الأحد، 12 أبريل 2015

غاستون باشلار وفلسفة النار : سعيد بوخليط

I ـ النار : التقييم الموضوعي:
أكد "فرانسوا بيير" (François Pire)(1)، أن مشروع باشلار تبنى ثلاث منظورات للخيال :
* المنظورالرافض : موقف ينطلق من الموقف التقليدي داخل الميتافيزيقيا الغربية، كان ينظر إلى الخيال كعامل للخطأ والزّيف.
* المنظورالحتمي والجبري : ارتبط عند باشلار ، بالبحث في العناصر الأربعة : الماء/النار/ الهواء/ الأرض. وبالتالي، أصلها ومصدرها الخيالي.
* المنظورالانبهاري،الاندهاشي : سعي باشلار ، هنا إيجاد فلسفة بديلة للصورة الشعرية، تتجاوز الرؤى النفسية والتأويلية.
أنماط فكرية، تمرحلت مع باشلار وفق النماذج التأليفية التالية :
ـ التأويل النفسي للمعرفة الموضوعية : التحليل النفسي للنار (1938).
ـ تحديد خيالات العناصر الكونية الأربعة : الماء والأحلام (1942)، الهواء والأحلام (1944)، الأرض وأحلام يقظة الإرادة (1948)، الأرض وأحلام يقظة الراحة (1948).
ـ فينومينولوجيا الصورة : شاعرية حلم اليقظة (1960)، شاعرية المكان (1957)، شعلة قنديل (1961).
فما هي إذن أهم تجليات المرحلة الأولى في فكر باشلار ؟ لقد مثّل كتابه "تشكل الفكر العلمي" "la formation de l'esprit scientifique" : ))"مفترق طرق سبق كتاب التحليل النفسي، للنار بعشرة أشهر فقط. وهو يندرج بالتأكيد في إطار السلسلة الكبيرة للدراسات الإبستمولوجية الممتدة من عمله "دراسة في المعرفة التقريبية"   (1928) إلى "المادية العقلانية" (1953)، لكنه، سيفتح خاصة سبيلا مهيأ، قاده يوما ما إلى شاعرية حلم اليقظة مرورا بدراساته حول العناصر(( (2).
جاء عمله حول "النار"، كحلقه أساسية في هذا المسار، الذي انتهى أخيرا بالفكر الباشلاري إلى أن يجعل من الشعلة "مصيرا" لأحلام الإنسانية. لقد تواصل نفس البرنامج الذي وضعه باشلار لنفسه بعد قراءته لتاريخ العلم، أي القيام بتحليل نفسي للمعرفة وإظهار بعض العوائق الإبستمولوجية التي تعرقل الإدراك السليم والموضوعي للأشياء ومن بين ذلك ظاهرة النار.
يكشف باشلار ، عن طبيعة تصوره لحدود التقاطع المعرفي والمفهومي بين الكتابين : ((حينما نلتفت إلى أنفسنا، ننحرف عن الحقيقة. ثم حينما نقوم بتجارب باطنية، نتعارض حتما مع التجربة الموضوعية. مرة أخرى، بين طيات هذا العمل نصنع أسرارا ونحصي أخطاء. يقدم نفسه إذن، باعتباره نموذج تحليل نفسي خاص، نعتقد أنه صالح كقاعدة لكل الدراسات الموضوعية. وتوضيح أيضا لأطروحات عامة، دافعنا عنها في كتاب حديث حول : "تشكل الفكر العلمي"  ))(3). فهو، يحاول اختبار وتجريب، بل إعطاء الدليل عن قضايا وتصورات تأريخه للعلم. ولعل قضية النار، تمثل أهم موضوعة أثارت انتباه العلماء ولاسيما في القرن الثامن عشر. لكن، تداعي المفاهيم المغلوطة، عرقل مدة قرن تطور علم الكيمياء، حتى مجيء "لافوازير" (la voisier) محطما هذا العائق، جاعلا من النار ظاهرة لاحقة، في حين يعتبر "الأوكسجين" عاملا أساسيا للاحتراق.
شغلت النار مجال اهتمام الكيميائيين مدة طويلة، وهم يطمحون للإحاطة بكل أسرار العالم إذا استطاعوا قبل ذلك الوقوف على ألغاز النار. إلا، أن معرفتهم ظلت مصحوبة ببعض الأخطاء و الأحكام الماقبلية، نظرا لعجزهم عن تبني البعد الموضوعي حيال النار. بالتالي، بقيت كامنة تلك العوائق الإبستمولوجية المعرقلة لتبلور دراسة عملية حقيقية حول النار.
دعا باشلار ، إلى موضوعية علمية، بعد أن عرقلت دائما "الإشارة الأولى" سبيل العقل الإنساني إلى هذه المعرفة. حل حلم اليقظة La rêverie محل الرؤية العقلانية، فاختلطت المعرفة السليمة اليقينية والمضبوطة بالإحالات الشاعرية. افتقدت النار لوضعها العلمي المناسب، وبقيت : ((موضوعا مباشرا بارزا يفتح نفسه على اختيار أولي مع إزاحة قبلية لظواهر أخرى. بالتالي،  لا يفتح أي منظور للدراسة العلمية. ثم، تظهر لنا من وجهة نظر  نفسية فائدة تتبع تضخيم هذه القيمة الظاهراتية. ونفهم، كيف أن مسألة طغت على البحث العلمي مدة قرون، توجد فجأة مشتتة أو مبعدة دون حسمها أبدا))(5).
بحث باشلار ، في العائقين "الجوهري" و"الإحيائي " ، كما وقف على حدوس النار التي تشكل عوائق إبستمولوجية من خلال القيام بتحليل نفسي للفكر العلمي، وجعله فكرا استدلاليا يقطع مع حلم اليقظة، الذي ((يستعيد باستمرار الموضوعات البدائية، ويشتغل كروح بدائية، رغما عن نجاحات الفكر البرهاني وضدا على استنتاجات التجارب العلمية نفسها))(6).
للبث في مسألة النار من الوجهة السليمة، يستلزم الأمر الاشتغال على التفاعل الكيميائي المؤسس لماهية الاحتراق. لقد، أخفق أغلب الباحثين بهذا الخصوص نظرا لاستنادهم على أحكام قبلية.
نمذج باشلار مقارباته للنار، بوضعه لمجموعة من العقد النفسية :
ـ عقدة بروميثوس : تفسر تلك الرغبة النفسية في معرفة النار والحصول عليها ضد رغبة الأب.
ـ عقدة أومبيدوقل : حيث اختلاط غريزة الحياة بدافع الموت.
ـ عقدة نوفاليس : تلتصق باحتياج أزلي إلى اقتحام النار  والتوحد بدفء الكائن المحبوب.
فما هي أهم الملامح المعرفية لكل عقدة ؟ وكيف صاغ باشلار بواسطة هذه العقدة تصوراته للنار ؟ وهل تمكن فعلا من إدخال النار إلى المرحلة العلمية، وإخراجها بالتالي من بنية أحلام اليقظة، بواسطة التفسير العقدوي ؟ فإضافة إلى الخلاصات النظرية التي لامسها الدرس الباشلاري. وحاورها انطلاقا من تصوره للنار، طرح خاصة تصورا تأويليا جديدا وتأسيسه لأدوات نقد أدبي موضوعي بالمعنى الدقيق للكلمة، موظفا العقدة النفسية قصد مقاربة وحدة عمل أدبي ما.

* النار / الاحترام : (7)
تقدم لنا النار وسائل وأدوات لتحديد ميادين متنوعة. ظاهرة،  تميزها إمكانية تفسير كل شيء. إذا كان ما يتغير ببطء تؤوله الحياة، فالأشياء المتحولة بسرعة تحال على النار. إنها ذاتية وكونية في نفس الآن. قد تحصل على القيمتين المتصارعتين : الخير والشر.
وظف باشلار أسطورة بروميثوس الإغريقيةـ سرقة النار من الآلهة وحملها إلى الإنسان ـ حيث نفهم هذا الانجذاب الغريب نحو النار، والتي تجعل فيلسوفا من حجم باشلار ، يفكر في "ترك حصته الفلسفية على أن تفوته نار الصباح".
تضم هذه الأسطورة بين ثناياها، كل مظاهر التمرد والرغبة في الاكتشاف. يقول : ((نقترح، بتصنيف تحت اسم عقدة بروميثوس ، كل الميول التي تدفعنا إلى المعرفة مثل آبائنا وأكثر منهم. بقدر أساتذتنا، بل وأفضل منهم))(8). إن أسباب الخوف من النار، تنهض على عوامل اجتماعية أكثر منها طبيعية، تؤكد على خطورة النار : ((احترام النار، تجربة مكتسبة، وليس احتراما طبيعيا... . في الواقع، تحتل الموانع الاجتماعية المرتبة الأولى، بينما تأتي التجربة الطبيعية ثانية كي تحمل دليلا ماديا مباغتا))(9).
ينطلق تصورنا للنار، من هذا المنع الاجتماعي : ((إذا اقترب الطفل بيده من النار، سيضربه أبوه بمسطرة على أصابعه. فالنار ترهب دون حاجتها لكي تحرقك. أن تكون هذه النار شعلة أو حرارة، قنديلا أو موقدا، فحرس الوالدين هو نفسه))(10). النار، موضوع منع اجتماعي، أقصى ما نعرفه عنها عدم لمسها لأنها تحرق . وبينما الطفل يكبر، تنتقل هذه الموانع من مستواها البسيط لترسم دلالات أكبر : ((ضربة المسطرة، يعوضها الصوت الغضب، ثم تحل محله حكاية أخطار الطريق وكذا أساطير نار السماء))(11).
تبنى باشلار رؤية موضوعية، من أجل تحليل هذا الأفق الذي تموضعنا خلاله ضمن فكر الآباء والبحث في "الإضاءة المتبادلة" التي تذهب من المعارف الموضوعية إلى الذاتية والعكس صحيح، كاشفا عن "لا وعي الفكر العلمي". وذلك : ((لإظهار آثار التجربة الطفولية داخل التجربة العلمية))(12).، ومن تمة فضح الأسس اللاشعورية والقيم اللاواعية التي تحكم الخبرة العلمية.
يكمن أساس عقدة بروميثوس عند باشلار ، في متابعة هذا الموقف النفسي اللاشعوري المحكوم بخلفية اجتماعية ملقنة ومكتسبة، يتحدد من خلاله سلوكنا اليومي اتجاه النار : ((إذن بما أن الموانع، هي اجتماعية للوهلة الأولى، فإن المعرفة الذاتية بالنار تعتبر تمردا حاذقا. يتوخى الطفل، أن يفعل مثل أبيه، وبعيدا عن أبيه، بل ومثل بروميثي صغير يختلس أعواد الثقاب))(13).
لقد ارتبط ضمنيا. التاريخ الأسطوري للنار، عبر حكايات أصل النار ونشأتها وكذا اكتشاف الإنسان لها، بموقف نظري وحمولة أخلاقية، صاغهما باشلار بأسلوبه الهزلي تحت اسم عقدة بروميثوس. أخذت النار، دائما عند الشعوب البدائية صفات الكائن السري،  المرعب والمثير لكل أنواع الفضول والدهشة. فتحولت عندهم إلى عنصر ثمين. وقد اختزلت الصورة بشكل من الأشكال، مع إحدى الحكايات التي جاءت في كتاب : "أساطير في أصل النار". لصاحبه "جيمس فريزر، الذي  شكل إحدى مرجعيات باشلار في حديثه عن النار : ((لا تقولي شيئا، لا تذيعي هذا السر، ولا ينبغي أن يسمع أحد عنه، ذلك لأنه إذا ما وصل إلى آذان الناس، فإنهم لن يدفعوا شيئا في مقابل النار. فلا تفشي أمرها، ولنستفد من كنزنا الثمين فنأكل طعامنا مطهوا))(14).

* النار/ وحلم اليقظة :
ينزاح باشلار ، عن مسار علم النفس الكلاسيكي الذي  درس أحلام النار ، ذات التأويل الجنسي خاصة. وذلك، ليهتم بمسألة حلم اليقظة أمام النار. يتحدد الفرق بين المفهومين في : ((يسير الحلم خطيا، ناسيا طريقه وهو ينساب.  بينما يشتغل حلم اليقظة كنجم، يعود إلى مركزه ليطلق أشعة جديدة. وبشكل أدق، فإن حلم اليقظة أمام النار، العذب والشاعر بسعادته، هو طبيعيا الأكثر تمركزا))(15).
تمثل نار الموقد عند الإنسان الموضوع الأول لأحلام اليقظة ورمزا للاستراحة ودعوة لها. فالجلوس بمحاذاة النار يعطي للفرد إمكانية خلق تأملات لا تنتهي، وتتحول من صورتها المرعبة أصلا إلى عنصر تظهر فيه قيم الحب والاحترام. تخلق، نار الموقد نوعا من المتعة النفسية، يقول باشلار : ((حلم اليقظة خاص جدا وعام كذلك، يحدد عقدة حقيقية تنطوي على عشق واحترام النار وغريزة الحياة والموت. باختصار، يمكن تسميتها عقدة أو مبيدوقل))(16). مستوحيا، معطيات هذه العقدة من إحدى أعمال جورج ساند George Sand. وهي، تقوم على ثلاث عناصر أساسية : الحب، الموت والنار. تتوحد كلها، وتجتمع في نفس اللحظة.
اللحظة، إحدى مثيرات الحلم وعنصر للفكر. يمكن، أن تنقلنا إلى مصادر الفكر الفلسفي : ((حلم اليقظة ، بجانب النار له محاور فلسفية أكثر. النار عند الإنسان الذي يتأملها، نموذج للصيرورة السريعة وكذا التغير الظرفي. توحى النار، بالرغبة في التغير واقتحام الزمان))(17).
اهتم التحليل النفسي بدراسة الأحلام والأساطير المحيطة بالنار، إلا أنه لم يمنهج بعد حسب باشلار ، باستثناء أعمال "يونغ" : ((دراسة التفسيرات العلمية الموضوعية التي تتوخى تأسيس اكتشافات إنسان ما قبل التاريخ))(18). يجب، أولا انتقاد الشروح العلمية المعاصرة والتي يظهر بأنها لا تلائم اكتشافات الإنسان البدائي، فهي تنطلق من "عقلانية صارمة وسريعة"، دون أن تدرك الشروط النفسية للاكتشافات البدائية. لذا، يعتقد باشلار بوجود : ((تحليل نفسي غير مباشر، يتموقع ثانية، يبحث دائما، عن اللاشعور خلف الشعور والقيمة الذاتية تحت البداهة الموضوعية، وحلم اليقظة بين ثنايا التجربة. فلا يمكن، أن ندرس إلا ما حلمنا به أولا. ينبني، العلم بالأحرى على حلم اليقظة أكثر من التجربة))(19).
من ثوابت هذا التفسير، أن الإنسان البدائي ينتج النار، بعملية حك قطعتين من الخشب. لكن، الدوافع والدواعي الموضوعية المفسرة لسبب التجاء هذا الإنسان  إلى تصور وإدراك، ذلك تبقى غير كافية. فالتأويل العقلاني، يبقى عاجزا عن إيجاد أسباب اكتشاف الإنسان البدائي للعبة الاحتكاك ، باعتبارها تجربة  تأخذ بعدا جنسيا في الدرجة الأولى.
الوسيلة التي يحتفظ بها باشلار ، من أجل إيضاح وتبيان نفسية الإنسان البدائي، تتجه نحو دراسة الشعوب البدائية التي لازالت تعيش بيننا : ((بالنسبة لتحليل نفسي للمعرفة الموضوعية، تتجلى فرص أخرى للبدائية، تبدو لنا في النهاية ملائمة أكثر. يكفي، في الواقع تأمل ظاهرة جديدة، كي ندرك صعوبة الموقف الموضوعي المناسب حقا))(20).
لقد سعى، إلى اتباع نفس مسار "يونغ"، أي دراسة وبحث مكونات الليبيدو عبر تمظهرات كل الأنشطة البدائية، فهو يعتقد أنه لا يتسامى فقط الليبيدو في الفن، ولكنه أصل، ومنبع كل أعمال الإنسان الصانع. الاحتكاك، باعتباره حقيقة موضوعية لنشأة النار، يأخذ في الواقع مع تمثلات التحليل النفسي بعدا جنسيا. تشتعل النار، بالحب والتجنسن.
لتأكيد، أطروحة البعد الجنسي للاحتكاك وكذا النار البدائية. استثمر باشلار حالة الشاعر نوفاليس ، باستلهامه عقدة تحمل اسم الشاعر نفسه. عقدة، تعمل على التركيب بين الدافع اتجاه النار كما يحدثه الاحتكاك ثم الرغبة في الدفء : ((تؤلف عقدة نوفاليس بين الاندفاع نحو النار التي تنتج عن الاحتكاك، وكذا الرغبة في دفء متبادل. سيشكل ثانية، هذا الاندفاع في بدائيته الأصلية غزوا للنار قبل - تاريخي. تتميز، عقدة نوفاليس بالوعي بدفء حميمي يتصدر دائما علما بصريا كليا بالضوء))(21).
 يوحي، هذا الدفء برغبة في اختراق عمق الأشياء والموجودات، مختلفا في ذلك عن النور الذي يبقى عند سطح الأشياء. يقول باشلار : ((حيث العين لا تصل أبدا، وتعجز اليد عن الولوج، يتسلل الدفء. وقد عثر نوفاليس على رمز هذا التوحد بالداخل وكذا الحميمية الحرارية))(22). يعطي، الدفء الناعم شعورا بالسعادة.

* عقدة هوفمان :
تتجلى أهم الملامح المميزة لعمل هوفمان حسب باشلار ، في الدور الكبير الذي تلعبه ظواهر النار، فقصيدة الشعلة تخترق  العمل بأكمله، حيث يتمظهر ما سماه ب "عقدة بنش" وسيدعوها أيضا عقدة "هوفمان". تمثل مثيرات النار، دورا أساسيا في رسم أحلام "هوفمان". كما شكلت، شعلة الكحول أو اللاوعي الكحولي حسب باشلار الإلهام الأول له، مقارنا في إشارة سريعة بين النزعة الكحولية  عند هوفمان ثم تلك التي تضمنتها نصوص إدغاربو Edgar Poe : ((الكحول عند هوفمان يلتهب، يتسم بعلامة للنار كليا نوعية وذكورية، في حين أن كحول بو Poe تغمر وتقود إلى النسيان والموت، فهي تتسم بخاصية مائية، مطلقا كمية وأنثوية))(23).
تتبلور، عقدة هوفمان في حلم اليقظة أمام قدح شراب بنش Punch. إن مسألة اعتماد باشلار على التحليل النفسي، لا تتجلى فقد في توظيفه لمعطى العقدة النفسية، باعتباره تصورا جاء به الدرس الفرويدي. لكن، أيضا تبنيه لمفهوم "الجنسية" كأطروحة أساسية جاء بها باشلار مستلهما أبحاث "يونغ" ، بالدرجة الأولى وقبله فرويد الذي تحدث عن البعد الجنسي للنار. قارب باشلار هذا التصور في فصل عنونه ب "النار المجنسنة"، ملامسا المفهوم وخلفياته النفسية منطلقا من قناعة فكرية جديدة، مفادها أن الدرس الخيميائي تأسس معرفيا في تاريخيته على حلم جنسي واسع، سيطر على كل مناحيه.
تحدثت كتب الخيمياء، عن زواج النار والأرض. ويمكن، تفسير هذا  الزواج حسب باشلار من وجهات ثلاث :
1 ـ في دلالته المادية، كما تفعل الكتابات التي تستحضر تاريخ الكيمياء.
2 ـ من وجهة نظر شاعرية، وهي الرؤية التي تؤسسها النقدات الأدبية.
3 ـ وأخيرا، يقترح باشلار وجهة نظر خاصة، تنظر إلى هذا الزواج في دلالته الأصلية والنوعية.
إذن، كي نتمثل البعد الجنسي لصور النار، يتحتم تتبع مسيرة هذا الزواج على امتداد الخيمياء. تاريخ، اخترقه تأمل جنسي، ظلت معه هواجس وتأملات الموقد، محددات معرفية للخيمياء. يقول باشلار : ((القول ثانية بأن النار عنصر، يثير لدينا أصداء جنسية))(24). النار، المُجنسنة هي : ((بامتياز صلة وصل لكل الرموز. تجمع المادة بالفكر، والخطيئة بالفضيلة. تجرد، المعارف المادية وتجسد المعارف المثالية))(25). النار، هي الظاهرة الأولى التي فكر فيها الإنسان من بين كل الظواهر الأخرى، فميزته عن الحيوان وأعطت الإنسان البدائي إمكانية الرغبة في العشق والحلم. مادام، الإنسان الذي يجلس قرب موقد النار، يتحول إلى كائن حالم يتميز بهذه القدرة على النفاذ والاختراق والإيمان بالصيرورة. لقد، حولت النار الإنسان من كائن عامل يقف عند حدود الأشياء ويتعامل معها في حسيتها ومباشريتها، إلى آخر يتجاوز سطح الأشياء معانقا كل الممكنات الباطنية. سيدخل، الإنسان التاريخ لأنه بدأ يحلم. توحي النار بإحالات أخرى غير العلاقة اليومية المألوفة مع مكونات العالم : ((إن الإنسان الذي يحلم أمام الموقد، هو إنسان الأعماق والصيرورة. أولنعبر، عن ذلك بصيغة أفضل، النار تعطي للإنسان الحالم درسا في العمق، يتميز بصيرورته))(26).
دعوة باشلار للقيام بتحليل نفسي للمعرفة الموضوعية، لا يجب أن يغفل البعد الجنسي للنار، قيمة قد تكون مضمرة وخفية. سواء، إذن استلهم هذا التصور من التحليل النفسي ـ يونغ Jung خاصة ـ أو ارتبط بالسياق المعرفي الذي تموضع فيه، ألا وهو ملاحقته كل المسوغات النظرية التي تقود إليها أحلام اليقظة. قلت، كيفما كان مصدر ذلك، تظل مسألة البحث في جنسية النار، منطلقا نظريا لكل اشتغال حول مجموع الأحلام التي يوحي بها الجلوس قرب الموقد : ((النار، بحقائقها المميزة والمشحونة أكثرـ لا تزال كذلك ـ أحلاما وإنسانية تسكن منذ آلاف  السنين قلب حياتنا وموقدنا))(27).
إجمالا، دراسة النار، امتداد للعمل السابق عنها "تشكل الفكر العلمي"،  ((إنه يحلل نفسيا المعرفة ويعري بعض العقد الإبستمولوجية، اعتمادا على الوثائق الأدبية وبالضبط التي جعلها باشلار تساهم بوفرة في ذلك. فتحت، دراسة النار لصاحبها منظورات جديدة ووجهته نهائيا صوب دراسة الخيال))(28). مؤسسا، بذلك نموذجا نظريا جديدا للأبحاث النقدية، نستخلص خطوطها العريضة فيما يلي:
ـ طرح مسألة علاقة العناصر الأربعة : الماء/ الأرض/ الهواء/ النار. بقضية الأمزجة والطبائع الفردية، ثم تلونها بين عنصر وآخر. وضع نظرية للأمزجة الشعرية، يتأتى حسب باشلارمن خلال المتخيل كعلم. يقول في هذا الإطار : ((إذا أمكن للعمل الحالي، أن يؤخذ باعتباره قاعدة فيزيائية أو كيميائية لحلم اليقظة وكمخطط إجمالي يعمل على تحديد الشروط الموضوعية لذلك، فعليه تهيء الوسائل من أجل نقد أدبي موضوعي، بالمعنى الأكثر دقة للكلمة))(29). أي التحليل الموضوعي للأساطير والأحلام والرموز وكذا التخيلات الأدبية.
إن تأسيس علم للمتخيل، يفترض طريقة جديدة في تفسير المؤلف بالعمل والعمل بصاحبه. بالتالي، تحديد الأحلام المكتوبة، الرموز ثم الصور ببنية الخيال الذي ينتجها. لقد :
1 ـ وضع كتاب النار، الإستراتيجية العامة لهذه العلاقة بين الأمزجة والخيال ثم العناصر.
2 ـ الدعوة إلى بناء علم للخيال، يشكل إحدى مستجدات التحليل النفسي وبدأت الخطوط الأولية لدراسات تهم خيال النار، تسعى إلى وضع قواعد نظرية جديدة لنقد أدبي، صاغ لحظة كتاب النار، نموذج مفهوم علمي للموضوعية. وقد قدم، نظرية في تصنيف الشعراء. صنفت، بعض المبدعين تحت منظومة خيال النار، مثل : نوفاليس ، هوفمان  و دانونزيو. لكن، على الرغم من ذلك، فإن مسألة تصنيف المبدعين، تبقى أيضا واهية أمام الاحتمالات المرجعية المؤسسة للمسار الفكري لمبدع ما. فهوفمان مثلا، يندرج ضمن شعراء الأرض ونوفاليس مع شعراء الماء.
3 ـ طرح كتاب النار، قضية تفسير النص الأدبي بالعقدة النفسية، لشرح الإثارة التي يخلقها لدى المتلقي. بالعقدة النفسية، نفهم جيدا الأعمال الأدبية، بحيث لا تستمد وحدتها إلا بها. على العكس، من ذلك إذا انتهت هذه العقدة وغابت يتفكك.
تأمل باشلار "النار"، مستندا على فلسفة وروح العلم، موظفا التحليل النفسي كوسيلة ضرورية لتشييد معرفة موضوعية. مصنفا أحلام اليقظة، باعتبارها عوائق إبستمولوجية ،أمام كل معرفة تتوخى العلمية، وإن تصورها أيضا مصدرا أساسيا لكل حداثة نفسية.
التحليل النفسي ضروري، يعمل على موضعة الصور، ثم يعين ويفصل في العقد التي تربط الأحلام بالرغبات. لكن باشلار ، سيصطدم بالبعد الحتمي للتحليل النفسي، مسألة تعمل على تقزيم المنحى الإبداعي للعقل الإنساني، مؤكدا في مطلع كتابه "شاعرية المكان" (la poétique de l'espace) (1957)، أن الفلسفة التي تسعى إلى دراسة قضية الخيال الشعري، عليها القطع مع كل المحاور الأساسية لفلسفة العلوم، وكذا عادات وتقاليد البحث الفلسفي. بمعنى آخر، إذا أردنا دراسة قضية الخيال يتحتم تبني منهجية أخرى، تتجاوز الإطار النظري الصارم الذي تدعو له كل نزعة علمية،بحيث أعطى باشلار ، تعريفا جديدا للخيال وتحديدا مختلفا، لعلاقته بالإدراك. حينما، تحول إلى قدرة على إعادة تشكيل للصور التي يقدمها هذا الإدراك.
إن فهم النار بشكل سليم، وتجاوز عائق الحدوس النارية، يتحدد في التموقع موضوعيا قدر الممكن : ((إذا كنا قد ارتكبنا أخطاء حول طبيعة النار، وتوفرت لكثير من العقول المتميزة مفاهيم ساذجة بهذا الخصوص، فذلك لأننا لم نقف حيالها الموقف الموضوعي، باعتباره ضروري للمعرفة العلمية))(30).
تغرينا النار وتتملكنا، بالتالي استعصى التخلص من الذاتية لتفحصها. في سبيل ذلك، سيعود باشلار إلى إحالات الروائيين والشعراء  ثم علماء الميثولوجيا، لأنها تقدم له عناصر المقارنة. وقد كانت مهمته : ((نسبيا سهلة، ما دام قد توفر على توثيق مهم حول القرن 18، لقد أعاد استخدام الأبحاث القديمة للفيزياء والطب التي تصف الظواهر القريبة من النار، أو بالأحرى تلك التي كنا نعتبرها في القديم  تمظهرات لها : الحرارة، الكهرباء، النار، أو نتائج مباشرة لهذا الاحتراق، التفجير، الحمى، الهضم))(31).
أطروحات باشلار القائمة على اجتهادات التحليل النفسي، لن تستمر طويلا أمام الرغبة الجامحة في الدفع بالقصيدة الشعرية إلى حدودها القصوى. فالبعد المفهومي للدرس النفسي، يكبح هذه الخصوبة الدلالية التي تخلفها الصورة الشعرية في علاقتها بالقارئ.
أهم ملاحظة يمكن إسقاطها على طبيعة العلاقة بين باشلار والتحليل النفسي، هو أن عناوين كتبه شكلت مبكرا قطيعة مع الإطار النظري، الذي سطره كتاب "النار" لنفسه. حيث، انتفى منها مصطلح التحليل النفسي، معلنا عن رغبته في تبني استراتيجية مغايرة :
أ ـ سعى باشلار في كتابه "الماء والأحلام" (1942)، إلى تنمية وتطوير تحليل نفسي للعناصر، لكن في اتجاه مختلف عن التأويل الفرويدي ل ماري بونابارت Marie Bonaparte.
ب ـ عمله عن "الهواء والأحلام" (1944)، أسس نظرية للخيال الدينامي، تتمم نظرية باشلار عن الخيال المادي، قادته إلى الظاهراتية وتجاوز مبادئ التحليل النفسي، حيث تبلورت مرحلة جديدة من اشتغالاته، قامت على دعوة للوقوف أمام صورة أضحت عامل خصوبة أو هرمون نفسي لا ينفصل عن الوعي الذي يتلقاها. إنها، عين جدّتها ورنينها.
ما يهم باشلار الآن، الإنتاج الخيالي وتمثل الصورة كبدء مطلق منتقدا الحتمية التي ميزت التحليل النفسي، وهو يختزل الصورة إلى بقايا إدراكات قديمة، لذلك سيرفض نظريته في الخيال ومبدأ السببية.
كيف استثمر باشلار ، كل تلك القطائع في أفق خلق فكر إنساني حالم ؟ وتقديم، اجتهاد نظري ينسجم في روحه العامة مع طبيعة المادة الأدبية، ثم صياغة نظرية تصب نحو فينومينولوجيا المعرفة الذاتية. يقول، فرانسوا بيير François Pire  : ((لقد اعتقد طوال حياته، بضرورة قيام العقلانية ضد التماثلات السطحية واليقينات العاطفية للحس المشترك وحلم اليقظة. هكذا، بدت له مثلا أحلام اليقظة الأسطورية أو الخيميائية مثيرة للسخرية. لكن، التغيير سيبدأ مع العملين اللاحقين مباشرة. من الآن، فصاعدا سيعطي كل اهتمامه إلى حداثة الصور وذاتيتها ثم  خصوبتها النفسية))(32).

II ـ النار : المنحى الفينومينولوجي :

سنقطع حاليا مع الإطار الإبستمولوجي لكتاب النار، كي نستوعب مع باشلار، من زاوية أخرى الاهتزازات الحالمة المؤسسة لعلاقة الإنسان بالشعلة. أهم ما يقدم ذلك، ظاهرة الاحتكاك باعتبارها  آلية فيزيائية، اهتدت بالإنسان إلى اكتشاف النار : ((طريقة حك الخشب هي الأكثر استعمالا وشيوعا إلى حد كبير وهي التي أشارت إليها الأساطير في الأغلب الأعم من الأحيان... تطبق  طريقة حك الخشب في إيقاد النار على أوجه كثيرة نستطيع أن نميز من بينها في العادة ثلاثة أوجه نطلق عليها أسماء : غابة النار، ومحراث النار (أو العصا والفرضة). وغابة النار هي الأكثر انتشارا بين الأجناس البشرية المتخلفة، ولذلك  لا ندهش إذا كانت قد ذكرت في الأساطير في أغلب الأحيان... ويؤدي الحك المتواصل في البداية إلى ارتفاع الحرارة ثم إلى ظهور الشرارة التي تنقلب لهبا في النهاية))(33).
بحث باشلار ، عن تفسير آخر يتجاوز هذا المستوى الطبيعي المباشر، للوقوف عند الخلفيات النفسية والجنسية، التي تفرز نارا مُجنسنة . صحيح أنه وقف عند هذا التصور بشكل مختلف، إلا أنه التقى بشكل مباشر أو غير ذلك مع الأسطورة التي تؤكد أن : ((النار إنما تنبثق من امرأة، وبوجه خاص من عضوها التناسلي، هذه الفكرة تجد تفسيرا مؤكدا لها في التشابه الذي رأيناه، فالكثيرون من البدائيين يرون في عمل غابة النار من جهة وفي العلاقات الجنسية من جهة أخرى شبها واضحا. إذ أن العصا الأفقية التي تثقبها غابة  النار العمودية يمكن اعتبارها أنثى، بينما العصا العمودية أي غابة النار نفسها، يمكن أن تعتبر هي الذكر. وإذا قدمنا هذا التشابه، فإنه بإمكاننا القول إن النار المنبثقة من غابة النار، إنما تنبثق من جسد أنثى، وبخاصة من عضوها التناسلي الذي يمثل هنا بالثقب الذي تدور فيه غابة النار))(34).
النساء يمتلكن النار في الفكر الأسطوري، قبل الرجل. وللوقوف إذن عند الإغراءات الجنسية للنار، يتحتم على الباحث حسب باشلار ، الرجوع إلى الإضاءة النفسية لإنسان ما قبل-التاريخ. وقد انتقد في هذا السياق التفسيرات العلمية المعاصرة، التي لا تستجيب موضوعيا إلى الروح التي حكمت هذا الإنسان في مغامراته اليومية. من هنا فظاهرة الاحتكاك، قد لا تتحمل التفسير الموضوعي المرتبط بقوانين فيزيائية ومادية. لذا، وضع باشلار التفسير النفساني مقابل التفسير العقلاني الموضوعي مقترحا السير على منوال "يونغ" قصد البحث نسقيا عن المكونات الليبيدية في كل تجليات أنشطة الإنسان البدائي. بل، الكهرباء نفسه لا يخرج عن فكرة الاحتكاك في بداهتها الجنسية الأولى. بالتالي، ينطبق عليه ما يقال عن النار. بهذا، الصدد : ((سيطور "رابيكو" Rabiqueau حول مفهوم الاحتكاك، نظرية كهربائية للأجناس))(35). بممارساتنا لعملية الاحتكاك : ((نختبر نعومة دفء موضوعي، ويحدث لدينا الانطباع الساخن عن تمرين جميل. تتماسك الإيقاعات فيما بينها وتستنتج بالتبادل، كما تستمر بحث ـ ذاتي. إذا قبلنا أطروحات "بنهيرو دوس سانتوس" (Pinheiro dos Santos)، المتعلقة بالمبادئ النفسية للتحليل الإيقاعي ، والذي نصحنا، بأن لا نعطي الحقيقة الزمانية إلا للذي يتموج، سنفهم على الفور قيمة الديناميكية الحية))(36). وقد شكل، النموذج الإبداعي لنوفاليس ، هذا الإحساس الجميل بالدفء الناري الناعم، الذي يتأتى جراء الاحتكاك والرغبة في اختراق متبادل لهذا الدفء : ((إذا حذفنا من عمل نوفاليس حدوس النار البدائية، تنهار في الآن ذاته كل القصيدة ثم الأحلام جميعها))(37).
كان اكتشاف النار اجتياحا جنسيا، بكل ما في الكلمة من دلالة. بالتالي،  لا يمكننا أن نفاجأ بكون النار بقيت لمدة طويلة مجنسنة. يعطينا، تاريخها إحساسا لذيذا حينما نجلس قرب الموقد : ((فالحرارة فينا ونحن في الحرارة. حرارة، مساوية لذاتنا. تأتي الحرارة كي تمنح النار سند عذوبتها الأنثوية. ثم، تأتي ميتافيزيقا عنيفة تخبرنا بأننا نقيم داخل الحرارة وعالم النار. لا نستطيع، شيئا ضد بداهات حلم اليقظة))(38).
النار، أول الظواهر الكونية التي اكتشفها الإنسان. ودخلت به، إلى مجال حياتي آخر يختلف عن الأول. وشكلت، بذلك رغبة حقيقية في المعرفة أدخلته التاريخ، وفصلته عن الحيوان. فالجلوس، أمام الموقد، يعطي للإنسان الجالس قدرة ووازعا من أجل الحلم والتعمق وكذا التأمل : ((أمام هذه النار التي تعلم الحالم القديم واللا-زماني. لم تعد النفس منحصرة في زاوية من العالم، بل هي وسط العالم، إنه عالمها. فأبسط، موقد يؤطر عالما بأكمله))(39).

لا يمكن التفسير العقلاني، المؤرخ أو الباحث من إدراك القنوات الجنسية التي أدت إلى اكتشاف الاحتكاك، كعملية تؤدي إلى شرارة النار. في نفس السياق، يبقى المحلل النفسي قاصرا ربما عن استحضار كل كثافة المناخ الحُلمي، الذي يصاحب الجالس أمام الموقد الناري، ويشكل أساسا لأحلام وتأملات تعطي النار بعدا شاعريا : ((فأن يشعر الجسد بدفء كبير، معناه طريقة في الحلم. هكذا مع حركتي حلم اليقظة أمام النار، الحركة التي تجعلنا ننساب في عالم سعيد، ثم الحركة التي تجعل من جسدنا دائرة للسعادة. لقد علمنا هنري بوسكو Henri Bosco كيف نتدفأ جسدا وروحا))(40).

جاءت الإشارات الأولى، للبعد الجنسي للنار عند فرويد في كتابه : "مدخل إلى التحليل النفسي"، حينما تطرق إلى بعض الرموز الجنسية، وكذا ارتباط النار بهذا الترميز : ((إعداد النار، وكل ما يرتبط به يتداخل بعمق مع الرمزية الجنسية. ترمز، الشعلة دائما للعضو التناسلي عند الرجل، بينما يمثل الموقد حجْر الأنثى))(41).
كما تحدث "يونغ" ، عن التأملات الجنسية التي حكمت اشتغالات الخيمياء، وهي مسألة طورها باشلار في كتابه عن النار يقول : ((نريد أن نظهر هنا، بأن الخيمياء يحقق بلا تحفظ الخاصيات الجنسية  لحلم اليقظة بجانب الموقد. وبعيدا، على أن يكون وصفا للظواهر الموضوعية، فهو محاولة للوقوف على الحب الإنساني في قلب الأشياء))(42).
حاولت الصياغة الباشلارية، البحث أكثر في أحلام اليقظة التي تحول المجرى الطبيعي المباشر للنار، إلى مستوى أنطولوجي يعمل أكثر على تخصيب دلالاتها المجازية والبلاغية، وتعطيها بعدا جماليا آخر. في هذا السياق، يجب التأكيد بأن آخر أعمال باشلار "شعلة قنديل"، يعبر أكثر عن ذلك من كتاب "النار". مسألة، ترتبط بالأفق الفكري والمعرفي المشكل لخلفية كل واحد منهما المعرفية والنظرية.

كتاب النار، دعوة بالأساس لتخليص المعرفة من كل الحدوس والتأملات اللاعقلانية، بالتالي لم يلتفت قط إلى حمولة النار الشاعرية، إلا، أن لعبة (الشعلة) أثارت عند باشلار ، رغبة كي يتأمل النار بأوجه مغايرة : ((يثبت تأمل الشعلة، حلم يقظة أولي. فهي، تفصلنا عن العالم وتتسامى بعالم الحالم. للشعلة وحدها حضور كبير، لكن بالقرب منها سنحلم بعيدا وبعيدا جدا))(43). ثم، يضيف باشلار : ((خارج الزمان والمكان وأمام النار، لم تعد كينونتنا مقيدة بكينونة الهنا être-la. ولكي تقتنع ذاتنا بوجودها، وجود يستمر، فليست مضطرة لإعطاء تأكيدات قوية وقرارات تخول لنا مستقبل مشاريع فعالة. إن، حلم اليقظة الموحّد، يعيدنا إلى وجود موحد))(44).

 وحده الجلوس أمام النار، يمكننا من هذا الأفق الذي يضفي على العنصر قيمة ترتقي به من الاستعمال المألوف في محدداته الآلياتية إلى لحظة شعرية جميلة تصيغ من جديد علاقة الذات بنفسها وكذا بمحيطها الكوني : ((جل أحلام اليقظة أمام النار، تميزها السمة الكبرى للبساطة. وحتى نعيشها في بساطتها، يجب أن نحب السكينة. إن طمأنينة الروح، أهم ما نكتسبه من مثل ذلك))(45).
كان اكتشاف النار، حبا وعشقا، ثم رغبة في اكتشاف هذا السر الكبير الملغز والغامض، الذي عرض صاحبه بروميثوس لعقاب إلهي، لأن النار غنيمة إلهية. إن، القارئ للأساطير التي تتحدث عن الدواعي والخلفيات التي كانت وراء الشرارة الأولى لشيء اسمه النار، يمكنه تمثل مجموعة سمات هي بمثابة صفات ألصقت بالنار، يشتغل في إطارها المجال الخيالي للحالم الناري : القداسة والسرية، الاحتفاظ بالنار كسر، الاستيلاء على النار بقوة لأنها ظلت دائما شيئا مختفيا، الخطف والسرقة، امتلاك النار باعتبارها سرا، ربط اكتشاف النار بالطيور أو الحيوانات : ((وإذا ما بحثنا عن السبب الذي من أجله نسبت حيازة النار الأولى في هذه الأساطير إلى الحيوانات في غالب الأحيان أو إلى الطيور التي هي محرومة منها اليوم، فإن الجواب الأكثر احتمالا  في ذلك، هو أن هذه الأساطير إنما وضعت على ما يبدو لتفسير بعض الألوان أو بعد المميزات التي نسبها الإنسان في هذه الحيوانات إلى تأثير النار، وهو لم يلجأ إلا بعد ذلك إلى تفسير أصل النار تبعا لما وضعه من هذه الأساطير))(46).. ثم، ربط النار بالمرأة وإعطائها بعدا جنسيا : ((ذلك لأن النار التي تخرج من الخشية عن طريق الدوران إنما يعتبرها البدائيون بطبيعة الحال موجودة في الخشبة مند الأصل وقبل أن تشتعل النار التي خرجت منها أو أنها في لغة الأسطورة ملازمة للمرأة قبل أن يخرجها الرجل منها. فالبدائي، يتصور أن النار مكرسة في داخل الأشجار قبل أن تخرج منها عن طريق الحك كما بذرة الإنجاب موجودة في المرأة قبل أن يقترب الرجل منها. من هنا يبدو طبيعيا في ذهن البدائي، أن تمتلك النساء النار قبل الرجال))(47).
إعطاء الأولوية إذن في دراسة النار، إلى الجانب الحميمي والإشراقي، حتى نقف حقا عند هذا الاقتحام والغزو الجنسيين للنار، صورة عبرت عنها بشكل كبير تأويلات الخيمياء التي اشتغلت على نار محكومة بخلفية جنسية. لقد، تميز الوقود وكذا الأفران والمقطرات بأشكالها الجنسية.
لا تؤسس النار المجنسنة فقط تأملات الموقد، أو تعمل على زواج العناصر فيما بينها. بل، تشير بالأخص إلى أن العنصر المادي تجب مقاربته بمنطق يتجاوز معطيات الحياة المباشرة. مما يفترض، العمل على إشباع الممكنات الفيزيائية بهذا الحس الشاعري وكذا "الأنطولوجيا الناعمة"، التي شددت عليها الجمالية الباشلارية.

الهوامـــش :

1) François Pire: De l'imagination poétique dans l'œuvre de Gaston Bachelard. José corti, 1967, page 7.
2) Michel Mansuy : Gaston Bachelard et les éléments, Josi corti 1967, page 14.
3) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, Gallimard 1938, nouvelle édition, 1949, page 17.

5) Ibid, page 13.
6) Ibid,  page 15/16.
7) أسطورة بروميثوس Prométhée التي هي منبع إلهام لكثير من الرسامين والمؤلفين الفنانين، توضح إحدى أقدم الأساطير. إنه، خطف النار من طرف إله أو بطل مشترك عند كل الميثولوجيات، فبروميثوس اليوناني يسرق النار من زيوس Zeus لكي يحملها إلى الأفراد، فتمكنوا من التمدن وتطوير الفنون. إنه يظهر كبطل ممدن حقيقي. النار، هي أصل التطور التعديني، وبالتالي  الحياة المتحضرة.
(Voir, Nadia Julien, le dictionnaire des mythes marabaut, 1992,  Page 505.
8) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 30.
9) Ibid, page 28.
10) Ibid,  page 29.
11) Ibidem.
12) Ibid,  page 27.
13) Ibid,  page 29.
14) جيمس فريزر : أساطير في أصل النار، ترجمة يوسف سلب الشام، دار الكندي للترجمة والنشر والتوزيع، ط1، 1988، ص 58.
15) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 36.
16) Ibid,  page 39.
17) Ibidem.
18) Ibid,  page 47.
19) Ibid,  page 48.
20) Ibid,  page 53.
21) Ibid,  page 75.
22) Ibidem.
23) Ibid,  page 156.
24) Ibid,  page 92.
25) Ibid,  page 99.
26) Ibid,  page 100.
27) Michel Mansuy, (1967), op. cit,  page 34.
28) Ibidem.
29) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 185.
30) Michel Mansuy, (1967), op. cit,  page 37.
31) Ibid,  page 34.
32) François Pire: (1967) op. cit, page 23.
33) جيمس فريزر : أساطير في أصل النار. ترجمة يوسف شلب والشام. دار الكندي للترجمة والنشر والتوزيع، ط1، 1988، ص 247.
34) نفسه، 249.
35) Gaston Bachelard: La psychanalyse du feu, op.cit, page 54.
36) Ibid,  page 58.
37) Ibid, PP 74/75.
38) Gaston Bachelard : La poétique de la rêverie, PUF, quadrige, paris 1960, 4ème édition 1993, page 166.
39) Ibidem.
40) Ibid,  page 167.
41) Sigmund Freud : introduction à la  psychanalyse. petite bibliothèque Payot, 1978,  page 147.
42): Gaston Bachelard La psychanalyse du feu, op.cit, page 93.
43) Gaston Bachelard : la flamme d'une chandelle. PUF, Quadrige, paris, 1961, 8ème édition 1986, PP : 3/4.
44) Gaston Bachelard : La poétique de la rêverie, op.cit, Page 166.
45) Ibid, page 168.
46) جيمس فريزر، نفس المرجع السابق، ص 245.
47) نفسه، ص 250.




الخميس، 9 أبريل 2015

اللحظة الشعرية واللحظة الميتافيزيقية : غاستون باشلار

ترجمة : أدونيس 
Le Droit de rêver

(1)

الشعر ميتافيزيقا فَوريّة . عليه أن يقدّم ، في قصيدةِ قصيرة ، سرّاً نفسيّاً ، ورؤية للكون ، أن يقدّم الكائن والأشياء في آن . إن كان مجرّد متابعةِ لزمن الحياة ، يكون أقلّ منها ، لا يقدر أن يكون أكثر منها إلاّ في تثبيتها ، إلاّ أن يعيش جدليّة الأفراح والآلام ، هنا والآن . إّنه آنذاك مبدأ تّزامُنِ جوهريّ ، حيث يحظي الكائن الأكثر تبعثراً وتفككاً ، بوحدته .

يرفض الشعر المقدّمات والمباديء والمناهج والبراهين ، علي النقيض من جميع التجارب الميتافيزيقية الأخري التي تمهّد لها توطئات لا تنهي . إنه يرفض الشكّ . يحتاج ، فوق ذلك ، إلي بدايةِ من الصّمت وهو إذ يقرع ، باديء بدء ، كلماتِ جوفاء ، فإنه يخُرس النثْر أو الدّندنات التي قد تترك في نفس القاريء استمراريّة فكرِ أو هَمْس . ثم ، بعد الإرنَانَات الفارغة ، يُنتج لحظته . فالشاعر ، لكي ينشي لحظة مركبة ، لكي يربط بهذه اللحظة تزامناتِ عديدة ، يهدمُ الاستمرارية العاديّة للزّمن المتسلسل .

آنذاك ، يمكن أن نجد ، في كل قصيدة حقيقية ، عناصر زمن ثابت ، زمن لا يتبع القياس ، زمن عمودي ، لكي نميزه عن الزمن المشترك الذي ينسرب افقياً مع ماء النهر ، مع الريح التي تمر . من هنا المفارقة التي يجب أن نعلنها بوضوح : زمن النظم أفقي ، وزمن الشعر عموديّ . إن علم النظم لا ينظم إلا إرنانات متتابعة ، إنه يضبطُ أوزانا ، ويرتب اندفاعاتِِ وانفعالات في غير محلها ، غالباً . وحين يقبل نتائج اللحظة الشعرية ، فانه يسمح بالوصل بينها وبين النثر ، الفكر المشروح ، الحب المختبر ، الحياة الاجتماعية ، الحياة الجارية ، الحياة المنزلقة ، الخيطية ، المتصلة . غير أن جميع قواعد علم النظم ليست إلا وسائل ، وسائل عتيقة . فالهدف هو العمودية ، عمقاً أو علواً ، أعني اللحظة الثابتة حيث تبرهن التزامناتُ بانتظامها علي أن للحظة الشعرية منظوراً ميتافيريقياً .

اللحظة الشعرية هي إذن ، بالضرورة ، لحظة مركبة : تُحرك ، تدل – تدعو ، تؤاسي ـ فهي مُدهشة وأليفة . اللحظة الشعرية هي ، جوهرياً ، علاقة تناغمية بين متضادين . فهناك دائما شيء من العقل في لحظة الشاعر المشبوبة الانفعال . وهناك دائما شيء من الانفعال المشبوب في رفضه العقلانيّ . التناقضات المتوالية تلذّ للشاعر . لكن من أجل الافتتان ، من أجل النشوة ، لابد للتناقضات من أن تندغم في نوع من اجتماع الأضداد حينذاك تنبثق اللحظة الشعرية . اللحظة الشعرية هي ، علي الأقل ، وعي اجتماع الأضداد . إنما هي أكثر من ذلك ، لأن اجتماع الأضداد هنا مستثارُ ، فعالُ ، حركيّ . اللحظة الشعرية تقسر الكائن علي أن يزيد القيمة أو يُنقصها . ففي اللحظة الشعرية ، يصعد الكائن أو يهبط ، دون أن يقبل زمن العالم الذي يجعل من اجتماع الضدين تناقضاً ، ومن التزامن تتابعاً .

يمكن أن نتفحص بسهولة هذه العلاقة بين النقيض واجتماع النقيضين ، إذا رغبنا في مشاركة الشاعر الذي يعيش ، ببداهة تامة ، في لحظة واحدة ، طرفي تناقضاته . الطرف الثاني لا يستدعيه الطرف الأول . فالاثنان يولدان معاً . آنذاك نري اللحظات الشعرية الحقيقية لقصيدة ما في جميع الجهات حيث يقدر القلب البشري أن يقلب النقائض . وبحدسية أكثر ، يتجلي اجتماع الضدين الشديد الترابط ، بخاصيته الزمنية : بدلاً من الزمن الذكر والشجاع ، الذي ينطلق ويحطم ، وبدلاً من الزمن الوديع والخاضع ، الذي يتحسر ويبكي ، تنبثق اللحظة الخنثي . فالسر الشعري خنثوية . 

(2)

لكن ، أهو من الزمن ، ذلك التعدد من الأحداث المتناقضة المسجونة في لحظة واحدة ؟ أهو من الزمن ذلك المنظور العمودي الذي يُنيفُ علي اللحظة الشعرية ؟ نعم ، ذلك أن التزامنات المتراكمة تزامنات منظمة . إنها تعطي للحظة بعداً ، لأنها تعطيها نظاماً داخلياً . الزمان إذن نظام ولا شيء آخر . وكل نظام زمان . إن نظام اجتماع الأضداد في اللحظة هو إذن زمان . وهذا الزمان العمودي هو ما يكتشفه الشاعر حين يرفض الزمان الأفقي ، أي صيروة الآخرين ، صيروة الحياة ، صيروة العالم . هكذا تتجلّي الأنظمة الثلاثة للتجارب المتتابعة التي يتوجّب عليها أن تُطلق الكائنَ المقيد في الزمان الأفقي :
أ ـ الاعتياد علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الآخرين ، أي كسر الأطر الاجتماعية للديمومة .
ب ـ الاعتياد علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الأشياء ، أي كسر الأطر الظواهرية للديمومة .
ج ـ الاعتياد ـ وهذا مراسُ قاسِ ـ علي عدم إسناد الزمان الخاص إلي زمان الحياة ـ التوقف عن معرفة ما إذا كان القلب يخفق ، أو الفرح ينمو ، أي كسر الأطر الحيوية للديمومة .

حينذاك وحسب ، نبلغ لسند الذاتي التزامن ، في مركز الذات ، دون حياة محيطية . وفجأة تمحي الأفقية المسطحة كلها . لا يعود الزمان يجْري . ينبجسُ انبجاساً .


(3)

ثمة شعراء ، كمثل مالارميه ، يعاملون ، بشكل شرسِِ ومباشر ، الزّمان الأفقي ، يعكسون تركيب الجملة ، يوقفون نتائج اللحظة الشعرية أو يتنكّبونها ، وذلك من أجل استبقاء هذه اللّحظة الشعرية الثابتة أو بالأحري العثور عليها . إن علم النظم المعقُد يرمي الحصَي في الجَدوْل لكي تسحق التموُجات الصَور التافهة ، لكي تكسر الدوامات الانعكاسات . فحين نقرأ مالارميه ، نشعر غالباً بوجود زمان مُنْثَنِِ إلي الوراء ، يكمل لحظات مكتملة . آنذاك نعيش ، متأخّرين ، اللّحظات التي كان يجب أن نعيشها : إحساس هو من الغرابة بحيث أنه ليس من التحسّر ، أو من النّدم ، أو من الحنين . إنه مصنوعُ من زمان مُتقَن الصّنع يعرف أحياناً أن يضعَ الصّدي قبل الصّوت ، والرّفض في الاعتراف .

ثمة شعراء آخرون ، أوفي حظاً ، يقبضون بشكل طبيعيّ علي اللحظة الثابتة . يري بودلير ، كمثل الصينيين ، الساعة في أعين القطط ، الساعة الباردة حيث الانفعال المشبوبُ هو من الاكتمال بحيث يرفض أن يكتمل : " في عمق أعينها الفاتنة ، أري دائماً الساعة بوضوح ، هي نفسها ، الساعة الفسيحة ، الاحتفالية ،الشاسعة كالفضاء ، دون انقسام إلي دقائق أو ثوان ـ الساعة الثابتة غير المحدّدة في ساعات التوقيت ... " (1) ، القصيدة بالنسبة إلي هؤلاء الشعراء الذين يفهمون اللحظة بمثل هذا اليُسْر ، لا تنبسطُ بل تنعقد وتنتسجُ عقدةً عقدة . إن مأساتهم لا تتم ّ . إن عذابهم زهرة هادئة ...

في توازن منتصف الليل ، دون انتظار أي شيء من تنهد الساعات ، يتخفف الشاعر من كل حياة لا جدوي منها ، يختبر اجتماع الأضداد المجرّد في الكائن واللاّكائن . يري ، بشكل أفضل ، في الظلمات ضوءه الخاص . توفّر له العزلة الفكر المنوحّد ، وهو فكُر لا لهْو فيه ، فكُر يعلو ويهدأ في نشوةِِ محضة .


يعلو الزمان العمودي . أحياناً يغْرقُ ايضاً . منتصف الليل ، بالنسبة لمن يعرف أن يقرأ الغُراب ، لا يعود يرنّ قطعاً بشكل أفقيّ . يرن في النفس ، هابطاً ، هابطاً ....  نادرةُ هي الليالي التي واتتني فيها الشجاعة لأذهب الي العمق ، حتي الرنة الثانية عشرة ، الجرح الثاني عشر ، الذكري الثانية عشرة ... حينذاك أعود إلي الزمن المسطح ، أقيد ، أتقيد ثانية ، أعود الي الأحياء ، في الحياة . لابد لكي نحيا من أن نخون دائماً الأشباح ...

علي الزمان العمودي ـ هابطاً ـ تتنضد أفدح الآلام ، الألام التي ليس لها سبب زمانيّ ، الآلام الحادة التي تخترق القلب للاشيء ، دون أن يضني أبدا ، وعلي الزمان العمودي ـ صاعداً ـ تتوطّد السلوي بلا رجاء ، تلك السلوي الغريبة ، الراسخة التي لا حامي لها . باختصار ، كل ما يفصلنا عن السبب والمكافأة ، كل ما ينفي التاريخ الحميم والرغبة ذاتها ، كل ما ينقص قيمة الماضي والمستقبل معاً ، قائمُ في اللّحظة الشعرية .

هل ندرس جزءاً صغيراً من الزمان الشعري العمودي ؟ لنأخذ اللحظة الشعرية في الحسرة الباسمة ، لحظة يرقد الليل ويثبت الظلمات ، حيث الساعات لا تكاد تتنفس ، حيث العزلة وحدها ندم . إن أقطاب اجتماع الأضداد في الحسرة الباسمة تتلامس تقريباً . أقل اهتزاز يُحلّ الواحد محل الآخر . الحسرة الباسمة هي إذن أحد اجتماعات الأضداد الأكثر حساسية لقلب حساس . إنها ببداهة إذن تنمو في زمانِِ عموديّ ، لأن أيا من اللحظتين : الابتسامة والحسرة ، ليست سابقة .  الوجدان هنا قابلُ للانعكاس ، أو ، بتعبير أفضل : قابلية انعكاس الكائن هي هنا مُوجدنة : الابتسامة تتحسّر ، والحسرة تبتسم ، الحسرة تؤاسي  . ليس أي من الزمانين المعبُر عنهما هنا علي التوالي سبباً للآخر ، وفي هذا برهانُ علي إساءة التعبير عنهما في الزمان المتتابع ، الزمان الأفقي . لكن بين الواحد والآخر صيروة ، لا نقدر أن نختبرها إلا عمودياً ، صعوداً ، مع الانطباع بأن الحسرة تخفّ ، والنفس تعلو ، والشبح يصفح . آنذاك يُزهر الشقاء حقاً . إن ميتافيزيقياً حساساً سيجد هكذا في الحسرة الباسمة الجمالي الشكلي للشقاء . وتبعاً للعلة الشكلية سيفهم قيمة تحويل المادة إلي طاقة حيثُ تتكشف اللحظة الشعرية . وهذا برهان جديد علي أن العلة الشكلية تحدث داخل اللحظة ، في اتجاه زمان عمودي ، بينما العلة الفاعلة تحدث في الحياة وفي الأشياء ، أفقيّاً ، جامعة لحظات ذات كثافات متنوعة .

طبعاً ، يمكن في منظور اللحظة اختبار اجتماع الأضداد علي مدي أطول : " في طفولتي ، أحسست في قلبي بعاطفتين متناقضتين : الرعب من الحياة والهيامُ بالحياة " (2) . اللحظات التي تُختبر فيها هذه المشاعرُ معاً تُوقف الزمان ، ذلك أنها تُختبر معاً موصولةً بالاهتمام الفاتن بالحياة . إنها تختطف الكائن خارج الدّيمومة المشتركة . إن اجتماع أضداد كهذا لا يمكن وصفه في أزمنة متتابعة كمَسرَدِِ مُبتذل للأفراح والآلام العابرة . إن تناقضات بمثل هذه الحيوية وهذه الجوهرية تتعلق بميتافيزيقا مباشرة . فيها نعيش النوسان في لحظة واحدة بانتشاءات وهبوطات يمكن أن تكون في تعارض مع الأحداث : الاشمئزازُ من الحياة يستولي علينا بحتمية في الاستمتاع كما تستولي علينا الأنفةُ في الشقاء . إن الأمزجة الدورية التي تتوالي تبعاً للقمر ، في الديمومة المألوفة للحالات المتناقضة ، لا تمثل إلا محاكاة ساخرة لاجتماع الأضداد الأساسيّ . ولا يقدر أن يعطينا الخطاطات الضرورية لفهم المأساة الشعرية الجوهرية إلا التحليل النفسي المتعمق .

(4)

يُدهشنا ، من جهة ثانية ، أن يكون شاعر المطابقات واحداً من الشعراء الذين عرفوا اللّحظات الحاسمة في حياة الإنسان المعرفة الأقوي . ليس التطابق البودليري ، كما يُعرض غالباً ، مجرد تنقيلِِ يوفر نظاماً من التماثلات الحسية . إنه مجموع الكائن المحسوس في لحظة واحدة . غير أن التزامنات المحسوسة التي تجمع العطور والألوان والأصوات لا تفعل إلا التمهيد لتزامنات أبعد وأعمق . في وحدتي الليل والضّوء هاتين ، تكمن الأبدية المزدوجة للخير والشر . "الواسع" في الليل والضوء لا يجوز أن يوحي لنا برؤية فضائية . فلم يُذكر الليل والضوء لاتساعهما ، للانهايتهما ، بل لوحدتهما . ليس الليل فضاء . إنه نذيرُ أبدية . الليل والضوء لحظتان ثابتتان ، سوداوان أو وضاءتان ، فرحتان أو حزينتان ، سوداوان ووضاءتان ، حزينتان وفرحتان . أبداً لم تكن اللحظة الشعرية أكثر اكتمالاً منها في هذا البيت الشعريّ حيث يمكن الجمعُ في آنِِ بين هوْل النهار والليل . أبداً ، لم نشعر في غيره هذا الشعور المادي ، باجتماع المشاعر المتضادة ومانوية المبادئ.

إذ نتأمل في هذا الاتجاه ، نصل فجأة إلي هذه النتيجة : كل أخلاقية إنما هي فورية . الأمر المُطلق للأخلاقية لا فعل له غير الديمومة . لا يستبقي أية علة محسوسة ، لا ينظر أية نتيجة . يمضي قُدماً ، عموديّاً ، في زمن الأشكال والأشخاص . الشاعر آنذاك دليل طبيعي للميتافيزيقي الذي يريد أن يفهم جميع طاقات الوصْل الفْوريّة ، وحماسة التضحية ، دون أن يترك ذاته تنشطر بالثنائية الفلسفية المبتذلة ، ثنائية الذات والموضوع ، ودون أن توقفه ثنائية حبّ الآخر وحبّ الذات . الشاعر يبعث جدلية أكثرَ نَفاذاً . فهو يكشف معاً ، في اللّحظة نفسها ، عن ترابُط الشّكل والشّخص . يدلّل علي أنّ الشّكل شخصُ والشّخص شكل . هكذا يصبح الشعر لحظة علة شكلية ، لحظة طاقة شخصية . وإذاك يهمل ما يحطم وما يمحو ، يهمل الديمومة التي تبعثر أصداء . يبحث عن اللّحظة . لا يحتاج إلا إلي اللحظة . يخلق اللّحظة . خارج اللّحظة ، لا يوجد غير النثر والأغنية . ففي الزمان العمودي للحظة ثابتة يجد الشعر فعاليته النوعية . ثمة فعالية محضة لشعرِِ محض . إنها تلك التي تنمو عمودياً في زمان الأشكال والأشخاص .

(1)  بودلير : قصائد نثر قصيرة .
(2)   بودلير : قلبي ، عارياً .

(*) هذا النص مأخوذ من كتاب :
(Le Droit de rêver,Paris 1970 , p.224-232)
المصدر : مجلة (مواقف) اللبنانية ، العدد رقم 44 ، 1 فبراير 1982 .

الاثنين، 23 مارس 2015

الطريقة النقدية عند غاستون باشيلار : إيفا م. كشنر

ترجمــة : جبرا إبراهيم جبرا

الاسطورة والرمز ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا

اشتهر غاستون باشلار عند جمهرة القراء في فرنسا بأشد كتبه اثارة : " تحليل النار النفسي " . ولعل أفضل مقترب الي طريقته في النقد الادبي هو أن نتأمل في هذا العنوان ، الذي يربط ما بين طريقة مشهورة في العلاج العقلي وبين ظاهرة طبيعية هي ايضا أكثر الرموز كلها غني واستعمالا . فاذا استطعنا أن نلم بما يعنيه باشيلار بتحليل النار نفسيا ، تيسر لنا ادراك طبيعة ومدي ما قدمه للنقد الأدبي والفلسفة كليهما من خلال حدهما المشترك : سيكولوجية الخيال .





لقد أدراك باشلار منذ البداية ، بصفته فيلسوف علْم ، ان التناول الموضوعي لمعطيات تجربة عامة كالعناصر التقليدية الاربعة : التراب ، والماء ، والهواء ، والنار ، ليس بالامر التلقائي قطعا ، بل انه لا ينشأ الا نتيجة لعملية طويلة من التعلم . حتي العقول العلمية جداً تحتاج باستمرار الي ما يذكرها بأن الموضوعية ليست فطرية ، بل لابد من اكتسابها بجهد . اصحاب هذه العقول يعرفون أن الفِكر ال "قبل علمية" كامنة ، دوما وأبدا ، تحت كل فكرة ، وأن " كل معرفة علمية يجب اعادة بنائها في كل لحظة " (كما يقول باشلار في كتابه "تكوين الروح العلمية" ،ط 1960) . وتطور المعرفة الموضوعية من حالتها ال "قبل علمية" (القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين) ، الي تكاملها في "الروح العلمية الجديدة"، التي يواكب ظهورها اعادة تشكيل الافكار التي كانت تعد في الماضي ثابتة لا تتغير ، وذلك بالنظرية النسبية _ هذا التطور يوازيه ، في رأي باشيلار ، ما يحدث في ذهن المفكر الفرد ، هناك في البدء مرحلة "مجسدة" فيها "يتمتع الذهن بصور الظواهر ويرتكز علي أدب فلسفي يمجد الطبيعة ، ممتدحا في آن معا وحدة العالم ، وغزارة تنويعه . تلي هذه مرحلة "مجسدة_مجردة" تتميز بالميل الي التجريد ، والرغبة في تبسيط الواقع بالتعبير عنه بأشكال هندسية تبقي ، رغم التناقض الظاهري ، وثيقة الارتباط بالتجارب المجسدة . وفي النهاية ، تأتي المرحلة " التجريدية " حقا ، وهذه تكمل انفصال المفكر عن التجربة المباشرة الي حد ان الحقيقة العلمية قد تتعارض بشدة مع الظواهر العيانية . أما بالنسبة الي المفكر الفرد ، فان الروح العلمية يبقي اكتسابها والاحتفاظ بها أصعب مما كانت في تاريخ العلم . ذلك لانه "حتي في الذهن النيّر ، ثمة مناطق مظلمة ، كهوف تبقي فيها الظلال حية . حتي في الانسان الجديد تبقي آثار الانسان القديم ."

ان أصالة فكر باشيلار تتأتي من أنه اختار طوعا أن يركز دراساته علي المراحل البدائية القبل علمية للمعرفة ، بدلا من حالة الذهن العلمية الكاملة التي هي حالة المعرفة الموضوعية . المعرفة التي تم تحليلها نفسيا . أما الذي يتحدي اهتمام باشيلار أكثر من ذلك بكثير فهو تلك المعرفة التي ، بعدم بلوغها حد الموضوعية ، هي بحاجة الي التحليل . " لان التحليل النفسي الكلاسيكي ، المعني أوليا بسيكولوجية العلاقات الانسانية ، أي بردود الفعل النفسية لدي الفرد ، التي تقررها عائلته وبيئته الاجتماعية ، لم يوجه انتباهه نحو المعرفة الموضوعية .. واجبنا هو القاء الضوء علي مقاومة العوائق المعرفية في تفصيل البحث الموضوعي نفسه .." ويبدو أن باشلار في دراسته لهذه "العوائق" المعرفية عثر علي حقيقة كونها خلاقة لا يقر لها قرار . فالوعي القبل علمي ، والافكار اللاعلمية التي تهدد دوما نقاوة الافكار العلمية ، أضف اليها ابتكار الشاعر الصور ونشاط احلام اليقظة في كل انسان - هذه كلها تنبع من قوة الخيال ، أي من حس ّ عميق الجذرو بانخراط شخصي في ظواهر الطبيعة . فلنأخذ مثل النار في كتاب "تحليل النار النفسي" . يقول باشيلار بصدد طبيعة النار " ان الموقف الموضوعي لم يتحقق قط . فالاغراء البدائي هنا طاغ ، حتي انه ما زال يشوه آراه ارصن العقول ، راجعا بهم دائما الي المنطقة الشعرية حيث يحل الحلم محل التفكير ، حيث القصائد تُخفي النظريات . هذه هي المشكلة السيكولوجية التي تثيرها اعتقاداتنا بصدد النار . والمشكلة هذه تبدو سيكولوجية بصراحة تجعلني لا أتردد في الحديث عن تحليل النار النفسي ".

غير أن استقصاء الاغراءات السيكولوجية كلها التي تكذب الاستقراءات (كما يروق لباشيلار أن يلعب علي الالفاظ) لا يقتصر علي موضوع النار ، ولو أن باشيلار يؤكد علي ان النار ظاهرة متميزة ، وأكثر الظواهر جميعاً قابلية للتفسير المباشر لدي الناس كلهم . انها التغيير . انها الحياة . وبلغة القيم ، يمكن لها أن تحمل معاني الخير ومعاني الشر ، علي حد سواء . ولكن رموزا أساسية أخري ، كالتراب ، والهواء ، والماء يمكن جعلها مواضيع لدراسات مماثلة : وهذه بالضبط هي المهمة التي قام بها باشيلار ، متتبعا كلا من هذه الرموز ، واسقاطاته الدينامية في الأدب ، من خلال كتابات اقطار عديدة وقرون عديدة ، مفتشا دائما عن المعاني اللامبحوثة الكامنة وراء كل رمز .

وبما أن العناصر الاربعة غنية جدا بالقيم الرمزية المتنوعة فانها خير مادة لما يسميه باشيلار " التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية " . " لان المشكلة هي ايجاد فعل القيم اللاوعية في الاساس من المعرفة العلمية والتجريبية . ولذا ينبغي علينا أن يظهر الضوء المتبادل بين المعرفة الاجتماعية الموضوعية ، وبين المعرفة الشخصية الذاتيةففي التجربة العلمية ، يمكننا البرهان علي وجود رواسب تجربة الطفولة . اذن يحق لنا ان نتحدث عن " لا وعي الذهن العلمي " ، وعن خصيصة اللاتجانس في بعض البراهين . وفي دراسة ظاهرة معينة ، لنا أن نري ملتقي قناعات تكونت في مجالات مغايرة جدا من التجربة ." الا أن همّ باشيلار ينصب أكثر فأكثر علي التعبير الادبي في محاولته تحليل القناعات المقبولة دونما تمحيص ، والتي يستغرق فيها المفكرون القبل علميون ، وأصحاب أحلام اليقظة ، والشعراء ، كلهم علي السواء .

كيف يتسني لهذا الضرب من التحليل أن ينتمي الي النقد الادبي بالذات ؟ قطعا لا بالمحاولات الخليطة في تطبيق أصناف التحليل النفسي الكلاسيكي علي الوثائق الأدبية ، ولو أن البعض فعل ذلك بنجاح كبير ، كما فعلت ماري بونابارت في كتابها عن " ادغار آلان بو " ، ورغم أن السريالية حققت حدثاً تاريخياً بتطبيقها تفسير الاحلام ، علي الأدب . فالشعر ، عموما ، مازال بحاجة الي النظم ، حتي في وسط تسجيل الاحلام والكتابة التلقائية . و (ايلوار) يؤكد علي ذلك : " ان مجرد سرد حلم من الاحلام لا يمكن امراره علينا كقصيدة ، كلا الحلم والقصيدة حقيقة حية ، ولكن بينما الأول هو ذكري ، سرعان ما تبدأ بالتلاشي والتحول ، ومغامرة ، فان الثانية لا يضيع منها شيء أو يتبدل ." وبالعكس ، فان الفائدة الشفائية في الكتابة التلقائية تتضاءل في محاولة النظم . وجملة القول ، لا التحليل النفسي بمعناه التقليدي ، ولا الأدب ، استفاد من محاولات السرياليين تحويل الواحد الي الآخر . لان الذي كان لابد من تضحيته في هذه المحاولات هو اما الدقة السريرية ، أو المتطلبات الجمالية

كتابات باشيلار تُدخِل عنصرا جديدا في العلاقات التأريخية بين التحليل النفسي والأدب ، عن طريق رد الاعتبار الفلسفي لفكرة التحليل النفسي . فهو يري ان التحليل النفسي ليس مجرد تحويل التجارب الحلمية الي سلسلة من الرموز العامة التي كان معناهاً خفياً فيماً مضي وأصبح اليوم معروفاً وشائعاً ، بل هو علم وصفيّ يستهدف تعيين الصلات المتكررة بين الصور الموجودة في أعمال الكاتب الواحد ، وبين الرموز العامة بين الجميع . ان الصور (الشعرية) انتقائية جداً ، وما من شك في أن اختيارها تقررّه الخصال الشخصية ، وهو عميق الجذور في التجربة المحسوسة .

فائدة طريقة كهذه تبدو ثنائية : فهي أولاً تهييء عدةّ للبحث الأدبي ، وهي ثانياً تقدم ، في الوقت نفسه ، المزيد من المعرفة بسيكولوجية الخيال بطبقتيه الواعية واللاواعية معاً . بالطبع ، ان الناقد الذي يتصدي لعمل أدبي بالتحليل النفسي يفعل ذلك ضمن حدود النصوص والوثائق دون الاتصالات الشخصية التي توجد في الحالة السريرية بين المحلَّل والمحلَّل . وقد تحدث طبيب نفسي فرنسي ، يدعي (اي. فرنكل) ، عن الحدود التي يفرضها غياب الكلام والملاحظة المباشرة ، وعن المحذور في أن يغدو المحلَّل كيفياً وذاتياً عندما تواجهه الوثائق وحدها ، وفي استقصائه الحدود المشتركة بين التحليل النفسي والأدب ، استنتج أن من المعقول تطبيق افكار التحليل النفسي علي الأدب . فهو يشير الي التلوين العاطفي في المواضيع التي تقترن عادة بعقدة معينة أو عصاب معين . اذ بوسع حدس المحلل أن يتبيّن صلات الشبه بين التلوين العاطفي والعقدة أو العصاب الموازي له . لا ريب ان هذا يمكن تحقيقه من غير الحالة السريرية ، في دراسة النصوص الادبية التي تضيء جوانبها بعض المواد البيوغرافية الخاصة بمؤلفيها . " في العمل الادبي ، نجد أن العناصر البيوغرافية التي هي منال التحليل النفسي تظهر في الاغلب في المواقف (كأن تكون الشخصية مكبوتة ، أو عاجزة عن الخيار بين فعلين ، أو محكوماً عليها بالفشل) ، أو في الصورة السائدة في أحد كتب المؤلف ، أو في أعماله كلها ، أو في الكلمات - المفاتيح ، أو الخصائص اللغوية التي يتميز بها أسلوبه . فاذا تكررت مواقف كهذه بكثرة في كتابات المؤلف علي غرار اللايتموتيف الموسيقي ، فانها تغدو بمثابة مؤشرات الي الشدة والالحاح اللذين عالج بهما ذهن المؤلف الموضوع العاطفي الموازي لها . ولذلك ، فاننا نجمع حول فئة معينة من المواضيع المواقف ، والصور ، وعناصر الحوار ، والمعلومات البيوغرافية ، المرتبطة بها والتي تجد فيها نقطة التقائها ." وبوسعنا ، في تحليل الاعمال الأدبية ، كما في التحليل النفسي السريري ، جعل قناعاتنا تعتمد علي " التقاء تفاصيل عديدة ممحصة بدقة " . ويري (فرنكل) أن باشيلار حتي الآن هو أعظم من ساهم في حقل التحليل النفسي الأدبي . انه صياد صور في مجال التجربة الإنسانية كله ، وعلي الاخص في تعبيرها المكتوب . وهو أيضا مصنف صور ، ويتمتع بالمقدرة علي ايجاد الصلات بين الصور ومحتوياتها العاطفية الخفية ، وكذلك بين الصور الشخصية والرموز الجماعية

هل نحن محقون بالضبط في الحديث عن " طريقة " ، ولاسيما عن طريقة نقدية ، بصدد مقترب من الأدب يتطلب مثل هذا الفهم الحدسي ، والذي يكاد يكون احيانا غريزيا ، للمعاني اللاواعية التي تنطوي عليها الصور ؟ في أحد كتبه الاخيرة "شاعرية الحلم " ، يصدّر باشيلار الكتاب باقتباس من الشاعر (جول لافورغ) عن عدم جدوي الطريقة : "ايتها الطريقة، ايتها الطريقة، ما الذي تبغيه مني ؟ الا تعرفين انني من فواكه اللاوعي قد أكلت؟ " في كتاب "شاعرية الحلم " نجد أن الطريقة ، أو المنهجية ، تصبح رهاناً ، لان موضوع هذه الدراسة قد يتشوه بسهولة ان ألقي عليه الضوء بفجأة ودون تمهيد . ولكن عندما لا يكون الموضوع تجربة أحلام اليقظة نفسها ، بل تعبيرها الأدبي ، فان عبورها السريع انما هو تحددََ جديد لصاحب التأويل .

يصف باشيلار مقتربه بانه ظواهري ، وذلك يعني انه مقترب يؤكد علي الصورة باعتبارها كيانا يُدرس بحد ذاته ، كشيء أصيل ، يجب ادراكه في أصالته لكي يتيح لنا ان نجني الفائدة كلها من شدته وكثافته اللتين بهما جعله الخيال حيَّا نضرا . وهذا المقترب يناقض الطريقة المألوفة التي تحاول أن تقلّص الظواهر الفردية إلي انماط عليا شائعة . فكرة " الاصالة " عند باشيلار تستعيد قوتها البدائية : فالصورة الاصلية ، أو الصورة التي تمثل تنويعا حتي علي أعمق الانماط جذورا ، هي بداية جديدة ، ظاهرة جديدة . وكما انها خُلقت ، في دهشة ، من تلقي الشاعر للعالم واقباله عليه ، هكذا يجب أن تدرس في دهشة ، كخلق جديد وعلاقة أو حادثة جديدة ، من قبل الناقد الذي ، اذ يتوحّد مع الشاعر ، يستطيع أن يشاطره دهشته تجاه الرؤيا الجديدة التي توصلها الصورة . ظواهرية كهذه اذن لا يمكن وصفها بانها سلبية منفعلة . " ان ظواهرية الصور تطالب بالمشاركة الفعَّالة في التخيل الخلاق ." وتبدأ هذه المشاركة الفعالة عند الناقد عندما يتمكّن من تمييز الصور الحية عن الصور الميتة . وليس هذا ، في رأي باشيلار ، مجرد جماليات شكلية . فالصورة لا " تُصبح " كليشة بسبب ابتذالها في التكرار . انها محكوم عليها مسبقاً بأن تفقد نضارتهاً ، وهالة دهشتهاً ، الا اذا بقيت علي اتصال بالتجربة المحسوسة والجوهرية _ الا اذا احتفظت بطاقتها الفيزيائية التي يقول (يونغ) انها من خصائص الانماط العليا كلها .



مثلا ، كل الصور المستقاة من الذخيرة النمطية التي في تجربة الطفولة تحتفظ بقوتها الايحائية للخيال . يقول باشيلار في " شاعرية الحلم " : " كل نمط أعلي انما هو انفتاح علي الدنيا ،ودعوة الي العالم . ومن كل انفتاح كهذا ينطلق حلم مندفع .. الذكريات تفتح ابواب احلامناً من جديد . والنمط الاعلي مقيم هناك ، لا يتغير ، لا يتحرك تحت ذاكرتناً ، لا يتحرك تحت احلامناً . وعندما يتم عن طريق الحلم احياء قوة الطفولة النمطية ، تستعيد كل انماط القوة الابوية والامومية العظيمة سطوتها .. فكل ما هو منفتح علي الطفولة له قوة الاصالة . وستبقي الانماط العليا دائما مولّدة قوية للصور ."


بيد ان الطفولة كقيمة نمطية أساسية ، كموضوع للتأمل الشعري ، هي أكثر من مجموع ذكرياتنا الخاصة . فالصورة الشعرية الجديدة ، أي الصورة الشعرية التي تحمل في طواياها حقيقة نمطية ، بوسعها أن توقظ فينا عالم الطفولة . وهذه ، كما يري باشلار ، حقيقة ظواهرية أساسية : فالطفولة ، كقيمة نمطية ، يمكن ايصالها ، لانك لن تجد أحدا عديم الشعور كليا ازاءها . انها تعيد المرء حسّ الدهشة الذي يكتشف به الطفل الحقائق لاول مرة . وكل صورة ، مهما كانت غريبة ، اذا تميزت بعلامة البدائية الطفولية ، فان لها مغزي ظواهرياً صرفاً . وكما يقول (نوفاليس) " كل بداية حقيقية هي لحظة ثانية " لان الاصول الحقيقية كلها تعود بنا الي التجارب الاولي . وواجب الشاعر هو أن يستعيد ما يسميه باشيلار " أسبقية الكينونة " . وشاعر فرنسي كجان فولان ، لشدة ما يعي أن الفترة السيكولوجية تتسارع كلما ابتعدنا عن الطفولة ، يقول :

واذ في حقول
طفولته الابدية
يتجوّل الشاعر
متمنياً الا ينسي أي شيء .

وهكذا يصبح الاخلاص للاصول ، في رأي باشيلار ، محكا لصدق الصور وصحتها .

وثمة مبدأ آخر ، مرتبط مثله بالحقائق النمطية ، يرجع بفكرته الي وصف يونغ للنفس بانها خنثي ، تتألف من "انيموس" و "انيما" ، يسود فيها الواحد علي الآخر في الرجال والنساء ، علي التوالي . اما " الانيما " فهي ميدان الشعر ولغة احلام اليقظة التي لا رقيب عليها . أما " الانيموس " فيُعبر عنه بلغة الوعي التام والنشاط الموجه . يقول باشيلار : " اننا نعتقد أن أحلام اليقظة قد تكون أفضل مدرسة لسيكولوجية العمق " وعلي السيكولوجية الكاملة ، التي لا تنحدر بوظائف النفس الي اصغر وابسط عواملها ، ان تدخل في الحسبان منطقة الانيما ، أي مقدرة حالم اليقظة أو الشاعر علي الاستمثال (جعل الامور مثالية) . لابد من الاعتراف بان باشيلار قد كرس معظم جهده لدراسة صور منطقة الانيما كأمثلة علي " التسامي المطلق " . وكتابه "شاعرية الحلم " ، لانه يعالج طبيعة احلام اليقظة وعلاقة الخلق الشعري بالذكريات الخاملة ، يكاد يكون كله مقصورا علي معالجة الانيما . الا ، الانيموس أيضا يمكن التعبير عنه أدبيا . وكمثل علي ذلك ، يذكر باشيلار كتاب بيير جان جوف (Histoires sanglantes)، وهو مجموعة قصص قصيرة تجد فيها صراعات كامنة غير منتهية الي حل تظهر ما للانيموس من نشاط عنيف . علي كل ، فان باشيلار يؤكد أن العنصرين فاعلان دائما ، باقترانات متفاوتة ، في المزاج الفكري لكل كاتب ، وأن طبيعة النفس الخنثوية ، ليست مجرد انعكاس لانقسام الجنسين البيولوجي (وهذا الانقسام بحد ذاته قد نشأت عنه اساطير ورموز كثيرة كالتي نجدها في "مآدبة" أفلاطون ) ، بل انها دائبة باستمرار علي خلق واسقاط الصور الجديدة . " عندما تُستْمثَل الذكورة والانوثة ، تصبحان قيما." هذه القطبية يمكن اتخاذها محكّا ثانيا لصدق الصور وصحتها علي طريقة باشيلار . وهذه يمكن استخدامها بنجاح في تأويل قصائد شعراء فرنسيين معاصرين أمثال دي لوبوش ميلوش ، بيير جان جوف ، وبيير امانويل .

في أحدث كتب باشيلار ، "شاعرية الحلم " و " شاعرية الفضاء " ، نري ان الكلمة المفتاح هي الظواهرية (فنومنولوجيا) ، لان المؤلف أخذ يزداد يقينا باستحالة تطبيق المقولات الجمالية الجاهزة علي دراسة الشعر : " ينبغي علي فلسفة الشعر أن تدرك أن العقل الشعري لا ماضي له ، أو علي الاقل لا ماضي قريبا له ، يمكن من خلاله دراسة تهيؤه وحدوثه ." بل ان باشيلار يرفض استعمال فكرة السببيّة في تفسير العلاقة القائمة بين صورة شعرية جديدة ونمط أعلي كامن في اللاوعي . ولا يسمح للناقد الا بحق متابعة تعاقب الصور وفق ديناميتها هي . هذه الطريقة الظواهرية يمكن مقابلتها بالطريقة التي اتبعها باشيلار في سلسلة كتبه الخمسة الاولي المكرسّة لـ " خيال المادة " ، " تحليل النار النفسي " ، " الهواء والأحلام " ، " الماء والأحلام " ، التراب وأحلام اليقظة " ، " التراب وأحلام الارادة " .

في هذه السلسلة من أعمال باشيلار ، كان هناك افتراض نصّ عليه بوضوح ، بل شكل يرفض الجدل ، وجعل كلا من هذه الكتب الخمسة برهانا جزئيا عليه . هذا الافتراض هو أن الخيال الادبي ، وكذلك الخيال الذي لا يعبّر عن نفسه بأعمال أدبية ، يمكن ربطه في كل حالة علي حدة بأحد العناصر الاربعة التي تحدثت عنها الفلسفة القديمة : النار ، والتراب ، والهواء ، والماء ، التي تنشأ عنها أربعة أنواع من خليقة الكون وتحدّد أربعة أنماط من المزاج الشعري . ويري باشيلار أن الكتّاب يختارون حدسيا صورهم في العنصر الذي يؤثرونه بدائيا ، وبشيء من الوعي . وهو يعترف ان ما يفعله هو ، هو صور الماء . والذين يشاطرونه هذا التفضيل "بوسعهم أن يدركوا ان الماء يمثل ايضا " نوعا من المصير " ، لا مجرّد مصير باطل من صور عابرة ، مصير باطل من حلم لا ينتهي ، بل مصير جوهري دائب باستمرار علي تحويل مادة الكينونة . ومن ثم سيدرك القاريء بمزيد من الاسي والحزن أحد أوجح الفلسفة الهيراقليطية ... لا نستطيع أن نخطو مرتين في النهر نفسه لأن الانسان في أعماقه قد جعل يشاطر الماء مصيره الجاري ..." (الماء والأحلام) ، وفي رأي باشيلار ،أن ادغار آن بو شاعر يكشف خياله عن وحدة نادرة ، يبدو أن سرها يكمن في العلاقة العميقة بين صور الماء وخواطر الموت .

وهكذا نري في كتابات غاستون باشيلار كلها مبدأ يهتدي به ، وبموجبه فان اختيار الصور الشعرية ليس عشوائيا ، لان الصور الصادقة الأصلية جذورها دائما ممتدة في التجربة المحسوسة المجسّدة ، لا في التشبيهات أو المقارنات المجردة .

اذا أردنا أن ننتقد الطريقة التي وصفتها هنا علي نحو ناجع ، وجب علينا أن نثير السؤال حول فرضيتها الاساسية ، أي ، أن نعيد النظر في ميتافيزيقة الخيال ، لكي نقرر هل أن الخيال نشاط ذهني خلاق بالقدر الذي يقوله باشيلار ، أم أنه علي الاكثر يعيد تصوير ما هو هناك ، وعلي نحو أكثر ميكانيكية مما يقول . في المستطاع أن نستنتج نظاما فلسفياً من الاقوال المتناثرة في كتابات باشيلار الاخيرة ، ولكن هذا أمر غير وارد هنا ، ولاسيما ان باشيلار ما عاد يستهدف فلسفة منهجية . فدراساته الاخيرة كلها دراسات "طولية " ، يستقصي فيها اما عائلة واحدة من الصور ، أو شاعرية شكل معين من التمثيل أو الوصف ، كالفضاء ، واصفاً الصور ظواهرياً ، بحد ذاتها ، وبعلاقتها مع مؤلفها ، وغراره في اتباع هذه الطريقة يوحي أنه لا يطالب الآخرين بتطبيقها حرفيا . ولا ينفك يردّد دائما أنه حالم يقظة يحلم أحلام يقظة الشعراء . وهو في التحليل الاخير يتحدي الناقد الذي ينوي التصدي لعمل ما ، بألا يقلده ، بل بالمغامرة في مسالك جديدة يتمسك فيها بموقف مماثل ينصف بالوشيجة ، والتواطؤ ، والتحاسّ ، مع الشكل الخاص بخيال أي شاعر . وهذا ليس بالضرورة مقتربا ملؤه الابهام والتمني . ألا تتطلب كل منهجية تكيّف النهج وفق موضوعه ؟ والمغزي الذي نستنتجه من كتابات باشيلار هو أن ثمرات الاخيلة العظيمة يجب أن نتعامل معها بخيال عميق . ان ناقد الشعر المثالي قادر علي اعادة خلق عالم رموز الشاعر . واذ يضع باشيلار امامنا هذا المثل الاعلي ، فان أعماله قد تفعهم صدورنا أملا بصدد مستقبل النقد الادبي ، شريطة أن يرضي النقاد ، كما رضي باشيلار ، بتجريد أنفسهم من المزاعم العلمية وهم يتحملون مشقة العلم الوصفي ، وبالدخول في علاقة شخصية وهم يتحملون مشقة العلم الوصفي ، وبالدخول في علاقة شخصية عميقة مع موضوعهم ، اشبه بالعلاقة القائمة بين المحلل والمحلّل ، وقد حافظوا في الوقت نفسه علي الحيوية الديالكتيكية التي في ذلك التحالف الاشبه بالمستحيل بين الذاتية والموضوعية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المرجع) الاسطورة والرمز ، مباديء نقدية وتطبيقات ، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا ، طبعة منشورات وزارة الاعلام ،الجمهورية العراقية ،دار الحرية للطباعة بغداد ، 1973.