الاثنين، 7 أغسطس، 2017

الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك : ماكرون وفرنسا (1)

حاورته : ماري لومونيي
ترجمة :سعيد بوخليط

لحظة احتفاله بذكرى ميلاده السبعين،استقبلنا الفيلسوف الألماني الكبير في منزله : محارب للأيقونات،متهتك،جريء على الرأي السائد،وعارف دقيق بأوضاع فرنسا،ثم محيط بالأوضاع الجارية. 
س- لقد أكدتم غير ما مرة بأن فرنسا كان لها نزوعا طبيعيا خاصا جدا نحو الدلائل الكبرى للجنون لحظة انتخاباتها.هذه السنة الانتخابية المتوجة بانتصار شاب بقي مجهولا لدى الفرنسيين قبل سنتين ثم اندحار الأحزاب التقليدية،أنصفت استدلالكم بغض النظر عن كل تشخيص.بعد مرور شهر بالكاد على الشروع في العمل،شهدت الحكومة الجديدة أولى أزماتها مع استقالة أربعة من أعضائها لأسباب قضائية فما هي نظرتكم إلى هذه الوقائع الجديدة؟
ج-يبدو لي وجود جانب متزمت جدا بخصوص ما يجري داخل فرنسا.هذا يذكرني بكتاب للفيلسوف الأمريكي ميشيل ولزر :''ثورة القديسين''الذي تطرق من خلاله للطهرانية في السلطة.بهذا الخصوص،ارتكب إيمانويل ماكرون خطأ جوهريا حينما دشن ولايته معلنا عن الرغبة في تخليق الحياة السياسية.لقد ارتكب نفس خطأ الشاب فريديريك الثاني البروسي الذي كتب مدة قليلة بعد اعتلائه العرش عمله :''نقيض- ميكيافيلي''من أجل تفنيد ''الأمير''.وحين بلوغه سن النضج،انتهى فريديريك الثاني معترفا إلى أحد محاوريه بوقوعه في التيه مع مشروعه لتخليق السياسة.أعتقد بأن الشخص الشاب مثلما يجسده السيد ماكرون يعيد نفس التجربة عاجلا أم آجلا.   
س-لكن المواطن الفرنسي يسكنه غضب جراء شعوره بالإفلات من العقاب الذي يقدمه مسؤولينا ;لقد كان هذا ملحوظا خلال هذه الحملة مع قضية فرانسوا فيون،مما ساهم في صيغة من صيغ التخلي الديمقراطي.ألا ينبغي أن نأخذ هذا بعين الاعتبار؟
ج-هناك جانبان.السياسة،كما هي،تعتبر فضاء للعمل تسوده قاعدة خاصة. إنه الاكتشاف الكبير ل ميكيافيلي.الأخلاق العامة،لاسيما الانسانوية المجردة،لايمكنها أن تطبق واقعيا باستمرار،لأن الأشياء تنزع للانعتاق من القاعدة الأخلاقية.الوصايا العشرة لم تروى كفاية تفصيلا كي تقتضي سلوكا محددا ضمن معطيات الحقيقة المعاصرة.لقد شكل هذا الاكتشاف الحداثة.يبقى سؤال الفساد وكذا النظام الفرنسي.فساد تهيكل وتحجر تقريبا.إذن،بشكل مفارق،قد يحمل هذا التنظيف المبدئي المصداقية لكل مشروع إيمانويل ماكرون.إذا لم يفعل ،سيجازف بخداع آمل تلك الحركة الهائلة التي استثمرت ثقتها ووضعتها فيه.   
س-بيد أن الامتناع المكثف خلال هذه الانتخابات – أكثر من 51% فيما يتعلق بالتشريعية- جعل في المقابل أهمية ذاك الحماس نسبية.   
ج-لقد ورث هذا الامتناع عن التصويت من الكآبة السابقة عن مرحلة ماكرون.يحتفظ الناخبون دائما في دواخلهم بردود أفعال تصرفاتهم السابقة،مبرهنين على نوع من الالتباس كي تحكم عليهم بالتفاؤل بين عشية وضحاها.كانوا يعيشون في خضم نوع من التشاؤم المترف،الذي ميز وطن فرنسا.لقد تكرس هذا الأفول منذ أكثر من جيل.بدأ خلال فترة ميتران،حينما وجد الأخير نفسه منحصرا بين رئاسة قد نقول عنها يسارية ثم أغلبية برلمانية من اليمين والوسط.لحظتها،فإن ميتران وعلى منوال الله ساد لكنه لم يحكم.بالتالي، اعتاد الفرنسيون على هذا الغياب للقيادة منذ خمسة وثلاثين سنة.كانت حقا تجربة مفصلية الاستمرار لثلاثة أجيال في إطار نوع من البلوكاج السياسي.لم يذهب ذلك سدى،بل خلق مناخا مسموما،وتحديدا ما أسميه''التشاؤم المترف''،سمة فرنسا الناعمة تكمن هذه النعومة الكئيبة في عدم القدرة على الإيمان بالحياة السياسية :السياسة،مجال حيث يحاصر الجميعُ الجميعَ،ويصبح الفساد خبزا يوميا،ثم من مختلف جهات الجمعية الوطنية يتجلى هذا النفوذ المميز برائحة معينة بنكهة عاشقي الطرائد.تمثلت أعلى ورطة لفرنسا السياسية،في هذا السحر المضمر للفساد اليومي.
س-غير أنه ''سحر''لايجد ذاته في منظور الناخبين.إن تحويل بعض أعضاء الحكومة نحو الجمعية الوطنية أثار شكوكا مشروعة.
ج-نعم، بالتأكيد، لكن من الضروري فهم ماهية السياسة كمهنة.ماكس فيبر في مقالته الشهيرة :السياسة كمهنة (1919)مدح نوعا من إيتيقا السياسة الرواقية.السياسي، هو الصبر،والتعاون مع الزمان الطويل، والتطور البطيء،ثم خاصة الحفر في ألواح خشبية صلبة جدا يبدو تقريبا مستحيلا ثقبها.معجزة ماكرون أنه أحدث ثقبا هائلا،لكن في الموضع الأكثر نخرا من الخشب.كان حدسا قويا جدا.
س-تتكلمون على طُهْرية فرنسية معينة ،لكن في ألمانيا،يغادر السياسيون السفينة بمجرد طرح قضية من قضايا الفساد؟
ج-نعم،نطردهم بشكل سريع جدا،ثم ينسحبون بنفس السرعة.فقط لايحدث كما الأمر في أمريكا مع هؤلاء الطُهْرانيين الحقيقيين الممتلكين لثقافة الاعتذار العمومي :يتم الجلد أمام الجمهور الواسع،ثم انتهى الأمر…. نوع من الصفح الذاتي،فالاعتذار يكفي.في ألمانيا،لا يستقيم الأمر،يلزم الانسحاب.الأمر الذي يبعث على التحسر،لأن التجربة تؤخذ بعين الاعتبار في السياسة،والاحترافية ضرورية.بناء على وجهة النظر هذه،ما يثير الانتباه نحو الجمعية الوطنية الفرنسية الجديدة،أنها ستكون على طريقتها نوعا من التدريب بالنسبة لأغلب أعضائها.بذلك   تشبه الجمعية الوطنية الأولى بعد الثورة،حينما أعلن ممثلو الطبقة الثالثة  أو الشعب التئامهم.فقد تبلورت لديهم بتأثير من إيمانويل جوزيف سييس،تلك الفكرة العظيمة قصد تأكيدهم بأن هذه الطبقة الثالثة،تجسد أصلا في ذاتها،وطنا كاملا.هكذا اندلعت الثورة الفرنسية.كانوا جميعهم هواة،دون أقل تجربة سياسية: كتّاب وأغلبية من المحامين.وضع يتناسب أيضا مع أول برلمان للألمان،بعد الحرب العالمية الثانية:كان حشدا من المحامين والمدرسين،وهذا أفرز الجمهورية الألمانية الجديدة.اليوم،في فرنسا،تشكيلة المنتدبين أكثر اتساعا،نظرا لوجود متخصصين من كل الأصناف. خبراء في كل شيء،إلا مجال السياسة !ستكون تجربة غريبة :برلمان يشكله مبتدئون،وحكومة من أسماء مجهولة،ثم ''كاريزما-توقراطية" ماكرون.
س-استُحضرت صورة جوبيتر بالنسبة لايمانويل ماكرون،أما أنتم فقد وصفتموه- على نحو مضحك جدا- ب جان دارك   
ج-لكن أن لايعدم حرقا!أجريت هذه المقارنة التاريخية، لأن ماكرون على منوال جان دارك ،يتقدم أمام وطنه كي يقوده إلى واجهة ما،ومثلها،يميزه إصغاء ورع تقريبا لصوت داخلي يملي عليه خطوته المقبلة.مع ذلك،سيكون بالتأكيد محاصرا خلال فصل الخريف،لأن الشارع الباريسي سيتحرك.أنا متيقن مطلقا أن هذه السلبية المتجلية عبر هذا الامتناع القياسي الذي سيغير السمة بعد الدخول السياسي،مادام أن أولى إصلاحات ماكرون المتوخى الشروع في إنجازها ستمس تشريعات العمل. بالتالي،يتوقع تماما حدوث تحركات مكثفة  داخل جمهورية حيث النقابات دائما قوية جدا وتماهي المرفق العمومي مع اليسار.لكن، من جهة ثانية،ولأن الرجل الشاب جد يقظ وضمن وضع مُدْرِك،فيمكن لهذا أن لا يقود لأي شيء،سواء كتعبير عن حنين،ونزوة.سيكون إذن اختبارا جديدا لحدة الكلمة النافذة التي قالها يوما "آلان بيرفيت"، مشيرا إلى خاصية الحياة الجمهورية الفرنسية،والتي جسدت ''التشنج الجامد''.يحوي في الواقع الحمض النووي للسياسيين الفرنسيين على  تعبيرية فطرية .إنهم يعيشون في غمرة التعبيرية.لذلك شهد الدور الأول من الانتخابات الرئاسية إبداعا :أقصد الكرنفال،يمكن للجميع ارتداء أي لباس،لكن بعد خمسة عشر يوما حدثت العودة إلى التصويت المفيد،أو ''عصرالعقل''مثلما سيقول سارتر.
س-أعلنتم أيضا بأن فرنسا ولجت عهد النضج مع اختيار إيمانويل ماكرون.لماذا؟
ج-يعتبر الانحدار الفرنسي، موقفا شبابيا، أو موصولا تقريبا ب أرثر رامبو: نخلق الشعر ثم فيما بعد نختار طريق التدمير الذاتيوالحال أنه قد حدث شيء ما غير منتظر تماما مع ظاهرة ماكرون :قبل سنة ونصف،لم يكن بوسع أي شخص التكهن بظهور نَيْزكي تقريبا  لهذا الشاب،لكن خاصة التحول السيكولوجي لبلده.فاليوم يقول نصف الفرنسيين:''لما لا؟''.إنها معجزة حقيقية.ومن يوم لآخر،لانتبيّن أبدا هذا البلد الكئيب،المستمتع بانحداره وكذا تشاؤمه المريح.سيكون في وسع فرنسا الخروج من هذه المراهقة المستمرة والاستياء الدائم الذي يكشف عن نفسه منذ ثلاثين سنة.يبدو حاليا،أن فرنسا تملك حظا وحيدا لملء هذا الوضع الجليل للرئيس،المصاغ على مقاس شارل ديغول ولم يتمكن أي وريث بعده مضاهاة قامته،من طرف أحد يمتلك رؤية إصلاحية حقيقية ومعنى للرموز،غير ميتران ربما.كان مدهشا،ترجل ماكرون الطويل أمام متحف اللوفر louvre،ليلة فوزه ثم تسليط الضوء على انفراد الشخص الذي اختير كي يحمل ثقل العالم على أكتافه الطرية العود.مع ذلك،لم يمنحه هذا مزيدا من التعاطف;فقسم كبير من فرنسا يرتاب.  
س-أليس هناك مجال للخوف عندما يتم تركيز العديد من السلط بين أيادي شخص واحد،ثم أغلبية برلمانية مع إضعاف للمعارضة؟
ج-بالتأكيد،يعلمنا الحذر السياسي تبني موقف التحفظ نحو السلطة،ثم لسنا مستعدين لعودة الملك الطيب .لقد عاش الملك المطلق روني دونجو خلال القرن الخامس عشر.بعده لم يحمل قط أي أمير صفة "طيب". 
س-تودون القول أنكم تتخيلون الرئيس ماكرون على شاكلة'' الملك إيمانويل الطيب''! 
ج-نعم،على الأقل فيما يتعلق بالوعد.لكنه وعد أخذه على عاتقه،بمحض إرادته.أيضا ظاهرة جديدة نسبيا،بحيث لم تلتمس السلطة من أجل السلطة بل لتحقيق رؤية.
س- رؤية فعلا، ليبرالية تماما. لقد كتبتم منذ سنتين في عملكم :''Ma France''مايلي :"بناء على واقع اليوم ،من المستبعد تماما أن نعمل على تقويم فرنسا مثلما كان الشأن خلال التحرير ضمن منظور 1940 ''.هل التقويم في نظركم بصدد الانطلاق؟
ج-لا نعرف أبدا.لكن خلال الأيام الماضية،استحضرت مقطعا من حواراتي مع ''آلان فينكييركرو''،مرت عليها حاليا خمسة عشر سنة،قبل أن نبتعد نهائيا.لقد قرأ كاتبا أوروبيا شرقيا يقر بما يلي:((يتمثل كل الرهان الديمقراطي،في الشغف والالتزام بشيء غير ناجز ))وهذا بالفعل مفارقة سن الرشد :تكريس كل قواك من أجل شيء ناقص،كما لو هو أفضل ما تقدمه لك الحياة.خلال السنوات المقبلة، يلزم قيام الفرنسيين بهذا العمل.يبقى أن نعرف إذا كان بوسع ماكرون الذهاب بهم وفق هذا المسعى أو سيلزمونه على عزلة السلطة.
س-أي مستقبل ترونه لليسار الفرنسي؟
ج-اعتقاد التصويت الفرنسي، بانتهاء الحقبة التي كان اليسار يقدم أثناءها خدمة بخصوص شيء.لماذا؟لأن الدولة مثلما هي تعتبر أصلا أكثر اشتراكية مما قد يصل إليه قطعا حزب اشتراكي.تتضمن اشتراكية الدولة الفرنسية قدرا من العناصر البنيوية للاشتراكية الفعلية بحيث يمكننا القول صراحة أن فرنسا تعيش ضمن''نصف-اشتراكية فعلية''.يضاف إلى هذا،الأوليغو-قراطية cratie-oligo،التي تشير إلى استئثار فئة صغيرة بالسلطة - لاينبغي خلطها مع الأوليغارشية،وهي كلمة خاطئة من أجل تحديد البلوتوقراطية،أو حكومة الأثرياء- من خلال الأحزاب،والتي استرقّت الدولة تماما.لقد اكتفى قسم مهم من الفرنسيين.  في المقابل،توفر لهم متدربون  بصدد التكوين.  
س-انتقلنا إذن من أوليغو- قراطية الأحزاب إلى الملكية الجمهورية
ج-نعم هو كذلك .لكن يتجلى أيضا عنصر الانفعالية في حركة ماكرون، صيغة من الشعبوية، لكنها حاليا شعبوية ذات نزوع وسطي .هذه الشعبوية الليبرالية شاذة في فرنسا،بحيث تهيمن خطاطة يسار- يمين مع وسط ضعيف.مع ذلك،في فرنسا القرن السابع عشرة أُبدعت السياسة المعاصرة،فأول من سموا ب''السياسيين'' هؤلاء الرافضين للانتساب سواء إلى حزب بروتستاني أو كاثوليكي،لكنهم نجحوا في إحداث فجوة وسط هذا التصدع بين انفعالين.السياسة حسب الصياغة الشهيرة ل ألبير إيرشمان،هي فن إبطال مفعول الأهواء وتحويلها إلى مصالح.من المثير حقا رؤية أنه بعد ثلاثمائة سنة يحدث الاتفاق من جديد في فرنسا على فكرة أن السياسة تأتي من الوسط،والفضاء المحايد.هذا ثوري تماما.  
س-الخطاب الأخير الحازم الصادر عن وزير الداخلية جيرار كولومب بخصوص المهاجرين،أزعج كثيرا، والمتناقض ظاهريا مع ''واجب الإنسانية'' الذي تحدث عنه الرئيس.أنتم بدوركم خلقتم سجالا قويا حول هذه الإشكالية حينما صرحتم شهر يناير2016 لمجلة "cicero "بما يلي :((التدمير الذاتي ليس واجبا أخلاقيا)).
ج-لقد شعرت بكثير من الضجر بعد ذاك الحوار.صرحت بذلك لأنه في ألمانيا،يدعم على العكس كثير من المناضلين وجود واجب التحطيم الذاتي.مما يعني الإنسانية في حالتها الخالصة،نتيجة التضحية بالذات لصالح الآخر.هناك شعار نردده عندنا منذ خمس وعشرين سنة: ((أعزائي الأجانب لا تتركونا وحيدين مع الألمان !))هو بعد هزلي عن سؤال جسيم جدا.لأننا نجهل في العمق هل يوجد واجب التحطيم الذاتي أم لا.عدد اللاجئين في العالم مرعب،ولا يوجد حل مقنع،يلزم أن نختار دائما بين أنواع عديدة من عدم الرضى.
س-ألستم أنتم من استحضرتم في كتاباتكم أن هيلين"Enée "،الأب الأسطوري لأوروبا القادم من إيطاليا بعد انهيار طروادة ،كان بدوره مهاجرا
ج-صحيح،كان في الأصل تركيا. ما أردت الإشارة إليه ،أنه يلزم الأوروبيين مراعاة فكرة أن أوروبا بالنسبة للأجانب ولهم أنفسهم فضاء حظ ثان.منذ البداية،نحن ورثة للآخرين.هذا يمنح نوعا من الانفتاح على العالم،لكنه لايتضمن أيضا استضافة تلقائية للجميع.
س-لقد صدر حديثا في ألمانيا دراستكم الجديدة المعنونة ب :''بعد الله''.فماهي أطروحتها المركزية؟
ج-يلزم أن نفهم جيدا أن ''موت'' الله،المعلن من طرف نيتشه،يمثل مجازا قويا جدا لأن الله بصدد أن يفقد أهميته فيما يتعلق بحياة الأشخاص.لكن ليس إلا مجازا،مادام أن الأعضاء وحدها قد تموت والله ليس في كل الأحوال مماثلا لجهاز عضوي.بل بالأحرى هو فكرة مٌنِظِّمة;يمكنها أن تخبو أو تضعف،لكنها لا تموت.مع ذلك،حتى وإن ضعفت(حتى في فرنسا الفخورة جدا بعلمانيتها)،فالله هنا،لأن الأمر لا يتعلق بالحياة أو الموت،لكنها مهمة أو مفتقدة للأهمية.وأقول، بأن الأهمية،ظاهرة موسمية.مضمون أطروحتي،أن الدين تحرر في أيامنا مادام قد خسر وظيفته الأولى المتمثلة في  اختلاق جماعات.تصور جديد جدا لأنه إلى غاية دوركايم،اعتقدنا أنه مع مفهوم الله ،كان المجتمع باستمرار مولعا بنفسه.راهنا، لايشتغل المعطى بذات الكيفية لأن التماسك الاجتماعي تضمنه أنظمة أخرى.الرحمة عوضتها بدائل تتجاوز فعاليتها الدين بألف مرة.
س-هل نرثيه؟
ج-لا،الدين تحرر،ولم يعد يخدم شيئا.في اللحظة التي يتوقف على أن يكون بمثابة وثاق مجتمعي،فسينضم إلى الفنون ويصبح نوعا شعريا.يوجد نوعان من الشعر :القصائد التي أقرت بطبيعتها الشعرية،ثم قصائد أخرى لم تقر بعد بذلك.يقوم هذا التمييز عند نواة مفاهيمي.إن ديانة مرهقة بوظيفته الاجتماعية لايمكنها الإقرار بكونه تخيلا.بينما الدين الذي بوسعه الإقرار بطبيعته الشعرية فهو حر.  
س-تحتفلون اليوم بعيد ميلادكم السبعين وقد نسب إليكم منذ مدة طويلة لقب'نبي معاصر''.جان بودريار،الذي عرفتموه،أحب أن يقول :''أنا لا أتنبأ أبدا،بل أعمل فقط على التحذير'' وأنتم؟
ج-النبي، شخص يخشى قبل كل شيء أن يكون على صواب ;كذلك على وجه الاحتمال ما قصده بودريار.وألتمس أخطاء مبهجة،لحسن الحظ.بالنسبة إلي،أحب نظرية ''الكارثية المضيئة"،التي طرحها جان بيير دوبي Dupy،أحد طلبة روني جيرار في كتاب يلزم الرجوع إليه.باستمرار،وعلى وجه السرعة تقريبا، هناك كارثة في الطريق .بعض الكوارث الصغيرة،تخبر عن أكبرها.مثلا،الوضعية المأساوية للمحيطات،وتراجع الحياة البرية الطبيعية،والمستوى التراجيدي للتلوث،والانخفاض المتواصل لمستوى الأوكسجينمن يوم لآخر،قد يحدث  حتما شيء.الجميع يدرك  ذلك. إنه تناقض حقبتنا :كل الكوارث قادمة،مع أنها جميعا تحت رقابة معتبرة وموصوفة حقا سلفا، مع ذلك نسمح لها بالحدوث. تُقارن البشرية قاطبة بساكنة مدينة نابولي بحيث يشيدون منازلهم فوق منحدرات بركان مقتربين من الفوهة أكثر فأكثر.  
هامش :
1-l obs ;numéro 2747.29/06/2017.PP/63- 69.
          
                          

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق