الاثنين، 16 مايو 2016

داش آكل (1) : صادق هدايت (2)

ترجمة عن الفارسية: سليم حمدان


يعرف أهل شيراز جميعاً أن (داش آكل) و(كاكا رستم) لا يطيق أحدهما رؤية الآخر.
ذات يوم كان داش آكل يجلس مقرفصاً على صفة مقهى (الميلين)، هناك حيث ملتقاه القديم. كان قد وضع القفص المزأبر، الذي ألقى عليه ملاءة قرمزية، إلى جانبه وراح يدير برأس إصبعه الثلج في طاس الماء. فجأة دخل كاكا رستم من الباب، ألقى عليه نظرة احتقار ومضى، ويده ما تزال في حاشية شاله، فجلس على الصفة المقابلة. ثم التفت نحو صبي القهوجي وقال: 
ـ "يا يا حبيبي، هاهات شاياً".
ألقى داش آكل نظرة مليئة بالمعاني على صبي القهوجي بحيث أنه حسب حسابه وعامل طلب كاكا كمن لم يسمعه. كان يُخرج الأقداح من الطاس البرونزي ويغطسها في دلو الماء، ثم يجففها واحداً بعد الآخر ببطء شديد. من مسح المنشفة حول زجاج القدح كان يرتفع صوت احتكاك. 
غضب كاكا رستم من هذا الإهمال، صاح مرة أخرى: 
ـ أأ.. أأنت أطرش؟ معـ..معك!
نظر صبي القهوجي نظرة مترددة إلى داش آكل فقال كاكا رستم من بين أسنانه: 
ـ هه هو.. هؤلاء المتعنترون، لو كانوا رجالاً! ليأتوا الليلة ويمـ..يمتحنوا قوتهم!
ضحك داش آكل، الذي كان لا يزال يدير الثلج في الطاسة ويعاين الموقف متلصصاً، ضحكة جريئة جعلت صفاً من الأسنان البيض المرصوصة يلمع من تحت شاربه المصبوغ بالحناء، وقال: 
ـ "عديمو الغيرة يقرأون الأراجيز. سيُعلم حينئذٍ من هو رستم صولت وأفندي بيزي".
ضحك الجميع، ضحكوا لا بسبب تلعثم لسان كاكا رستم، فهم كانوا يعرفون أن لسانه يتلعثم ولكن داش آكل كان كالبقرة ذات الغرة، مشهوراً، وماكان ثمة من فتوة لم يذق ضرب صفعته، وعندما كان كل ليلة، إذ يشرب زجاجة عرق مكرر الغلي في بيت الملا إسحق اليهودي، ويقف عند رأس محلة (سرزدك)، فكاكا رستم أمر بسيط، حتى جده لو جاء لكان يرفع راية التسليم. كان كاكا ذاته أيضاً يعرف أنه ليس ندّاً لداش آكل  ولا يصير منافساً له، لأنه ذاق جرحاً على يده مرتين وكان قد جلس على صدره ثلاث مرات أو أربع أيضاً. كان أسود الحظ كاكا رستم قد رأى الميدان خالياً قبل بضع ليال فراح يثير النقع والغبار. وصل داش آكل  مثل الأجل المعلّق ونثر عليه حفنة كنايات هازئة. كان قال له: 
يا كاكا ليس رجُلك في البيت. معلوم أنك دخّنت "بست"(4) فور(5)، فأثملك جيداً. أتدري ماذا؟ دع مظاهر عدم الغيرة، مظاهر الدونية هذه، لقد افتعلت الفتوَنة، أفلا تخجل أيضاً؟ هذا أيضاً نوع من الشحاذة جعلته حرفة لك. أتقطع الطريق على الناس في كل ليلة من ليالي الله؟ قسماً بالولي يوريا(6) لو أسأت التصرف في حالة سكر مرة أخرى لأحرقنّ شاربك، بحدّ هذه الـ"قمة"(7) أنصّفك.
عندئذ وضع كاكا رستم ذنبه على ظهره ومضى. ولكنه حمل الضغينة على داش آكل في قلبه وراح يبحث عن ذريعة كي يثأر. 
ومن الطرف الآخر كان أهل شيراز جميعهم يحبون داش آكل. لأنه في الوقت الذي كان يحرّم محلة سرزدك على الأغيار، لم يكن له شأن بالنسوة والأطفال، وإنما على العكس كان يسلك مع الناس برقة وعطف ولو أن أسودَ بختٍ كان يعاكس امرأة أو يحاول فرض شيء على أحد، فإنه ما كان لينجو من يد داش آكل، وغالباً ما رؤي داش آكل يعاون الناس، يعطيهم، وعندما تتفتح أريحيته يوصل أحمالهم إلى بيوتهم.
ولكن لم تكن عنده عين تسمح له برؤية شخص آخر أعلى منه، خاصة كاكا رستم الذي يدخن يومياً ثلاثة قراريط أفيون ويقوم بألف نوع من الحيل. كان كاكا رستم قد جلس، بفعل هذه الإهانة التي لحقته في المقهى، مثل سم أفعى، يغطي شاربه، ولو أن أحداً طعنه بسكين ماكان دمه ليسيل. بعد بضع دقائق، حين خفت صخب الضحك هدأ الجميع إلا صبي القهوجي الذي وضع يده ـ بلونه المرهق، قميصه عديم الياقة، طاقية النوم وسراويل الأطلس ـ على فؤاده وراح يتلوى من ضغط الضحكة فيجعل أغلب الباقي يضحكون لضحكه.
أفلت كاكا رستم زمام أعصابه، مد يده فرفع وعاء السكر البلوري، ورماه لصبي القهوجي. ولكن وعاء السكر اصطفق بالسماور فانطرح السماور من فوق الصفة مع وعاء الشاي وكسر بضعة أقداح. ثم نهض كاكا رستم، وخرج من المقهى بوجه منفعل. 
تفحص القهوجي، باضطراب، السماور وقال: 
ـ "كان رستم وطقم أسلحة، وكنا نحن ولا شيء غير هذا السماور  القراضة".
قال هذه الجملة بنبرة مهمومة، ولكن لأنه كنّى بها عن رستم(8)، اشتد الضحك على نحو أسوأ. ومن ضغط القهر هجم القهوجي على صبيه، ولكن داش آكل مد يده، باسماً، فأخرج من جيبه كيس نقود، وألقى به في الوسط. 
رفع القهوجي الكيس، وزنه، وابتسم.
في هذه الأثناء دخل المقهى مرتبكاً رجل بقميص مخملي وسروال فضفاض وطاقية من لبد. ألقى نظرة فيما حوله، مضى إلى أمام داش آكل حيث ألقى التحية وقال: 
ـ توفي الحاج صمد.
رفع داش آكل رأسه وقال: 
ـ ليرحمه الله.
ـ أفلا تدري بأنه أوصى؟
ـ أنا لست آكل موتى، اذهب وخبِّر أكلة الموتى.
ـ لكنه جعلك وكيله ووصيه...
كأن هذا الكلام مزّق وسن داش آكل، فألقى مجدداً  نظرة عليه من رأسه حتى قدمه، مد يده على جبينه، فاندفعت طاقيته، بيضية الهيئة، إلى وراء وظهر جبينه ذو اللونين، الذي كان نصفه قد احترق من أشعة الشمس وصار بنّياً وبقي نصفه الثاني، الذي كان تحت الطاقية، أبيض. ثم هز رأسه، وأخرج جبقه(9) المشغول مبسمه بشغل الخاتم(10)، ووضع بهدوء في رأسه تبغاً جمعه من حوله بإبهامه، أرّثه ثم قال: 
ـ رحم الله الحاج، لقد مات الآن، ولكنه لم يفعل حسناً، لقد أوقعنا في ورطة. طيب. اذهب أنت، وسأجيء بعدك.
كان الشخص الذي دخل وكيل أعمال الحاج صمد، وقد خرج الآن بخطى طوال.
قطب داش آكل، سحب من جبقه نفساً بتفنن، ثم كما لو طغى فجأة على جو المقهى، الملبد بالغيوم السوداء، ضحك وسرور. وبعد أن أفرغ داش آكل رماد جبقه نهض فأودع القفص المزأبر بيد صبي القهوجي. وخرج من المقهى.
عندما دخل داش آكل برّاني(11) الحاج صمد، كانوا قد رفعوا مجلس العزاء. كان بضعة أشخاص من القراء وموزعي أجزاء القرآن يتنازعون على المال. بعد أن تأخر بضع دقائق عند الحوض، أدخلوه إلى غرفة كبيرة كانت أراسيّها(12) تنفتح على الخارج. جاءت السيدة إلى ما وراء الستارة، وبعد السلام والمجاملات المألوفة جلس داش آكل على الحشية وقال: 
ـ لتسلمي أنت أيتها السيدة، ليسلّم الله لك ابناءك.
فقالت السيدة بصوت مخنوق:
ـ في الليلة التي تدهورت فيها حال الحاج ذاتها، ذهبوا فجلبوا إمام الجمعة إلى عند رأسه، وقد جعلك الحاج في حضور السادة جميعهم وكيله ووصيه، لابد أنك كنت تعرف الحاج من قبل؟
ـ لقد تعرفنا على بعض من خمس سنوات أثناء السفر إلى 
(كازرون)(13). 
ـ كان الحاج رحمه الله يقول دائماً: لو كان ثمة رجل فهو فلان. 
ـ أيتها السيدة، إنني أحب حريتي أكثر من أي شيء، ولكن الآن وقد صرت مديناً لميت، قسماً بحد الشمس هذا إن لم أمت.. فسأُري الجميع. 
ثم، إذ أدار رأسه، رأى من شق الستارة المقابلة فتاة ملتهبة الوجه، لها عينان جذابتان سوداوان. لم يدم نظر أحدهما إلى عيني الآخر دقيقة، ولكن كما لو أن تلك الفتاة خجلت، فقد أسدلت الستارة وتراجعت. أكانت تلك الفتاة حسناء؟ ربما، ولكن عينيها الجذابتين فعلتا، على أي حال، فعلهما وغيّرتا حال داش آكل. طأطأ رأسه واحمر وجهه.
كانت هذه الفتاة مرجان، ابنة الحاج صمد، وقد جاءت من حب استطلاعها كي ترى داش آكل شهير المدينة، وقيّمهم. 
انشغل داش آكل منذ اليوم التالي بتحري أعمال الحاج، فسجل ـ مع دلال خبير، واثنين من فتيان المحلة وكاتب ـ كل الأمور بدقة وأعد بها قائمة. ووضع ماكان زائداً في المخزن. أقفل بابه وختمه، وباع ماكان قابلاً للبيع، وأعطى سندات الأملاك فقرئت له، وتسلم طلباته وسدد ديونه. وقد تم تنفيذ كل هذه الأعمال في يومين وليلتين. 
في الليلة الثالثة كان داش آكل ذاهباً إلى بيته متعباً مرهقاً، من مفترق (سيد حاج غريب)، حين صادفه في الطريق (إمام قلي). صانع الأقفال، وقال: 
ـ إن لكاكا رستم ليلتين الآن وهو ينتظرك. كان يقول ليلة أمس إن فلاناً زرعنا حقاً والتهى، أظنه نسي قوله.".
مسح داش آكل شاربه بيده، وقال: 
ـ لا تهتم لأمره.
كان داش آكل يتذكر جيداً أن كاكا رستم قد توعده قبل ثلاثة أيام في مقهى الثلاثة أميال، ولكنه لما كان يعرف خصمه ويعرف أن كاكا رستم قدتواطأ مع إمام قلي كي يريقا ماء وجهه، فإنه لم يبال بكلامه، وأخذ طريقه ومضى. وخلال الطريق كانت كل حواسه وفكره تتجه إلى مرجان، ومهما حاول أن يبعد وجهها عن عينيه كان يزداد ويشتد تجسداً أمام ناظريه.
كان داش آكل رجلاً في الخامسة والثلاثين، قوياً ولكن سيء التركيب. كان كل من يراه أول مرة يشمئز من مظهره، ولكنه إن جلس يستمع إلى حديثه مجلساً واحداً  فإنه يفتنه بحكاياته التي يرويها عن دوران حياته التي كانت على ألسنة الجميع، وإذا ما تجاهل المرء الجروح المتداخلة التي أحدثتها الـ"قمات" بوجهه، فإن لداش آكل  شكلاً نجيباً وجذاباً: عينين زرقاوين بخضرة، حاجبين أسودين كثين، خدين عريضين، أنفاً دقيقاً بلحية وشارب أسودين. ولكن الجروح خربت شكله، فعلى خديه وجبينه كانت آثار جروح سيف التأمت على نحو سيء، فكان اللحم الاحمر يلمع من بين أخاديد وجهه، والأسوأ من ذلك كله أ ن إحدها سحب حاشية عينه اليمنى إلى أسفل. كان أبوه واحداً من ملاك فارس، وعندما توفي وصلت كل تركته إلى ابنه الوحيد الفريد. ولكن داش آكل كان أريحياً متلافاً، لا يولي مال الدنيا ونقودها قيمة، يقضي حياته برجولة وحرية وكرم وطيب نفس، ولم يكن عنده أي اهتمام آخر في حياته، وكان يبذل كل ماله للمحرومين والمعوزين ويهبه لهم، أو يشرب عرقاً مضاعف التقطير، ويقف صارخاً في مفارق الطرق أو ينفق في مجالس الطرب على مجموعة  من الأصدقاء صاروا طفيليين عليه.
وتتلخص كل معايبه ومحاسنه في هذه الحدود، ولكن ما كان يبدو محيراً أن موضوع العشق والغرام لم يتسلل إلى حياته حتى الآن. وعندما أقنعه رفاقه بضع مرات فهيأوا مجالس سرية، كان يبتعد على الدوام. ولكنه من يوم أن صار وكيل الحاج صمد ووصيه ورأى مرجان، وقع تغيير تام في حياته، فمن جهة كان يعتبر نفسه مديناً للمتوفى وأنه قد صار تحت عبء المسؤولية، ومن جهة أخرى كان قد توله بمرجان. ولكن هذه المسؤولية كانت تضغط عليه أكثر من أي شيء آخر ـ هو الذي كان أوقع العبث في ماله وأحرق مقداراً من ثروته بسبب لا مبالاته.  كان لا يفكر يومياً، منذ الصباح الباكر حين يصحو من نومه، إلا في تنمية أملاك الحاج. نقل زوجته وأطفاله إلى بيت أصغر، وأجّر بيته الشخصي، وجلب لأطفاله معلماً خصوصياً، وطرح ممتلكاته في التداول وانشغل هو من الصباح حتى المساء  بمتعلقي الحاج وأملاكه.
منذ ذلك الحين فما بعد، لم يعد لداش آكل شأن بتجوال الليل وتحريم المرور في المفترقات. لم يعد له بأصدقائه اختلاط، وخمد اندفاعه السابق. ولكن جميع الفتوات والسائبين ـ الذين كانوا ينافسونه، جاءهم الدور فراحوا ـ بتحريك من الطفيليين الذين انقطعت أياديهم عن أموال الحاج ـ يتحدّون داش آكل وجعلوا من ذكره نُقل المجالس والمقاهي. في مقهى (ياجنار)، كان الأغلبية يتداولون موضوع داش آكل، ويقال: أتقصد داش آكل؟ ليجمد حلقه، من يكون؟ حسناً ما انزوى، إنه يتمسح بمنزل الحاج، كأنما ينمسح به شيء منه... صار عندما يبلغ محلة سرزدك ينحشر ذيله(14) بساقه ويمرّ.
وكان كاكارستم يقول، بالعقدة التي كانت في فؤاده وبلكنته:
ـ شيخوخة وتظاهر!‍صار صاحبنا عاشقاً لابنة الحاج صمد، وضع خنجره في القراب! نثر تراباً في أعين الناس، بدعوى أنه صار وكيل الحاج فقد شفط كل أملاكه. ليمنح الله الحظوظ‍!.
لم يعد لحنّاء داش آكل لون(15) عند أحد وما عادوا يفرمون له الكراث(15). أينما كان يدخل كانوا يتهامسون فيما بينهم ويغمزونه. كان داش آكل يسمع هذا الكلام من هنا ومن هناك عرضاً، ولكنه يتجاهله، ولا يبالي به، لأن عشق مرجان تغلغل في شرايينه وعروقه على نحو لم يعد يذكر معه غيرها أو يفكر في غيرها.
في الليالي كان يشرب العرق من اضطراب الفكر، ومن أجل تسلية نفسه اشترى ببغاء. كان يجلس أمام القفص ويناجي الببغاء بهمومه. لو أن داش آكل خطب مرجان فلاشك أن الأم كانت ستعطيه مرجان على راحتي اليدين. ولكنه لم يكن يريد، من جهة أخرى، أن يصير أسير امرأة وأطفال، كان يريد أن يكون حراً، على النحو الذي نشأ عليه. وعلاوة على ذلك، فقد فكر مع نفسه أنه إن تزوج البنت التي أودعت لديه فسيكون ذلك خيانة للخبز والملح. والأسوأ من ذلك كله أنه عندما كان ينظر إلى وجهه كل ليلة في المرآة  كان يعاين محل جروح القمة الملتئمة، وزاوية عينه المسحوبة إلى أدنى، ويقول بنغم مبحوح وبصوت عال:
-ربما لم تكن لتحبني، لعلها تجد زوجاً وسيماً وشاباً.. لا، هذا بعيد عن الرجولة.. إنها في الرابعة عشرة وأنا في الأربعين من عمري.. ولكن ماذا أفعل؟ هذا الحب يقتلني.. مرجان: لقد قتلتنِي.. لمن أقول؟
مرجان، قتلني حبك..
كان الدمع يتجمع في عينيه ويشرب العرق كأساً بعد كأس. ثم ينام وقد أصابه الصداع فيما هو جالس.
ولكن عند منتصف الليل، عندما تنام مدينة شيراز بأزقتها الملتفة الملتوية وبساتينها التي تشرح القلوب وأشربتها الأرجوانية، عندما تتغامز النجوم هادئة وعلى نحو مرموز، فوق السماء التي كالقار، عندما تتنفس مرجان بخديها الزهريين في فراشها بهدوء ويمر طيفها نهاراً أمام عينيه، عندئذ كان داش آكل الحقيقي، داش آكل الطبيعي بكل أحاسيسه وأهوائه وهوسه، يخرج من دون حرج من القشرة التي لفتها حوله آداب المجتمع وأعرافه، من الأفكار التي تم تلقينه بها منذ الطفولة، ولكنه عندما كان يفز من النوم، كان يشتم نفسه، ويلعن الحياة ويدور في الغرفة كالمجانين، يكلم نفسه همساً ثم يقضي بقية النهار –لكي يقتل فكرة الحب في داخله- في السعي والاهتمام بأشغال الحاج.
مرت سبع سنوات على هذا المنوال، لم يقصر فيها داش آكل مقدار ذرة في العناية والإيثار فيما يتعلق بزوجة الحاج وأطفاله. لو أن أحد أطفال الحاج مرض، كان يحيي الليل عنده، مثل أم حانية، وقد تعلق بهم أي تعلق. ولكن حبه لمرجان كان شيئاً آخر، وربما كان عشق مرجان هذا هو ما جعله إلى هذا الحد هادئاً وأليفاً.
أثناء هذه المدة كان جميع أطفال الحاج صمد قد شبوا عن الطوق. ولكن، ما كان لاينبغي أن يقع وقع، وطرأ حادث مهم: لقد وجد عريس لمرجان، وأي عريس!
إذ كان أسن وأقبح من داش آكل. لم يبد على وجه داش آكل في هذه الواقعة عبوس أو تقطيب، وإنما على العكس انتهى بمنتهى السرور بتهيئة الجهاز وهيأ للعقد حفلاً لائقاً. نقل امرأة الحاج وأطفاله مرة أخرى إلى منزلهم الخاص، وعين لاستقبال الضيوف الرجال الغرفة الكبيرة ذات الأرسي. كان جميع رؤوس مدينة شيراز: التجار والكبار، مدعوين إلى هذا الحفل.
في الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم، عندما كان الضيوف يجلسون متلاصقين حول الغرفة، متربعين على سجاجيد رفيعة القيمة وقد صفت أمامهم أطباق الحلوى والفواكه، دخل داش آكل بوضعه الفتواتي القديم، شعر نافر ممشط، صديري مخطط، حمالة سيف، شال معقود الطرف، سروال من الساتان الأسود، ملكي(16) شغل (آباده)(17) وطاقية جديدة. ودخل معه أيضاً ثلاثة أشخاص يحملون دفاتر والكشاكيل. حدق الضيوف جميعاً إليه من رأسه حتى قدمه. اتجه داش آكل بخطى واسعة نحو إمام الجمعة، حيث وقف وقال:
-يا حضرة الإمام، لقد أوصى الحاج رحمه الله فألقى بنا سبع سنوات عسيرات في ورطة. إن أصغر أبنائه الذي كان في الخامسة له الآن اثنتا عشرة سنة. وها هو أيضاً حساب وكتاب أموال الحاج.
وأشار إلى الأشخاص الثلاثة الذين كانوا خلفه.
-وكل ما جرى صرفه حتى اليوم، مع نفقات الليلة، تم صرفه من جيبي الخاص. والآن: نحن وشأننا، وهؤلاء أيضاً وشأنهم!
عندما وصل إلى هنا، خنقته العبرة. ثم من دون أن يضيف شيئاً بعد أو ينتظر جواباً، دلّى رأسه وخرج من الباب دامع العينين. تنفس في الزقاق الصعداء، أحس أنه تحرر، وأن عبء المسؤولية أزيح عن كاهله، ولكن فؤاده كان مكسوراً جريحاً. كان يمد خطى طويلة غير مبالية، وفيما هو يمر ميّز بيت الملا إسحاق، مقطر العرق اليهودي.
بلا تأخير دخل، عن طريق سلالم آجرية مرطوبة، إلى باحة عتيقة مدخنة تضم في داخلها غرفاً صغيرة قذرة لها نوافذ ثقبية تشبه قفير نحل وعلى حوضها أشنات خضر متشابكة. كانت رائحة محمضة، رائحة ريش وسراديب عتيقة، تملأ الهواء. تقدم الملا إسحاق بطاقية ليل مشحمة ولحية تيسية وعينين طماعتين، واصطنع ضحكة مفتعلة.
قال داش آكل في حالة شرود:
-وحق زوج شواربك هات زجاجة جيدة نطرّي بها حلقومنا.
هز الملا إسحاق رأسه، هبط سلالم القبو وصعد بعد بضع دقائق حاملاً زجاجة، أخذ داش آكل الزجاجة من يده، ضرب عنقها بحافة الجدار فقطع رأسها، ثم شرب نصفها، تجمع الدمع في عينيه، حبس سعاله ومسح فمه بظاهر كفه. كان ابن الملا إسحاق –الذي كان طفلاً مصفرّاً قذراً- ينظر إلى داش آكل ببطن منفوخ وفم فاغر ومخاط يتدلى فوق شفتيه. دفع داش آكل أصبعه تحت غطاء المملحة التي كانت على رف الباحة.
تقدم الملا إسحاق، ضرب على كتف داش آكل وقال من طرف لسانه:
-مازة الفتى التراب.
ثم مد يده تحت قماش ملابسه وقال:
-ما هذا الذي ترتديه؟ لقد بطل هذا الصديري الآن. متى ما لم تعد تريده سأشتريه منك بسعر جيد.
ابتسم داش آكل بسمة كئيبة، أخرج من جيبه مالاً، وضعه في كفه وخرج من البيت. كان الوقت قريب المغرب. كان جسده ساخناً وفكره مضطرباً ورأسه يوجعه. كانت الأزقة ما تزال، على أثر مطر بعد الظهر، رطبة ورائحة التبن- طين(18) والقداح تلفّ في الهواء.
تجسم وجه مرجان، خداها الأحمران، عيناها السوداوان وأهدابها الطويلة مع ذؤابة الخصلة التي تساقطت على جبينها، غامضاً موحياً أمام عيني داش آكل. تذكر حياته المنصرمة، وراحت ذكرياته السابقة تمر واحدة واحدة أمام ناظريه. تذكر الجولات التي كان يقوم بها مع أصدقائه إلى قبر (سعدي) و (بابا كوهي). فكان يبتسم حيناً ويقطب زمناً. ولكن ما كان مسلَّماً بالنسبة له أنه كان يخاف بيته، كان ذلك الوضع غير قابل التحمل بالنسبة له، كما لو أن قلبه اقتلع. كان يريد أن يذهب فيبتعد. فكر أن يشرب الليلة عرقاً مرة أخرى ويناجي الببغاء، لقد صارت الحياة كلها بالنسبة له تافهة جوفاء لا معنى لها. وفي هذه الأثناء تذكر شعراً فراح يترنم به سأماً:
أتحسر على سهرة السجناء، إذ نُقْل مجلسهم حبات السلسلة وتذكر لحناً آخر، فغنى بصوت أعلى:

جن قلبي، أيها العقلاء، هاتوا سلسلة         فلا تدبير للمجنون غير القيد!

غنى هذا الشعر بلحن اليأس والغم والغصة، وكما لو نفد صبره، أو أن فكره كان في مكان آخر، لزم الصمت.
كان الظلام قد حل عندما وصل داش آكل محلة سرزدك.
كان هنا الميدان إياه الذي كان- في السابق عندما كان له خلق وهوى- يمنعه على الناس فلم يكن أحد ليجرؤ أن يتقدم.
ذهب، بدون إرادة، فجلس على صفة حجرية أمام أحد البيوت، أخرج جيفه وعمرّه، وراح يدخن بطيئاً، تهيأ له أن المكان صار أكثر خراباً منه في السابق، تغير الناس في عينيه، كما انكسر هو وتغير. كانت عيناه تتغشيان، ورأسه يؤلمه. فجأة ظهر ظل معتم كان يتجه نحوه من بعيد، وفيما هو يتقدم قال:
-الـ.. الـ.. فتى يعرف الفتى في الـ.. في الـ.. ليلة الظلماء.
عرف داش آكل كاكارستم. نهض، وضع يده في نطاقه، وبصق على الأرض وقال:
-إي وأرواح أبيك عديم الغيرة، تصورتَ أنك فتى جداً. ولكنك –ومماتك لم تَبُل على أرض صلبة(19).
أطلق كاكارستم ضحكة ساخرة، تقدم وقال:
-مذ.. مذ.. منذ زمن لم.. لم.. تعد تظهر في.. في هذه الأنحاء! الـ.. الليلة في بيت الـ.. الـ.. الحاج عقد قران، أفلم.. يسـ.. يسمحوا لك.."، فقطع داش آكل كلامه:
-لقد عرفك الله فأعطاك نصف لسان، وسآخذ أنا الليلة نصفه الآخر.
مد يده فسحب قمته. وتناول كاكارستم أيضاً، كما رستم الحمام(20)، قمته بيده. دق داش آكل رأس قمته بالأرض. وقف واضعاً يده على صدره وقال:
-أريد الآن فتى يقتلع هذه القمة من الأرض!
هجم كاكارستم عليه فجأة، ولكن داش آكل ضربه على معصمه ضربة جعلت القمة تطير من يده، توقفت مجموعة من المارة على صوتهما، ولكن لم تؤات أحداً الشجاعة لأن يتقدم أو يتوسط.
قال داش آكل باسماً:
-رح، رح يا أخ، ولكن شريطة أن تمسكها أشدّ الآن، لأنني أريد الليلة أن نصفي حساباتنا!
تقدم كاكارستم بقبضتين مشدودتين فتماسكا. بقيا يتدحرجان على الأرض مدة نصف ساعة، والعرق يتصبب من رأسيهما ووجهيهما، ولكن لا يحالف النصر أياً منهما.
في خضم النزاع اصطدم رأس داش آكل شديداً بحجارة الطريق، فأوشك أن يغمى عليه. كما أن كاكارستم، مع أنه كان يضرب بنية القتل، إلا أن طاقته على المقاومة كانت قد نفدت، ولكن عينه في هذه اللحظة وقعت على قمة داش آكل التي صارت في متناوله. بكل قوته وقدرته سحبها من الأرض وغرزها في خاصرة داش آكل؛ وتعطلت ذراعاهما معاً عن الحركة.
ركض المتفرجون قدماً ورفعوا داش آكل بصعوبة عن الأرض، وكانت قطرات دم من خاصرته تخضب الأرض.

وضع يده على الجرح، جرجر نفسه بضع خطوات إلى جنب الجدار. ثم رفعوه وحملوه على الأيدي فنقلوه إلى بيته.
في صباح الغد، لما بلغ خبر جرح داش آكل بيت الحاج صمد، ذهب (ولي خان)، ابنه الأكبر، يسأل عن حاله. وصل إلى فراش داش آكل. وجده ساقطاً على الفراش شاحب اللون، وقد خرج زبد دام من فمه وقد غامت عيناه، كان يتنفس بصعوبة، وكما لو أنه عرفه قال بصوت نصف مكتوم، راعش:
-في الدنيا.. لم يكن عندي غير هذا الببغاء.. وحياتك.. وحياة الببغاء.. أودِعه عند..
ولزم الصمت مرة أخرى، فأخرج ولي خان منديل حرير، ومسح دمع عينيه، فقد داش آكل الوعي، ومات بعد ساعة.
بكى لموته أهل شيراز جميعاً.
رفع ولي خان قفص الببغاء فأخذه إلى البيت.
كان في عصر اليوم ذاته أن وضعت مرجان قفص الببغاء أمامها وراحت تتأمل –ذاهلة- تلوين الريش والجناح، المنقار المقوس والعينين المستديرتين الغائمتين للببغاء، فجأة، قال الببغاء بنغمة فتيان، بنغمة مشروخة:
-مرجان، يا مرجان.. لقد قتلتِني.. لمن أقول.. يا مرجان.. قتلني حبك".
فجرى الدمع من عيني مرجان.


                                                   فيلم [داش آكل]
                                  

***


إضاءات:

1-تصغير تحبيبي لكلمة داداش، وتعني أخ.
2-ولد أشهر كتاب إيران في العصر الحديث، صادق هدايت، سنة 1903. كتب الرواية والقصة القصيرة والمسرحية وأدب الرحلات والبحث الأدبي ومقالات وبحوثاً في الكثير من الموضوعات، كما ترجم الكثير أيضاً. اضطر إلى نشر أغلب كتبه خارج إيران، وبتعداد منخفض، وانتحر في باريس سنة 1951 بسبب الإحباط واليأس من رواج إنتاجه!
3-كاكا في لهجة أهل شيراز، كما في اللغة الكردية، تعني أخ.
4-كمية المادة المخدرة المستعملة لشخص واحد مرة واحدة.
5-مخفف "وافور"، وهو وسيلة تدخين الأفيون.
6-الولي الراعي للسلالة الصفوية، التي حكمت إيران ما بين 1501 و 1736.
7-سلاح ما بين الخنجر والسيف طولاً، يكون عادة مستقيم النصل.
8-البطل شبه الأسطوري الإيراني، الذي احتفي به كثيراً في "شاهنامة" فردوسي حتى صار بطلاً شعبياً لدى الإيرانيين.
9-غليون كبير الرأس مستقيم العضد أو المبسم.
10-طبقة تصنع من رقاقات من الخشب الملون والعظام والصدف وبعض المعادن، تلصق على المصنوعات الخشبية للتزيين.
11-قسم مقدم البيت، حيث يدخل الرجال الغرباء.
12-جمع "أرسي"، وهو شباك مشبك، طويل، مزين عادة بالزجاج الملون، يمكن أن يخلع ولكن ليس له مفاصل.
13-من مدن محافظة فارس، جنوبي إيران.
14-كناية عن كونه "عاقلاً"، "مؤدباً".
15-كناية عن فقدان الوجاهة أو المهابة.
16-المقصود "كَيوه" ملكي، والملكي من أنواعها الجيدة.
أما الكَيوه فهي ملبوس رجل، وجهه يحاك من القطن أو الأبريسم، ونعله من الجلد المدبوغ طبيعياً.
17-من مدن محافظة (فارس) في جنوب إيران.
18-خليط يستعمل لطلي الجدران.
19-كناية عن عدم التجربة.
20-المقصود تصاوير رستم الأسطوري الشعبية، وخاصة التي كانت ترسم على جدران الحمامات، وتتناول مشاهد من بطولاته.


المصدر: مجلة "الآداب الآجنبية"، تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - سوريا، العدد 115، 1 يوليو 2003.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق