ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

اللغة سلطة تشريعية، اللسان قانونها. أننا لا نلحظ السلطة التي ينطوي عليها اللسان، لأننا ننسى أن كل لسان تصنيف، وأن كل تصنيف ينطوي على نوع من القهر : ordo تعني في ذات الوقت التوزيع والارغام. هذا ما أوضحه ياكوبسون Jakobson. ان كل لهجة تتعين، أكثر ما تتعين، لا بما تخول قوله بل بما ترغم على قوله. وفي اللغة الفرنسية (وأنا أسوق هنا أمثلة لا تخلو من الفظاظة)، أنا مرغم على ان اضع نفسي كفاعل قبل ان أعبر عن الفعل الذي لن يكون الا صفة تحمل علي وليس ما أقوم به الا نتيجة تتمخض عما أنا عليه، وعلى نحو مماثل، أنا مرغم على الاختيار بين صيغة التذكير والتأنيث، وليس بإمكاني على الإطلاق ان أحيد عنهما معا أو أجمع بينهما، ثم انني مرغم على تحديد علاقتي بالآخر، أما بصيغة ضمير المخاطب بصيغة المفرد أنت أو بصيغة الجمع أنتم، وليس بإمكاني ان أترك المجال لمبادرة العاطفة والمجتمع. وهكذا فإن اللغة، بطبيعة بنيتها، تنطوي على علاقة استلاب قاهرة. ليس النطق، أو الخطاب بالأحرى، تبليغا كما يقال عادة : إنه إخضاع : فاللغة توجيه وإخضاع معمّمان.
أورد عبارة لرينان Renan ساقها في إحدى محاضراته : ” إن الفرنسية، سيداتي سادتي، لا يمكن ان تكون البتة لسان المُحال والعبث، كما أنها لا يمكن أن تكون لغة رجعية. لا يمكن ان أتصور موقفا رجعيا يستعمل الفرنسية كأداة …”. لنقل إن رينان، كان بطريقته الخاصة، ثاقب النظر. لقد استطاع ان يدرك ان اللغة لا تنحصر في ما تبلغه، وأنها يمكن ان تجتازه لتسمع عن طريقه، وبلهجة صارخة، غير ما تقوله، مضيفة للصوت الواعي المتعقل للذات الناطقة، الصوت المهيمن العنيد القاسي للبنية، أي صوت النوع البشري بما هو ناطق. كان خطأ رينان تاريخيا لا بنيويا. انه كان يظن ان اللغة الفرنسية التي أبدعها العقل، بحسب اعتقاده، كانت ترغم على التعبير عن عقل سياسي لم يكن ليكون في نظره الا ديمقراطيا. بيد ان اللسان، من حيث هو إنجاز كل لغة، ليس بالرجعي ولا بالتقدمي. انه، بكل بساطة فاشي : ذلك لأن الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه.
ان اللغة، ما ان يُنطق بها، حتى وإن ظلت مجرد همهمة، فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها، إذ لابد وإن ترتسم فيها خانتان : نفوذ القول الجازم، وتبعية التكرار والاجترار : فمن ناحية اللغة جزم وتقرير : وما النفي والشك والإمكان وتعليق الحكم الا حالات تستلزم عوامل خاصة سرعان ما تدخل هي ذاتها في عمليات التغليف اللغوي. وما يطلق عليه علماء اللسان الجهوية Modalité ليس الا تكملة للغة، وما أحاول بفضله ،استرحاما، التخفيف من سلطتها التقريرية القاهرة. ومن ناحية أخرى، فإن الدلائل والعلامات التي تكون منها اللغة، لا توجد الا بقدر ما يعترف بها، أي بقدر ما تتكرر وتُردد. فالدليل تبعي مقلد، وفي كل دليل يرقد نموذج متحجر : ليس باستطاعتي الكلام دون ان يجر كلامي في ذيوله ما يعلق باللسان. وما ان أصغ عبارة ما حتى تلتقي عندي الخانتان المذكورتان، وأكون في ذات الوقت سيدا ومسودا : اذ انني لا أكتفي بأن الوك ما قيل وأردده، مرتكنا بارتياح الى عبودية الدلائل، بل انني أؤكد وأثبت وأفند ما أردده.
في اللغة إذن خضوع وسلطة يمتزجان بلا هوادة. فإذا لم تكن الحرية مجرد القدرة علي الانفلات من قهر السلطة، وإنما، علي الخصوص، عدم إخضاع أي كان، فلا مكان للحرية إلا خارج اللغة. بيد أن اللغة البشرية، من سوء الحظ، لا خارج لها: إنها انغلاق، ولا محيد لنا عنها إلا عن طريق المستحيل: إما بفضل الوحدة الصوفية، مثلما وصفها كييركغارد Kierkegaard، عندما حدد فداء ابراهيم كفعل لا مثيل له، خال من أي كلام، حتي ولو كان باطنيا، يقوم ضد شمولية اللغة وتبعيتها وطاعتها، أو بفعل ما يطلق عليه دولوز رداءها الرجعي. ولكن، نحن الذين لسنا فرسان الإيمان، مثل ابراهيم، ولا الإنسان الأعلي الذي يتحدث عنه نيتشه، لا يتبقي لنا إلا مراوغة اللغة وخيانتها. هذه الخيانة الملائمة، وهذا التلافي والهروب، هذه الخديعة العجيبة التي تسمح بادراك اللغة خارج سلطتها، في عظمة ثورة دائمة للغة، هذا هو ما اطلق عليه أدبا.
ــــــــــــــــــــــــــ
(*) عن كتاب " درس السيميولوجيا " رولان بارت، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، تقديم عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر- المغرب، الطبعة الثالثة 1993، صص 14:11.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق