‏إظهار الرسائل ذات التسميات طه حسين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طه حسين. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أكتوبر 2016

التجديد في الشعر بقلم : طه حسين



لم نفرغ بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية والفصحى وما يتصل بها من هذه الواقعية التي يعتذر بها أصحابها عن الكسل والقصور؛ الكسل الذي يحول دون القراءة والتفقه، وإتقان أداة التعبير والتصوير، والأخذ بأسباب الأدب الرفيع، فلم نكد ندعو كُتَّابنا من الشباب إلى أنْ يعرفوا لأنفسهم حقها في الجد والأناة والبحث والدرس والاستقصاء والإتقان، والارتفاع إلى ما يليق بهم وبوطنهم، وبما ينبغي له من أدب رفيع ممتاز، مُنزَّهٍ من الابتذال، مبرَّأٍ من هذا السخف الكثير الذي يشيع فيه، حتى ثار ثائرهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فجحدوا كل حق، وأنكروا كل عارفة، وتلقونا وتلقوا غيرنا من الذين لم يعرضوا لهم ولم يفكروا فيهم بما استطاعوا من ألوان المَساءة وضُروب الأذى، وقال قائلهم: إننا قد انحرفنا عن المصرية، وجهلنا حق وطننا علينا، والتمسنا أدبنا في بطون الكتب وأعماق العصور التي انقضى عهدها، والتي لا تمس المصرية الحديثة من قُرب أو بُعدٍ. ولهم الشكر مع ذلك على أنهم عرفوا لكاتب مثلي أنه أصدر كتاب الأيام، فكان فيه مصريًّا، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أنْ انحرف عن هذه المصرية إلى بطون الأسفار وأعماق الكتب يلتمس فيها أدبًا لا يغني عن المصريين شيئًا، كأن الذي أصدر كتاب الأيام لم يصدر كتبًا أخرى غيره تصور الحياة المصرية على اختلاف ألوانها وطبقات أصحابها، وكأنه لم ينفق حياته مُعلِّمًا لأجيال من المصريين يثقف عقولهم، ويفتح لهم أبوابًا إلى التفكير الحر المستقيم، وكأنه لم ينفق حياته كاتبًا للأحاديث التي تحصى بالألوف الكثيرة عن صميم الحياة المصرية ومظاهرها المختلفة من أدب ودين، ومن سياسة واجتماع، وكأن زملاءه الذين نالتهم مثل ما ناله من القذف بالانحراف عن المصرية لم يصنعوا صنيعه، ولم يتركوا آثارًا مثل آثاره أو خيرًا منها.

وأطرف ما في الأمر أنَّ هؤلاء السادة لا يريدون بشيوخهم شرًّا، ولا يعمدون إليهم بأذًى، وإنما جهلوا وسائل التعبير الصحيح الدقيق فآذوا شيوخهم من حيث لا يريدون، وأطلقوا ألسنتهم وأقلامهم فأرسلت كلامًا يقال في غير طائل، ولا يصور ما في قلوبهم، ولا يُعرب عن ذات نفوسهم، وإنما هي ألفاظ يقولونها ويكتبونها ولا يحققونها؛ لأنهم لا يعرفون لغتهم، ولا يحسنون تصريفها فيما يريدون إليه من القول، فما ينبغي أنْ نلومهم، ولا أنْ نعتب عليهم، ولا أنْ نأخذهم بما انطلقت به ألسنة جائرة عن القصد، وما جرت به أقلام منحرفة لا عن المصرية، بل عن الأدب الجدير بأن يسمى أدبًا، وننصح لهم مُلحِّين في النصح أنْ يحسنوا العلم بالكلام قبل أنْ يتكلموا، وبالكتابة قبل أنْ يكتبوا، وبالأدب قبل أنْ يخوضوا فيه.

لم نفرع بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية الواقعية هذه الجديدة، حتى أثيرت لنا مشكلة جديدة خليقة حقًّا بأن نفكر فيها ونطيل الوقوف عندها، ونقول فيها كلمة الحق؛ وهي مشكلة الشعر المنثور أو النثر — المشعور — كما يقول شاعرنا الكبير عزيز أباظة.

ففي الشباب العربي نزعة إلى التحرر من قيود الشعر العربي الموروث، هم لا يريدون أنْ يقيدوا شعرهم بالقافية، يمضي بعضهم في ذلك إلى أبعد الحدود، فيُلغي القافية إلغاء، ويقتصد بعضهم فيحتفظ بشيء من تقفية، ولكن في حدود اليسر والإسماح، وهم يريدون أنْ يتحرروا من قيود الوزن التقليدي الذي تركه لنا العرب القدماء، ويذهبون في هذا التحرر مذهبهم في شأن القافية؛ يغلو بعضهم فيرسل الكلام إرسالًا يطلقه من كل قيد لفظي، ويقصد بعضهم الآخر فيقيد كلامه في أوزان خاصة يراها ملائمة، لما يضطرب في نفسه من العواطف والأهواء والميول. وهذا كله لا يرضي شاعرنا الكبير عزيز أباظة فيما نشرت عنه الجمهورية منذ يومين، وفيما كتب هو حين قدَّم لبعض الدواوين.

والأستاذ عزيز أباظة حريص على أنْ يكون محافظًا في الشعر، معتزًّا بهذه المحافظة، يرى الخروج عليها انحلالًا وإفسادًا للفن، ويسأل الخارجين على هذه المحافظة: ما بالهم لا يتحررون من قواعد النحو كما تحرروا من قواعد الوزن والقافية؟! ولشاعرنا الكبير حقه الكامل في أنْ يكون محافظًا، وفي أنْ يلزم طريقة شوقي والذين قلدهم شوقي من القدماء، لا ينبغي لأحد أنْ ينازعه في شيء من ذلك.

ولكن لغيره — فيما أظن — الحق الكامل كذلك في أنْ يذهبوا في الشعرِ المذاهبَ التي تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صورت فيها نفوسهم، لا غرابة في ذلك ولا خطر فيه؛ فليس الشعر تقليدًا، وليس الشعر توقيعًا، وإنما الشعر صدى للقلوب والنفوس والطبائع جميعًا، يصدر عنها كما هي لا كما نحب لها أنْ تكون، وليس على أحد حرج من التجديد في الشعر أوزانه وقوافيه. وقد جدد القدماء من العرب في شعرهم؛ فابتكروا في الإسلام أوزانًا لم تكن في العصر الجاهلي، وابتكروا في العصور المتأخرة أوزانًا لم تكن في الشعر الإسلامي الأول، وصنعوا بالقافية مثل ما صنعوا بالوزن.

عرفوا ألوانًا من الموسيقى لم يعرفها قدماء العرب، وعرفوا فنونًا من الغناء لم يعرفها قدماء العرب أيضًا، فلاءموا بين شعرهم وبين ما عرفوا من ألوان الموسيقى والغناء.

وأتيحت لهم حضارة جديدة أثارت في نفوسهم عواطف وأهواء جديدة، بل غيَّرت طبائعهم وأمزجتهم تغييرًا، فلاءموا بين هذا كله وبين ما أنشئوا من الشعر، لم يكن عليهم في ذلك حرج ولا جناح، وإنما كان ذلك ملائمًا لطبيعة الأشياء. فتقصير الأوزان الطوال، وابتكار أوزان جديدة، والمزاوجة بين القوافي، والمخالفة بينها أحيانًا، كل هذه أمور عرفها القدماء ولم ينكرها عليهم أحد إلا أنْ يكون بعض المسرفين على أنفسهم وعلى الناس. وفي بعض العصور الإسلامية يتنافس الشعراء والكُتَّاب، وعدا بعضهم على فنون بعض؛ فنظم الشعراء نثر الكُتَّاب، ونثر الكُتَّاب نظم الشعراء، وهجم بعض الكُتَّاب على فنون من القول كانت مقصورة على الشعر في الزمان الأول، فتفوقوا فيها على الشعراء أحيانًا، كما فعل الجاحظ حين عدا على فن الهجاء فبلغ فيه بكتاب التربيع والتدوير ما لم يبلغه شاعر من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. وذهب بعض الشعراء بشعرهم مذهب الكُتَّاب في التفصيل والتحليل والتطويل، كما صنع ابن الرومي في بعض شعره، وفي فن العتاب خاصة.

جدد الشعراء في أوزان الشعر وقوافيه كما جددوا في صوره ومعانيه، ملائمين بذلك بين شعرهم وحضارتهم وما كان لهم من أمزجة جديدة ومن طبيعة جديدة أيضًا، وضاق بذلك بعض المحافظين فلم يصنعوا شيئًا، ولم يصدوهم عن التجديد. وقد لعب شعراء المغرب العربي بأوزان الشعر وقوافيه ما شاء لهم اللعب؛ فاستحبَّ الناس — وما زالوا يَستحبُّون — لعبهم ذاك. وما أظن شاعرنا الكبير عزيز أباظة ينكر الموشحات، أو يأبى عليها إن دعته إليها طبيعته في بعض الظروف؛ ذلك أنَّ الشعر — كما قلت — صدى لعواطف القلب وأهواء النفس، أو هو صوت العقول، كما كان أبو تمام يقول. والأصل في الفن حرية خالصة من جهة، وقيود ثقال من جهة أخرى.

حرية في التعبير وطرائقه وما يُبتكر فيه من الصور والمعاني، وقيود يفرضها صاحب الفن على نفسه في مذاهب الأداء يلتزمها هو، ولا يُلزمه إيَّاها أحد غيره. وقد عرفت الإنسانية شعرًا رائعًا خالدًا ولم يعرف القافية؛ لأنها لم تلائم طبعه ولا لغته ولا بيئته.

لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية، ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية، وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيين من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يُزْرِ ذلك بشعر المُجيدين منهم.

فليس على شبابنا من الشعراء بأسٌ — فيما أرى — من أنْ يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يُطلب إليهم في هذه الحرية إلا أنْ يكونوا صادقين غير متكلفين، وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أو ذاك، ومبدعين فيما ينشئون غير مُسفِّين إلى سخف القول وما لا غناء فيه.

فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنَّا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به؛ لأننا سنجد فيه ريًّا من ظمأ، وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقًا، فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر! وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الأدبي الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال!

(*) جريدة الجمهورية 29 أبريل 1956.
(*) المصدر موقع هنداوي 

الجمعة، 28 أكتوبر 2016

طه حسين :مشروع حضاري لم يكتمل !

بقلم الباحث المغربي :سعيد بوخليط


حينما نتحدث عن التراث النقدي لدى طه حسين، فإننا نموقع النقد العربي، ضمن لحظة فكرية، كان يبحث فيها عن مشروع متكامل يغطي كل الحقول المعرفية، بحيث يمثل طه حسين، أول رمز فكري تبنى مفهوما كهذا، موظفا في سبيل ذلك آخر النظريات النقدية،المتداولة خلال عصره. هذه النظرية، التي حاول بها قراءة مجموعة من التجليات المعرفية العربية، تنتمي في مجملها إلى التراث العربي. ولعل، محاولته المهمة في مقاربة الأدب الجاهلي، تدخل في نفس السياق الفكري، بل أهم محطاته النظرية. ذلك أن ما وصل إليه من نتائج تشكل  ثورة  مفهومية ونظرية في مسار النقد العربي.
إن ما قام به طه حسين، لم يكن من الممكن ولوجه، لو لم يستند على حس نقدي عميق، وعلى وعي حضاري كبير بضرورة إعطاء محفزات تاريخية للذات العربية تخرجها من مقولاتها التأطيرية الجافة، التي أضحت مفاهيم دوغماطيقية تكبح اندفاعة هذه الذات. وظلت ملامح المشروع النقدي عند طه حسين، غير مكتملة بل تم وأدها في المهد نظرا لمجموعة من العوامل، عملنا على توضيحها سابقا.
 ولعل من أكبر الأسانيد التي حكمت المنهج النقدي عند طه حسين، تأثره وتشبعه بروح القراءات الغربية، لاسيما الممارسة النقدية الفرنسية، ولعل  أشهر الأشياء، كذلك التي وسم بها النقاد العرب طه حسين، في دراساتهم لنصه هو التأكيد على حضور المنهج الديكارتي، الذي ينطلق من مقولة الشك والارتياب، من أجل  الوصول إلى اليقين. وإن كان البعض يعتقد، أن منهج الشك لم يأخذه طه حسين من عقلانية ديكارت، إنما يستمد مقوماته المفهومية من التراث العربي : ((ذلك لأن وجوب الشك قبل الاعتقاد منهج من أقوم مناهجها الأصلية في التفكير والبحث. فالجاحظ قبل ديكارت بسبعة قرون قد اهتدى إليه وآمن به  ودافع عنه، وجعله منهجا من ألزم مناهجه في التفكير، ووسيلة من أهم وسائله للوصول إلى درجة من اليقين العلمي، فهو يشك ويدعو إلى الشك، وللشك عنده حالات موجبة لابد أن يفطن إليها الإنسان حتى يشك في مواضع الشك نفسه)) (1). هذا المنهج، إذن سواء استعاره من عقلانية القرن 17، أو انحدر من  التراث العربي،  كان الفهم، الذي حاول من خلاله قراءة الأدب العربي قراءة تاريخية و  تطورية، يقول : (أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه "ديكارت" للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل  موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما، والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم  ظهر، قد كان من أخصب المناهج وأقواها وأحسنها أثرا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديدا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر) (2).
طبيعة هذا المنهج في رأي طه حسين تخول للناقد  العربي، دراسة تاريخه الأدبي، بذهنية خالية من أي معطيات سابقة عن الموضوع، والتجرد خاصة من المشاعر والعواطف القومية، وكذا الإحساس الديني : (إذا لم ننس هذه العواطف وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائمها. وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد) (3).
اعتبر طه حسين، المشاعر التي تحدد أفقنا النظري، اتجاه تراثنا الأدبي بمثابة "أغلال"، تكبح التحرك الحر والطبيعي، للذات العربية في اشتغالها على تراثها الأدبي، خاصة وأن هذه الذات  تنظر إلى تراثها الأدبي،  برؤية  دوغماطيقية تحكمها نزعة تقديسية، تجعل من الصعب اختراق هذا النسيج الفكري بحس علمي موضوعي بفكر مختلف مع ذاته، يتعامل مع الحقائق باعتبارها تحققات تاريخية مرتبطة بسياق ثقافي معين، وبمعطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية.


تطبيق  طه حسين لمنهجه التشكيك، أفضى به نحو الخلاصات النظرية التي شكلت قطيعة منهجية، معرفية مع طبيعة الرؤية، التي تحكم الذات العربية في موقفها من  التراث الجاهلي، أو بعبارة أخرى أن تأويلاته خلخلت المعهود والمألوف، هكذا يمكن لنا مثلا في هذا السياق، الوقوف على بعض تصورات طه حسين بخصوص الشعر الجاهلي :
 (أ ـ لا يعكس  الحياة الدينية الجاهلية.
ب ـ لا يعكس الحياة الاقتصادية الجاهلية.
ج ـ يرينا الأخلاق على غير ما هي عليه في القرآن.
د ـ لا يتحدث عن البحر الذي كان يحيط بالجزيرة العربية. وباختصار أن الأدب الجاهلي لا يعكس الحياة الجاهلية بصدق على نحو ما يعكس شعر عمر بن ربيعة، وشعر أبي نواس وكتابات الجاحظ عصور هؤلاء الشعراء والكتاب) (4).
هذه التصورات، تأسست بالإضافة إلى الروح الديكارتية على روافد معرفية أخرى، تتمثل مثلا في قراءة أساتذة  طه حسين المستشرقين للشعر الجاهلي، والمنهج اللغوي الذي طبقوه عليه، ثم تأثره بمنهج "تاريخ الأدب الإغريقي" للأخوة "كروازيت"، بالإضافة إلى قناعته المعرفية بالتصورات المنهجية لعلم النقد التاريخي، كما اشتغلت عند نقاد القرن 19، والتي كانت تفهم الأدب باعتباره تعبيرا فكريا، عن وضع  اجتماعي معين،بالتالي  لا يمكن فصل الأدب عن بيئته، و ظروف المبدع الذاتية والموضوعية، ف "الأدب ابن بيئته".
انطلاقا من هذه المعطيات ، سينتهي البحث ب "طه حسين" إلى أن : ((الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من  الجاهلية في شيء .. وإنما هي منتحلة مؤلفة بعد ظهور الإسلام. فهي إسلامية تمثل  حياة المسلمين وميولهم  وأهوائهم أكثر مما تمثل حياة الجاهلين وأن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح، وهو عنده قليل جدا لا يمثل  شيئا ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي. وأن أكثر ما نقرأه من شعر امرئ القيس، أو طرفة، أو ابن كلثوم، أو عنترة ليس من هؤلاء في شيء، وإنما هو من انتحال  أو اختلاق الرواة))((5).
تصور،سيثير ضجة  فكرية كبيرة أدت إلى مصادرة الكتاب، بل واتهام صاحبه بالإلحاد، والكفر، وكذا عمالته للأطروحات الاستشراقية، ويعتقد البعض، أن طه حسين ما كان ليجلب عليه حساسية الرأي العام المصري في تلك الفترة : (لو لم يستغل خصومه جملا جاءت استطرادا في صلب البحث الذي عقده عن الشعر العربي  واللغة، وعن القحطانية والعدنانية، والعرب البائدة والمستعربة، والخلاف الجوهري بين اللغة التي كان يصطنعها في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمالها، وقد ساق الدكتور طه حسين أكثر من حجة على صدق نظريته التي انتهت به إلى أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي، لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا وأنه وجد بين الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير القرآن. والتي أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية) (6).
 ولعل أهم الاستطرادات، التي جاءت في ثنايا بحثه ومست الشعر الجاهلي، فاستفزت المتلقي العربي، هي :
1 ـ يعتقد طه حسين، أن حديث القرآن والثوراة عن إبراهيم وإسماعيل، وكذا  إثبات قصة هجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة، لا يكفي ذلك لإثبات  وجود هذه الوقائع تاريخيا.
2 ـ مسألة أخرى، تدخل في إطار انتحال الشعر الجاهلي، وإضافته إليهم ، وتدخل هذه المسألة كذلك في تأثير الفكر الديني، بحيث يتعلق الأمر بتعظيم شخص  النبي  وأسرته. ثم  نسبه من قريش: ( اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة  بني هاشم  وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو مناف صفوة بني قصي، وأن يكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب،  والعرب صفوة الإنسانية...)(7).
3 ـ الاعتقاد بأن الدين الإسلامي، ما هو إلا تجديدا وتطويرا لدين إبراهيم، وبالتالي  أخذ الناس بالاعتقاد، أن الإسلام هو نفسه دين إبراهيم.
وقد استندت الانتقادات الموجهة إلى طه حسين، التي اتصفت بكونها عنيفة ذهبت حد التظاهر والتوجه إلى البرلمان، على أربع  نتائج نظرية توصل  إليها وهي : (1/ أنه كذب  القرآن في إخباره عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. 2/ أنه أنكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست منزلة  من الله تعالى.3/ أنه طعن في نسب النبي صلى الله عليه وسلم. 4/ أنه أنكر للإسلام أوليته في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم)(8).
تلك، أهم "المقدسات" التي مسها مشروع طه حسين، فأثارت استنكار الرأي العام وتطورت حتى مستوى الدعوة إلى إلغاء وظيفة طه حسين الجامعية، كأستاذ بها، وإحالته على النيابة. والأهم من ذلك، أنه منذ تلك الفترة حكم على المشروع النقدي لطه حسين بالموت، وأصبح ينظر إليه بنفس النظرة التي يتخذها العرب من المستشرقين، وأضحت مقولاته النقدية، يشوبها نوع من الارتياب والشك. وهذا ما يثير التساؤل، حول حدود الوعي الليبرالي في ممارسة الفكر العربي، ثم ما إمكانية امتداده إلى ممارساتنا اليومية ؟ خاصة إذا كانت المسألة تتعلق بمقولات  كبرى تحكم الذات العربي، وتؤسس فهمها للعالم. مثل التراث، وما ينطوي عليه من تجليات مفهومية من أدب، وشعر، ومشاعر، وعقائد، وسياسة... .
قلت هذا، لأن كل الدعوات الليبرالية لدينا، وطموحاتها النظرية ستجد نفس المصير : دعوة الشيخ علي عبد الرزاق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذي شكك في البعد الديني، لمفهوم الخلافة، مؤكدا بأن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وإنما هي مسألة سياسية أكثر منها دينية، وأن الخلافة لم ترد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية. وإنما هي قضية دنيوية ...، و بالطبع ستجر هذه المواقف على الشيخ علي عبد الرزاق الويلات، وتعرض  لنفس مصير طه حسين لكن بشكل آخر. ما يقال عن هاتين الشخصيتين، يمكن أن نقوله على أحمد أمين، والكواكبي... أو أدونيس ...، هناك خلل إذن في بنية الذات العربية.
 وأعتقد بأن أهم مواطن الخلل، ما يمكن تسميته مع عبد الله العروي، بعدم تمكن العقل العربي من هضم أسس ومفاهيم الفكر الليبرالي. وأضيف، بأن عدم تجذر وعي كهذا  بين طيات البنية الذهنية العربية، يتأتى من كونها لم تتعرض لهزات عنيفة، تخلخل معتقداتها، التي تحولت مع تراكم السنين إلى اشتغالات جامدة. ذلك أن علاقتنا بالعالم ظلت منسجمة يحكمها منطق اليقين والثبات، خاصة وأن المرجعية الدينية، تشكل إطارا للارتياح الفكري والعقائدي. وما دام الحال كذلك، فالواقع العربي، لا يتحمل أي مفهوم يتجاوز أفقه، بالتالي ستظل محاولة طه حسين  وغيره، مجرد أحلام رومانسية مثالية، غالبا ما تفيق على أضغات كابوس مرعب ومخيف.
قلت كل ذلك، لأن قراءة طه حسين  للشعر الجاهلي، الجديدة في منهجها ومضمونها، حكمتها مجموعة من الخلفيات المنهجية الجديدة عن الثقافة العربية. وتتجلى جديتها في أنها : (أكدت فكرة ارتباط الأدب بالمجتمع وتفاعله معه وفهمه من خلاله، وهو ثانيا نبه إلى فكرة حرية الباحث وتجرده،  وبالغ في هذا التنبيه أمدا ... عرضه لكثير من المتاعب، وهو ثالثا قدم طرق وأساليب الغرب في دراسة الأدب والنقد فصور ما ذهب إليه "سانت بوف" من ترتيب شخصيات الأدباء للأمة في فصائل وأنواع على نحو ما يرتب علماء النبات الفصائل النباتية، ورسم في دقة ما ذهب إليه "تين" من أن الأديب إنما هو ثمرة حتمية لقوانين الجنس والزمان والمكان. وأوضح كيف أن "برونتيير" طبق  على فنون  الأدب وأنواعه نظرية داروين في التطور والنشوء والارتقاء)(9). النتيجة، التشكيك في وجود موضوعي لشيء اسمه الشعر الجاهلي، إنما هو منتحل.
كيف سيبلور، طه حسين منهجه التاريخي ؟ وما هي أهم المحددات  المفاهيمية التي سيؤطر بها منهجه ؟ يقول، مبلورا الأدوات التي يجب توافرها لمؤرخ الأدب : (وإذا الباحث عن تاريخ الآداب ليس عليه أن يقتن علوم اللغة وآدابها فحسب، بل لابد له أن يلم إلماما بعلوم الفلسفة والدين، ولابد أن يدرس التاريخ القديم والحديث وتقويم البلدان درسا مفصلا، وإذ الباحث عن تاريخ الآداب لا يكفيه من درس اللغة حسب البحث عما في القاموس واللسان وما في المخصص والمحكم، وما في التكملة والعباب، بل لابد له مع ذلك من أن يدرس أصول اللغة القديمة ومصادرها الأولى، وإذا  الباحث عن تاريخ الآداب لابد له من أن يدرس علم النفس للأفراد والجماعات إذا أراد أن يتقن الفهم لما ترك الكاتب أو الشاعر من الآثار وإذا باللغة العربية وحدها لا تكفي لمن  أراد أن يكون أديبا ومؤرخا للآداب حقا إذ لابد له من درس الآداب الحديثة في أوروبا، ودرس  مناهج البحث عند الفرنج بلغة ما كتبه الأساتذة الأوروبيون في لغاتهم المختلفة)(10). في هذا النص الطويل، يحدد إذن الإطار الذي يجب على مؤرخ الأدب التحرك داخله، وكذا الشروط المعرفية الواجب امتلاكها، التي نختزلها في أساس واحد هو : الموسوعية المعرفية، للإلمام بالظاهرة الأدبية، وبكل معطياتها. فلابد إذن، لهذا الباحث أن :
1/ يتقن علوم اللغة من بلاغة، عروض، النحو، الصرف وفقه اللغة...
2/ الإلمام بعلوم الفلسفة، علوم الدين، علم النفس وعلم الاجتماع ...
3/ الدراية الكبيرة بالتاريخ القديم والحديث، ثم المعرفة المفصلة والدقيقة بالمعطيات الجغرافية.
4/ الاطلاع على اللغات الأجنبية، وذلك لمعرفة الآداب الأخرى، الوقوف عند لغة واحدة لا يكفي بالنسبة لمؤرخ الأدب.
5/ معرفة أصول اللغات القديمة، ومعطياتها الأولى.
6/ معرفة المعطيات النفسية، للأفراد  والجماعات، والذين ينكب مؤرخ الأدب  على دراستهم، وذلك من أجل فهم  آثارهم  الفكرية والأدبية...
تلك إذن أهم المبادئ،  التي ألزم بها طه حسين مؤرخ الأدب، والتي كانت متأتية لمفكر عتيد من عياره، لذا كان مؤرخا للأدب بامتياز، ذلك أنه إذا استقرأنا منطقاته وجدناها متوفرة في شخصية طه حسين، كما عكسها  بين ثنايا اشتغالاته الفكرية. فمن المؤرخ إلى الناقد، ثم الروائي وكذا المترجم، إلى الأديب بمفهومه القديم، المزاوج بين التكوين اللغوي القديم مع الإلمام الواسع  بالمعطيات الثقافية المعاصرة.
كل هذا توفر لطه حسين، بفعل تتلمذه على مدرستين : أحدهما،  تهتم بالثقافة القديمة، بالتالي سيكون منهجها في قراءة الآداب العربية قديما كذلك. ثم أخرى حديثة، تتمثل في المنهج الذي أحدثته الجامعة المصرية، في دراسة الآداب العربية، ونقصد بالاتجاه الأولى، ما تلقاه طه حسين عن أستاذه "سيدي علي المرصفي"، أحد أهم مدرسيه في الأزهر، بحيث يدين له بالكثير، حيث يقول في حقه : (أستاذنا الجليل، السيد علي المرصفي أصح من عرفت بمصر فقها في اللغة وأسلمهم ذوقا في النقد وأصدقهم رأيا في الأدب وأكثرهم رواية للشعر ولاسيما شعر الجاهلية والإسلام )(11).
جسد سيد علي المرصفي، المرجعية النظرية والفكرية لفهم الآداب العربية. (فالمرصفي علم طه حسين كيف يقرأ النص العربي، كيف يفهمه، وكيف يتمثله، وكيف يحاكيه، علمه إذا كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوقه كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد طه حسين  برصيد هام في كتابته الأدبية) (12). واسم علي المرصفي، من بين الرموز الفكرية التي عملت على تطوير النقد والأدب العربيين، وهو تطور حدث في الأزهر : (على يدي كل من الشيخ سيد المرصفي، والشيخ حمزة فتح الله حين اتبع الشيخان نفس أساليب دارسي الأدب القدماء وفي مقدمتهم " المبرد" و "القالي" و"الجاحظ" حيث العناية في الدرس تتجه أولا إلى جمع النصوص الشعرية والنثرية المختارة بالإضافة إلى طائفة من الحكم والملح والأخبار والأمثال,ثم يتناولان ذلك تناولا يعني باللغة والبلاغة والتذوق وما إلى ذلك)( 13). وكانت هذه أول الخطوات الأساسية في تطوير العناية بالآداب العربية، ستعقبها خطوات تجلت في أعمال جورجي زيدان، ومصطفى صادق الرافعي، وجهود عباس محمود العقاد، ثم الأبحاث التي خرجت من الجامعة المصرية والتي درس بها بعض المستشرقين من أمثال " كارلونلينو"و"فييت"....
الرافد المعرفي الثاني بالنسبة لطه حسين، الذي فتح عيناه على المنهجيات الجديدة في قراءة الآداب العربية، يتمثل في التأثير الذي أحدثه المستشرق كارلونلينو، الذي سيفيده في استخراج علم جديد اسمه : تاريخ الآداب. مع تبلور، القراءة الخارجية للنص العربي. يقول عن هذا المنهج الجديد، إن : (المذهب الذي أحدثته الجامعة المصرية في درس الآداب بمصر نافع النفع كله لاستخراج نوع من العلم لم يكن لنا به عهد مع شدة الحاجة إليه وهو تأريخ الآداب تأريخا يمكننا من فهم الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة فهما صحيحا، حظ الصواب فيه أكثر من حظ الخطأ ونصيب الوضوح فيه أوفر من نصيب الغموض) (14).
 ولعل في كل ذلك، من خلال تأثير الرجلين على فكرطه حسين، يتحقق الفهم المنهجي، الذي أعطي لتاريخ الأدب في المشروع النقدي لطه حسين، بتأسيس المنهجية التاريخية، على نظرة متكاملة تحاول الإحاطة بكافة معطيات الظاهرة الأدبية. المرصفي، كان بالنسبة لطه حسين مرجعا لغويا، مكنه من استيعاب الاشتغالات الداخلية للنص، مكوناته اللغوية والأسلوبية، ونحن نعرف جيدا متانة النص العربي القديم، من حيث بلاغته وتركيبه اللغوي المكثف، مما يجعل من الصعوبة اختراقه، مادمت لا تتوفر على تكوين لغوي قوي. وقد تأتى هذا الشرط  لطه حسين، بفضل تتلمذه على شيوخ الأزهر، خاصة المرصفي : (لقد علمه إذا كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوق كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد طه حسين برصيد هام في كتابته الأدبية (...) وتعتبر هذه القراءة  أساسية في العملية النقدية التي سيتعامل معها طه حسين في دراسته للنص الأدبي، كما تعتبر ثابتا أساسيا سيوجه مشروع كتابته النقدية عندما يحاول البحث عن قراءة  جديدة وصحيحة للنص العربي القديم) (15).
 أما الأستاذ كارلو نلينو، فقد كان  بالنسبة  لطه حسين، الرافد الآخر في تشكيل منهج قراءته. هذه المرة سيأخذ طابعا مغايرا، عن قراءة سيد علي المرصفي، حيث يحاول الإحاطة بالظاهرة الأدبية في معطياتها الخارجية، والإلمام بسياقها البراني : (ستكون هذه القراءة للنص العربي قراءة من الخارج، إذ سيمده بالمنهج الذي سيقدم به طه حسين قراءته الأولى للناس  في صياغة جديدة تكشف عن أشياء ذات بال كمال قال، حتى يتمكن الناس من فهمها وتكون قريبة إليهم ولا يشعرون بالاغتراب إزاءها كما حصل لطه حسين)(16).
تكاملت النظرة إذن، لدى طه حسين،بالتالي بقي وفيا للبرنامج الذي خطه لكل دارس لتاريخ الأدب. قراءة لا تنفصم، ولا تجيز الاهتمام والانكباب، على جانب دون آخر، إنه تصور متكامل.
في نص لطه حسين، سيقر بأن ما تلقاه لدى سيد علي المرصفي و كارلونلينو، شكل بالنسبة إليه الأساس النظري والمنهجي، وكذا الأرضية الفكرية بالنسبة لكل ما سيأتي من بعد. أو بمعنى ثان، تحدد مشروع طه حسين النقدي، بناء على أفق  فكر الرجلين. يقول في هذا الإطار : (أحدها علمني كيف أقرأ النص العربي القديم وكيف أفهمه وكيف أتمثله في نفسي، وكيف أحاول محاكاته. وعلمني الآخر كيف أستنبط الحقائق من ذلك النص وكيف أصوغها آخر الأمر علما يقرؤه الناس فيفهمونه ويجدون فيه شيئا ذا بال. وكل ما أتيح لي بعد هذين الأستاذين العظيمين من الدرس والتحصيل من مصر فهو قد أقيم على هذا الأساس. الذي تلقيته منهما في ذلك الطور الأول من أطوار الشباب. بفضلهما لم أحس الغربة حين أمعنت في قراءة كتب الأدب القديم، وحين اختلفت إلى الأساتذة الأوربيين في جامعة باريس وحين أمعنت في قراءة الأدب الحديث) (17).
على هذا الأساس، تبلور مشروع تاريخ الأدب عند طه حسين، باعتباره تصورا شموليا للمعطيات المحيطة بالظاهرة الأدبية، ومحاولة مقاربتها من مختلف الزوايا، وكذا الحيثيات الإشكالية للمعطى الأدبي. مؤرخ الأدب حسب  طه حسين، لا يكتفي، فقط بالوقوف عند حدود التأريخ للأدب، إنما يضطر إلى الإحاطة بالمعطيات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وكذا اللغوية  للحظة التاريخية، التي يريد العمل على موقعتها، فهذه المباحث الإنسانية الأخرى، تعتبر مكملة لعمل المؤرخ الأدبي. ولعل هذا الفهم الذي أعطاه طه حسين، دفعه إلى تجاوز التأسيسات المنهجية والمعرفية التي تنهض عليها بعض عمليات التاريخ الأدبي. أهمها :
* استحضار المقياس والبعد السياسي في عملية التأريخ للأدب :
من أكبر تجليات هذا الفهم : اشتغال هذا الربط بين السياسي والأدبي في الثقافة العربية، حيث لازلنا نؤرخ للأدب بالدولة السياسية، هكذا نقسم العصور الأدبية على حسب العصور السياسية. ويتم ربط ازدهار وانحطاط اللحظة الأدبية، بالاستقرار السياسي أو انحطاط الحياة السياسية. فالأدب كان راقيا في عصر بني أمية، وفي العصر العباسي، لأن الدولة العربية في تلك الفترة كانت قوية سياسيا، وتميزت كذلك بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أو على العكس سينحط الأدب، حينما تفككت هذه الدولة وضعفت ... .
ينتقد طه حسين، هذ التأويل، رافضا تحديد الأدبي انطلاقا من السياسي، فالمسألة غير مؤكدة، يقول: (إن الحياة السياسية لا تصلح مطلقا لأن تكون مقياسا للحياة الأدبية وإنما السياسة كغيرها من المؤثرات. كالحياة الاجتماعية، كالعلم، كالفلسفة، تبعت النشاط في الأدب حينا آخر، فلا ينبغي أن يتخذ واحد من هذه الأشياء مقياسا للحياة الأدبية)(18). لكن هذا لا يعني أنه، يتغاضى أو ينكر الصلة بين الأدبي والسياسي، إنما يؤكد على ضرورة التعامل مع تداخل المفهومين بنوع من النسبية.
* تحديد عملية تأريخ الأدب بنوع من الدوغماطيقية :
تجلت هذه المسألة تاريخيا في التأسيسات المفاهيمية للمشروع النقدي لرواد القرن 19 ،فنحن نعلم أن الهم المعرفي، الذي أعطى المسوغ النظري، لرموز نقدية، مثل : تين، سانت بوف، برونتير ... بتأثير من العلم الطبيعي، هو تحويل تاريخ الأدب إلى علم موضوعي، يتوخى تحقيق نتائج، تخلو من الاعتبارات الشخصية والذاتية. وقد حاول كل ناقد تحقيق هذا الهدف بطريقته.
إلا أن طه حسين يرفض هذا التصور، من خلال إيمانه بالخصوصية المعرفية والمنهجية لكل حقل من الحقول النظرية، جازما بأن : (تاريخ الأدب لا يستطيع بوجه من الوجوه أن يكون "موضوعيا" صرفا، وإنما هو متأثر أشد التأثر وأقواه بالذوق، وبالذوق الشخصي قبل الذوق العام) (19). مما يجعل مسألة العلمية، تأخذ فهما جديدا ومغايرا داخل حقل تاريخ الأدب، عن اشتغالاتها في العلوم الأخرى.
* المقياس الأدبي :
في سبيل تجاوز الاشتغالات السابقة، اقترح طه حسين، فهما منهجيا يؤسس  ذاته على رافدي العلمية و الفنية، أو بمعنى آخر؛ أن ينهض تاريخ الأدب على إطار نظري يمكنه من استيفاء حدود العلمية، التي تمكن له حيز الموضوعية. من جهة أخرى، التعبير عن الطبيعة الذاتية للعمل الفني ؛ مما يقتضي استحضار مقولة الذوق، حيث رهان المعطى الأدبي على ذاته. ولعل في هذا النموذج الأخير، تتحدد رؤية طه حسين، للإطار النظري المحدد  لعمل مؤرخ الأدب.
ـــــــــــــــــــــــــــ
 هوامش
(1)          سامح كريم، ماذا يبقى، من طه حسين ؟ دار العلم، بيروت. الطبعة2، 1977، ص 62.
(2)          طه حسين : في الأدب الجاهلي. دار المعارف. مصر، الطبعة 10، ص 68.
(3)          نفسه، ص 68.
(4)   أحمد بوحسن، الخطاب النقدي عند طه حسين، المركز الثقافي العربي، ط1،  1985، ص 113.
(5)          سامح كريم، المرجع نفسه، ص 65.
(6)          نفسه، ص 66.
(7)          نفسه، ص 66.
(8)          نفسه، ص 67.
(9)          نفسه، ص 109/110.
(10)   نفسه، ص 109.
(11)   أحمد بوحسن، المرجع نفسه، ص 49.
(12)   نفسه، ص 39.
(13)   سامح كريم، المرجع نفسه، ص 108.
(14)   أحمد بوحسن، المرجع نفسه، ص 49-50.
(15)   نفسه، ص 39.
(16)   نفسه، ص 39.
(17)   نفسه، ص 38.
(18)   طه حسين : في الأدب الجاهلي، ص 39.
(19)   نفسه، ص 46.

فرانز كافكا بقلم : طه حسين





مر بهذا العالم مرا سريعا , فلم يعش فيه الا أربعين عاما , أنفق جزءا غير قليل منها في الطفولة والصبا , متأثرا بما حوله غير مؤثر فيه , متلقيا ما ينحدر اليه من أبويه الذين منحاه لحياة , وما يقدم اليه أبواه أثناء التربية من ألوان التصور للأشياء , والتقدير لها , والحكم عليها , والوقوف أمامها , قابلا حينا ورافضا حينا اخر , متلقيا كذلك ما تقدم اليه بيئته الخاصة التي تحيط به وبأسرته في مدينة براج , في اواخر القرن الماضي من ألوان الحضارة وفنون الحياة التي كانت الطبقة الوسطى تحياها في ذلك الوقت .ثم أنفق بعض هذا الأمد طالبا في المدارس الثانوية ثم في الجامعة , مندفعا بميله الأول الى العلم , ثم متحولا عن العلم التجريبي الى الفقه والقانون , حتى اذا ما أتم دراسته التمس عملا يكسب منه القوت , ليظفر بشيء من الحياة المستقلة , فوجد هذا العمل في شركة من شركات التأمين .

وهو في أثناء ذلك يتكلف أسفارا قصيرة في وطنه وفي ألمانيا وسويسرا , وايطاليا وفرنسا . ثم لا يكاد القرن العشرون يتقدم قليلا , حتى يقضي عليه الموت سنة 1924 وقد ولد 1883 فحياته العاملة الظاهرة كما ترى قصيرة جدا , بسيطة جدا , ليس فيها عوج ولا التواء , وليس فيها تكلف ولا تعقيد , ومع ذلك فلم يعرف التاريخ الأدبي كثيرا من الأدباء تعقدت حياتهم النفسية , والتوت بهم طرق الاحساس والشعور والتفكير , كهذا الأديب , والذين يدرسون حياته النفسية هذه في اثاره الكثيرة يردون تعقيدها الى طائفة من المؤثرات , قريبة في نفسها ولكنها بعيدة أشد البعد فيما نشأ عنها من ضروب الشعور والتفكير .

فقد كان أديبنا من أسرة يهودية تعمل في التجارة , متأثرة أشد التأثر , وأيسره في الوقت نفسه , بالتقاليد اليهودية المتوارثة , في شرق أوروبا ووسطها , فهي محافظة أشد المحافظة على هذه التقاليد السطحية التي يحافظ عليها اليهود , وهي في الوقت نفسه متهاونة أشد التهاون في حقائق الدين ودقائقه , ترى أنها قد أدت الواجب على وجهه اذا اختلفت الى المعبد في أوقات معلومة , فسمعت ما يسمع الناس , وقالت ما يقولون , وأتت من الحركات والأعمال ما يأتون , دون أن يتجاوز شيء من هذا كله أطراف اللسان وأعضاء الجسم , الى دخائل النفوس وأعماق القلوب فدينها ظاهر من الأمر , كدين غيرها من عامة الناس , صور وأشكال لا تمس الضمير , ولا تؤثر في السيرة اليومية , ولا توجه الحياة الداخلية والخارجية الى وجه حياة الناس , على اختلاف أديانهم وعقائدهم .من هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , التي تدفع الناس الى العناية بمنافعهم القريبة العاجلة , أكثر من العناية بحقائق الدين ودقائقه , وبتعمق الحياة وما يكون فيها من الاحداث , وما يمكن أن يكون لها من الاغراض العليا والغايات البعيدة .

ولذلك لم يلبث أديبنا أن ضاق بهذه الحياة الدينية الظاهرة المتكلفة التي تقوم على النفاق أكثر مما تقوم على الايمان , فجحد دين الأسرة والشعب اليهودي أولا , ثم جحد الدين نفسه بحقائقه ودقائقه بعد ذلك , وأقام حائرا لا يستطيع أن يعود الى دين أبائه , لأن عقله لا يطمئن الى هذا الدين , ولا يستطيع أن يستغني عن حياة دينية صادقة تعمر القلب , وتملأ الضمير ثقة واطمئنانا , فهو ينكر من جهة أشد الانكار , ويسعى من جهة أخرى أشد السعي , الى أن يجد ما يؤمن به وترتاح نفسه اليه

وهذه المحنة القاسية التي امتحن بها في ايمانه , قد نشأت عنها محنة أخرى ليست أقل منها قساوة وعنفا , وليست أيسر منها تأثيرا في حياته الداخلية , فقد امتحن أديبنا في الصلة بنيه وبين أبيه , أنكر سيرة أبيه في الدين , لأنه لم ير فيها صدقا ولا اخلاصا , ثم أنكر سيرة أبيه في الأسرة لأنه راها تقوم على التسلط والاستطالة وعلى القوة والقهر أكثر مما تقوم على الرحمة والحب وعلى البر والعطف والحنان , ثم أنكر سيرة أبيه في تدبير منافعه التجارية المختلفة , لأنه راها تقوم على الحرص والأثرة وانتهاز الفرص , أكثر مما تقوم على القصد والعدل والانصاف , فنظر الى أبيه على أنه طاغية مخيف , ولن يستطع أن ينظر اليه الا على هذا النحو , وأقام الصلة بينه وبين أبيه على الاشفاق والخوف , ثم على المصانعة والمداراة , ولم يستطع أن يقيمها على شيء اخر من هذا التعاطف الرقيق الرفيق الذي يكون بين الابناء والاباء .

فهو اذن منكر للدين وسلطانه , وهو في الوقت نفسه ضيق بالابوة وسلطانها , وهو لا يلبث أن يوحد بين هذين النوعين اللذين ينكرهما من السلطان : سلطان الدين , وسلطان الأبوة . فيقف منهما موقفا قوامه القلق والفزع والهول , وهو يشقى بهذا الموقف حياته كلها , قد حاول ما وسعته المحاولة , أن يخلص من الشك الى الثقة ومن الخوف الى الأمن , فلم يجد الى ذلك سبيلا .

ثم تنشأ من محنته في الدين وفي الصلة بينه وبين أسرته , محنة أخرى ليست أقل منهما قسورة ولا تعقيدا , وهي المحنة التي تمس حقه في أن يحيا حياة الأباء , فيتخذ الزوج ويمنح الوجود للولد , كما اتخذ أبوه الزوج وكما منحه ومنح اخوته الوجود , فهو يشعر بأنه مدين لأبيه بوجوده , لا يشك في ذلك , ولا يشك في أن الدين يجب أن يؤدى , ولا يشك في أن الوسيلة الوحيدة الى أن يؤدي الابن ما عليه لأبيه من الدين انما أن يمنح الوجود الذي تلقاه من أبيه لأبناء يتلقونه منه ويمنحونه بعد ذلك لأبنائهم , فاذا اتخذ الزوج ورزق الولد , فليس عليه لأبيه دين . وهو يؤمن بهذا كله , ولكنه في الوقت نفسه يقف من هذه القضية موقفا يشبه أبي العلاء في البيت المشهور

                           هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد

ذلك أنه يرى الحياة التي تلقاها من أبيه شرا لا خيرا , لأنها لم تمنحه رضا القلب , ولا هدوء النفس , ولا راحة الضمير , ولا هذه الثقة الباسمة التي تنشأ عنها كل هذه الخصال , وهو مدين لأبيه وما في ذلك شك , وليس أحب اليه من أن يؤدي ما عليه من الدين , ولكن بشرط ألا يكون أداء الدين مصدرا لشر , ولا سبيلا الى الأذى وبشرط ألا يجني على أبنائه , ما جنى عليه أبوه من هذا القلق المتصل , والخوف الملح , واليأس المقيم .

والى جانب هذه المحن التلاث , في الدين والابوة والزواج , تضاف محنة أخرى لعلها أن تكون هي التي أسبغت لونها القاتم على محنه الأخرى كلها , وهي محنة المرض , المرض الذي لا يظهر فجاءة ولا يثقل المريض ثقلا طويلا , وانما يداوره ويناوره , ويسعى اليه سعيا خفيا بطيئا متلكئا , يدنو لينأى عنه , ويلم به ليفارقه , ويقفه من الحياة موقفا غريبا لا هو باليأس الخالص ولا هو بالأمل الخالص , وانما هو شيء بين ذلك , يملأ القلب حسرة ولوعة , ويملأ النفس شقاء وعناء , حتى اذا استبان أنه قد نهك فريسته وكلفها من الجهد أقصاه ولم يبقى فيها قدرة على المقاومة , أنشب فيها أظافره , وصب عليها الاما ثقالا وأهوالا طوالا , ثم قضى عليها الموت في ساعة من ساعات الليل أو من ساعات النهار .

فأنت ترى أن أديبنا عليل قد ألحت عليه العلة , وأن علته معقدة أشد التعقيد بعضها يتصل بالدين , وقد عجز أطباء اللاهو ت عن علاجه , فهو قد قرأ الثوراة وتعمق دراسة التلمود , ودرس المسيحية ودرس فلسفة الفلاسفة المؤمنين والملحدين , فلم يجد لعلته الدينية هذه طبا ولا شفاء

وبعضها يتصل بالوراثة والصلة بين الابن وأبويه , فهو الى علم النفس التحليلي أقرب منه الى أي شيء اخر , وقد عجز علم النفس التحليلي عن علاجه ,فلم يستطع أحد ولم يستطع شيء أن يصلح رأيه في أبيه , أو يصلح العلاقة بينه وبين أبيه , وانما ظل طول حياته واقفا من أبيه موقف الطفل الخائف المروع الذي يرى تفوق أبيه وتسلطه , ويحاول أن يخلص من سلطانه فلا يستطيع , ويحاول أن يحبه وأن يظفر منه بالحب فلا يستطيع .

وبعضها يتصل برأيه في الحياة , وموقفه منها ورغبته في أن يحياها كمت تعود الناس أن يحيوها , وخوفه مع ذلك من العجز عن احتمال أثقالها , وخوفه بنوع خاص من أن يحمل هذه الأثقال قوما اخرين أبرياء , لم يجنوا ما يستحقون من أجله احتمال الأثقال , وهم الزوج والولد .

وبعض علته جسمي يتصل بالفيسولوجيا , وقد عجز الأطباء عن علاجه , فما زال السل يداوره ويناوئه حتى قضى عليه اخر الأمر

فاذا قدرنا هذه المحن كلها , وقدرنا أنها لم تصب على رجل عادي , وانما صبت على رجل ممتاز له من القلوب أذكاها , ومن العقول أصفاها , ومن الأذواق أرقها , ومن المشاعر أدقها , ومن الحس أشده ارهافا , وله بعد ذلك ارادة حازمة صارمة , وقدرة مدهشة على الملاحظة , وعلى ملاحظة نفسه أكثر من ملاحظة غيره من الناس , وبراعة خارقة للعادة في أن يجعل نفسه موضوعا للدرس والبحث والتحليل , ون يكون هو الدارس الباحث المحلل , وأن يسجل ما ينتهي اليه درسه وبحثه وتحليله , في اثار مكتوبة طوال وقصار , أقول اذا قدرنا هذا كله , لم نر غريبا أن يكون أديبنا هذا بهذه المنزلة التي شغلت الناس , ويظهر أنها شغلتهم وقتا طويلا .

وربما كان أخص ما يمتاز به فرانز كافكا أشد الامتياز , أنه كان أصدق الناس لهجة , وأشدهم اخلالصا , وأبغضهم للتكلف , وأبعدهم عن التصنع , وأعظمهم حظا من التواضع الذي يأتي من معرفة الانسان قدر نفسه بعد الدرس المتصل والاستصقاء العميق , وهو من أجل ذلك كان يكتب لنفسه أكثر مما كان يكتب للناس , فقد كان من أشد الناس زهدا في نشر اثاره وأعظمهم اخفاء لها وضنا , لا لأنه كان يكبرها أو يغالي بها , بل لأنه كان يزدريها كما كان يزدري نفسه .

وقد نشر قليل من اثاره أثناء حياته في المجلات , ولم ينشر في أكثر الأحيان الا على كره منه , كان صديقه ماكس برود يختطف هذه الاثار اختطافا , ويدفعه الى نشرها دفعا , فلما أدركه الموت وقرئت وصيته , تبين أنه قد اختار صديقه هذا –ماكس برود- وصيا , وأنه يطلب اليه أن يحرق اثاره كلها وألا ينشر منها في الناس شيئا .وقد وقف الوصي من هذه الوصية موقف الحيرة التي لم تتصل , فشك غير طويل ثم خالف عن أمر صديقه , وأخذ في نشر اثاره ملتمسا لذلك ما شاء من العلل والمعاذير .

وقد مات فرانز كافكا سنة 1924, ولم تمض على وفاته أعوام حتى كانت اثاره بعيدة الانتشار في ألمانيا , بل في أوروبا الوسطى كلها , ثم تجاوزت حدود أوروبا الوسطى الى أوروبا الغربية , فتلقاها الفرنسيون لقاء غريبا . وربما كان من طرائف الأشياء , أن اثار كافكا كانت تستقبل أحسن استقبال في غرب أوروبا , وينكل بها أبشع تنكيل في أوروبا الوسطى , فكان الفرنسيون والانجليز يترجمونها ويفسرونها , على حين كان الألمانيون الهتلريون يحرقونها جهرة في الميادين .

وقد يكون من الخير أن نلاحظ , قبل أن نتحدث عن اثار فرانز كافكا أن ظروف الحياة الأوروبية كانت ملائمة كل الملائمة لظهور هذه الاثار , فقد بدأ كافكا يشعر ويفكر قبيل الحرب العالمية الأولى , فكان كل شيء من حوله يؤذن بالكارثة , ويدفع الى البؤس واليأس .ثم مضى في تفكيره وانتاجه أثناء الحرب العالمية الأولى , فكان في تلاحق الكوارث والفواجع من حوله ما يزيد امعانه في البؤس واليأس , ثم نظر ذات يوم فاذا كل شي من حوله ينهار , فامبراطورية النمسا والمجر تتفرق أيدي سبا , والامبراطورية الألمانية العظيمة تلقي السلاح وتركع متلقية شروط المنتصر , فلا يزيده هذا كله الا ايغالا في البؤس واليأس , ثم يمضي في تفكيره وانتاجه وقد تم الصلح .
ولم تلبث الانسانية بعد امضائه أن استشعرت خيبة الأمل وكذب الظن , فلم يتحقق العدل الذي قيل ان الحرب أثيرت لتحقيقه , وانما عادت الانسانية بعد الحرب , كما كانت قبل الحرب , بائسة يائسة , متخبطة لا تدري الى ي وجه تتجه , ولا في أي طريق تتجه , ولا في أي طريق تسير .

حياة خاصة كلها نكر وشر , وحياة عامة كلها بؤس ويأس , فأي غرابة في أن يكون الأدب الذي ينتجه فرانز كافكا في هذه الظروف كلها هو الأدب الأسود بأدق معاني هذه الكلمة وأشدها سوادا وحلوكا ؟!

وواضح جدا أن هذا القلب الذكي ذا الحس المرهف والشعور الدقيق لم يصور الحياة كما راها من حوله فحسب , وانا صور هذه الحياة وصور اثارها القريبة , فكان في أدبه هذا المظلم , شيء من التنبئ المزعج , بما ستتعرض له الانسانية من الكوارث والأخطار
وكان من أجل هذا بغيضا الى الذين كانوا يريدون أن يعيدوا الحرب جذعة , مثيرا للشوق وحب الاستطلاع عند الذين كانوا يخافون الحرب ويشفقون من أن يدفعوا اليها كارهين . ومن أجل هذا كانت اثار فرانز كافكا في وقت واحد تترجم في باريس , وتحرق في في برلين , والاثار الأدبية التي تركها فرانز كافكا كثيرة منوعة , لم تنشر كلها بعد , وانما نشر أكثرها , وأظهر ما تمتاز به من الخصائص أنها تصور القلق الذي يوشك أن يبلغ اليأس , وتصور الغموض الذي يضطر القارئ الى حيرة لا تنقضي ويدفعه الى كثير من المذاهب في فهم هذه الاثار وتأويلها , وحل ما تشتمل عليه من الألغاز والرموز , فقد كان فرانز كافكا أشد الناس صراحة وأعظمهم اخلاصا في حياته اليومية , وفيما كان ينشأ من الصلات بينه وبين أصدقائه وذوي معرفته , وفيما كان يسجل لنفسه من الخواطر والمذكرات في يومياته المتصلة , ولكنه بعد هذا كله كان أبعد الناس عن الصراحة و أنآهم عن الوضوح , فيما كان ينتج من القصص الطوال والقصار

وليس من المهم أن نلتمس العلل المختلفة لهذا الغموض , فالأدب الرمزي في نفسه ظاهرة سائغة طبيعية , ليست في حاجة الى أن تلتمس لها العلل والمعاذير , وانما هي أثر من اثار بعض الامزجة , ولون من ألوان الفن , في كثير من الاداب القديمة والحديثة , على اختلاف البيئات والعصور. فقل بعد ذلك ان فرانزا كافكا قد أمعن في درس التلمود , وتعمق ما في اداب اسرائيل من الأسرار والألغاز , وتأثر بهذا كله في فنه , فهذا حق من غير شك , ولكنه ليس كل شيء , فما أكثر الأدباء الرمزيين الذين يستمدون رمزيتهم من مزاجهم الفني وحده , لا من دراسة التلمود ولا من تعمق الأسرار والألغاز في أدب اسرائيل

والغموض في أدب كافكا من نوع خاص , فالرجل المثقف حين يقرأ هذا الأثر أو ذاك من اثاره , لا يشعر بالغموض لأول وهلة , وانما يخيل اليه أنه يقرأ شيئا يسيرا سائغا قريب الفهم , لا يتكلف في تذوقه جهدا ولا عناء , ولكنه لا يلبث أن يحس شيئا من الغرابة , أو قل شيئا من الغرابة في هذا الذي يقرأ , لأنه يرى أشياء مسرفة في البساطة مألوفة أشد الالف ليس من شأنها أن ترتفع الى حيث تكون أدبا ينتجه الفن الرفيع , وانما هي من هذه الاشياء التي يراها الانسان في كل يوم وفي كل مكان , وفي الطبقات الساذجة العادية من الناس , فيسأل القارئ نفسه , أو قل يقنع القارئ نفسه بأن الكاتب لم يرد الى هذه البسائط , وانما اتخذها وسائل قريبة لغايات بعيدة . وهنا يدفع القارئ الى التماس هذه الغايات , فيذهب في التماسها كل مذهب , ويسلك الى استكشافها كل سبيل , وقد يصل الى شيء يحسبه الغاية التي قصد اليها الكاتب , ولكنه لا يكاد يفكر ويروي , حتى يشك فيما انته اليه وحتى يسأل نفسه الا يمكن يكون الكاتب قد أراد الى غاية أخرى ا والى غايات أخر , غير هذه التي انتهى هو اليها ؟ 

وكذلك نستطيع أن نقول أن قارئ فرانز كافكا , معلق دائما , يخيل اليه أنه يفهم ما يقرأ , وهو يفهم معانيه القريبة من غير شك ولكنه يشعر شعورا قويا بأن هذا الذي يفهمه ليس هو الذي قصد الكاتب اليه . والى جانب هذا الشعور بالتعليق المتصل يجد القارئ أثناء قرائته حرجا مرهقا وضيقا شديدا , لأنه يرى نفسه في بيئته مهما تكن قريبة في ظاهر الامر فهي غريبة في حقائق الاشياء , وهو من أجل ذلك لا يحس يسرا ولا سهولة ولا سعة , وانما هو يشعر بضيق الصدر وقلق النص , وهذ ا الجهد العنيف الذي يفرض على العقل .

فقارئ فرانز كافكا في الدنيا وليس فيها , هو في عالم غريب , لا هو بالواقعي ولا هو بالوهمي , وانما هو شيء بين الواقع والوهم بلأ النفس حيرة وشوقا وسأما والحاحا في وقت واحد . تأخذ في قراءة القصة فيفاجؤك قربها وتدهشك غرابتها , وأنت لا تكاد تطمئن الى هذا القرب اليسير المألوف , ولو قد اطمأننت اليه لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب , ورأيت أنك لست في حاجة الى تكلف الجهد لتفهم ما لا يحتاج الى الفهم , وأنت لا تطمئن الى هذه الغرابة ولو قد اطمأننت اليها لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب يائسا من القدرة على الفهم . فأنت اذن معلق بين الوضوح الذي يملأ نفسك سأما وبين الغموض الذي يملأ نفسك شوقا , وما تزال في هذه الحال المعلقة مذ تبدأ الكتاب أو القصة الى أن تفرغ منهما .

وأغرب من ذلك أنك حين تفرغ من القراءة , لا تنتهي الى ما يحسن الاطمئنان اليه والسكوت عليه , و أنت معلق بعد الفراغ من القراءة كما كنت معلقا في أولها وفي وسطها , ذلك لأن الكاتب لا يتم قصته وانما يقتضبها اقتضابا , وبنتهي بها الى شيء لا يصلح أن يكون غاية لقصة أو كتاب . ومصدر ذلك في أكبر الظن أن الكاتب نفسه لا يعرف لنفسه غاية يقف عندها أو أمدا ينتهي اليه , وانما هو يمضي بقصته في طريقها ما وسعه المضي , حتى اذا أدركه الاعياء أو انتهى الى بعض الطريق , وجد أمامه سدا منيعا لا يستطيع أن يتجاوزه , فوقف حيث ينتعي به السعي , واستأنف السير في طريق أخرى وانتهى من هذه الطريق الأخرى الى مثل ما انتهى اليه في الطريق الأولى فوقف ثم استأنف السير في طريق تالثة .

فأنت ترى الى الان أن أدب فرانز كافكا يقوم , أو قد يدور حول هذه الأصول التلاثة وهي العجز عن الاتصال بالاله من جهة , والعجز عن فهم الخطيئة والتبرؤ منها مع الثقة بالتورط فيها من جهة ثانية , والعجز عن فهم العلل الغائية لما يكون في العالم من الخطوب والأحداث من جهة تالثة . وأنت اذا قرأت هذه الاثار الكثيرة التي نشرت لفرانزا كافكا على اختلافها في الطول والقصر , وتفاوتها في الوضوح والغموض , رأيتها كلها تدور حول هذه الأصول , وقد يلح هذا الأثر أو ذاك في تجلية هذا الأصل أو ذاك , ولكن مجموعتها تنتهى بك دائما الى هذه الخلاصة القاتمة السلبية , التي تجعل حياة الانسان كلها عجزا وقصورا ويأسا أو شيئا قريبا جدا من اليأس .
ومن أجل هذا وصف أدب فرانز كافكا كما وصف أدب أبي العلاء المعري بأنه أدب قانم حالك , يفل العزائم ويثبط الهمم , ويصد الاسان عن العمل ويرده عن الأمل , ويدفعه الى نشاط عقلي عقيم , يدور حول نفسه أكثر مما يدور حول غيره , ولا يحفز الناس الى طمع أو طموح , وانما يمسكهم في لون من الخوف المنكر , الذي لا أمن معه ولا اطمئنان .

ومن أجل هذا حرقت كتب كفكا في برلين أثناء الحكم الهتلري , ومن أجل هذا كان اليساريون في فرنسا يبغضون هذه الكتب أشد البغض , ويودون لو يحال بينها وبين الشباب , ويعبرون عن هذا كله بهذه الجملة التي كثر حولها الحديث في في فرنسا أثناء الصيف الماضي " يجب أن يحرق فرانزا كافكا"

وواضح جدا أن هذه العبارات ليست الا رمزا , فتحريق الكتب لا يغني شيئا ويكفي أن تحرق الكتب ليزداد انتشارها , انما المهم هو أن هذا الأدب القاثم مثبط لهمم الشباب , فلا ينبغي أن يخلى بينه وبين الشباب