‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكسندر كوجيف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكسندر كوجيف. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 سبتمبر 2018


الكسندر كوجيف وخفايا "ما بعد الحداثة"
رسول محمد رسول



في السنوات التي خلت صار الحديث عما بعد الحداثة بل والحداثة أيضاً لقمة سائغة لدى الكثير من النُّخب المثقفة في الوطن العربي، إلا أن أحداً منهم ربما لا يعلم الكيفية التي تنامى فيها الفكر الحداثي ليصل إلى مرحلة ''المابعد'' أو ''ما بعد الحداثة''، ولا يعرف أيضاً من هو الأب الروحي لفكر ما بعد الحداثة؟·

لعل جهود الباحثة المصرية المغتربة الدكتورة شادية دروري التي تكتب باللغة الإنجليزية، وتعيش في كندا منذ سنوات طويلة، قد وضعت أناملها الرقيقة على فراغ معرفي كان من الضروري ملئه منذ أعوام عندما أخذ مفهوم الحداثة ومفهوم ما بعد الحداثة يتم تداوله في الثقافة العربية من دون معرفة المزيد عن خفاياها ذات الأهمية الفائقة؛ فمعرفة الجذور والملابسات في مفهوم أو مذهب فكري أو فلسفي هي من الأهمية بمكان تقي جملة من الإشكاليات العابرة التي تنخر الوعي البشري عندما يتصدّى للنظر في إشكالية فكرية ما أو إشكالية مفهومية ما·

في ضوء ذلك، أقبلت الدكتور شادية دروري في كتابها ''خفايا ما بعد الحداثة/ دمشق 2006/ ترجمة موسى الحالول'' على تناول إشكالية ما بعد الحداثة من خلال البحث في جذور نشأتها وتشكُّلها عبر التعرُّض إلى دور المفكِّر الروسي إلكسندر كوجيف 1902 ـ 1968 في إدلاق ليس فقط مفهوم ما بعد الحداثة إنما حسب بناء فلسفة ما بعد الحداثة كاتجاه فاعل ومؤثر في الفكر الغربي العاصر·

هاجر كوجيف من روسيا إلى باريس، وفي ثلاثينيات القرن الماضي، أخذ يلقي محاضرات عن فلسفة هيجل، وصار الاعتقاد بأن تلك المحاضرات هي التي صاغت المشهد الفكري الفرنسي في القرن العشرين، فقد حضرها كل من جورج بتاي، وموريس مورلوبونتي، واندريه بريتون، وجاك لاكان، وريمون آرون، وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين·

تعود المؤلفة في الباب الأول من كتابها الذي تميز أسلوبها فيه برشاقة العبارة ورقَّة الكلمة إلى بيان معالم الفلسفة الهيجلية التي وسمها كوجيف بميسمه الخاص به؛ إذْ كان شرحه لكتاب هيجل ''ظواهرية العقل'' مزيجاً سحرياً من أفكار هيجل وماركس وهايدغر ونيتشه، مزيجاً خلب ألباب كل من استمع إلى محاضراته في حينها من الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين والغربيين· وعنصر السحر فيها لم يكن في سلاسة أسلوب كوجيف في الطرح، ولا في مضاءة الحجَّة لديه، ولا في وضوح منهجيته، بل في قدرته على حبك نص كتاب ''ظواهرية العقل'' في حكاية ذات نهاية مأسوية·

تبقى المؤلفة في فرنسا، حيث تدرس في الباب الثاني تأثير كوجيف في المفكرين الفرنسيين أمثال ريمون كونو، وجورج بتاي، وميشيل فوكو، ذلك أنها تعتقد أن دراسة التأثير الكوجيفي تلقي ضوءً جديداً على ما بعد الحداثة، حيث تكشف من أين جاءت رومانسية ما بعد الحداثة المظلمة؟ وتبين لماذا لا يكتمل أو يتعمَّق فهمنا لدوافع ما بعد الحداثة وطموحها دون النظر في سمة التفنيد الذاتي فيها؟ كما أن المؤلفة تتساءل لماذا لا تهتم ما بعد الحداثة بالحرية على نحو مطلق؟·

ولكننا نتساءل: هل امتد تأثير كوجيف إلى مفكري الولايات المتحدة الأميركية؟ هذا ما تجيب عنه الدكتورة شادية دروري، وهو ما تناولته في الباب الثالث من الكتاب حيث رأت أن تأثير كوجيف في أميركا كان كبيراً جداً نتيجة لصداقة كوجيف الطويلة والعميقة مع ليو شتراوس؛ ولذلك درست صور السجال الذي دار بين الصديقين، وترى أنه سجالٌ أُسيء فهمه إلى درجة هائلة·! ولم تكتف بذلك فقط بل درست تأثير كوجيف على أتباع شتراوس، ومنهم: ألن بلوم، وفرانسيس فوكوياما· وتعتقد أن نظرة كوجيف لأميركا بوصفها تجسيداً للحداثة مسؤولة عن الاحتقار والمقت الذي يكنه الفكر الأميركي المحافظ لأميركا ذاتها إلى درجة يحارُ معها المحافظون فيما يحافظون عليه· وخلصت الدكتورة شادية في خاتمة هذا الفصل إلى القول إن معجبي كوجيف الأميركيين هم كمعجبيه الفرنسيين من مفكري ما بعد الحداثة· لكنها تصل إلى نتيجة أخرى في خاتمة الكتاب مفادها أن الفلسفة السياسية لفكر ما بعد الحداثة هي فكرٌ متطرِّف في تجلياته اليمينية كما هو في تجلياته اليسارية·

نقرأ في خواتيم الكتاب أيضاً مما قالته المؤلفة: تشير ما بعد الحداثة إلى بداية عصر جديد متبرِّم من الحداثة إلى أبعد الحدود، وكوجيف شخصية محورية في هذا التبرُّم لأنه أعطى هذا التبرُّم صفة تأريخية ومسرحية وكونية، وتضيف: لقد آمن كوجيف بأن التاريخ مأساة يكافح فيها الإنسان لكي يحقِّق أغلى أحلامه، وعندما ينجح في ذلك فعلاً يدرك أنه خلق عالماً يليق بحيوانات سلبية مُدجَّنة· ومن هذا المنطلق أعلن كوجيف عن فكرة ''نهاية التاريخ'' وفكرة ''موت الإنسان''· وبالرغم من ذلك آمن كوجيف بوجوب تحميل هذه الكارثة برباطة جأش، فما هي إلا نتيجة حتمية لانتصار العقل والعلم في العالم·
..............
(*) جريدة الاتحاد 17 مارس 2007

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018


جدل السيادة والعبودية
أ.كوجيف
ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

الإنسان وعي بالذات. إنه واع بذاته، واع بحقيقته وبكرامته الإنسانيتين. وهو بهذا يختلف اختلافا جوهريا عن الحيوان الذي لا يتخطى مستوى مجرد الإحساس بالذات. والإنسان يعي ذاته في اللحظة التي يقول فيها -لأول مرة- أنا. وإن فهم الإنسان بفهم "أصله" يعني فهم أصل الأنا الذي يكشف عنه الكلام.

والحال أن تحليل الفكر أو العقل أو الفهم، الخ، وبصفة عامة، تحليل السلوك المعرفي التأملي المنفعل لكائن أو "لذات عارفة" لا يكشف لنا أبدا لماذا ولا كيف تنشأ كلمة "أنا"، وبالتالي لماذا وكيف ينشأ الوعي بالذات، وأقصد حقيقة الواقع البشري. فالإنسان المتأمل "ينغمس" فيما يتأمله. والذات العارفة تضيع في الموضوع المعروف. لذا فإن التأمل يكشف عن الموضوع لا عن الذات. الموضوع، لا الذات، هو الذي ينكشف لنفسه في عملية المعرفة وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه ينكشف كعملية معرفة. إن الإنسان الذي ينغمس في الموضوع الذي يتأمله لا يستطيع أن "يعود إلى ذاته" إلا عن طريق رغبة كرغبة الأكل على سبيل المثال. فرغبة موجود (واع) هي التي تجعل من هذا الموجود "أنا" وتكشف عنه كذلك عندما تدفعه أن يقول "أنا". الرغبة هي تحول الوجود المنكشف لذاته بواسطة ذاته في المعرفة (الصادقة) إلى موضوع ينكشف لذات بواسطة ذات متميزة عن الموضوع ومعارضة له. فالإنسان يتشكل وينكشف -لنفسه وللآخرين- في رغبته وعن طريقها. والأفضل أن نقول إنه، كرغبة وكرغبته هو، يتكون وينكشف كأنا، كالأنا المخالف اختلافا جوهريا للاأنا والمعارض له معارضة جذرية. الأنا (الإنساني) هو أنا الرغبة. إنه أنا راغب.

وبناء على ذلك فإن الوجود الإنساني، الوجود الواعي بذاته يقتضي الرغبة ويفترضها. وبالتالي، فإن حقيقة الواقع البشري لا يمكن أن تتشكل وتستمر إلا داخل واقع بيولوجي وحياة حيوانية. ولكن إذا كانت الرغبة الحيوانية هي الشرط اللازم لوجود الوعي بالذات، فإنها ليست شرطا كافيا لذلك الوجود. فالرغبة وحدها لا تشكل إلا الإحساس بالذات.

وخلافا للمعرفة، التي تجعل الإنسان سجين اطمئنان سلبي فإن الرغبة تجعله يخرج عن ذلك الاطمئنان فتدفعه إلى العمل. وبما أن العمل هو وليد الرغبة فهو يرمي إلى إشباعها وهو لا يمكن أن يرضيها إلا عن طريق النفي والقضاء على موضوع الرغبة أو تحويله على الأقل: فلكي أشبع جوعي مثلا، يكون علي أن أقضي على الطعام، أو أن أحوله على كل حال. وهكذا فإن كل عمل هو سلب ونفي. وبدل أن يدع المعطى كما هو فإنه يقضي عليه، وهو إن لم يقض عليه في وجوده ففي صورته على الأقل. وكل نفي -سالب للمعطى لا بد وأن يكون فعالا. غير أن العمل السالب النافي لا يكون مجرد عمل هدام. ذلك أن العمل الذي يصدر عن رغبة ما إذا كان يقضي على واقع موضوعي ليشبع تلك الرغبة، فإنه يخلق مكانها واقعا ذاتيا وذلك في فعل ذلك الهدم ذاته وعن طريقه. فالكائن الحي الذي يأكل مثلا يبني ذاته ويحافظ عليها وذلك بأن يقضي على واقع مغاير له، وبأن يحول حقيقة مغايرة ويجعلها حقيقته هو عن طريق "تمثل" حقيقة غريبة خارجية وجعلها حقيقة باطنية. وبصفة عامة، فإن أنا الرغبة هو عبارة عن خواء لا يكتسب محتوى حقيقيا إلا عن طريق فعل النفي الذي يشبع الرغبة بالقضاء على ما ليس أنا، وذلك بتحويله و "تمثله". وهذا المحتوى الحقيقي للأنا الذي يتشكل عن طريق عملية النفي يكون تابعا للمحتوى الحقيقي للاأنا ومتوقفا عليه. لذا فإن كان موضوع الرغبة هو لا -أنا "طبيعي"، فإن الأنا سيكون هو نفسه "طبيعيا". إن الأنا الذي ينتج عن عملية الإشباع الفعالة لتلك الرغبة سيكون من طبيعة الأشياء التي تقع عليها الرغبة: سيكون إذن أنا شيئيا، أنا حيا فحسب، أنا حيوان. وهذا الأنا الطبيعي الذي يتولد عن الموضوع الطبيعي، لا يمكنه أن ينكشف لذاته وللآخرين إلا كإحساس بالذات، وهو لا يبلغ قط مستوى الوعي بالذات.

لكي يكون هناك وعي بالذات، ينبغي أن تقع الرغبة على موضوع غير طبيعي، أي على شيء يتجاوز الواقع المعطى. والحال أن الشيء الوحيد الذي يتجاوز هذا الواقع المعطى هو الرغبة ذاتها. ذلك أن الرغبة، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، أعني قبل إشباعها، لا تكون إلا عدما. إنها ليست إلا خواء لا حقيقة له. وبما أن الرغبة هي انكشاف لخواء، بما أنها حضور لغياب واقع فهي إذن تتميز عن الشيء المرغوب فيه وتختلف عنه. إنها إذن ليست شيئا. وهي ليست كائنا حقيقيا ساكنا، إنها ليست معطى يظل أبدا هو هو. وبناء على ذلك فإن الرغبة التي تنصب على رغبة أخرى، إذا نظرنا إليها من حيث هي رغبة، فإنها ستخلق عن طريق فعل النفي والتمثل الذي يشبعها، أنا يخالف في جوهره (الأنا) الحيواني. وهذا الأنا الذي (يتغذى) على الرغبات، سيكون هو ذاته رغبة تولدت عن إشباع رغبة. وبما أن الرغبة تتحقق كفعل ينفي المعطى، فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن فعل. لن يكون هذا الأنا إذن كالأنا الحيواني، ساكنا دائما هو هو بل إنه سيكون "سلبيا-نافيا". وبعبارة أخرى فإن وجود هذا الأنا سيكون عبارة عن صيرورة. والصورة العامة لهذا الوجود لن تكون هي المكان وإنما هي الزمان. ويعني استمرار هذا الأنا في الوجود "ألا يكون ما هو عليه (من حيث هو كائن ساكن معطى، كائن طبيعي وخصائص فطرية) وأن يكون (أي أن يصير) ما ليس هو" سيكون هذا الأنا إذن من صنع ذاته: سيصبح (في المستقبل) ما صار عليه (في الحاضر) عن طريق عملية سلب ما كان عليه (في الماضي). على أساس أن عملية السلب هاته قد تحددت بما سيصير إليه. إن هذا الأنا إذن هو، في وجوده صيرورة ترمي إلى قصد وغاية، وهو تطور هادف وتقدم واع يتم عن طواعية. إنه عملية تجاوز للمعطى الذي يقدم له والذي يكونه هو ذاته. هذا الأنا هو فرد (بشري) حر (في مقابل الواقع المعطى) تاريخي (بالنسبة لذاته). هذا الأنا، وهذا الأنا وحده، هو الذي ينكشف لذاته وللآخرين كوعي بالذات.

إن الرغبة البشرية يجب أن تنصب على رغبة أخرى. ولكي تكون هناك رغبة بشرية ينبغي أن يكون هناك أولا وقبل كل شيء تعدد للرغبات (الحيوانية). وبعبارة أخرى، لكي يمكن للوعي بالذات أن يتولد عن الإحساس بالذات، لكي تتمكن الحقيقة البشرية من أن تتشكل داخل الواقع الحيواني ينبغي لهذا الواقع أن يكون متعددا. لا يمكن للإنسان أن يظهر على وجه الأرض إلا وسط القطيع. لذا فإن الواقع البشري لا يمكن أن يكون إلا واقعا اجتماعيا. ولكن، لكي يصير القطيع مجتمعا لا يكفي أن يكون هناك تعدد في الرغبات، بل ينبغي أن تنصب رغبات كل فرد من أفراد القطيع على رغبات الأفراد الآخرين أو على الأقل أن يكون في استطاعتها ذلك.

إذا كان الواقع البشري واقعا اجتماعيا فإن المجتمع لا يكون إنسانيا إلا بمقدار ما يكون مجموعة من الرغبات التي تنصب على بعضها البعض بما هي رغبات. إن الرغبة الإنسانية، أو على الأصح الرغبة المولدة للإنسان، الرغبة التي تشكل فردا حرا، تاريخيا، واعيا بفرديته وحريته وتاريخه شاعرا بتجذره التاريخي، إن هاته الرغبة الإنسانية تختلف عن الرغبة الحيوانية (التي تشكل كائنا طبيعيا، يكتفي بأن يحيا ولا يتخطى مستوى الإحساس بالذات) لكونها لا تنصب على موضوع واقعي، حقيقي، معطى وإنما على رغبة أخرى. ذلك هو الأمر مثلا فيما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة: فالرغبة لا تكون إنسانية إلا إذا لم يرغب الواحد منهما في جسم الآخر وإنما أن تنصب رغبته على رغبة الآخر، أي إلا إذا أراد أحدهما أن "يمتلك" الرغبة بما هي رغبة، وأعني إذا ما أراد أن يكون "مرغوبا فيه" "محبوبا" والأفضل أن نقول "معترفا به" في قيمته كإنسان، وفي واقعه كفرد بشري. وبالمثل فإن الرغبة التي تنصب على موضوع طبيعي لا تكون رغبة بشرية إلا بمقدار ما تكون رغبة شخص آخر قد "توسطتها" وانصبت على الموضوع نفسه. فمن طبيعة الإنسان أن يرغب فيما يرغب فيه الآخرون، لأنهم يرغبون فيه. وهكذا فقد يمكن لموضوع عديم الفائدة من الناحية البيولوجية (مثل الوسام والعلم الوطني للخصم) أن يصبح موضع رغبة لأنه يكون موضع رغبات أخرى. إن مثل هاته الرغبة لا يمكن أن تكون إلا رغبة إنسانية. والواقع البشري بما هو واقع مخالف للواقع الحيواني لا ينشأ إلا عن طريق الفعل الذي يشبع مثل هاته الرغبات: إن تاريخ البشر هو تاريخ الرغبات التي تنصب على بعضها البعض.

ولكن إذا ما أبعدنا هذا الاختلاف جانبا، فإن الرغبة الإنسانية تماثل الرغبة الحيوانية. فالرغبة الإنسانية تسعى، هي الأخرى لأن تشبع عن طريق عملية سلب بل تحويل وتمثل. إن الإنسان يتغذى على الرغبات مثلما يتغذى الحيوان على الأشياء الواقعية. والأنا البشري، الذي يتحقق بالإشباع الفعلي للرغبات البشرية، يكون هو الآخر، تابعا لما يتغذى عليه متوقفا على غذائه مثلما يتوقف جسم الحيوان على مأكله.

لكي يكون الإنسان إنسانا حقا، لكي يختلف الإنسان اختلافا جوهريا حقيقيا عن الحيوان، ينبغي لرغبته الإنسانية أن تنتصر بالفعل على رغبته الحيوانية. والحال أن كل رغبة هي رغبة في قيمة، والقيمة العليا بالنسبة للحيوان هي حياته الحيوانية. إن كل رغبات الحيوانات هي في النهاية تابعة لرغبتها في أن تحافظ على بقائها. بناء على ذلك فإن رغبة الإنسان ينبغي أن تفوق الرغبة في البقاء. وبعبارة أخرى فإن الإنسان لا يكون إنسانا إلا إذا خاطر بحياته (الحيوانية) من أجل رغبته الإنسانية. ففي هاته المخاطرة وبفعلها ينشأ الواقع البشري وينكشف كواقع. في هاته المخاطرة وبفعلها يكون على الواقع البشري أن يظهر ويثبت ذاته ويتأكد من حقيقته ويقدم دلائله كواقع يخالف الواقع الحيواني الطبيعي ويتميز عنه. لذا فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات، لا بد وأن يرتبط بالحديث عن المخاطرة بالحياة (من أجل هدف غير حيوي).

يكون الإنسان إنسانا إذا ما هو خاطر بحياته ليشبع رغبته الإنسانية، أي رغبته التي تنصب على رغبة أخرى. لكن، أن ترغب في رغبة أخرى معناه أن تضع نفسك مكان القيمة التي ترغب فيها تلك الرغبة الأخرى. وإلا لكانت الرغبة منصبة على القيمة ذاتها أي على الموضوع المرغوب فيه لا على الرغبة عينها. أن أرغب في رغبة آخر معناه إذن أن أرغب في أن تكون قيمتي، أو القيمة التي "أمثلها"، هي القيمة التي يرغب فيها الآخر: إنني أريد أن "يعترف" بقيمتي على أنها القيمة التي ينشدها، أريده أن يعترف بي كقيمة مطلقة. بعبارة أخرى، إن كل رغبة بشرية، كل رغبة مولدة للإنسان خالقة للوعي بالذات وللواقع البشري، كل رغبة بشرية هي في نهاية الأمر تابعة للرغبة في "الاعتراف" ومتوقفة عليها. والمخاطرة بالحياة، تلك المخاطرة التي يظهر عن طريقها الواقع البشري، هي مخاطرة تتوقف على تلك الرغبة. وعليه فإن الحديث عن "أصل" الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن صراع حتى الموت من أجل الاعتراف.

ولولا هذا الصراع حتى الموت لما كانت هناك قط حياة بشرية على وجه البسيطة. وبالفعل، فإن الوجود البشري لا ينشأ إلا تبعا لرغبة تنصب على رغبة أخرى، أي على رغبة في الاعتراف. لا يمكن للوجود البشري إذن أن يتشكل إلا إذا تواجهت رغبتان على الأقل من هاته الرغبات. وما دام كل واحد من هذين الكائنين اللذين يتوفران على مثل هاته الرغبة مستعدا أن يذهب إلى أقصى حد في السعي وراء إرضاء رغبته، أي أنه مستعد لأن يخاطر بحياته -ويقضي بالتالي على حياة الآخر- كي ينال اعتراف الآخر ويفرض نفسه كقيمة عليا على الآخر -فإن مواجهتهما لا يمكن إلا أن تكون صراعا حتى الموت. ولا ينشأ الواقع البشري ويتكون إلا عن طريق مثل هذا الصراع وبفضله. إن الواقع البشري لا يتحقق ولا ينكشف إلا كواقع معترف به.

ولكن، إذا كان الناس جميعهم -أو على الأصح إذا كانت جميع الكائنات التي هي في طريقها لأن تصبح كائنات بشرية- تنهج السلوك نفسه، فإن الصراع ينبغي أن يؤدي بالضرورة إلى موت أحد الخصمين أو هما معا. فمن المستحيل أن يتنازل أحدهما عن نفسه للآخر، أو أن يتخلى عن الصراع قبل موت الآخر، أو أن يعترف بالآخر عوضا أن ينال اعترافه. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن تحقيق الواقع البشري وظهوره سيصبح أمرا متعذرا. والأمر واضح فيما يتعلق بالحالة التي يموت فيها الخصمان معا ما دامت الحياة البشرية -لكونها رغبة وعملا يتوقف على هاته الرغبة- لا يمكن أن تولد وتستمر إلا وسط حياة حيوانية. غير أن التعذر يظل قائما حتى وإن لم يقتل إلا واحد من الخصمين فحسب. إذ ستختفي معه تلك الرغبة الأخرى التي ينبغي أن تنصب عليها الرغبة كي تكون رغبة بشرية. فمادام المنتصر لا يمكن أن يكون محل اعتراف الميّت فإنه لا يمكن أن يتحقق وينكشف في إنسانيته. ولكي يتحقق الوجود البشري وينكشف كوعي بالذات، لا يكفي إذن أن يكون الواقع البشري متعددا بل ينبغي أيضا أن يكون هذا التعدد متفاضلا، أي ينبغي للمجتمع أن يستلزم نوعين من السلوك البشري متمايزين تمام التمايز.

لكي يتشكل الواقع البشري كواقع معترف به، ينبغي أن يبقي الخصمان على قيد الحياة بعد صراعهما. وهذا لا يتم إلا إذا نهجا مسلكين مختلفين أثناء الصراع. فعن طريق أعمال حرة لا يمكن ردها إلى أي شيء ولا يمكن التنبؤ بها واستنباطها، ينبغي لهما أن يتشكلا ككائنين غير متكافئين أثناء الصراع وعن طريقه. إن أحدهما ينبغي أن يهاب الآخر دون أن يكون مفطورا على ذلك، ينبغي له أن يتنازل للآخر، ويرفض المخاطرة بحياته من أجل إرضاء رغبته في الاعتراف. وينبغي له أن يتخلى عن رغبته وأن يرضي رغبة الآخر: ينبغي له أن يعترف بالآخر دون أن يعترف الآخر به. والحال أن الاعتراف على هذا النحو معناه الاعتراف بالآخر كسيد والاعتراف بالذات كعبد لذلك السيد.

وبعبارة أخرى فإن الإنسان في حالة نشأته لا يكون قط إنسانا وكفى. إنه دائما وبالضرورة إما عبد وإما سيد. إذا كان الواقع البشري لا يمكن أن يتكون إلا كواقع اجتماعي، فإن المجتمع لا يكون بشريا -على الأقل في أصله- إلا شريطة أن يستلزم عنصرا للسيادة وآخر للعبودية ويقتضي وجودا يتمتع باستقلال ذاتي وآخر يتوقف عليه ويخضع له. لذا فإن الحديث عن أصل الوعي بالذات يعني بالضرورة الحديث عن استقلال الوعي بالذات وخضوعه، (عن السيادة والعبودية).

إذا كان الوجود البشري لا يتكون إلا من خلال الصراع الذي يؤدي إلى العلاقة بين سيد وعبد، فإن التحقيق التدريجي لهذا الوجود لا يمكن أن يتم هو الآخر إلا بدلالة هاته العلاقة الاجتماعية الأساسية. إذا كان الإنسان لا يختلف عن صيرورته وإذا كان وجوده الإنساني في المكان هو وجوده في الزمان وبما هو زمان، إذا كان الواقع البشري الذي ينكشف ليس في النهاية سوى التاريخ العام، فإن هذا التاريخ ينبغي أن يكون تاريخ تفاعل السيادة والعبودية. الجدل التاريخي هو جدل السيد والعبد. ولكن إذا كان التعارض بين الأطروحة ونقيضها لا يتخذ معناه إلا داخل التصالح عن طريق التركيب، وإذا كان التاريخ بالمعنى القوي للكلمة لا بد وأن يبلغ حدا نهائيا، وإذا كان الإنسان الذي يخضع للصيرورة مرغما على أن يفصح عن الإنسان النهائي، وإذا كانت الرغبة لا بد وأن تحقق إشباعها، وإذا كانت المعرفة الإنسانية لا بد وأن تمتلك قيمة حقيقة نهائية شاملة الصدق- فإن التفاعل بين السيد والعبد ينبغي أن يؤدي في النهاية إلى "إلغائها الجدلي".

A. Kojeve. Int. à la lectde Hege . Gallimard, Paris 1968, pp. 11-16.


ألكسندر كوجيف وخطاب الرغبة
هند عبدالحليم محفوظ



قدم الفيلسوف الفرنسي – الروسي الأصل ألكسندر كوجيف قراءة منتظمة لفينومونولوجيا الروح، في سياق إعادة فهم الفلسفة الهيغلية، للحظة انبثاق الفينومونولوجيا باعتبارها لحظة استثنائية، جعلت من فلسفة هيغل تعبيراً عن روح عصر ينذر بتحولات جذرية تهم التشكل الكوني للعالم من خلال الكتاب الصادر حديثاً عن دار «رؤية» في القاهرة تحت عنوان «مدخل لقراءة هيغل» نقله إلى العربية عن الفرنسية الكاتب المغربي والباحث في الفكر الفلسفي المعاصر عبدالعزيز بومسهولي.

يرى بومسهولي أن الكتاب يوقظ تفكيرنا من استكانته وعجزه عن التفاعل الخلاق الذي يستهدف استعادة فكر الآخر بهدف الإسهام النقدي والإبداعي للمفاهيم، أي بهدف الانخراط في فلسفة العالم من جديد، باعتباره شرطاً للكونية التي ترهن علاقتنا بالوجود. وقد وضع هيغل رؤيته لاكتمال الرؤية الفلسفية عندما يتوافر شرطان هما: جرأة الحقيقة، والاعتقاد بقوة الروح. وما دام الإنسان روحاً فإن بإمكانه، ومن واجبه؛ أن يعتبر نفسه جديراً بكل ما هو أكثر سمواً. لقد استطاع كوجيف من خلال قراءته للفينومونولوجيا أن يجعل من «الرغبة» مفهوماً رئيساً لا يعد فحسب بمثابة المفتاح لفهم هيغل، بل يعد أيضاً نواة لبلورة نظرية فلسفية حول الرغبة، وهو ما شكَّل تحفيزاً مستفزاً لمتتبعيه الذين مضوا بعيداً في تطويرهم لهذا المفهوم من دون أن يتطابقوا معه بالضرورة كما هو الشأن بالنسبة لباتاي، ولاكان اللذين سار كل منهما في اتجاه مضاد لتأويلية كوجيف وللفلسفة الهيغلية ذاتها.

إن الإنسان وفق كوجيف هو وعي بالذات، وعي بواقعه وكرامته الإنسانية. وهذا الوعي يحصل في اللحظة التي يتلفظ فيها الإنسان بكلمة «أنا». وفهم أصل الإنسان لا يتأتى إلا من خلال فهم أصل الأنا المنكشف بواسطة الكلام. ومعنى هذا أن الرغبة هي المفتاح المركزي لفهم الإنسان بعامة وفهم الفينومونولوجيا بخاصة. تستهدف الرغبة تحقيق القيمة، وإذا كانت القيمة المرغوبة لدى الحيوان هي حفظ حياته، فإن الإنسان لا تتحقق قيمته إلا من خلال تعريض حياته للخطر بهدف الاعتراف، فأصل الوعي يكمن في هذا الخطر ذاته، فالإنسان يتحقق إنسانياً بتعريض حياته للخطر من أجل أن يرضي رغبته الإنسانية أي رغبته القائمة على رغبة أخرى، من أجل أن يعتبر كقيمة معترف بها. الإنسان كما يقول كوجيف في تعليقه على نص هيغل: «لا يبلغ استقلاله الحق وحريته الأصيلة، إلا بعد اجتيازه العبودية، واجتيازه قلق الموت بالعمل المنجز لمصلحة الآخر الذي يجسد بالنسبة إليه هذا القلق، والعمل المحرر هو إذاً بالضرورة عمل إجباري للعبد الذي يخدم سيداً جباراً مستحوذاً على كل سلطة واقعية».

معنى هذا أنه إذا كانت الرغبة هي أساس صراع الإنسان ضد أخيه الإنسان من أجل اعتراف ناقص يكون هو البداية الحقة للتاريخ، فإن هذا الصراع سيغدو صراعاً بين السيد والعبد من أجل الاعتراف المتبادل والتام الذي سيقفل هذا الصراع ويعلن نهاية التاريخ. إن هذا التماهي بين الروح والواقع الفعلي، هو إيذان بما بعد نهاية التاريخ حيث يختفي الصراع عن الوجود، وباختفائه تكون الأبدية قد حسمت نهائياً مع الكائن الإنساني الذي هو مواطن الدولة المكتملة التي صارت من دون تاريخ، فالمستقبل غدا ماضياً. أما الحياة فقد أضحت بيولوجية حقاً، وليس هناك إذاً إنسان، لأن الإنسان كروح قد آوى بعد النهاية الحاسمة إلى الكتاب، وهذا الأخير ليس سوى الأبدية.

ويعتبر فوكوياما أن فشل التفسير الاقتصادي للتاريخ يعيدنا إلى هيغل، وليس إلى ماركس؛ لأن هيغل يتناول العملية التاريخية في شكل غير اقتصادي تماماً. وفسر كوجيف ذلك بأن هيغل يمنحنا فرصة لإعادة التفكير بالديموقراطية الليبرالية الحديثة بتعابير مختلفة عن التعابير المعتادة في الوسط الأنغلو ساكسوني المنبثق عن هوبز ولوك. إن هيغل على خلاف هذين الأخيرين يعطينا مفهوماً للمجتمع الليبرالي مرتكزاً على الجانب غير الأناني في الشخصية الإنسانية، وهو يحاول إبقاء هذا الجانب كنواة للمشروع السياسي الحديث.

كما يرى فوكوياما أن المجتمع الليبرالي الذي يظهر في «نهاية التاريخ» هو ترتيب متقابل ومتساو بين المواطنين من أجل الاعتراف المتبادل، فالليبرالية الهيغلية تتابع الاعتراف العقلاني، أي الاعتراف على قاعدة شمولية تصبح فيها كرامة كل شخص ككائن بشري حر ومستقل، معترفاً بها من الجميع. وفي نهاية المطاف، يبدو لهذا المفهوم الهيغلي بالنسبة لفوكوياما، تفسير أكثر دقة لما يعانيه الناس في العالم المعاصر عندما يريدون الحرية والديموقراطية.

ويرى كوجيف أنه طالما أن الصراع من أجل الاعتراف بالكائن الإنساني توقف عند نهاية الإنسان وموته الذي لا يعني سوى انبعاثه كجسد سيغدو هو هذا الحاضر ذاته- على رغم تصاعد الأيديولوجيات اليائسة التي تحاول مجدداً النيل من الكينونة الجسدية غدا هو شكل هذا الحاضر الذي ينبعث داخله كعلة تأسيسية لا تطابق الوجود أو المعرفة كاكتمال وإنما تطابق الزمان بما هو حمل لجسد الموجود على الانفصال؛ أي على الحاضر كتحقيق عيني. فالجسد لا يتحقق على نحو التشميل بقدر ما يتحقق على نحو الإفلات، بما هو تجاوز للميتافيزيقا الأنطولوجية والتيلوجية التي ما تفتأ تمارس احتواء الجسد وإرجاعه إلى حالة الخضوع للوجود، أو لتلك المعرفة التي تبخس خاصيته الجسدية، وتفرض عليه نوعاً من الطاعة الإجبارية التي تجد تبريراتها في قواعد الأخلاق الارتكاسية.

ويطرح كوجيف مجموعة من التساؤلات منها: أليست النهاية في آخر المطاف هي انكشاف الجسد بذاته ولذاته في نهاية الزمان حيث يغدو الحاضر عينه هو موطن الإنسان الأخير وملاذه؟ أليست الرغبة المشبعة على نحو تام هي تأجيج لرغبات الجسد المنشغل بذاته على نحو يصير فيه غاية في حد ذاته، منشغلاً بمتعته وسعادته؟ أليست الرغبة هي الرغبة في الآخر الذي ليس شيئاً آخر في نهاية الزمان سوى الجسد عينه؟

في النهاية تظل قراءة كوجيف لهيغل قراءة مؤسسة لخطاب جديد حول الرغبة، والكائن الإنساني والوجود، وحول التاريخ.

(*) جريدة الحياة اللندنية، 28 أغسطس 2017



ألكسندر كوجيف.. التاريخ بات مغلقاً
حسّونة المصباحي 


المعجبون به، والذين كانوا يحضرون محاضراته عن هيغل، يقولون بإنّه كان من أعظم فلاسفة القرن العشرين، ومن أكثرهم عمقاً، ومعرفة بالتّراث الفلسفي منذ الإغريق. ذلك هو الكسندر كوجيف (1902-1968) الذي كان يحذق لغات عدة، وبها يتكلّم بطلاقة. وقد أحاط الكسندر كوجيف حياته بالغموض، والألغاز حتى أن البعض حوّلوه إلى أسطورة. ولد ألكسندر كوجيف في موسكو عام 1902. وعقب وفاة والده في حرب منشوريا ضدّ اليابان عام 1904، تزوّجت أمّه من رجل يدعى ليمكول، ربّاه، وفتح ذهنه على عالم الأفكار والنظرّيّات الفلسفيّة مبكّرا. على عتبات المراهقة، قام قطّاع طرق بقتل ليمكول في الغابة، فتدهورت الأوضاع الماديّة للعائلة. وعند اندلاع الثّورة البلشفيّة عام 1917، اعتقل الشيّوعيّون ألكسندر كوجيف وكاد أن يعدم غير أنه تمكّن من الفرار، ثم اعتقل مرة أخرى في فرسوفيا بتهمة التّحريض على الشّيوعيّة. وخلال فترة الاعتقال، فقد مؤلّفه الأوّل: «دفاتر فلسفيّة». بعد إطلاق سراحه، توجّه كوجيف إلى برلين ثم إلى إيطاليا، وفيها انصرف إلى كتابة ملاحظات، وأفكار عن الفنّ المتأثّر بالبوذيّة. وعند عودته إلى ألمانيا وهو في سنّ الثّامنة عشرة، انتسب إلى جامعة هايديلبارغ ليدرس اللّغات الشّرقيّة، الصّينيّة بالخصوص. كما دَرَس الفلسفة، مواظباً على حضور محاضرات كارل ياسبرز الذي أشرف على أطروحة تخرّجه. وفي سنّ الرّابعة والعشرين، انتقل إلى باريس ليدرس الفيزياء والرياضيّات الحديثة. في الآن نفسه تابع المحاضرات الفلسفيّة التي كان يلقيها أساتذة مرموقون في جامعة السّوربون مثل كويري، وهو روسيّ ترك بلاده بعد انتصار الثّورة البلشفيّة. معه سيرتبط بعلاقة حميمة، وبواسطته سيتعرّف على رايمون كينو، وعلى جورج باتاي، وعلى نخبة من المفكّرين والكتاب والشعراء والرسّامين. وعندما غادر كويري إلى القاهرة، ترك كرسيّه الفلسفي لكوجيف. وظهيرة كلّ يوم اثنين كان الأستاذ الشاب يلقي أمام جمع من المعجبين من أعمار مختلفة محاضرات عن هيغل. من بين الحضور يمكن أن نذكر رايمون آرون، ميشال ليريس، موريس مارلو بونتي جان هيبوليت، روجيه كايوا، أندريه بروتون، جاك لاكان وآخرين سيصبحون من المشاهير في ما بعد. وجميع هؤلاء كانوا يخرجون من تلك المحاضرات مفتونين بسعة معرفة صاحبها، وبقدرته على تبليغ أفكاره بأسلوب غاية في الرشاقة ّ وبلغة خالية من الغموض المصطنع.

وفي محاضراته عن هيغل، ركز كوجيف على «جدليّة العلاقة بين السيد والعبد»، وعلى نهاية التاريخ معتبراً أن التاريخ انتهى في الولايات المتحدة الأميركية بعد أن تمّ تحرير العبيد وأصبحت الملكيّة الخاصة شأن جميع الطبقات. فلا طبقة تعلو على الأخرى. وبهذه النظرية تأثر المفكر الأميركي فوكاياما في كتابه: «نهاية التاريخ» الذي صدر بعد انهيار جدار برلين، وانتفاء الأنظمة الشيوعيّة. ومقتديا بهيغل، شدّد كوجيف على أن سير التاريخ الهائل الاتساع يبرز بشكل جليّ الطاقة الفعليّة للعقل البشري، وقدرة الإنسان على تخطي العواقب والعراقيل والمحن. واعتمادا على هذا، يمكن أن يكون التاريخ سلسلة من الفواجع والنكبات والمحن، لكنه يكون في الآن نفسه سيرورة تقدم وتطور. وفي محاضراته عن هبغل، جعل كوجيف من «الرغبة» موضوعاً فلسفيّاً مؤثراً بذلك في كلّ من جورج باتاي ورايمون كينو. وهو يرى أن وجود الإنسان «يتحقّق بالرغبة، ومن خلالها». كما يرى أن وجود الإنسان «يفترض الرغبة ويتضمنها». وكانت محاضرته عن هيغل وماركس، والمسيحيّة من أهمّ المحاضرات التي ألقاها في تلك الفترة.

توفّي «فيلسوف الأحد» فجأة، في 4 يونيو 1968، عندما كانت المظاهرات الطلاّبيّة تهزّ باريس، والعواصم الغربيّة، تاركاً العديد من الوثائق بالغة الأهمّيّة في مجال الفلسفة، وآلاف الصّفحات التي سجّل فيها أفكاره، وآراءه في العديد من القضايا. ومن كتبه المنشورة «مقدّمة في قراءة هيغل»، و»الإمبراطور جوليان وفنّه في الكتابة»، و»الفلسفة والدولة»، و»نهاية التّاريخ”. ويعتبر كتاب الإيطالي ماركو فيلوني:»فيلسوف الأحد، حياة ألكسندر كوجيف وفكره» من أهمّ الكتب التي تمكّن القراء من التعرّف على أفكاره وعلى مختلف جوانب حياته الشّخصيّة.

وفي حوار أجري معه قبل وفاته بوقت قصير، تحدث كوجيف عن نهاية التاريخ قائلا: «كل شيء مرتبط بنهاية التاريخ. وهذا أمر مسلّ. كان هيغل قد قال هذا. وأنا كنت قد وضّحت أن هيغل قال ذلك غير أن أحداً لم يقبل بأن التاريخ بات مغلقاً. وعليّ أن أعترف بأنني أنا نفسي فكرت بأن هذا يمكن أن يكون من الترهات ومن الأباطيل، لكن عندما تمعنت في الأمر جيداً وجدته عبقريّاً. المسألة بكلّ بساطة هي أن هيغل أخطأ في التقدير بمائة وخمسين عاماً. نهاية التاريخ لم تحدث مع نابليون، بل مع ستالين. وأنا الذي كُلّفت بالإعلان عن ذلك مع اختلاف وحيد وهو أن الحظّ لم يسعفني لكي أشاهد ستالين يمرّ تحت نافذتي ممتطياً حصاناً... لكن... بعد ذلك اندلعت الحرب وفهمتُ. لا، هيغل لم يخطئ. لقد قدم التاريخ الحقيقي لنهاية التاريخ: 1806. ومنذئذ، ماذا حدث. لا شيء مطلقاً. منذ هيغل ونابليون، لم يقل أحد شيئاً، بل لم يقل أحد شيئاً جديداً. ثمة شيء ولد في بلاد اليونان، والكلمة الأخيرة قيلت. ثلاثة رجال أدركوا هذا في نفس اللحظة: هيغل، والماركيز دو ساد وبرومل -نعم برومل الذي عرف أنه بعد نابليون لن يكون باستطاعة أحد أن يكون جنديّاً. انظروا من حولكم، كلّ شيء بما في ذلك اضطرابات العالم، يشير إلى أن التاريخ بات مغلقاً».
............
(*)صحيفة الاتحاد،  السبت 20 مايو 2017


الكسندر كوجيف (1900-1968)
بقلم المفكر السوري جورج طرابيشي


فيلسوف فرنسي ولد في موسكو سنة 1900، ومات في باريس في آيار 1968. درس أولاً في المانيا مع كارل ياسبرز، ثم في فرنسا مع ألكسندر كوبره، وصار في عام 1933 مدرساً في باريس، واعطي محاضرات في السوربون عن هيغل. ولنتاجه المقتضب نسبياً أهمية مرموقة: مدخل إلي قراءة هيغل (1947)، في الطغيان (1954)، محاولة في تاريخ عقلاني للفلسفة الوثنية (المجلد الأول، 1968)، بيد أن المدخل إلي قراءة هيغل هو الذي كرس شهرة كوجيف، والمدخل هو في الواقع عبارة عن مذكرات تدريسية أعطاها قبل الحرب العالمية الثانية، وطبعها لاحقاً ريمون كينو.

وهذه الدروس، التي جددت الاهتمام بهيغل، وعلي الأقل في فرنسا حيث كان لايزال غير معروف جيداً، وأعطته تأويلاً أصيلاً، حضرتها شخصيات مختلفة من أمثال جان بول سارتر، وريمون كينو، وجورج باتاي، وجاك لاكان، وجان هيبولت، وموريس ميرلو-بونتي، وروجيه كايوا. وقد تأول كوجيف بحرية لم يجتريء عليها أي شارح لهيغل من قبل، الفيلسوف الألماني علي ضوء مارتن هايدغر وكارل ماركس معاً. فيهغل في نظر كوجيف هو فيلسوف التاريخ والعمل والرغبة والنفيية. فالرغبة الإنسانية سالبية، نفي فعال أو متعقل للوجود الطبيعي. وعن طريق هذا النفي الذي هو في آن واحد عمل وصراع (عمل في الوجود الطبيعي، صراع البشر و "الوجدانات" فيما بينها). يخلق الإنسان حرفياً الزمن. لكن هذا الزمن متناه، لأن الأفق الأونطولوجي للزمن هو الموت، وهذا الموت حاضر من الآن في الوعي من حيث أنه وعي. وإلي كوجيف يعود الفضل في تحليل الجدل الشهير المعلم والعبد – بعد أن ترجمه جان فال في الوعي الشقي لدي هيغل، وذلك الجدل الذي يمثل محركاً رئيسياً من محركات الفلسفة الهيغلية، وكذلك في بيان النقطة التي استوحي ماركس بدءاً منها هذه الفلسفة، وقد كان تأثير هذه الشروح علي المثقفين المعاصرين مرموقاً: فليس لنا أن نتصور الوجود والعد لسارتر بدون المدخل إلي قراءة هيغل. وذلك يصدق أيضا علي عدد من نصوص جورج باتاي وريمون كينو وجان هيبولت، وتأثيره ملحوظ حتي في المساهمة التحليلية النفسية لجاك لاكان. وصحيح أن تاويله لهيغل يتسم بقدر كبير من التصرف، ويتأثر اكثر مما ينبغي في بعض الأحيان بهايدغر في الوجود والزمان أو الماركسية، لكن يبقي أن كوجيف هو أول من أدخل حقاً فكر هيغل إلي المجال الثقافي الفرنسي] أنطوان برمان[.

"في الوقت الذي كان الدارسون يلحون فيه، تحت تأثير اكتشاف النصوص اللاهوتية الأولي لهيغل، علي الطابع الديني للهيغلية، جاء كوجيف ليصور لنا هيغل عائشاً في المحايثة، وفي خاتمة المطاف هيغل ملحداً"]جان فال[.

"إن تأويل كوجيف لهيغل يبدو للوهلة الأولي مناقضاً لتأويل جان فال. فهذا جعل من هيغل لاهوتياً، أما كوجيف فيجعل منه مدمر جميع الاستلابات. ولكن كوجيف إذ يختزل فكر هيغل برمته إلي آن واحد من آناته، إلي جدل المعلم والعبد. ينتهي إلي نتيجة مقاربة لتلك التي انتهي إليها جان فال:فهيغل يصبح فيلسوفاً وجودياً ، والفارق بينهما ان فال يجهد لتأويل هيغل عبر كييركغارد، بينما يؤوله كوجيف عبر هايدغر" ]روجيه غارودي[.
.............
المصدر: معجم الفلاسفة، إعداد جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت، طبعة ثالثة ص 530-531.