الجمعة، 27 سبتمبر 2019

          انطباعات إدوارد سعيد عن : سارتر، بوفوار، فوكو، دولوز    

                                            ترجمة : سعيد بوخليط


 بدعوة من جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، توجه المفكر إدوارد سعيد إلى باريس سنة 1979 ، بهدف تبادل الأفكار حول موضوع السلام في الشرق الأوسط.غير أن توقعات صاحب كتاب ''الاستشراق'' خابت:لم يكن الفيلسوف الذي سيلتقيه بطلا حقيقيا لمعذبي الأرض.
ملاحظات وانطباعات وثقها إدوارد سعيد من خلال مقالة صدرت شهر أبريل 2000 في جريدة الأهرام ''المصرية'' ثم  تُرجمت إلى اللغة الفرنسية عبر صفحات جريدة ''لوموند ديبلوماتيك'' إبان شهر شتنبر من نفس السنة.  
جاء مضمون البرقية، إلى إدوارد سعيد ،كما يلي : "تتوجه إليكم مجلة الأزمنة الحديثة بدعوة للحضور إلى باريس يومي 13و14 من هذه السنة قصد المشاركة في لقاء يتوخى بحث موضوع السلام بمنطقة الشرق الأوسط.نترقب جوابكم. توقيع سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر". لايمكننا تخيل مدى  الإحساس الذي غمر إدوارد سعيد حينما تلقى رسالة من هذا النوع بداية يناير1979 .
ولد إدوارد سعيد في فلسطين، ثم هاجر في ريعان شبابه نحو الولايات المتحدة الأمريكية، فأصبح أحد أساتذة الأدب المقارن المرموقين في جامعة كولومبيا في نيويورك وأحد أهم المفكرين المدافعين بكيفية أفضل عن القضية الفلسطينية. عرف باشتغاله عن العلاقة بين المعرفة والسلطة، بمعنى توظيف الثقافة بهدف تكريس الهيمنة السياسية. بين صفحات كتابه الاستشراق، أشهر مؤلفاته، وصف إدوارد سعيد الطريقة التي تمكن من خلالها المستشرقون إعطاء أساس علمي للهيمنة الامبريالية على الشرق الأدنى.
كان سياق المرحلة مميزا، فالمقاومة الفلسطينية التي حملت لواءها منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات أبلغت عن ما يجري في المنطقة إلى كل أرجاء العالم.  إدوارد سعيد نفسه، التحق بعضوية المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1977 ،أما بخصوص جان بول سارتر، فقد جسَّد مرجعية لجيل بأكمله من المثقفين العرب. 
علاوة على مجال التأمل الواسع الذي يشمله فكر صاحب كتاب الكلمات،حظيت الفلسفة الفرنسية بالتقدير نتيجة انخراطها النضالي كي تحقق المستعمرات القديمة استقلالها.موقف سارتر من القضية الجزائرية ارتقى به إلى رمز لالتزام سخي من طرف الأنتلجنسيا الأوروبية فيما يتعلق بمصير الشعوب المضطهَدة.في هذا الإطار، تظل مقدمته لكتاب فرانز فانون : معذبو الأرض. إحدى النصوص المناهضة للكولونيالية الأكثر شهرة.هكذا أضحى سارتر طبعا بمثابة وثيقة يستشهد بها المثقفون العرب والفلسطينيون، ضمنهم محمود درويش، فيما يتعلق بنضالهم من أجل الاستقلال. 
تفاجأ إدوارد سعيد ،عندما بلغته الرسالة في مقره بنيويورك، يقول : " اعتقدت بداية أن الأمر يتعلق بمزحة : شخص نكرة تصله رسالة مدهشة من طرف رمزيين أسطوريين". لكن بعد تدقيقات معينة تأكد المفكر من صحة الرسالة ثم سافر إلى باريس. 
حين وصوله، اكتشف في الفندق كلمة مقتضبة وملغزة : لأسباب أمنية، لن تنظم الندوة في المكان المحدد سلفا، بل عند ميشيل فوكو.هذا التغيير المفاجئ للعنوان ستعقبه خيبات أخرى.عندما ولج  إدوارد سعيد الفلسطيني المنحدر من القدس، بيت فوكو، صادف إلقاء سيمون دي بوفوار لكلمتها وهي تزبد وترغي حول موضوع  آخر يتعلق بارتداء التشادور في إيران، ثم وضعية حقوق الإنسانية التي لا تطاق في هذا البلد. "
زارت بوفوار سابقا إيران، واضعة فوق رأسها عمامتها الشهيرة، تقدم حاليا لمن يريد الاصغاء إليها محاضرة حول إقامتها في طهران رفقة كيت ميليت، حيث أبديتا استعدادهما للتظاهر ضد رداء التشادور. صدمني الحضور بسبب استسلامه الأرعن، ورغم تطلعي لمعرفة ماتود قوله، فقد لاحظت بأنها كانت خاصة معتزة بنفسها، غير مستعدة لحظتها لأي نقاش.ثم غادرت بوفوار اللقاء بعد مرور ساعة تقريبا (تحديدا قبل مجيئ سارتر)ولم ألتقيها بعد ذلك قط". 
نستعيد مع تفاصيل هذه الواقعة السجالات الحالية في المجتمعات الأوروبية، خاصة فرنسا. بحيث يرى اليوم مناضلات الحركة النسائية في مسألة الحجاب بمثابة إحدى السمات الكبرى للإسلام عن الاضطهاد البطريركي اللامتسامح فيما يتعلق بلباس النساء. رأي ينازعه موقف تيارات نسوية أخرى تعتبر سونيا دايان هيرزبرون وكريستين ديلفي من أبرز وجوهه وأكثرهن شهرة. 
الموقف الذي مثلته سيمون دي بوفوار، بهذا الخصوص، حافظ على نوع من التماسك الإيديولوجي منذ زمان بعيد، بالضبط حينما أصدر فيكتور هيغو سنة 1829 مجموعته الشعرية : ''الشرقيون"، بعد زيارته للمنطقة. 
يرصد عمل فيكتور هيغو مشاهد من حياة الشرق منشطرا بين الحماسة والإدانة : "صرخة حرب المفتي" قصيدة تصور مظاهر شرق نعثر عليه ثانية في أشعار ''سارة المستحمة''، "السلطانة المحظية''، و''الحجاب''، التي تحيل على تمثّل للمرأة الشرقية صار أبديا جراء ترسخه عميقا في الخيال الأوروبي الجماعي : ماذا حدث لأخت أربعة أشقاء ذكور، فقدت شرفها في شرق ذكوري وعنيف ؟
"عفوا ! ماذا فعلتُ؟ عفوا !عفوا !
ياإلهي ! أربعة خناجر في خصري ! 
آه ! أقبِّل أقدامكم…. 
ياغطائي! ياغطائي الأبيض ! 
لا تتركوا يدايّ النازفتين،
ياإخوتي، اسندوا قدمايّ ! 
فأمام نظراتي التي خمد بريقها 
يمتد حجاب من الموت… 
لم تقف خيبة المثقف الفلسطيني عند سيمون دي بوفوار، لأن أحاديثه مع ميشيل فوكو ستشعره أيضا بالإحباط. أظهر فوكو جل ودِّه  نحو إدوارد سعيد، الأخير استلهم منه تأملات كثيرة حول الخطاب. يقول:"كان فوكو حاضرا، لكنه أوضح لي بكيفية سريعة جدا، أنه لا شيء لديه  يمكنه الإدلاء به حول موضوع الدعوة، ومضطرا للمغادرة فورا نحو الخزانة الوطنية، كما يفعل كل يوم  متفرغا لمشاريعه البحثية… ، لكن فقط فيما بعد (تقريبا عشر سنوات على وفاته سنة 1984)أدركت حقيقة سبب عدم رغبة ميشيل فوكو كي يتبادل معي وجهات النظر بخصوص موضوع الشرق الأوسط… فترة قليلة بعد صدور مقالاته، لم يتردد في الابتعاد عن المشهد. عموما، أخبرني دولوز، أن أواصر صداقته الحميمة مع فوكو انتهت مطلع سنوات الثمانينات، نظرا لتباين وجهتي نظرهما حول القضية الفلسطينية.فقد انحاز فوكو إلى جانب إسرائيل، بينما تمسك دولوز بموقفه الداعم للفلسطينيين.بالتالي، ليس مستغربا تجنب  فوكو مناقشة موضوع من هذا القبيل، سواء معي أو شخص ثان ! ".
لاينفرد فوكو بموقفه من القضية الفلسطينية، بل شاطره الرأي عدد كبير من المثقفين الفرنسيين. مع ذلك وجدت استثناءات تستحق الذكر : المؤرخ بيير فيدال ناكي، جيل دولوز، أو جان جينيه الذي عاش مع الفلسطينيين. ولعل نصه أربع ساعات في شاتيلا وكذا يوميات أسير عاشق شكلت شهادة عن جنيه المدافع المتحمس عن القضية الفلسطينية. 
إن اتسم لقاء إدوارد سعيد مع بوفوار وفوكو بالفشل، فلا يمكن مقارنة الوضع بالانطباع الذي خلفه الاجتماع بجان بول سارتر:"ظهر أخيرا الرجل الكبير، بعد الموعد المقرر، فاندهشت وأنا أتبيَّن مدى تقدم سنه ووهن صحته. أتذكر مابدا لي فورا وبشكل جلي،أن سارتر كان باستمرار محاطا، مستندا، ومتحمسا بفضل حاشية صغيرة يعتمد عليها كليا، وترتب نشاطه المحوري". 
خلال تلك الحقبة، بلغ سارتر أربعة وسبعين عاما، بالتالي مرهقا من الناحية الجسدية.قبل هذه اللحظة بست سنوات، ظل سارتر بصحبة سكرتيره بيير فيكتور.بقيت هذه الصداقة المفترضة موضوع سجال مادام أن بيير فيكتور، واسمه الحقيقي بيني ليفي، سيصدر بعد وفاة سارتر سلسلة حوارات تحت عنوان : الأمل الآن. تضمنت تصريحات أخرى لسارتر تناقض مواقفه السابقة.بهذا الخصوص عاتبت سيمون دي بوفوار على ليفي بيني، لكونه أرغم سارتر على الإدلاء بتلك المواقف المعتوهة في حين تحدث إيمانويل تود عن ''خرف الشيخوخة''.
استمر إدوارد سعيد مرتابا بخصوص التأثير الذي مارسه بيير فيكتور على سارتر لحظة اجتماعه به.لأن صورة سارتر المدافع الثائر عن الشعوب المقهورة لم تكن لامعة حينئذ كما يفترض : "خلال اليوم الأول، كانت نقاشاتنا حول السلام قليلة نسبيا.حدد بيير فيكتور محاور النقاش، دون استشارته لأحد حسب تقديري.هكذا أحسست منذ البداية، بأنه أسرع  نحو تثبيت إطار العام، مستندا على علاقته المتميزة مع سارتر(تبادل معه بين الفينة والثانية أحاديث مهموسة)، ثم أيضا نتيجة ثقته الزائدة في ذاته. إذن بحسبه، يلزمنا مناقشة المحاور التالية : 1-قيمة اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل،يحيل سياق المرحلة على اتفاقية كامب ديفيد . 2 –السلام بين إسرائيل والعالم العربي عامة. 3-بلورة معطيات واضحة بشكل عميق أكثر،تهيء لإمكانية التعايش بين إسرائيل والعالم العربي المحيط بها".
هكذا اتضح بالنسبة لإدوارد سعيد عدم التطرق للمشكل الفلسطيني مادامت الندوة انعقدت على نحو يمنح امتيازا للجانب الإسرائيلي.كم كان انذهال المنظمين حينما أقدم على توقيف أشغال الندوة ! كي يطلب من جان بول سارتر التعبير بصراحة عن موقفه الشخصي من الصراع. اضطربت الحاشية المقربة من الفيلسوف الفرنسي، وجاءت ردة فعلها قلقة بقدر سخافتها كذلك، يقول إدوار سعيد :"ألححت كي أسمع فورا رأي سارتر، مما خلق حالة  ارتباك لدى أتباعه.توقفت الندوة قصد التداول في الأمر الطارئ.تنبغي الإشارة بأن الحضور انقسم حسب اعتقادي بين مكوني الهزلي والتراجيدي، مادام سارتر نفسه بدا مفتقدا لموقف معين  يبرر قرار مشاركته ! في النهاية، أخذ المبادرة المدعو بيير فيكتور، كي يخبرنا غاضبا وبنبرة غير سعيدة، مع كل مظاهر الفخامة  الجديرة بسيناتور ينحدر من العهد الروماني: ''أن سارتر، سيتكلم غدا". 
أخيرا ألقى سارتر خطابا، يشبه تقريرا رسميا يوثق لمعطيات الحاضر أكثر منه وجهة نظر شخص يدافع عن قناعات.بالنسبة لإدوارد سعيد، بقي مؤلف كتاب الغثيان تحت تأثير مستشاره – بيير فيكتور - الذي تصدى لكل موقف قد يتبناه الفيلسوف لصالح الفلسطينيين. 
لم تكشف مقالة إدوارد سعيد فقط عن انقياد سارتر خلف بيير فيكتور. بل توجيه لحيثيات النقاش، مضمونه وتفاصيله. ويستطرد المفكر الفلسطيني، بأن المثقفين العرب كانوا أقل عددا  مقارنة مع المثقفين المناصرين للطرح الإسرائيلي. ملخص وقائع الندوة الصادر في مجلة الأزمنة الحديثة، امتدحت فقراته أنور السادات، العربي الطيب، حسب توصيف خلاصة الندوة، التي انتهت إلى قرارات عبثية وتافهة.في حين استبعدت محاور الندوة معاناة الشعب الفلسطيني وكذا المصير التراجيدي الذي ينتظره. 
غادر إدوارد سعيد فرنسا يجر خلفه أذيال الخيبة : "بالفعل تمسك سارتر بوفائه الجوهري لفلسفته الصهيونية. إما تفاديا لوصفه بمعاداة السامية، أو إحساسه بالذنب حيال ذكرى المحرقة، أو رفضه أساسا تبني تصور يعتبر الفلسطينيين ضحايا يصارعون الظلم الإسرائيلي، أو نتيجة لأي سبب آخر؟ يستحيل الإحاطة بخبايا الموضوع.ما بوسعي معرفته، أن سارتر وقد بلغ الشيخوخة، لم يكن مختلفا كثيرا عن مراحله السابقة.نفس المنبع الموجع لخيبة كل عربي، باستثناء الجزائري، الذي يستحسن مواقف سارتر الأخرى وكذا نتاجه". 
من جهة أخرى، توضح جيدا عودة إدوارد سعيد لوقائع هذه الندوة استلاب  الفلاسفة الفرنسيين الجدد بخصوص تصورهم عن الصراع في الشرق الأوسط.بحيث انتهزوا فرصة الانشغال بانتقاد المواقف السياسية للأنتلجنسيا الشيوعية، كي يتجنبوا كل نقاش ينصب حول القضية الفلسطينية، واضعين نصب أعينهم ابتزازا من الصعب تجنبه : يمثل دعم الفلسطينيين عنوانا للراديكالية الإيديولوجية، مثلما ينطوي بالضرورة على آثار تهمة معاداة السامية. إذن المسألة متداخلة. 


مرجع المقالة : 
La revue du comptoir : 21 février 2018

الموقع الاليكتروني ل سعيد بوخليط : http://saidboukhlet.com

  
                

السبت، 21 سبتمبر 2019


جوليا كريستيفا / فيليب سوليرز  :
زاوج الفكر والجسد(3/2)
ترجمة : سعيد بوخليط

بادرت والدة فيليب إلى دعوتي كي تهنئني،بعد سماعها الأستاذ رولان بارت يمدحني على أثير أمواج إذاعة''France-culture"، ثم همست نحوي بكيفية لطيفة،إن كنت أحبُّ الأحجار الكريمة؟وبعد فترة وجيزة وصلني منها خاتم الماس بديع. إنه خاتم الخطوبة، الذي أرتديه غاية اليوم.امرأة استثنائية،فاتنة،ودودة،صاحبة سلطة جذابة لم يكن في وسعها ممارستها على ابنها الذي كانت استقلاليته ذات شهرة عمومية.وفيما يخصني،تحولت لدي إلى سحر واهتمام.فرنسيتها المتميزة بقدرعذوبتها،دعابتها غير المبالية برياء وسطها. ثم قراءاتها حيث تبدي بهذا الخصوص عن تذمرها دون تسامححيال تواضعها المزعوم كي تجعلنا نضحك :أحس كما لو أن نَفَس مدام دي سيفينيه(أو الماركيزة دي سيفينيه إحدى أديبات القرن السابع عشر) يغمر المكان.مقابل ذلك،كان والد فيليب،متحفظا يُبقي على كل شيء في دواخله،يفصح عن كلمات قليلة،أمينا لأقربائه وكذا حديقته.عندما حصلت على رخصة السياقة، بادرت بالتوجه صوب جزيرة ري" ''على متن سيارة رونو مستعملة. مائة وعشرون كيلومترا في الساعة.لم أغادر بعدمدينة أورليان،فإذا بالسيارة تتدحرج نحو وسط واد.فقط بضربة حظ،انتشلت نفسي من ذلكمع رضوض في الأضلاع.لن أنسى أبدا المجيء السريع لوالد فيليب بعد تلقيه الخبر من طرف رجال الدرك،وكذا سخاء رعايته طيلة شهر،فترة مكوثي في جزيرة "ري".لم أعرف طيلة حياتي فترة نقاهة أكثر نعومة.
*صامويل دوك:مع ذلك،تقولون اقتضى الوضع''استحقاق'' هذا الاحتضان الفرنسي.على مستوى العلاقة الزوجية؟وأسرة الزوج؟ وكذا بالنسبة ل "الفكر الفرنسي"؟.
*جوليا كريستيفا:في كل مكان ودائما،مع ذلك يلزم تبيُّن التفاصيل الدقيقة.بالتالي،لنبقى عند فيليب.لقد أطَّر لقائي بفيليب توافق جسدي وفكري يتحقق خلال اليومي ويمتد زمانيا عبر النقاش.واتسم نقاشنا بالإفراط في التسلية.بالتأكيد،كما الشأن مع جل الثنائيات الصلبة،يتقمص أيضا كل واحد منا أثناء الحوار ،دور الأب والأم،الطفل والطفلة،الأستاذ والتلميذ.لكن، إبان تناظرنا،تتعقد الأشياء.أبذل قصارى جهدي كي أفهم وأبرهن،ينخرط فيليب في اللعبة،ليس تماما،يطرح مختصرات،دعابات،ثم أعيده إلى الصواب،يسرع  في إظهار الإيماءات، تنضاف موضوعات جديدة إلى السجال،ثم يصير النقاش متعدد الأصوات.تلامس خلاياه العصبية الهائجة حقولا جديدة،تصريحا وتضمينا ،ربما فقدنا الخيط الرابط، ليس بهذا المعنى تحديدا،بل يكون التناول أفضل.ثم نضحك في النهاية!ألا يعتبرالأكثر وضوحا قياسا لباقي التجليات؟هل تتابعون كلامي؟مع هذه المجابهة وجها لوجه،تضمحل الهويات الاجتماعية،السيكولوجية والجنسية، وحدها الحركة تهيمن على السياق.لاتعتقدون بأن هذا المنطق، يتبدد مع انتهاء وجبة الطعام.بل يعضد طريقة تفكير تميز فيليب،الذي يأسرني، يشعرني بالبهجة،ويعلمني أن أصير أكثر ليونة.
*صامويل دوك : يلزم امتلاك ميكروفون من أجل توثيق "هذا الأسلوب في التفكير"أثناء النقاش
*جوليا كريستيفا: يمكنكم الوقوف على ذلك عبر حوارات عديدة أجراها فيليب،بحيث صدرت في نسختها الأصلية،دون تنقيح تقريبا،لأنه يكون مرتاحا جدا عندما يتحدث وفق هذا الأسلوب الفرنسي.مثلا لنتأمل نموذجا يوثق لطبيعة إجابته على حوار بخصوص فولتير.مع أن الأجوبة عن الأسئلة تمت كتابتها، فسنلاحظ نفس الارتجاج الذي يسود الذاكرة،يسرع بالزمان،يصادم الاستشهادات،مقتحما الفضاءات ثم يمزج الجدي بالهزلي،حينما يحدثني وهو يرتشف شرابه،بينما يتظاهر أربعة مليون فرنسي ضد الهجمات الإرهابية على صحيفة شارلي إبدو وكذا محلات ماركت كوشير،وارتفاع مبيعات كتاب فولتير رسالة في التسامح :
"الصحفي :مع ذلك يعتبر فولتير ربوبيا، وقد عاتب عليه اليسار ذلك بما يكفي.ألا يشكل الأمر تناقضا؟
سوليرز :بالتأكيد،بل هاجم المتعصبين والناسكين أكثر من الله.ومع نهاية عمله رسالة في التسامح،يتوجه فولتير بصلاة إلى الله،قائلا:"لم تهبنا قط قلبا كي نكره وأيادي نذبح بها".ثم يضيف،بسخريته المتفردة :"إذا لم يكن الله موجودا،فينبغي لنا أن نخلقه".تلك فرضية جريئة قياسا للحقبة، التي لا تتكلم أبدا عن وجود الله.إنها فكرة ''الدين الطبيعي" التي دافع عنها بعض الموسوعيين، معتبرين دليل ذلك مثل ''نور طبيعي".في نفس الوقت،يكرر فولتير بأن هذا الدليل حظي دائما، بإقرار عدد قليل جدا من المناصرين، سيتعرضون باستمرار للاضطهاد.إنه متشائم جدا.وساخر دائما.في منطقة فيرني،عمل على هدم كنيسة خاصة، مجاورة لقلعة،بهدف توسيع بنايتها.لكن جراء الاحتجاجات، بادر إلى إعادة بنائها ثم نقش على لوحة في المدخل العبارة التالية :يشيد فولتير من أجل الله. هنا أيضا،أيّ سخرية،بحيث يستخف فولتير بالله من أجل الله.عبارة غير مألوفة كثيرا. تخيلوها مكتوبة على ورقة نقدية كما الشأن بالنسبة للدولار في الولايات المتحدة الأمريكية".
*صامويل دوك : وأنتم الشخصية الجادة جدا،والرسمية جدا والمتمكِّنة،أتصوركم بجوار فيليب،قد فقدتم قليلا جانبكم الوقور.بحيث تصبحون فتاة صغيرة مع هذه الابتسامة المميزة جدا التي لاترسمونها سوى في وجه فيليب،أحدس حينئذ شخصية تنعم بسعادة عفوية، متألقة، مسرورة.هل بوسعكم أن تحدثوننا حاليا عن زواجكم،وكذا مراسيم الاحتفال؟كيف تعاملتم مع ذلك؟ماذا يمثل بالنسبة إليكم؟وكيف عشتم اللحظة؟
*جوليا كريستيفا :اعتقد فيليب بأنه لن يتزوج أبدا،"فقط مرة واحدة'' وقال :"لما لا؟"خاصة أن ذلك سيشكل الوسيلة الوحيدة من أجل إضفاء الشرعية على إقامتي في فرنسا.حضر نفر قليل إلى دار البلدية  في الدائرة السابعة (كنا نقطن شارع بوررويال) : جاءت أختي إيفانكا من بلغاريا،ثم الكاتبين مارسل يننبلينيت و جين لوي بودري،عن هيئة تحرير مجلة تيل كيل، باعتبارهما شاهدين.غياب للآباء.ثم توجهنا جميعا إلى مطعم "لابوشري"،على ضفاف نهر السين،كنت وفيليب نتردد عليه.مفاجأة :تواجد لحظتها في عين المكان،أراغون وإلزا يتناولان غذاءهما بهدوء.لم نلتقيهما قط سابقا هنا !تبادلنا التحايا،لاتفسيرات،فالزواج لم يكن في حاجة للإعلان.إجمالا، لقد فهما بأننا ''نتواجد معا''ونحتفل بشيء ما.
*صامويل دوك:ليس في وسعي تخيل زواج متكتِّم جدا بالنسبة للثنائي سوليرز-كريستيفا،ولا كذلك صخب زواج بورجوازي.لقد تحدثتم عن لحظة بسيطة،جميلة، وزاهدة.
*جوليا كريستيفا:تأسفت بالتأكيد لعدم حضور الآباء،رغم ذلك كانت لحظة جميلة، حميمة تقريبا.
*صامويل دوك:ربما هي طريقة كي يُختزل إلى أقصى حد حضور''المجتمع''بينكما معا؟كيف تعاملت أسرتكم مع سوليرز ؟وكيف استُقبل في بلغاريا؟
*جوليا كريستيفا:للحسرة لم يذهب فيليب قط إلى بلغاريا.بدعوى،أنه اذا جازف نحو القيام بمغامرة،من هذا القبيل،سيلقى به هناك في معسكر للاعتقال أو في سجن مثل أي منشقّ(ضحكات) .
*صامويل دوك :آه ! لماذا؟
*جوليا كريستيفا:صحيح كان يمكنه إثارة فزع الدوغماطيقيين،وكذا الشرطة نفسها،نتيجة حريته في الإفصاح عن آرائه،وكذا طبيعة مواقفه "اليسارية"، التحريضية. أظن خاصة،بأن ذلك  عَكَسَ طريقته لتأكيد استقلاله ضد العادات العتيقة التي تلزم الخاطب كي"يطلب يد" زوجته أو "يلحق بها'' عند "أهلها''.فضلا عن قراءته للأرثوذوكسية المسيحية والأدب المستلهم لها أو المتجرد عنها،اتسمت بكونها لاذعة  جدا،حتى لاأقول مدمِّرة،حينما يستسلم إلى أوج سخريته الفولتيرية.كذلك، مع أني لم  أكن حقا ممثلة نموذجية عن الذهنية الأرثوذوكسية(بوسع أبي تقديم الدليل القاطع بهذا الخصوص ! )،ولا حتى لروح العنصر السلافيSlave،فقد شعرت جدا بهسيس سخرية صاحب رواية نساء( المقصود هنا سوليرز). أيضا يتهكم من طقس كرسه بعض الكتَّاب الفرنسيين لصالح زوجاتهم الأجنبيات القادمات من الشرق.يتجه تفكيري نحو بول موراند، مع شعيرته الجنائزية الأرثوذوكسية؛من خلال مزيج رماد لمدينة تريستا(الإيطالية)وكذا رماد زوجته،الأميرة الرومانية سوتزو؛ثم تطلع لوي أراغون، إلى عيني إلزا والشيوعية.
لقد أحب والدايّ فيليب،بل كثيرا،كذلك الشأن بالنسبة لأختي إيفانكا.كان اقتحام الستار الحديدي معقَّدا؛بعد رفض منح التأشيرة غير مامرة،نجحت مساعينا أخيرا،بفضل التماس أسرة فيليب،المساعدة من جاك شابان دلماس، عمدة  مدينة بوردو وأحد المعجبين بالكاتب سوليرز، هكذا صار في وسع عائلتي المجيء إلى فرنساكل ثلاث سنوات !في باريس،فضل أبي الاستغراق متأملا كنيسة نوتردام دو باري،وكان على وشك التحول إلى المسيحية !تعزف أختي الكمان لفيليب، ثم يروم حين انتشائه، مازحا بكيفية ساخرة من التكوين المتين لإيفانكا في معهد موسكو للموسيقى كاشفا عن نزوعاته إلى الأسلوب الباروكي.بينماأضحت ابتسامة أمي،أكثر صفاء.كانت أختي تتكلم سلفا فرنسية ممتازة،فلغة فيكتور هيغو (متداولة جدا في بلغاريا)هكذا استعادتها تدريجيا ذاكرة والدايّ،لاسيما في جزيرة ري و بوردو،حيث تعرفا على أفراد أسرة فيليب.
من بين الصور التي لازالت عالقة في ذهني من تلك الفترة :عاد أبي، مفعما بالغبطة وسلة ممتلئة،بعد قضائه فترة يصطاد السمك في حوض لتربية المحار،توفر لنا خلال تلك الحقبة.فقد صادف "أقصى حالات الجزر''.لم يعاين لحظة من هذا القبيل، سوى في البحر الأسود و الأدرياتيكي،بحيث تبيَّن له من خلال انحسار المحيط على مسافة مئات الميترات أن الأمر يتعلق برؤيا قدر كونه معجزة!كاد يطير فرحا لأن ابنته أتاحت له فرصة حضور هذا المشهد ،ولو مرة واحدة في حياتهلايتواني أبي المخلص لقناعاته،عن ضمِّي إلى الظواهر.
*صامويل دوك : تعتبر جزيرة ري مأوى لكم.فردوساخاصا،وملاذا.
*جوليا كريستيفا :يعود توقيع العقد التوثيقي لهذا الفضاء إلى لويس السادس عشر.أحد أشقاء والد جدِّ فيليب،كان بحارا،أسدى خدمات للتاج.تكشف صور تعود  إلى بداية القرن العشرين، بيتا ريفيا ثابت  الأركان،يدير ظهره للبحر وتحيطه أسوار،تكسوها أشجار مدارية. خلال تلك الفترة،اهتم سكان جزيرة ري أساسا بالاحتماء من الريح ولم يكترثوا بتأمل المحيط.أرضية المنزل مرتفعة إلى حد ما،لذلك لم تدمرها الأعاصير والفيضانات المتعاقبة : لم تكتسح سوى جانبا من الحديقة ثم توقفت أمام الشرفة.غير أن البيت الريفي سيدمره الألمان الذين أفزعهم نزول الحلفاء في لاروشيل. حصل والدا فيليب على تعويض بسبب مشروع إعادة البناء، بحيث زحفت البنايات الجديدة ،لكن تظل ماثلة روعة مشهد قبة جرس الكنيسة وكذا لحظات غروب الشمس.أحببت هنا كتقاسم هدوء ضيفي، طائر البجعة البيضاء،الصديق الأمين منذ سنوات،وقد سميته ليبنتز في رواية ساعة الحائط المبتهجة،لأن المنحى الأبيض لعنقه يطوي لانهائية السماء عبر لانهائية الماء.يجلس  جدّ فيليب على الدكَّة  الحجرية،إلى جانب المكتب الحالي لحفيده، متحينا فرصة التربص ببطَّة من أجل طعام العشاء.غير أن عالَم البيئة فرض منحى آخر، لأنه يحظر حاليا اصطياد الطيور المائيةثم، وأنا أشتغل،أرى من وراء نافذتي،عائلة صغيرة من البط البري مستسلمة للهدهدة على ذراع البحر الذي يغذي المستنقعات المالحة.تقريبا،أصبحتُجزءا من هذه الجزيرة. ذات ظهيرة،وصلتُ البيت الريفي ثم بقيت وحيدة بينما توجه فيليب إلى البريد.فأتاني حارس الحقل،مصحوبا بامرأتين تحملان سطولامملوءة بالمحارات، قائلا:"لقد وجدتهما عند حوض تربية المحار".ابتسمت في وجهه،بحيث لم أتبيّن أي مشكلة  في ما حدث.ثم كرر ثانية إقراره.فانتهيت إلى سؤاله : "ماهو المبلغ الواجب دفعه ؟".أعلم جيدا أنه لدينا حوض لتربية المحار،لكن غاب عن خيالي –أنا القادمة من الشرق الأوروبي- إمكانية أن يكون البحر، الغابة، المحارات مِلكية خاصة!رجع فيليب،ثم طمأن حارس الحقل،المنذهل جراء ردة فعلي، مقترحا عليه إجبار المخالفتين على تأدية غرامة لصالح أطفال عمال البحر.تذوقنا المحارات،لكن انسابت إشاعة مفادها أن الشاب السعيد(فيليب)اختار زواجا سيئا.
*صامويل دوك:أدى موقف فيليب سوليرز،إلى تتويجكم بكيفية ما،مما يجعلني أشعر بأن التلميذة تجاوزت أخيرا الشخص الذي اعتبرته أستاذا.أنتما تشكلان موضوع اعتراف وطني ودولي كبير.ألا تحدث هذه الصورة العمومية نوعا من التنافس بينكما،بل والغيرة ؟أحيانا،أشعر بوجود "تفرع ثنائي"إلى جماعة كريستيفا وأخرى تابعة لفيليب سوليرز،كما لو تحتم الانتماء إلى هذا الجانب أو ذاك.السعي نحو هدم هذا الزواج "مستحيلا''.فهل أحسستم برغبة مجتمع الفرجة كي يسلط الضوء على خلاف ضمن طيات تفاهمكم؟
*جوليا كريستيفا:نعم،ينتشر ضجيج،ومنظومة"صور'' مثلما أشرتم  :يكره خصوم سوليرزكريستيفا،وأصدقاؤه وصديقاته لايحبونني،أيضا نفس التقييم بالنسبة لبعض أفراد المحيط القريب مني. خلال فترة إقامتي المرضية بمستشفى كوشين،صدرت مقالة في جريدة اليمين المتطرف تعتبرني أشتغل لصالح المخابرات السوفياتية (ك.ج.ب).وظهر،بأن الفكرة، تعود لصاحبها جان إدرنهاليير، لم يكن يعرفني، فقط'' نكاية'' في سوليرز.ثم هل من الضروري التعليق على محاولة التخريب البئيسة لسوكالو بريكمونت،اللذين ارتكبا خلطا بين استعارات الرياضيات التي وظفتُها (مثل أخرى كثيرة)مع نماذج علمية،انتقادات دحضها كليا الفيزيائي مارك ليفي لوبلون؟أو يلزمني التذكير بتلك الشتائم الفاحشة والمعادية للسامية الصادرة عن مدعيات لنصرة قضايا النساء إعلاميا،يفترض أنهن متحمسات للكتابة الطليعية ؟أقول لكم ذلك مثلما أفكر فيه :أمكن هذا الوحل أن يثبط همتي خلال لحظة.لست غير مبالية،بل أغض الطرف.أتوخى في الحقيقة البقاء متماسكة.ثم أنعطف مختلفة نحو آفاق جديدة ومتعددة.لكل واحد منا عالمه الخاص.أضحى عالمي متعددا. يتضاعف كل يوم،حتى آخر العمر.لذلك،لايهم''أن يتكلم هذا"!ثم أكثر إضرارا وإنهاكا للجسد ''أن يراقبك ذاك''! .لقد عبَّدتُ الطريق،ويستمر السفر.لأنّي وفيليب على اتفاق، بأن الحياة تكتب،وبأن الكتابي يمثل الحياة.نحن ثنائي  يؤلفه أجنبيان متناغمان.أصوات،رؤى،كتابات مختلفة.توافقات تتطابق باستمرار وتتجددوحدنا،مع الزمن،الذي يضفي إيقاعا على التجربة.
*صامويل دوك :هل حدث أن اكتشفتم بعض سماتكم ضمن شخصيات بطلات رواية فيليب سوليرز؟ومن المفضلة لديكم؟.
*جوليا كريستيفا :تحديدا،متغيرة مع مضي الزمن.أعاين ملامح تشبهني مع شخصيات عديدة مركَّبة.في روايته :نجمة العاشقين،تحيلنا غالبا وباستمرار علىفضاء جزيرة ري.خلال، اللحظة التي نتناقش فيها،تبدو لي شخصية ''مود''Maud وكذا "تماسكها الفولاذي"الأقرب إلي :
"تعتقد مود أننا نعيش رواية أبدعتُها،تتعقبني،وتؤمن بي.بدأ كل شيء بفضل عنادها وكذا لطفها.بداية، تجلت الريبة،ماذا تريد هاته،الطالبة،جيد،نعم،طيب،شابة سمراء،جميلة،قصيرة،رشيقة،راقصة،نظرة سوداء تسخر بعمق،لحن، إيقاع، بل العقل نفسه. عفوا أيتها الغبياتلماذا تلك المرأة؟ببساطة الطراوة،اللطف .ليس البراءة،لا نحلم بذلك، بل شيئا أكثر استثنائية،وإثارة.كيف نسميها؟نقاء؟استخفافا،ضحكات وصرخات مستنكرة.لنحتفظ مع ذلك جانبا بالتسمية، ونرى أمرها فيما بعد.فلا شيء يصدر عنها مثاليا، ولا غشيما، ولا مكبوتا: إنها جوهر أتى من بعيد جدا، أبعد من جسم مادي.لا شيء رياضيا،أو عاطفيا :إنها كثافة معدنية.يلزم وعاء الخبث،الحويصلة المهبليية الصفراوية،التواجد حقا ضمن حيز ما،لكنها حاليا منعدمة….إنها داخل موسيقى الحياة،بين طيات اعتباطيتها السعيدة.لماذا تحبني جدا؟لأني أثبتت دون قول شيء هذه اللحظة من وجودها.تحتاج الأجساد البشرية إلى هذا الصمت المداهِن،منعزلة عن عظامها،خلاياها، أوتارها العضلية، وفقراتها.هكذا نهتديحسب مسار نومهم الناجح : يحسون بذلك،ويشكرونكم". (رواية ''نجمة العشاق''،غاليمار،2012،ص :-1217).
*صامويل دوك:على إيقاع هذا الوصف، أفكر في الشخصيات الذكورية لرواياتكم،لاسيما أحدثها عهدا أقصد اسم "تيو''Théo،ورواية ساعة الحائط المبتهجة، ثم موقع الشخصية ضمن الثنائي الذي شكله مع الرَّاوية.
*جوليا كريستيفا:فعلا،وحسب طابع آخر، هكذا تبدو الحرية في تصور "تيو'' و"نيفي"Nivi :
"أنتَ لست بمعبر ولا منفذ.أنا لست أبدا في حاجة قط إلى الضوء،بل إلى الليل فقط،والأوكسجين،وموت صغير،نعم ليس كبيرا. لقد امتلكتُ كل شيء،ولازلتُ أتطلع….ها أنتَ تمنحيني الآن ماأفتقده،العزلة المطلقة،عزلة زاخرة بكَ….كيف أسميكَ؟سوليس ؟تبدو لي الكلمة شمسية بما يكفي،استثنائية وقاطعة. كي أكون صائبة،لاينبغي لي المناداة عليكَ سوى أنت،دون اسم،سرّ توأمي،أنا فيكَ،وأنت لي ،يانيزكي ،وعزلتي الأخرى، وبدايتي.لست في حاجة قط إلى الاستناد على الجزع كي أكتشف بأني أفتقدكَ.أرتجف جراء ذلك باستمرار،ولاأتخلص منه سوى فترات متقطعة.ما الغاية؟ هكذا مجرد لاشيء.لقد اخترتُ المجاني،وأتمتع حاليا بلحظاته أكثر قليلا.تخترقني نظرتك، تنصهر اليدان ملتصقة إحداهما بالأخرى، نتابع هذا الفيلم  المسمى عالَما، دون أن نراه.نَفَسُكَ،عِطْرُكَ،صوتُكَ الذي أرتوي منه وأتغذى عليه خارج الزمان : عندما تكون معي، وأنا بصدد الإصغاء لرسائلك الصوتية،أو قراءة أخرى نصية قصيرة وكذا الاليكترونية،أحلم بكَ،أتذكركَ،أعيد خلقكَ. وأنا أخلقكَ... حاليا:تجمع اللحظة المتمددة عوالم متباعدة في أزمنة مشتتة.ثم تتعايش أخرى منبثقة وتتميز من خلال اللقاء بين تيو، ونيفي وكذا ساعاتي الملِك،نتطابق جسدا،قلبا،مستقليْن ومترابطيْن.يندفع الجنون لكنه تحت سيطرتنا الدقيقة.كل شيء ممكن مثلما أن كل شيء يتوارى.اكتمال لما هو خارج اللعبة''(جوليا كريستيفا،ساعة الحائط المبتهجة،ص16، 17 ،18).
مصدر الحوار :
جوليا كريستيفا : حوارات مع صامويل دوك.منشورات فايار.2016.ص120- 130 :