‏إظهار الرسائل ذات التسميات عثمان علي عسل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عثمان علي عسل. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 1 سبتمبر 2019


قصيدة "عروج"
للشاعر الفرنسي شارل بودلير
ترجمة: عثمان علي عسل


ها أنتِ يا روحي ترفرفين هفافةً فوق الوهاد والغدران، والجبال والغابات، والسحب والبحار، وفيما وراء الشمس والأثير، والأفلاك النائية المرصعة بالنجوم.
وإنك لتعبرين الفضاء العميق، مرحةً في شهوة عارمة يعجز عنها البيان، سابح ماهر غشية الذهول في لجة الماء.
فلتحلقي بعيداً، بعيداً، عن الجيف المنتنة. واصعدي إلى الهواء الأعلى، لتتطهري من أدرانها، واحتسي النار الساطعة التي تغمر الآفاق المتألقة، كخمر إلهية صافية.
طوبى لمن يستطع أن ينطلق بجناح قوي إلى السموات المشرقة الساجية من وراء الهموم والآلام العريضة التي تنوء بأعبائها الحياة القاتمة!
طوبى لمن كانت خواطره كالقنابر تطير عند الصباح إلى السماء حرة طليقة!
طوبى لمن رنَّق فوق الحياة، وأدرك بلا عناء لفة الزهور والكائنات الصامتة.

..............
(*) مجلة الرسالة/ العدد 501/ بتاريخ: 1943-02-08


الخميس، 29 أغسطس 2019


قصيدة " منظر"
الشاعر الفرنسي شارل بودلير
ترجمة: عثمان علي عسل


إنني أود أن أرقد على مقربة من السماء كعلماء الفلك، لكي أنظم قصائدي الروحية في جو من الطهارة.
وأن أكون راقداً بجوار أجراس أصغي إلى أناشيدها المهيبة التي تحملها الرياح، سابحاً في أحلامي.
حين أطل من علِّيتي، وقد ذقنت على راحتي، سأشاهد العمال في مصنعهم ينشدون الأغاني ويلغطون، وسأرى المداخن والأجراس، وصواري المدينة، والسماء المترامية الأطراف التي تجعلنا نفكر في الأبدية.

***

إنه لبديع أن ترى، خلال الضباب، النجمً حين يتهلل في زرقة السماء، والمصباح في النافذة.
وأن ترى أنهار الدخان، وهي تتصاعد إلى قبة الجوزاء، والقمر ينثر إشراقه الشاحب.
سأرى الربيع والصيف والخريف، وعندما يُقبل الشتاء، بصقيعه الممل، سأغلق الأبواب والشبابيك لكي أشيد قصوري الخيالية الرائعة، تحت جنح الظلام.

***

حينئذ أهفو بأحلامي إلى الآفاق الزرق، وإلى الرياض، والينابيع التي تذرف دموعها على المرمر، وإلى القبلات، والطيور التي تغرد صباحاً ومساء، وإلى كل ما في الهوى من براءة الطفولة.
ولن تستطيع الرياح، مهما ثارت وعصفت بنوافذي أن ترفع جبيني من فوق مكتبي،
لأنني سأكون ذاهلاً في تلك النشوة التي أجدها حين أبعث الربيع بمشيئتي، وحين أنتزع شمساً من فؤادي، وحين أخلق جواً دافئاً من خواطري الملتهبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة: عثمان علي عسل
(*)المصدر: مجلة الرسالة/ العدد 500/ التاريخ 1943-02-01

الأربعاء، 28 أغسطس 2019


قصيدة "جيفة"
للشاعر الفرنسي شارل بودلير
ترجمة: عثمان علي عسل


أتذكرين يا حبيبتي ما رأيناه صباح هذا اليوم المشرق من أيام الصيف الجميلة؟ أتذكرين هذه الجثة البشعة وهي راقدة على فراش قد تناثر عليه الحصى. وقد رفعت ساقيها في الهواء كفاجرة تلهبها الشهوات، ينضح منها العرق سما، وكشفت عن بطنها المفعم بروائح منتنة بفتور واستهتار. كانت الشمس تسلط أشعتها على هذه الجيفة كأنما تريد أن تصليها وتسويها فترد إلى الطبيعة ما وسقته، مبعثراً في ذرات لا تحصى. وكانت السماء تنظر إلى هذه الجثة الرائعة كأنها زهرة تتفتح، وكانت رائحة العفن الشديدة حتى كدت تسقطين على الأعشاب مغشياً عليك. وكان الذباب يطن حول هذه الأحشاء المجفرة التي تنبعث منها حشرات صافات سود تنحدر كأنها سائل ثقيل على هذه الأسمال الحية، وهي تعلو وتهبط كالأمواج، وتندفع في صخب، فيخيل إلى المرء أن الجسد وهو ينتفخ بأنفاس خفية يستمر في الحياة بتكاثر أجزائه. كان هذا الحشد يردد أنغاماً غريبة، كأنه ماء جار، أو ريح عاصفة، أو وسوسة حبوب تُذرَىَّ بمنسفة في الهواء بحركات متسقة. غابت معالم هذا الجسد عن الأنظار، فلم تعد تبدو للعين إلا كحلم أو رسم أولي لصورة سيرسمها الفنان من ذاكرته بعد حين على لوحته المهجورة. وكان ثمة كلب قلق قابعاً وراء الصخور، ينظر إلينا شزراً، مترقباً لحظة ذهابنا ليعود فيلتهم العظمة التي تركتها من هذا الحطام. على أنك وا حسرتاه! ستصيرين يوماً كهذه القمامة المدنسة، كهذا النتن المخيف، أنت يا نور عيني، يا شمس حياتي، أنت يا ملاكي، يا هيامي. بلي! إلى مثل هذا المصير سينتهي بك المطاف، يا ملكة الجمال، بعد أن تتلى على روحك الصلوات الأخيرة، فترقدين تحت الأعشاب والأزهار، ويبلى جمالك بين الرمَّم. وحينئذ خبري يا حبيبتي الفاتنة، خبري الدود الذي سيلتهمك بقبلاته، إنني سأحتفظ بصورة غرامي الزائل وروحه المقدسة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مجلة الرسالة / العدد 612/ التاريخ 1945-03-26.