الاثنين، 7 أغسطس 2017

الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك : ماكرون وفرنسا (1)

حاورته : ماري لومونيي
ترجمة :سعيد بوخليط

لحظة احتفاله بذكرى ميلاده السبعين،استقبلنا الفيلسوف الألماني الكبير في منزله : محارب للأيقونات،متهتك،جريء على الرأي السائد،وعارف دقيق بأوضاع فرنسا،ثم محيط بالأوضاع الجارية. 
س- لقد أكدتم غير ما مرة بأن فرنسا كان لها نزوعا طبيعيا خاصا جدا نحو الدلائل الكبرى للجنون لحظة انتخاباتها.هذه السنة الانتخابية المتوجة بانتصار شاب بقي مجهولا لدى الفرنسيين قبل سنتين ثم اندحار الأحزاب التقليدية،أنصفت استدلالكم بغض النظر عن كل تشخيص.بعد مرور شهر بالكاد على الشروع في العمل،شهدت الحكومة الجديدة أولى أزماتها مع استقالة أربعة من أعضائها لأسباب قضائية فما هي نظرتكم إلى هذه الوقائع الجديدة؟
ج-يبدو لي وجود جانب متزمت جدا بخصوص ما يجري داخل فرنسا.هذا يذكرني بكتاب للفيلسوف الأمريكي ميشيل ولزر :''ثورة القديسين''الذي تطرق من خلاله للطهرانية في السلطة.بهذا الخصوص،ارتكب إيمانويل ماكرون خطأ جوهريا حينما دشن ولايته معلنا عن الرغبة في تخليق الحياة السياسية.لقد ارتكب نفس خطأ الشاب فريديريك الثاني البروسي الذي كتب مدة قليلة بعد اعتلائه العرش عمله :''نقيض- ميكيافيلي''من أجل تفنيد ''الأمير''.وحين بلوغه سن النضج،انتهى فريديريك الثاني معترفا إلى أحد محاوريه بوقوعه في التيه مع مشروعه لتخليق السياسة.أعتقد بأن الشخص الشاب مثلما يجسده السيد ماكرون يعيد نفس التجربة عاجلا أم آجلا.   
س-لكن المواطن الفرنسي يسكنه غضب جراء شعوره بالإفلات من العقاب الذي يقدمه مسؤولينا ;لقد كان هذا ملحوظا خلال هذه الحملة مع قضية فرانسوا فيون،مما ساهم في صيغة من صيغ التخلي الديمقراطي.ألا ينبغي أن نأخذ هذا بعين الاعتبار؟
ج-هناك جانبان.السياسة،كما هي،تعتبر فضاء للعمل تسوده قاعدة خاصة. إنه الاكتشاف الكبير ل ميكيافيلي.الأخلاق العامة،لاسيما الانسانوية المجردة،لايمكنها أن تطبق واقعيا باستمرار،لأن الأشياء تنزع للانعتاق من القاعدة الأخلاقية.الوصايا العشرة لم تروى كفاية تفصيلا كي تقتضي سلوكا محددا ضمن معطيات الحقيقة المعاصرة.لقد شكل هذا الاكتشاف الحداثة.يبقى سؤال الفساد وكذا النظام الفرنسي.فساد تهيكل وتحجر تقريبا.إذن،بشكل مفارق،قد يحمل هذا التنظيف المبدئي المصداقية لكل مشروع إيمانويل ماكرون.إذا لم يفعل ،سيجازف بخداع آمل تلك الحركة الهائلة التي استثمرت ثقتها ووضعتها فيه.   
س-بيد أن الامتناع المكثف خلال هذه الانتخابات – أكثر من 51% فيما يتعلق بالتشريعية- جعل في المقابل أهمية ذاك الحماس نسبية.   
ج-لقد ورث هذا الامتناع عن التصويت من الكآبة السابقة عن مرحلة ماكرون.يحتفظ الناخبون دائما في دواخلهم بردود أفعال تصرفاتهم السابقة،مبرهنين على نوع من الالتباس كي تحكم عليهم بالتفاؤل بين عشية وضحاها.كانوا يعيشون في خضم نوع من التشاؤم المترف،الذي ميز وطن فرنسا.لقد تكرس هذا الأفول منذ أكثر من جيل.بدأ خلال فترة ميتران،حينما وجد الأخير نفسه منحصرا بين رئاسة قد نقول عنها يسارية ثم أغلبية برلمانية من اليمين والوسط.لحظتها،فإن ميتران وعلى منوال الله ساد لكنه لم يحكم.بالتالي، اعتاد الفرنسيون على هذا الغياب للقيادة منذ خمسة وثلاثين سنة.كانت حقا تجربة مفصلية الاستمرار لثلاثة أجيال في إطار نوع من البلوكاج السياسي.لم يذهب ذلك سدى،بل خلق مناخا مسموما،وتحديدا ما أسميه''التشاؤم المترف''،سمة فرنسا الناعمة تكمن هذه النعومة الكئيبة في عدم القدرة على الإيمان بالحياة السياسية :السياسة،مجال حيث يحاصر الجميعُ الجميعَ،ويصبح الفساد خبزا يوميا،ثم من مختلف جهات الجمعية الوطنية يتجلى هذا النفوذ المميز برائحة معينة بنكهة عاشقي الطرائد.تمثلت أعلى ورطة لفرنسا السياسية،في هذا السحر المضمر للفساد اليومي.
س-غير أنه ''سحر''لايجد ذاته في منظور الناخبين.إن تحويل بعض أعضاء الحكومة نحو الجمعية الوطنية أثار شكوكا مشروعة.
ج-نعم، بالتأكيد، لكن من الضروري فهم ماهية السياسة كمهنة.ماكس فيبر في مقالته الشهيرة :السياسة كمهنة (1919)مدح نوعا من إيتيقا السياسة الرواقية.السياسي، هو الصبر،والتعاون مع الزمان الطويل، والتطور البطيء،ثم خاصة الحفر في ألواح خشبية صلبة جدا يبدو تقريبا مستحيلا ثقبها.معجزة ماكرون أنه أحدث ثقبا هائلا،لكن في الموضع الأكثر نخرا من الخشب.كان حدسا قويا جدا.
س-تتكلمون على طُهْرية فرنسية معينة ،لكن في ألمانيا،يغادر السياسيون السفينة بمجرد طرح قضية من قضايا الفساد؟
ج-نعم،نطردهم بشكل سريع جدا،ثم ينسحبون بنفس السرعة.فقط لايحدث كما الأمر في أمريكا مع هؤلاء الطُهْرانيين الحقيقيين الممتلكين لثقافة الاعتذار العمومي :يتم الجلد أمام الجمهور الواسع،ثم انتهى الأمر…. نوع من الصفح الذاتي،فالاعتذار يكفي.في ألمانيا،لا يستقيم الأمر،يلزم الانسحاب.الأمر الذي يبعث على التحسر،لأن التجربة تؤخذ بعين الاعتبار في السياسة،والاحترافية ضرورية.بناء على وجهة النظر هذه،ما يثير الانتباه نحو الجمعية الوطنية الفرنسية الجديدة،أنها ستكون على طريقتها نوعا من التدريب بالنسبة لأغلب أعضائها.بذلك   تشبه الجمعية الوطنية الأولى بعد الثورة،حينما أعلن ممثلو الطبقة الثالثة  أو الشعب التئامهم.فقد تبلورت لديهم بتأثير من إيمانويل جوزيف سييس،تلك الفكرة العظيمة قصد تأكيدهم بأن هذه الطبقة الثالثة،تجسد أصلا في ذاتها،وطنا كاملا.هكذا اندلعت الثورة الفرنسية.كانوا جميعهم هواة،دون أقل تجربة سياسية: كتّاب وأغلبية من المحامين.وضع يتناسب أيضا مع أول برلمان للألمان،بعد الحرب العالمية الثانية:كان حشدا من المحامين والمدرسين،وهذا أفرز الجمهورية الألمانية الجديدة.اليوم،في فرنسا،تشكيلة المنتدبين أكثر اتساعا،نظرا لوجود متخصصين من كل الأصناف. خبراء في كل شيء،إلا مجال السياسة !ستكون تجربة غريبة :برلمان يشكله مبتدئون،وحكومة من أسماء مجهولة،ثم ''كاريزما-توقراطية" ماكرون.
س-استُحضرت صورة جوبيتر بالنسبة لايمانويل ماكرون،أما أنتم فقد وصفتموه- على نحو مضحك جدا- ب جان دارك   
ج-لكن أن لايعدم حرقا!أجريت هذه المقارنة التاريخية، لأن ماكرون على منوال جان دارك ،يتقدم أمام وطنه كي يقوده إلى واجهة ما،ومثلها،يميزه إصغاء ورع تقريبا لصوت داخلي يملي عليه خطوته المقبلة.مع ذلك،سيكون بالتأكيد محاصرا خلال فصل الخريف،لأن الشارع الباريسي سيتحرك.أنا متيقن مطلقا أن هذه السلبية المتجلية عبر هذا الامتناع القياسي الذي سيغير السمة بعد الدخول السياسي،مادام أن أولى إصلاحات ماكرون المتوخى الشروع في إنجازها ستمس تشريعات العمل. بالتالي،يتوقع تماما حدوث تحركات مكثفة  داخل جمهورية حيث النقابات دائما قوية جدا وتماهي المرفق العمومي مع اليسار.لكن، من جهة ثانية،ولأن الرجل الشاب جد يقظ وضمن وضع مُدْرِك،فيمكن لهذا أن لا يقود لأي شيء،سواء كتعبير عن حنين،ونزوة.سيكون إذن اختبارا جديدا لحدة الكلمة النافذة التي قالها يوما "آلان بيرفيت"، مشيرا إلى خاصية الحياة الجمهورية الفرنسية،والتي جسدت ''التشنج الجامد''.يحوي في الواقع الحمض النووي للسياسيين الفرنسيين على  تعبيرية فطرية .إنهم يعيشون في غمرة التعبيرية.لذلك شهد الدور الأول من الانتخابات الرئاسية إبداعا :أقصد الكرنفال،يمكن للجميع ارتداء أي لباس،لكن بعد خمسة عشر يوما حدثت العودة إلى التصويت المفيد،أو ''عصرالعقل''مثلما سيقول سارتر.
س-أعلنتم أيضا بأن فرنسا ولجت عهد النضج مع اختيار إيمانويل ماكرون.لماذا؟
ج-يعتبر الانحدار الفرنسي، موقفا شبابيا، أو موصولا تقريبا ب أرثر رامبو: نخلق الشعر ثم فيما بعد نختار طريق التدمير الذاتيوالحال أنه قد حدث شيء ما غير منتظر تماما مع ظاهرة ماكرون :قبل سنة ونصف،لم يكن بوسع أي شخص التكهن بظهور نَيْزكي تقريبا  لهذا الشاب،لكن خاصة التحول السيكولوجي لبلده.فاليوم يقول نصف الفرنسيين:''لما لا؟''.إنها معجزة حقيقية.ومن يوم لآخر،لانتبيّن أبدا هذا البلد الكئيب،المستمتع بانحداره وكذا تشاؤمه المريح.سيكون في وسع فرنسا الخروج من هذه المراهقة المستمرة والاستياء الدائم الذي يكشف عن نفسه منذ ثلاثين سنة.يبدو حاليا،أن فرنسا تملك حظا وحيدا لملء هذا الوضع الجليل للرئيس،المصاغ على مقاس شارل ديغول ولم يتمكن أي وريث بعده مضاهاة قامته،من طرف أحد يمتلك رؤية إصلاحية حقيقية ومعنى للرموز،غير ميتران ربما.كان مدهشا،ترجل ماكرون الطويل أمام متحف اللوفر louvre،ليلة فوزه ثم تسليط الضوء على انفراد الشخص الذي اختير كي يحمل ثقل العالم على أكتافه الطرية العود.مع ذلك،لم يمنحه هذا مزيدا من التعاطف;فقسم كبير من فرنسا يرتاب.  
س-أليس هناك مجال للخوف عندما يتم تركيز العديد من السلط بين أيادي شخص واحد،ثم أغلبية برلمانية مع إضعاف للمعارضة؟
ج-بالتأكيد،يعلمنا الحذر السياسي تبني موقف التحفظ نحو السلطة،ثم لسنا مستعدين لعودة الملك الطيب .لقد عاش الملك المطلق روني دونجو خلال القرن الخامس عشر.بعده لم يحمل قط أي أمير صفة "طيب". 
س-تودون القول أنكم تتخيلون الرئيس ماكرون على شاكلة'' الملك إيمانويل الطيب''! 
ج-نعم،على الأقل فيما يتعلق بالوعد.لكنه وعد أخذه على عاتقه،بمحض إرادته.أيضا ظاهرة جديدة نسبيا،بحيث لم تلتمس السلطة من أجل السلطة بل لتحقيق رؤية.
س- رؤية فعلا، ليبرالية تماما. لقد كتبتم منذ سنتين في عملكم :''Ma France''مايلي :"بناء على واقع اليوم ،من المستبعد تماما أن نعمل على تقويم فرنسا مثلما كان الشأن خلال التحرير ضمن منظور 1940 ''.هل التقويم في نظركم بصدد الانطلاق؟
ج-لا نعرف أبدا.لكن خلال الأيام الماضية،استحضرت مقطعا من حواراتي مع ''آلان فينكييركرو''،مرت عليها حاليا خمسة عشر سنة،قبل أن نبتعد نهائيا.لقد قرأ كاتبا أوروبيا شرقيا يقر بما يلي:((يتمثل كل الرهان الديمقراطي،في الشغف والالتزام بشيء غير ناجز ))وهذا بالفعل مفارقة سن الرشد :تكريس كل قواك من أجل شيء ناقص،كما لو هو أفضل ما تقدمه لك الحياة.خلال السنوات المقبلة، يلزم قيام الفرنسيين بهذا العمل.يبقى أن نعرف إذا كان بوسع ماكرون الذهاب بهم وفق هذا المسعى أو سيلزمونه على عزلة السلطة.
س-أي مستقبل ترونه لليسار الفرنسي؟
ج-اعتقاد التصويت الفرنسي، بانتهاء الحقبة التي كان اليسار يقدم أثناءها خدمة بخصوص شيء.لماذا؟لأن الدولة مثلما هي تعتبر أصلا أكثر اشتراكية مما قد يصل إليه قطعا حزب اشتراكي.تتضمن اشتراكية الدولة الفرنسية قدرا من العناصر البنيوية للاشتراكية الفعلية بحيث يمكننا القول صراحة أن فرنسا تعيش ضمن''نصف-اشتراكية فعلية''.يضاف إلى هذا،الأوليغو-قراطية cratie-oligo،التي تشير إلى استئثار فئة صغيرة بالسلطة - لاينبغي خلطها مع الأوليغارشية،وهي كلمة خاطئة من أجل تحديد البلوتوقراطية،أو حكومة الأثرياء- من خلال الأحزاب،والتي استرقّت الدولة تماما.لقد اكتفى قسم مهم من الفرنسيين.  في المقابل،توفر لهم متدربون  بصدد التكوين.  
س-انتقلنا إذن من أوليغو- قراطية الأحزاب إلى الملكية الجمهورية
ج-نعم هو كذلك .لكن يتجلى أيضا عنصر الانفعالية في حركة ماكرون، صيغة من الشعبوية، لكنها حاليا شعبوية ذات نزوع وسطي .هذه الشعبوية الليبرالية شاذة في فرنسا،بحيث تهيمن خطاطة يسار- يمين مع وسط ضعيف.مع ذلك،في فرنسا القرن السابع عشرة أُبدعت السياسة المعاصرة،فأول من سموا ب''السياسيين'' هؤلاء الرافضين للانتساب سواء إلى حزب بروتستاني أو كاثوليكي،لكنهم نجحوا في إحداث فجوة وسط هذا التصدع بين انفعالين.السياسة حسب الصياغة الشهيرة ل ألبير إيرشمان،هي فن إبطال مفعول الأهواء وتحويلها إلى مصالح.من المثير حقا رؤية أنه بعد ثلاثمائة سنة يحدث الاتفاق من جديد في فرنسا على فكرة أن السياسة تأتي من الوسط،والفضاء المحايد.هذا ثوري تماما.  
س-الخطاب الأخير الحازم الصادر عن وزير الداخلية جيرار كولومب بخصوص المهاجرين،أزعج كثيرا، والمتناقض ظاهريا مع ''واجب الإنسانية'' الذي تحدث عنه الرئيس.أنتم بدوركم خلقتم سجالا قويا حول هذه الإشكالية حينما صرحتم شهر يناير2016 لمجلة "cicero "بما يلي :((التدمير الذاتي ليس واجبا أخلاقيا)).
ج-لقد شعرت بكثير من الضجر بعد ذاك الحوار.صرحت بذلك لأنه في ألمانيا،يدعم على العكس كثير من المناضلين وجود واجب التحطيم الذاتي.مما يعني الإنسانية في حالتها الخالصة،نتيجة التضحية بالذات لصالح الآخر.هناك شعار نردده عندنا منذ خمس وعشرين سنة: ((أعزائي الأجانب لا تتركونا وحيدين مع الألمان !))هو بعد هزلي عن سؤال جسيم جدا.لأننا نجهل في العمق هل يوجد واجب التحطيم الذاتي أم لا.عدد اللاجئين في العالم مرعب،ولا يوجد حل مقنع،يلزم أن نختار دائما بين أنواع عديدة من عدم الرضى.
س-ألستم أنتم من استحضرتم في كتاباتكم أن هيلين"Enée "،الأب الأسطوري لأوروبا القادم من إيطاليا بعد انهيار طروادة ،كان بدوره مهاجرا
ج-صحيح،كان في الأصل تركيا. ما أردت الإشارة إليه ،أنه يلزم الأوروبيين مراعاة فكرة أن أوروبا بالنسبة للأجانب ولهم أنفسهم فضاء حظ ثان.منذ البداية،نحن ورثة للآخرين.هذا يمنح نوعا من الانفتاح على العالم،لكنه لايتضمن أيضا استضافة تلقائية للجميع.
س-لقد صدر حديثا في ألمانيا دراستكم الجديدة المعنونة ب :''بعد الله''.فماهي أطروحتها المركزية؟
ج-يلزم أن نفهم جيدا أن ''موت'' الله،المعلن من طرف نيتشه،يمثل مجازا قويا جدا لأن الله بصدد أن يفقد أهميته فيما يتعلق بحياة الأشخاص.لكن ليس إلا مجازا،مادام أن الأعضاء وحدها قد تموت والله ليس في كل الأحوال مماثلا لجهاز عضوي.بل بالأحرى هو فكرة مٌنِظِّمة;يمكنها أن تخبو أو تضعف،لكنها لا تموت.مع ذلك،حتى وإن ضعفت(حتى في فرنسا الفخورة جدا بعلمانيتها)،فالله هنا،لأن الأمر لا يتعلق بالحياة أو الموت،لكنها مهمة أو مفتقدة للأهمية.وأقول، بأن الأهمية،ظاهرة موسمية.مضمون أطروحتي،أن الدين تحرر في أيامنا مادام قد خسر وظيفته الأولى المتمثلة في  اختلاق جماعات.تصور جديد جدا لأنه إلى غاية دوركايم،اعتقدنا أنه مع مفهوم الله ،كان المجتمع باستمرار مولعا بنفسه.راهنا، لايشتغل المعطى بذات الكيفية لأن التماسك الاجتماعي تضمنه أنظمة أخرى.الرحمة عوضتها بدائل تتجاوز فعاليتها الدين بألف مرة.
س-هل نرثيه؟
ج-لا،الدين تحرر،ولم يعد يخدم شيئا.في اللحظة التي يتوقف على أن يكون بمثابة وثاق مجتمعي،فسينضم إلى الفنون ويصبح نوعا شعريا.يوجد نوعان من الشعر :القصائد التي أقرت بطبيعتها الشعرية،ثم قصائد أخرى لم تقر بعد بذلك.يقوم هذا التمييز عند نواة مفاهيمي.إن ديانة مرهقة بوظيفته الاجتماعية لايمكنها الإقرار بكونه تخيلا.بينما الدين الذي بوسعه الإقرار بطبيعته الشعرية فهو حر.  
س-تحتفلون اليوم بعيد ميلادكم السبعين وقد نسب إليكم منذ مدة طويلة لقب'نبي معاصر''.جان بودريار،الذي عرفتموه،أحب أن يقول :''أنا لا أتنبأ أبدا،بل أعمل فقط على التحذير'' وأنتم؟
ج-النبي، شخص يخشى قبل كل شيء أن يكون على صواب ;كذلك على وجه الاحتمال ما قصده بودريار.وألتمس أخطاء مبهجة،لحسن الحظ.بالنسبة إلي،أحب نظرية ''الكارثية المضيئة"،التي طرحها جان بيير دوبي Dupy،أحد طلبة روني جيرار في كتاب يلزم الرجوع إليه.باستمرار،وعلى وجه السرعة تقريبا، هناك كارثة في الطريق .بعض الكوارث الصغيرة،تخبر عن أكبرها.مثلا،الوضعية المأساوية للمحيطات،وتراجع الحياة البرية الطبيعية،والمستوى التراجيدي للتلوث،والانخفاض المتواصل لمستوى الأوكسجينمن يوم لآخر،قد يحدث  حتما شيء.الجميع يدرك  ذلك. إنه تناقض حقبتنا :كل الكوارث قادمة،مع أنها جميعا تحت رقابة معتبرة وموصوفة حقا سلفا، مع ذلك نسمح لها بالحدوث. تُقارن البشرية قاطبة بساكنة مدينة نابولي بحيث يشيدون منازلهم فوق منحدرات بركان مقتربين من الفوهة أكثر فأكثر.  
هامش :
1-l obs ;numéro 2747.29/06/2017.PP/63- 69.
          
                          

الأحد، 6 أغسطس 2017


قصائد للشاعر الأرجنتيني: خورخي بوكانيرا
ترجمة: محمد العرابي


مناجاة الأبله

مَنْ يَكْتُبُ؟ الجُوعُ. الشَّرَهُ يُفَتِّشُ،
يُحَرِّكُ فَزَّاعَةً أَمَامَ الأَعْيُنِ الفَارِغَةِ. لَيْسَ ثَمَّةَ مِنْ حُرُوفٍ،
ثَمَّةَ نَهْشُأَسْنَانٍ. مَا يَصُدُّ وَيَعُضُّ.
الضَّرَاوَةُ فِي الكِتَابَةِ: كُلُّ حَرْفٍ جِدْعٌ مَقْطُوعٌ، مِسْمَارٌ
يُحَزِّزُ فَخِذَ الصَّمْتِ.
مَنْ يُجِيبُ؟ صَوْتُ مَبْحُوحٌ. سِنُّ
قَلْبٍ مَجْرُوحٍ يَذُوبُ فَوْقَ طَرِيدَتِهِ
وَيَتَنَفَّسُ أَسْئِلَةً.
هَذَا قَابِلٌ لِلأَكْلِ. شَرَاهَةُ الفَرَاغِ.

***

ساعة حائطية

ثَابِتَةٌ، لَا تَتَغَيَّرُ،
مُقِيمَةٌ،
أُثَبِّتُ العَقْرَبَ
الصَّامِتَ
والسُّكُونِيَّ.
لَدَيْهَا هِيَ أَيْضًا
يَمُرُّالتِّطْوَافُإِلَى الدَّاخِلِ.

***

من دفتر المتلهِّف

شَجَرَةُ المُسْتَقْبَلِ تَكْبُرُ لَدَيْكَ.
إِنَّهَا لَيْسَتْ كَكُلٍّ الأَشْجَارِ، لَا نَعْرِفُ ثِمَارَهَا.
(سَتُعْطِي الظِّلَالَ. فِيمَا بَعْدُ)
يُمْكِنُ لِجُذُورِهَا أَنْ تُشَقِّقَ أَرْضِيَّةَ
الغُرَفِ حَيْثُ تَنَامُ.
(سَتُزْهِرُ. فِيمَا بَعْدُ)
أَغْصَانُهَا تَدْخُلُ مُسْبَقًا عَبْرَ النَّافِذَةِ.
(سَتَفُوحُ. فِيمَا بَعْدُ)
عَلَيْنَا أَنْ نَقْطَعَهَا. الآنَ!

***

كلام عيني ناظم حكمت

فِي يَدِي
يَلْمَعُنِصْفُ بُرْتُقَالَةٍ.
النِّصْفُ الآخَرُ عَلَى طَاوِلَةٍ تَبْعُدُ آلَافَ
الكِلُومِتْرَاتِ عَنْ هُنَا.
مِنْ المُحَالِ أَنْ أَقْضِمَ هَذَا النِّصْفَ الآخَرَ
بِدُونِ أَنْ أُؤْذِي الفَرَاغ.

.....................
خورخي بوكانيراJorge Boccaneraشاعر أرجنتيني من مواليد 1952. شاعر، مسرحي، كاتب مقالات، ألف حوالي عشرين كتابا. حصل على جوائز قيمة من أمريكا اللاتينية، إسبانيا، إيطاليا. قصائده تندرج ضمن تيار يبذل كل ما في وسعه ليضارع الحياة. يحمل شعره رواسب العنف الديكتاتوري، ولكن أيضا الأخوة، والدعابة، والسخرية، والعزلة، والإيروسية التي تعطي لشعره توهجه وقوته اللغوية.

عندما سئل خورخي بوكانيرا عما يمثله الشعر بالنسبة إليه، أجاب: "يحمل الشعر بالنسبة إلي نسمة السفر، واللامرئي، والمغامرة، والحرية التي تتوسع عند كل طريق جديدة، هو لهاث الإبحار الذي يدخل أماكن غير معرفة. إنه إذن هذه "الأرض الأخرى" المتذوَّقة، والمستشعرَة، المستشفَّة بالكاد في عيون المسافر. إنه الربورتاج الأعمق الذي يمكن أن ننجزه حول الواقع، مع بعض الكلمات البئيسة العائمة على سطح المياه الشاسعة للصمت. في حوار الذوات، والمراسلات تحت أرضية، يبحث الشعر دوما عن مركز الاحتدام والشدة".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصائد عن الترجمة الفرنسية المنجزة من طرفJacques Ancet et Jean Portanteجاك أنصي وجان بورطانط، المنشورة في كتاب "شفاه بأغصان مكسورة وقصائد أخرى"،2013.

السبت، 5 أغسطس 2017


الكائن البرمائي
بقلم: يحيى الشيخ

نزلتْ المرأةُ الحاملُ في أيامِ حملها الأخيرةِ إلى النهرِ لتملأ جرتها، باغتها الطلقُ ولم يسعفها الوقت للخروج، فنزل الوليدُ في الماء. سمكة كبيرة سبحتْ نحوه وقطعتْ حبل المشيمة، والتهمته، راح الوليد يرفس بأطرافه يسبحُ صوب الشاطئ، تحثه زغاريد النسوة وتهاليل الرجال، ضج النهر بنقيق الضفادع واختلاج المياه، انشقت السماء نصفين وانطبقت.
هكذا ولد كائن برمائي جديد.

بعد ولادته المائية ماتت امه بحمى النفاس، فتبناه أكثر من بيت. اخذ الرضيع يتنقل من ثدي مرضة إلى آخر، تعلمت شفتاه ولثته العارية على أكثر من حلمة، ونام في أحضان من يجهلهم. بعد ان تمكنت ساقاه على النهوض والركض به، أخذ يغافل العجول ويجثو تحت الابقار ويرضَعُها. وكما قيل، كان مباركاً. ما دخل بيتاً أكل ونام فيه إلا حلت فيه البركة: الابقار تحلب اضعافاً، النساء المرضعات يدر فيهن الحليب، الأشجار تثمر اطناناً، الارحام العاقر تخصب، المريض يشفى، الأخرس ينطق والاعمى يبصر. لم يجتهد الفقهاء بأمره فهو كائن لا يَعرفَ سره غير الماء. وليس في الماء اجتهاد.

 عاش الكائن البرمائي، يرابط على النهر في النهار، ويقضي الليل في مراح الأبقار. حتى شبّ بقامة ممشوقة تشبه الخيزران: أطراف طويلة، تكاد أصابعه تلامس الأرض، وسيقان مثل جذعي صفصافة تطاول السماء، جلده يشبه ورقة سدر ملساء، مصقولة، زلقة... لا يستره غير مئزر بالٍ.
 لم يعد النهر يلتهم الغرقى، لم تعد افواه الناس جائعة للسمك، لم تعد امرأة تتوحم، إلا والكائن البرمائي صورةُ وحمِها ومُرادِها. وكان سر الأسرار تلك.

 غير أن في نفس الكائن، كانت رغبةٌ لا يُعرف سرَها، فعاش وحيداً يسكن الشطآن، يرعى رغباته الدفينة. اتخذ من سدرة وارفة يمتد فَرعُها بعيداً فوق النهر، مكاناً يستلقي عليه؛ كما على ظهر حصان، ويترك اطرافه سائبة مثل حبال اشرعة محطمة، يقضي ايامه يحدق في الماء. لا أحد يمكنه تخمين ماذا كان يتأمل طيلة ساعات النهار، ولم يجرأ أحدٌ على سؤاله عما يتأمله... والذي لا يفعل غيره.

 لأيام متواصلة غاب، وافتقده الناس، لكنهم لم يفقدوا حرصهم على السؤال عنه. سُمع إنه ظهر من تحت الماء لرجل يتوضأ على الشاطئ في قرية اخرى. راح السؤال عنه ابعد من ذاك المكان، وقيل إنه شُوهد طافيا مثل زورق رشيق وسط الهور بين البردي، يتوسد غيمة خضراء وعلى صدره حمامة من عقيق. غير أن القَسَمَ الأعظم الذي القاه كاهن مندائي لا يُشك بكلامه، حسم مصير الكائن، قال:
_ شاهدته على الشاطئ برفقة حورية مسترسلة الشعر ذات ذنب عريض وأصداف ذهبية، لها اثداء بكرٌ.

ورفع الرجل رأسه إلى السماء مستغفراً ربه، وأضاف:
 _ وكان يرضَعُها.
 بعد أيام شاهد الناس في القرى المبثوثة على النهر كما الحصا، أسماكا جميلة، ملونة، تعوم فوق الماء.



الخميس، 3 أغسطس 2017

يحيى الشيخ
ليس من الحكمة الالتزام بوقائع تاريخية وهي سرد خيال أسطوري

حاوره: خضير الزيدي


         يطرح نص مسرحية (الدسيسة) ليحيى الشيخ تساؤلات لا تذهب منقبة عن البعد التاريخي والأسطوري لوقائع معينة مثل الطوفان، وحسب، بل يتعدى الأمر إلى اتخاذ موقف صارم من تلك الوقائع وما آلت إليه حركة تاريخ الإنسان، وبما أن مرجعية نص "الدسيسة" يأتي اعتماداً على موقف صارم اُتخِذ من قبل المؤلف اتجاه حقائق كونية قد تكون الأساطير تلاعبت بها وجعلتها خرافات وحكايات من وجهة نظر الآخر فان انحياز يحيى الشيح إلى قدر الإنسانية وتحميل من اخطأ بحق الأجيال والشعوب اللاحقة معناه انه لا يرتهن لموقف ولا يساوم عليه ومن هنا جاءت المسرحية محملة بخطاب ذاتي لمؤلفها يتقاطع مع عبودية الآخر ويسعى لبث نداء الحرية وبذات الوقت يوفر محاولة لإعادة فهم النص الأسطوري والتاريخي والديني معا. فهل نجح يحيى الشيخ في رسالته؟ هل يجب عليّ كمحاور أن التزم مع طروحاته؟ ليس من الضرورة الالتزام مع توجهاته الخاصة ولكن ما اعرفه من خلال الحوار مع الكاتب بان هذا النص يحتج.. ويقاضي الظروف التي حملها طوفان نوح وما تبلور عنه من حياة أخرى لم ينتهِ بعدها شر الإنسان فما الغاية من الطوفان إذن؟ يحيى الشيخ الذي أنجز (سيرة الرماد عام 2012 ومبررات الرسم عن دار الأديب عام 2012 ومجموعته القصصية ساعة الحائط عام 2015 وبهجة الأفاعي عام 2016 وقصص للأطفال في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم يخرج لنا بنص "الدسيسة" ولسان حال بطل مسرحيته "نوح" يقول لنا من شاء منكم أن ينقذ حياته فعليه أن يخسرها ...

الزيدي:
      دعني ابدأ معك من حيث مدخل نص المسرحية وهي تنفتح بعبارة لريلكة هل هذه إشارة أو ما يسميه جاك دريدا "ثريا النص"، لتكشف لنا في قراءة مختصرة لحياتنا وما نعانيه اليوم من انكسار؟

الشيخ:
    "يا لهذا العالم، كلما نبنيه يتهدمُ، ونعيد بناءه، فنتهدمُ نحن" هذا ما كتبه ريلكه. لم تكن كلماته كما يصف جاك دريدا ب "ثريا النص" وحسب، بل جوهره. ولا أخفي أنها الصوت البعيد الذي لطالما اسمعه من هذا الشاعر العظيم، الذي سعى بالنص إلى ما ذهب إليه.. هل أقول: إنها بذرة النص الصغيرة والنقية.
نعم، نحن بناة العالم الذي يُهدم فوق رؤوسنا كلما أنجزنا بناءه أو نكاد. أليس ما جرى في تاريخ البشرية، وما يجري أمام أعيننا الآن دليل على هذه الحقيقة المأساوية؟ "
 "الدسيسة" التي كان عنوانها "الجذام" (قبل أن أكتشف أنه عنوان مسرحية لحامد الهيتي لم تنشر، وكانت مشروع تخرج في معهد الفنون الجميلة أواخر الستينيات من القرن الماضي)، هي صراع ما بين قراءة الوحي خطأ وبين العالم الموضوعي الذي اثبت بالممارسة خطأ القراءة، ما بين عقل استسلم للغيب كلياً، وعقل يحك الواقع مثل مبرد... إنها صراع ما بين اللاهوت وضده، ما بين روح النبوة التي ينطوي عليها "نوح" وبين الجسد المتفسخ لبطل المسرحية "المجذوم"... ما بين الفكرة المجردة وصيغة تحققها في الواقع.
نظر "نوح" إلى المجذوم كونه خطيئة، فيما كان هو ينقذ خطاة على سفينته (أبناءه وأحفاده أبطال الحروب القادمة)، وهذا ما شهده المجذوم بأم عينيه في قعر السفينة (في عمق الحياة) من موبقات ومعاصي كان يرتكبها الأبناء والأحفاد في الخفاء، وما تنبأ به لمستقبلهم.
سفينة نوح بمثابة صيغة حياة عائمة رست على ساحل بعد عناء كبير، ولكنها لم تتحرك من مكانها كما اعتقد "نوح"، بل كما جاء على لسان ابنه "سام" الذي عاد إلى السفينة واختارها قلعة حرب، قال وهو يشرف من أعلاها: "طفت المياه وغمرت الأرض، ثم غاضت ونحن في نفس المكان"

الزيدي:
   هذا الصراع الوجودي الذي تتحدث عنه لم يزل قائما فما الحل بتصورك؟

الشيخ:
     "حقائق الوجود ثابتة ولا تستدعي البحث لها عن حلول، فهي ذاتها حلولاً للوجود، لولاها لما دامت الحياة حتى اليوم. علينا فهمها وحسب، تفكيك ظواهرها ومعرفة خصائصها، الائتلاف معها. الوجود هو الوجود ولا يلزم حلا، بل فهما له وممارسة ترتقي بالبشر من عالم الوحوش إلى عالم الانسان... وهذه هي المعضلة... (أن تكون أو لا تكون) ...
لا يناسبنا البحث عن حل لتعطيل دائرة الحياة، بل عن فهم شروطها.

الزيدي:
  ألا تتفق معي بأن عبارتك في المشهد الثالث والتي تشير فيها لراية "نوح" وتصفها بأنها أقرب لراية يوحنا المعمدان لدى المندائيين... فيها ألتباس على القارئ لأن منطق التاريخ يخبرنا بأسبقية نوح على المندائيين ودينهم وبالنتيجة هي إحالة غامضة ومشوشة

الشيخ:
   راية يوحنا المعمدان (يحيى ابن زكريا) استدعاء مسرحي بحت يتناسب واستعارات أخرى في النص، ومنها، مثلاً، مفهوم الخطيئة التي يمثلها مرض الجذام، فهو مفهوم كنسي جاء بعد "نوح" بدهور. لستُ في نية تدوين تاريخي، بل اصطياد دلالات ومفاهيم. انها إسقاطات متبادلة بين الماضي والحاضر واستشراف للمستقبل. كما وأني قد تجاوزت معجزة "نوح"، وهدّمت مقدسها، وجدت ليس من الحكمة الالتزام بوقائع تاريخية هي بالأساس سرد خيال أسطوري، وأقل أهمية من أسطورة "نوح". العمل كله يقف بالضد من الأطروحة التاريخية وعليه ليس من مصلحة النص تثبيت وقائع تاريخية وردت في كتب أشك بسلامة عقلها. القارئ الذي يصدق أطروحتي المنافية لما تم تداوله، لن تشوشه راية "يحيى المعمدان"، فهي رمز نبوة لا غير.

الزيدي:
   ما الأسباب المنطقية الداعية لتهدم أساطير وحكايات وقصصا أوردتها الكتب السماوية؟

الشيخ:
    ليس من كتب سماوية وغير سماوية، أنها كلمات، كما يقول "صلاح فائق". المقدس الأمثل الذي لا تنتابني رغبة في مسه والتعرض له، هو عقلي الخالص، فأذهب معه أينما يذهب.

الزيدي:
     شخصية "نوح" في سفينته اختصار لتاريخ الإنسانية وعظمته أن يرافقه "المجذوم" في ركب واحد، ولم يعق هذا نجاحه.

الشيخ:
   النص يقول بوضوح: إن "نوح" وصل ولم يخفق في مهمته غير أنه توهم، أنه ينقل الفضيلة المتمثلة به وعائلته، فيما ترك البشر بقلب بارد يغرقون، ولم يكن حرا في فعله وخضع كليا لإرادة الوحي، فاندست له دسيسة (خطيئة) نقلها في عمق عالمه/سفينته وتمثلت بالمجذوم (خطيئة كما كان يراه المجتمع) ...المجذوم: سؤال عالي النبرة كما هي الخطيئة التي لطالما كانت في نسيج الحياة، في العقل الذي يراها خطيئة وهي ليست كذلك. هذا هو جوهر المسرحية." المجذوم" هو المعادل العقلاني الوضعي ل "نوح" الرباني.
أنهم يكذبون علينا باسم الله. أليس ما نسمعه هذه الأيام يشبه ما تصدت له المسرحية؟ لا انتظر جواباً!

الزيدي:
    لكن هذا المعادل العقلاني مات قتيلا؟

الشيخ:
   انها النهاية الأكثر موضوعية ومنطقاً لعقل مماحك لقانون الثبات الازلي. مَن مِن العظماء لم يلق هذه النهاية... المسيح، الحلاج، سلام عادل؟

الزيدي:
    لو علمت أنك في سفينتي لحرقتها قبل أن أبحر فلا تطهركم غير النار. إلا تحيلنا العبارة إلى صراع معلن بين الخير والشر. بين الأنبياء وباقي الشعوب. إنها عبارة تنبئنا بعقوبة تتمثل في الجحيم.. وبالتالي هي عودة لهيمنة سلطة النص الديني ووصاياه.

الشيخ:
   لا تخفي المسرحية مصادرها الأسطورية، الأسطورة التي سطا عليها الدين لاحقاً، لكن المسرحية تقف بالضد تماماً منه، تعرّيه وتكشف التباساته وتناقضاته. وهذا جاء واضحا وصريحا على لسان المجذوم: "يا نوح، دعني أقول لك الحق، أنت تعرف الله، لكنك لا تفهمه..." سلب الدين من الأسطورة روحها الحي وتمسك بشكلها وحوّلها إلى قصص تتفق ومفاهيمه وأغراضه، من هنا جاءت تناقضاته؛ فلا هو أسطورة ولا هو لاهوت بحت، أنه خلطة لمفاهيم غيبية مع واقع عصي غير قابل للصياغة بلا تناقضات (لأنه واقع). وهذا ما تعاني منه الأديان من تناقضات بعيداً عن الله. أنا بلا دين وفخور بهذا الاكتمال الجميل. وإن كنت تناولته في رسمي وكتابتي، فهو في فهمي ثقافة عامة لا تختلف عن أية ثقافة شعبية سائدة، وليس مقدساً.

الزيدي:
   أين دليلك على سلب الدين روح الأساطير الحية ... الدين يوردها كشواهد ووقائع تاريخية، والأسطورة في الأساس حسب رؤية خزعل الماجدي هي حكاية عن إله، فالأساطير هي قصص الآلهة وليست قصص البشر.

الشيخ:
   أعطني كتابا دينيا يعترف بالأساطير والمعجزات كونها من صنع الآلهة! كلها تنسبها للرب، الذي يراه الدين المعني.
طوفان "نوح" انتحال لطوفان كلكامش، وهو من صنع الآلهة السومرية وليس من صنع "يهو" اليهودي أو "الرب" المسيحي، أو "الله" الإسلامي. لكنها جميعها انكرت الآلهة السومرية ونسبتها لربها الكتابي

الزيدي:
   طيب لماذا جعلت من المجذوم عذابا لنوح بينما هو منقذ لبشرية. ...أرادت مشيئة الآلهة أن تنقذهم من الطوفان؟

 الشيخ:
  أسألك بالله الذي تؤمن به، أية بشرية أنقذها "نوح"؟ فيما ترك البشر يغرقون وراءه بفعل طيف رآه في المنام (هذا إذا تحدثنا بمنطق الأسطورة). الذين أنقذهم نوح (أجدادنا)، علّمونا الكذب الذي ابتدأ بكذبة إبراهيم، أبي الأنبياء، على فرعون من أن زوجته هي أخته وتخلى عنها لفرعون ليحفظ رأسه، حتى اكتشف الأخير أنها زوجته، وعاتبه. أية شهامة نتعلمها من هذا الفعل الجبان؟ علّمونا الغش وابتدأ بغش إسحاق لابن أخته يعقوب، استعبده عشر سنوات وزوّجه ابنته الكبرى فيما طلب يعقوب الصغرى واستعبده مرة أخرى لعشر سنوات لينالها... وتزوجهما الاثنتين، علّمونا الحروب وهي عصية على العدّ وأخرها الحروب الإسلامية _ الإسلامية، واغتصاب السبايا واصطياد أبناء أفريقيا وبيعهم عبيداً، غير التمييز العنصري، وعشرات من الأمثلة.  

   أطروحتي كانت تهدف النظر إلى ما آل إليه مصير الإنسانية على يد من أنقذهم "نوح" والذين كانوا يمثلون الفضيلة في نظر الأسطورة، فيما كانوا ينطوون على كل ما أغضب الله في البشر. "المجذوم" الذي عاقبه الله بالجذام؛ هو صوت الغرقى، صوت حقيقة بشر يستبطنون الفضيلة والخطيئة معاً، وكان برهانه أمام "نوح"؛ هو ما يقترفه أبناءه وأحفاده (نحن) من دمار وخراب في الحياة. كان على "نوح" أن يتعذب لهذا المصير إذا كان نبيا صالحا كما يلزم على الأنبياء... كان عليه أن يدفع ثمن فهمه الخاطئ لرسالة ربه. معجزة "نوح"، إذا صدّقناها، أنه أنقذ الحيوان والنبات وها هي تعيش منذ ملايين السنين بميزان لم يخسر، يوفر لكل عنصر منها ما يكفله ويكفل غيره.. أما البشر فلم يرثوا من "نوح" غير ميزان الخراب.

الزيدي:
   ما ذنب "نوح" إذا كان مصير البشر قبله القتل والدمار؟ لماذا تحمله مصير ما آلت إليه أكاذيب الحكايات في التوراة وبعض أساطير الشرق القديم؟

   يا عزيزي أنا لا احمّله مصائر البشر على ضوء ما جاء من أكاذيب، احمله الموقف الذي اتخذه في انقاذ الفضيلة كما زعمت الأسطورة (ام تعتقد أنها اكذوبة أيضا؟).. دعنا نرى أية فضيلة أنقذها؟ ... أنا أنظر إلى الحاضر كونه محصلة طوفانه الأول، وهذا بعيد عن محملات الاساطير وتشوهات التاريخ... قلت لست في معرض محاكمات تاريخية، فليست واثقا منها تماما.
ها انت في هذا السؤال تناقض موقفك في السؤال السابق! اعيد قولي إن الدين ألغى الآلهة وأخذ منها القصص فقط، وليس من دين قال إن المعجزات الأسطورية هي من صنع الآلهة، بل الله، بطل الديانات الأوحد... الذي، "لم يكن له كفؤا أحد" 

الزيدي:
   لا يخلو نص الدسيسة من إشارات غائرة في البعد الاجتماعي والسياسي والديني وتربكني عبارتك (دعنا نتصارح يا نوح... إما أن تتركني فتتنصل من واجبك أو تحرقني مع السفينة فتتنصل من أخلاقك) هل لك أن تبين لي ما المنطق الطبيعي للإجابة عن مثل هكذا تساؤل محرج يطرحه المجذوم

الشيخ:
   أنه الصراع ما بين الواجب والأخلاق، أطروحة "برغسون". ودعني افكك مقولة "المجذوم": من واجب "نوح"، كان إنقاذ الخليقة وترك الخطيئة وراءه تغرق كما أوحى له ربه. إذن سيتنصل عن واجبه لو ترك المجذوم/الخطيئة وراءه حياً في السفينة وغادر كما كان ينوي. الوجه الآخر لمعادلة "المجذوم" هو أنه ليس من أخلاق نبي مثل نوح أن يحرق أنسانا مهما كان، مع انه يؤمن أن النار وحدها تطهر الخطيئة كما جاء على لسانه في النص. إذن فدعوة "نوح" لحرق السفينة وفيها إنسان، هو تنصل عن أخلاق لا تليق بالأنبياء. في الحالتين هو تنصل عن صيغة وجودية. وهذا ما سعى إليه "المجذوم"، أن يجرد "نوح" من صيَغِه ويدفعه إلى اليأس ويعديه بالجذام، ويدفعه إلى حرق السفينة بما فيها: هو والمجذوم.

الزيدي:
     وبالنتيجة لا "المجذوم" انتصر ولا "نوح"!

الشيخ:
   لا أحد ينتصر غير قانون الوجود. إنه هكذا إلى أبد الأبدين _وحدة وصراع أضداد_

الزيدي:
    من يغور عميقا في ثنايا الدسيسة، سيصل لنتيجة مفادها أن شخصية المجذوم تتنبأ بمستقبل الإنسانية وتلوح لحروب ودمار أقسى مما عاشه "نوح" مع من ركب سفينته... وممكن استدل على ذلك من خلال عبارتك (سيأتي طوفان دمهم أعظم من طوفانك) هل هناك توظيف لواقع اليوم

الشيخ:
   نعم، أنه الواقع اليوم... وعلى "نوح" أو من يتخذ موقفا ويبحر بالبشر إلى وعد ما بفهم خاطئ، أن يدفع ثمن نتائجه وافعاله الخائبة.  

الزيدي:
    ولماذا لا تحمل آدم خطيئة الإنسانية؟

الشيخ:
    ليس لآدم ثمة خطيئة، بل له أسمى الفضائل واهمها؛ إنه اخرج الانسان من الجنة عاقلاً، وجعله يبحث عن طريق العودة إليها وفِعل الخير في هذا السبيل. وضعه وجها لوجه مع نفسه ومع الله وبفهم عظيم. للغرض هذا جاءت الديانات تبشر أتباعها أن طريقها هو طريق الجنة.


لولا آدم لما وجدت الديانات بضاعة تبيعها على الناس: صكوك الغفران، مفاتيح الخميني، العين الحور...

الثلاثاء، 1 أغسطس 2017

سبع قصائد
للشاعر  الفرنسيّ: فرنسيس بونج
ترجمة: محمد عيد إبراهيم 


الشمعة
يُحيي الليلُ أحياناً نبتةً وحيدةً حيثُ يُحيلُ وَمضُها الحجراتِ المؤثّثةَ إلى مكعّباتٍ من ظلّ.  
أوراقها الذهبيةُ، مكوّمةٌ في عمودٍ نحيلٍ من المرمرِ، تظلّ بليدةً عندَ طرفِ العُودِ المنقّطِ بالسوادِ.  
يهاجمها العِثّ آكلُ الفراشاتِ بديلاً  عن القمرِ  المتعالي، مما يُحيلُ الغابةَ إلى بُخارٍ. وسواءً وقعَت أو  انهزمَت في المعركةِ، تضطربُ على حافّةِ نوبةٍ هي أقربُ للسُباتِ.  
لكن الشمعةَ، بترجرجها عبرَ  الكتابِ وتبدّدها الفظّ إلى دخانٍ مبتكَرٍ، تستحثّ القارئ. فتميلُ على صحنها لتغطسَ في قُوتِها.  




البرتقالة
تتوقُ البرتقالةُ، كالإسفنجِ، أن تستعيدَ وجهها بعد تحمّلِ عذابِ التعبير. لكن الإسفنج ينجحُ دائماً، ولا تنجح البرتقالة؛ فخلاياها تنفجرُ، ونسيجُها يتمزّقُ. بينما تستعيدُ القشرةُ وحدها رخاوةَ شكلها، فشكراً لمرونتها، ينزّ  منها سائلُها الكهرمان، مصحوباً كما نعلمُ بانتعاشٍ حلوٍ، شذا حلوٍ، لكن أيضاً بوعيٍ لاذعٍ من طردِ بذورها قبلَ الأوانِ. 

أيجب على المرءِ أن يتّخذ موقفاً بين هاتين الطريقتَين البائستَين لتحمُّلِ الظلمِ؟ الإسفنجُ مجرّد عضلةٍ مفعَمةٌ بالهواءِ، بماءٍ وَسِخٍ أو  نظيف، أياً كانَ: فهو  تدريبٌ وضيع. للبرتقالة طعمٌ أفضلَ، لكنهُ سلبيٌّ للغاية. وهذهِ التضحيةُ العَطِرة فيها من الرقّة ما يُعجز  الجائرَ. 

مجرّدُ استدعاءِ مسلكِها الفرديّ عموماً في تعطير  الجوّ  وإدخال السرور  على معذّبها، لا يحكي كفايةً عن البرتقالةِ. على المرء أن يؤكّد اللونَ الماجدَ للسائلِ الناشئ، الذي يجعلُ الحلقَ منفتحاً، أكثرَ  من عصيرِ  الليمونِ، على وسعهِ، كي يلفِظَ الكِلمةَ ويهضمَ العصيرَ  من دون لَيّ قسماتِ الفمِ ممروراً أو  رفعِ حُليمات اللسان. 


ويبقى المرء ساكتاً كي يعلنَ إعجابَه المستحقّ لتغطيةِ الكرةِ البيضاويّةِ العنّابيةِ الهشّةِ الرقيقة بتلك النَشّافةِ الرطبةِ الكثيفةِ، فهي نحيلةٌ للغايةِ لكن جلدَها مصطبغٌ بدرجةٍ عالية، حلوٌ  ومُرّ، متفاوتٌ كفايةً ليصيدَ النورَ بجدارةٍ على شكلِ ثمرتها البالغِ حدّ الكمالِ. 

في نهايةِ هذهِ الدراسةِ المقتَضَبة، التي أجريتُها على نحوٍ  متّصلٍ قدرَ  الممكن، على المرءِ أن يهبط إلى البذرةِ. البذرة التي في شكلِ ليمونةٍ مصغّرة، من لونِ اللّحاءِ الأبيضِ بشجرةِ الليمون من ظاهرِها، ومن باطنِها أخضرُ  البازلاّءِ أو  البرعمُ اللّين. ضمنَ هذه البذرةِ التي يجدها المرءُ ـ بعد انفجارِ  مصباحِ الورقِ الصينيّ حِسّياً من النكهاتِ والألوانِ والعطورِ التي هي الكرةُ المثمرةُ ذاتُها ـ الخضرةُ والصلابةُ النسبيّةُ (ليسَت عديمةَ الطعمِ كلياً، أقولُ مصادفةً) للشجرةِ، للغصنِ، للورقةِ؛ هي باختصارٍ، وإن كانَ مُخِلاًّ، غرضُ الثمرةِ الجوهريّ. 



القارب
ينجَرّ  القاربُ إلى وتدهِ، يهزهزُ  جسمَهُ جنباً لجنبٍ، متململاً  وعنيداً كجوادٍ شابّ. 
معَ أنهُ ليسَ غيرَ حوضٍ بسيطٍ نوعاً، مِلعقةٌ خشبيةٌ من دونِ مقبضٍ: لكنهُ مجوّفٌ ومحدّب ليَسلُسَ قِيادهُ، يبدو كمن لديهِ فكرةٌ، مثلَ يدٍ تُنقّر، أو هكذا تقريباً. 
حينَ يُمتَطَى، يفترضُ موقفاً سلبياً، يتصرّف بنفسهِ، ينقادُ في يُسرٍ. ولو انطرحَ، فهو للسببِ ذاتهِ.  
يُرخَى سراحهُ، فيطفو معَ التيارِ متّجهاً كأيّ شيءٍ في العالمِ إلى كارثةٍ، كقشّةٍ في الريحِ.





مطر
المطرُ، في الفِناء حيثُ أرقبهُ يهمي، يخرّ بسُرعاتٍ مختلفةٍ. بالمركزِ، سِتارةٌ (أو شَبكةٌ) متقطّعةٌ ناعمةٌ، تهمي متصلّبةً لكن بطيئةً نسبياً، رذاذٌ، هاطلٌ واهنٌ لا ينتهي، جُرعةٌ كثيفةٌ من شهابٍ نقيٍّ. لا تبعُد عن الحوائطِ اليمنى واليسرى نقاطٌ أثقلُ تهمي بضجّةٍ أكبرَ، على نحوٍ منفصلٍ. ها هنا تبدو بحجمِ حبّةِ قمحٍ، حبّةِ فاصوليا، كرةٍ زجاجيةٍ بمكانٍ آخرَ تقريباً. على الحِليةِ المعماريةِ، على حوافّ النافذةِ، يكرّ المطرُ أفقياً بينما يتدلّى على الحوافّ السفليةِ من العوائقِ ذاتها، يخِرّ ملتحماً وخدّاعاً. يسيلُ عبرَ سطحِ السقفِ الزنكيّ الصغيرِ ليهمي على ثَقبِ البابِ، بشكلٍ ورقيٍّ مموّجٍ من التياراتِ متباينةِ السُرعاتِ بموَيجاتٍ دقيقةٍ ليرجّ السقفَ. ومن المِزرابِ المحاذي، يهطلُ كغديرٍ مكبوحٍ بمستوى الفِراشِ تقريباً. ينغمرُ فجأةً في نُهَيرٍ مَجدولٍ خشنٍ إلى الأرضِ، حيثُ يترَشّشُ ليتشكّلَ من جديدٍ وامضاً كالإبرِ.
لكلّ شكلٍ منهُ سرعةٌ خاصةٌ؛ كلّ يستجيبُ بصوتيةٍ معيّنةٍ. لكلٍّ حياةٌ كثيفةٌ بآليةٍ معقّدةٍ دقيقةٍ، لكأنها محفوفةٌ بالمخاطرِ، كنظامِ ساعةٍ نابضُها بثُقلِ كتلةٍ معطاةٍ من بُخارٍ أهوجَ.
رنيمٌ من الجداولِ الرأسيةِ على الأرضِ، بقبقةُ المزاريبِ، دقّاتُ جرَسٍ دقيقٍ يتضاعفُ ليُعيدَ صوتهُ كلياً على التوّ في كونسيرَ من دونِ رتابةٍ، لا من دونِ رهافةٍ.
حينَ يسترخي النابضُ، تواصلُ مُعدّاتٌ مَهَمّتها لوهلةٍ، لتُبطئَ تدريجياً، حتى تُسحَن الآليةُ إجمالاً فتتوقّفَ. من ثَمّ، لو أشرقَت الشمسُ، لانمحَى كلّ شيءٍ، وتتبخّرُ العُدّةُ البارقةُ: فقد أمطرَت.



نهاية الخريف
نهايةُ الخريفِ ليسَت غيرَ شايٍ باردٍ. كلّ نوعيةٍ من ورقِ الشجرِ الميتِ تنحلّ في المطرِ. لا تَخَمُّرَ أو تقطيرَ كحولٍ: سيُبدي الربيعُ أثراً فحسبُ من ضماداتٍ تناسبُ ساقاً خشبيةً.
العَوْدُ الأخيرُ فوضى. كافّةُ أبوابِ مراكزِ الانتخابِ تُفتَح وتُغلَق بقوّةٍ. إلى سلّةِ المُهمَلات! إلى سلّةِ المُهمَلات! وتُمزّقُ الطبيعةُ مخطوطاتِها، تُهدِّم مكتباتِها، وبعصبيةٍ تهرسُ فاكهتَها النهائيةَ.
وتُلقي بنفسها من على مكتبها. تبدو حالياً هائلةً. شعرُها مُهَوّشٌ، رأسُها في الضبابِ. ذراعاها معلّقتان سائبتان، تستنشقُ الريحَ بلذاذةٍ وهي تظنّها منعشةً، ثلجيةً. النهارُ قصيرٌ، والليلُ يقعُ سريعاً، والضحكُ لا يُستدعَى. 
عالياً في الهواءِ، بينَ الأنجُمِ الأخرى، تتطلّعُ الأرضُ جادّةً من جديدٍ. جزءُها المنيرُ هو الأضيقُ، تتخلّلهُ وديانُ الظلالِ. حذاؤها، كحذاءِ الشَريدِ، منتَقعٌ بالماءِ ويُصدِرُ موسيقى.
في بِركةِ الضفادعِ، غموضٌ عُذريٌّ، وينمو كلّ شيءٍ من جديدٍ عفياً، يتقافزُ من حجرٍ إلى حجرٍ ثم يُبدِلُ المستنقعَ. يتناسلُ وهو منتعشٌ.
ذلكَ ما تسمّيهِ: حملةُ تنظيفٍ جيدٍ، معاهدَةٌ منتقَضَةٌ! فهي لا تلبسُ شيئاً، منقوعةٌ حتى العظامِ.
وتواصلُ، تواصلُ، تأخذُ قروناً لتتجَفّفَ. ثلاثةُ أشهرٍ من الارتكاسِ الصحيّ على هذهِ الحالةِ؛ من دونِ حادثةٍ دمويةٍ، لا فَضلةَ ثوبٍ أو قَصّةَ ذيلِ حِصانٍ. مزاجُها القويّ حاضرٌ لهذا.
من ثَمّ، حينَ تبدأ صغارُ البراعمِ تشطأُ ثانيةً، تعرفُ ما تتجهّزُ إليه، وكنهَ الأمرِ كلّهِ ـ وإن تختلس النظرَ في حذَرٍ، وهي منتفخةٌ ضاربةٌ إلى الحُمرةِ، فهي على أرضٍ خيّرةٍ.
وهكذا تُعلّقُ حكايةً أخرى، قد لا تعتمدُ على غيرِ الرائحةِ، كمِسطرةٍ سوداءَ سأستخدمها لرسمِ خطٍّ تحتَ هذا.



التوت الأسود
فوقَ الأدغالِ الطباعيةِ تهبطُ القصيدةُ درباً لا يُفضي بعيداً عن الأشياءِ ولا إلى العقلِ، ثمةَ ثمارٌ تتولّفُ من كتلةِ الكونِ لتسقطَ مع نقطةِ الحبرِ.

الأسودُ، الورديّ، والكاكيّ معاً على العنقودِ، تبدو مماثلةً لمنظر عائلةٍ شريرةٍ بأعمارٍ متباينةٍ أكثرَ من غوايةِ القطفِ الفعّالةِ.
في المنظرِ تتفاوتُ البذورُ عندَ الطيورِ المستثارةِ لا تفكّرُ فيها كثيراً، فيبقى القليلُ ما بينَ المنقارِ والإستِ فيما ذرعوهُ.

لكن الشاعرَ في مَساقِ جَولانهِ المهنيّ يتّخذُ البذرةَ لمَهَمّةٍ: "إذن"، يُبلغُ نفسَه "فالجهودُ طويلةُ الأناةِ للزهرةِ الهشّةِ على تشابكٍ مقيتٍ لتوتِ العلّيقِ تُثبِتُ توفيقاً. من دونِ أن يوصيها كثيراً ـ فهي يانعةٌ. يانعةٌ حقاً ـ بحُسنِ الأداءِ، مثلَ قصيدتي".



الحلزون
الحلزونُ كائنٌ ـ ميزةٌ تقريباً. لا حاجةٌ بهِ لإطارٍ، فهو مجرّدُ متراسٍ، شيءٌ مثلَ خِضابٍ بأنبوبٍ.
تمتنعُ هنا الطبيعةُ أن تهبَ غشاءً لهُ نمطٌ من الشكلِ. تُبدي وحسبُ رابطها إليهِ بحفظهِ في تابوتٍ داخلهُ أجملُ من خارجهِ.
ليسَ مجرّدَ بحّارٍ في بِصاقٍ بل حقيقةً أكثرَ ثراءً.
فالحلزونُ موهوبٌ بقوةٍ جبّارةٍ ليغلقَ على نفسهِ. فهو مجرّدُ عضلةٍ، فعلياً، مِفصلٌ، نابضٌ، ثَلمٌ وبابهُ.
قد يُخفي النابضُ البابَ. بابان مقعّرانِ طفيفاً ينصبان مستقرَّهُ.
مستقرّهُ الأولُ والأخيرُ. يعيشُ هناكَ حتى بعدَ موتهِ.
فلا مجالَ أن تُخرجَهُ حياً.
أدنى خليةٍ بجسمِ الإنسانِ تلتصقُ بالطريقةِ ذاتها، بالعنادِ ذاتهِ، بالكلامِ ـ وعكسهِ.
وقد يأتي مخلوقٌ آخرُ ليدنّسَ المقبرةَ، بعدما ينتهي بنيانها، يتّخذها مأمناً محلّ الباني الراحلِ.
كمثالٍ، السرطانُ الناسكُ.
.............................................

(*) اللوحات، للفنان المغربيّ: فريد بلكاهيه