا منهما وادَّكر بعد أُمَّةٍ":

سهلٌ أن تصير شاعراً 

    لكن... لن تفارق!
           

{2}


ما الذي يفعله شاعرٌ مثلي

خلف شاشته الزجاجية

سوى أن يحلج قطن حنجرته للكائنات

وشُّرَّاعةُ القلبِ يفتحها إذ ربما جوَّق المحزونون

...

لمن النشيدُ اليوم؟!

...

لمساكين على باب الله

يقضون سحابة النهار فوق الأرصفة الضارية

بجوار المقاطف والمعاول والقدائم

كي يعودوا إلى بيوتهم بغموسٍ وأرغفةٍ تنزَّتْ بين جنبيها المسامير


لأرامل طيّرن صلواتهن حمائم بيضاً

ورفعن أكفّهن باكيات:

"ربنا... متى تَكُفّ الحربُ عن رقصتها الموتورة

 وإلامَ تنحرُ بغيم(6) الفجر الطالع من الوريد؟"

لأطفالٍ كلما انفتحت أعينهم صباحاً

داعبوا بظرَ الشمس تحت الكباري بقرون مطاويهم

ثم ركضوا في الشوارع الغبراء حفاةً، عارضين بضاعتهم من الزهور والمناديل

لئلا يموتوا جوعاً و تهرسهم الحياة بقدميها الثقيلتين

لميادين باتساع: "يا عزيز عيني..."

يملؤها ثوَّارٌ  آمنوا أن اليوتوبيا ليست الساق التي ضربتها الغرغرينا

فإذا ما اسّاقط الرصاصُ الحي والمطاطيّ والمسيّلُ للدموع

سوف يلكزون عسسَ الأبجدية معاً

ليمسي الحرفُ جنزيراً ووردةً من أجل اكتمال العُرْس


يكفي أن أنهض من مكاني هذا

وأسيل بينكم طوفاناً

عظمة قَصِّه سفينة للفقراء

ولسانه مقصلة تعرف كيف تحزُّ رؤوس الأفاعي


تعالوا أيها المُعْدَمون

يا مَن بقروا بطون أحلامكم وأرضَعوكم حليب المجاعة

سنمزقُ أعلام الجمهورية ونصنع منها أقمصةً لليتامى

ونعالج زجاجات الخمر  في مخازن الساسة

فتصبح قنابل مولوتوف نُهدِّم بها جدرانهم الباذخة

اجعلوا من ربطات أعناقهم حبالاً ومشانق،

دعوا الدم يتخوَّص ها هنا قبل المسير

و من تلك اليابسة حرروا شواهدَ قبورِ أجدادنا لتكون سَبّورات للصِبْيَة هناك


ستقودكم الموسيقى إلى أرض جديدة

تُرْبتها بيضاء

ونهرها كتابٌ ليس بحَمّال أوجهٍ

وعندما تؤذن الأطيار للصلاة على ماندولين الريح

تُرتِّل أشجارها معكم آي المحبة والسلام


ارحلوا الآن يا رفاقَ المخمَصَة والنور

وسآتي في إثركم

فقد طاب لي أن أقتلع عيونَ الكَذَبة لأرمي الشعراء بجمراتي:


ـــــــ (الجمرة الصغرى)

باسم الإنسان... كل القصائد زائفة


ـــــــ (الجمرة الوسطى)

باسم الإنسان... لن يعصمكم جَبلٌ مني


ــــــــــ (الجمرة الكبرى)

يا أبناءَ الزُّناةِ والقِحابِ

يا من ادَّعيتم بساطةَ الخَلْق

ترى لماذا كلما حدَّقتُ "لا أجدكم ولا أجد أشياءكم"(7)

آن أن تصمتوا ـ أيها المخنثون ـ ككلابٍ نافقة

فلن تلمَسوا بأصابعكم الوَسِخة هذي ما لَمَسته أبدا

...

باسم الإنسان

...

سأحمل النيل في يدي مثل أية عصا

والحقول الخضر  أصرُّها بُقجةً

وأتهيأ للرحلة ـــــ بلا وحي ــــ صارخاً على رماد العالم:

"أنا يقينُ الرمل

آخرُ نفخةٍ للخلق والتكوين

منفردٌ وباقٍ ليس يغلبني سواي"(8)

·       تقول التي "رَبَطْنا على قَلْبِها":

سهلٌ أن تصير إلهاً

لكن... لن تنـغمـس!

.......................................................

ــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــ
(1)   من أسماء الله بالسريانية .
(2)   حديدة تكون في فم الفرس لتكبحه.
(3)   علامة تحويل موسيقية تبين أن الصوت أو السطر يجب رفعه بمقدار نصف تون.
(4)   علامة تحويل موسيقية تبين أن الصوت أو السطر يجب خفضه بمقدار نصف تون.
(5)  علامة تحويل موسيقية تلغي الصوت أو السطر من الرفع والخفض وصولاً للحدة الطبيعية.
(6)  صوت الأيل.
(7)  عن يانيس ريتسوس بتصرف.
(8)  من شعر محمد عفيفي مطر.

...............................

(*) اللوحة، للشاعر  البلجيكي الفرنسي هنري ميشو