الخميس، 29 أغسطس 2019


قصيدة " منظر"
الشاعر الفرنسي شارل بودلير
ترجمة: عثمان علي عسل


إنني أود أن أرقد على مقربة من السماء كعلماء الفلك، لكي أنظم قصائدي الروحية في جو من الطهارة.
وأن أكون راقداً بجوار أجراس أصغي إلى أناشيدها المهيبة التي تحملها الرياح، سابحاً في أحلامي.
حين أطل من علِّيتي، وقد ذقنت على راحتي، سأشاهد العمال في مصنعهم ينشدون الأغاني ويلغطون، وسأرى المداخن والأجراس، وصواري المدينة، والسماء المترامية الأطراف التي تجعلنا نفكر في الأبدية.

***

إنه لبديع أن ترى، خلال الضباب، النجمً حين يتهلل في زرقة السماء، والمصباح في النافذة.
وأن ترى أنهار الدخان، وهي تتصاعد إلى قبة الجوزاء، والقمر ينثر إشراقه الشاحب.
سأرى الربيع والصيف والخريف، وعندما يُقبل الشتاء، بصقيعه الممل، سأغلق الأبواب والشبابيك لكي أشيد قصوري الخيالية الرائعة، تحت جنح الظلام.

***

حينئذ أهفو بأحلامي إلى الآفاق الزرق، وإلى الرياض، والينابيع التي تذرف دموعها على المرمر، وإلى القبلات، والطيور التي تغرد صباحاً ومساء، وإلى كل ما في الهوى من براءة الطفولة.
ولن تستطيع الرياح، مهما ثارت وعصفت بنوافذي أن ترفع جبيني من فوق مكتبي،
لأنني سأكون ذاهلاً في تلك النشوة التي أجدها حين أبعث الربيع بمشيئتي، وحين أنتزع شمساً من فؤادي، وحين أخلق جواً دافئاً من خواطري الملتهبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة: عثمان علي عسل
(*)المصدر: مجلة الرسالة/ العدد 500/ التاريخ 1943-02-01

الأربعاء، 28 أغسطس 2019


قصيدة "جيفة"
للشاعر الفرنسي شارل بودلير
ترجمة: عثمان علي عسل


أتذكرين يا حبيبتي ما رأيناه صباح هذا اليوم المشرق من أيام الصيف الجميلة؟ أتذكرين هذه الجثة البشعة وهي راقدة على فراش قد تناثر عليه الحصى. وقد رفعت ساقيها في الهواء كفاجرة تلهبها الشهوات، ينضح منها العرق سما، وكشفت عن بطنها المفعم بروائح منتنة بفتور واستهتار. كانت الشمس تسلط أشعتها على هذه الجيفة كأنما تريد أن تصليها وتسويها فترد إلى الطبيعة ما وسقته، مبعثراً في ذرات لا تحصى. وكانت السماء تنظر إلى هذه الجثة الرائعة كأنها زهرة تتفتح، وكانت رائحة العفن الشديدة حتى كدت تسقطين على الأعشاب مغشياً عليك. وكان الذباب يطن حول هذه الأحشاء المجفرة التي تنبعث منها حشرات صافات سود تنحدر كأنها سائل ثقيل على هذه الأسمال الحية، وهي تعلو وتهبط كالأمواج، وتندفع في صخب، فيخيل إلى المرء أن الجسد وهو ينتفخ بأنفاس خفية يستمر في الحياة بتكاثر أجزائه. كان هذا الحشد يردد أنغاماً غريبة، كأنه ماء جار، أو ريح عاصفة، أو وسوسة حبوب تُذرَىَّ بمنسفة في الهواء بحركات متسقة. غابت معالم هذا الجسد عن الأنظار، فلم تعد تبدو للعين إلا كحلم أو رسم أولي لصورة سيرسمها الفنان من ذاكرته بعد حين على لوحته المهجورة. وكان ثمة كلب قلق قابعاً وراء الصخور، ينظر إلينا شزراً، مترقباً لحظة ذهابنا ليعود فيلتهم العظمة التي تركتها من هذا الحطام. على أنك وا حسرتاه! ستصيرين يوماً كهذه القمامة المدنسة، كهذا النتن المخيف، أنت يا نور عيني، يا شمس حياتي، أنت يا ملاكي، يا هيامي. بلي! إلى مثل هذا المصير سينتهي بك المطاف، يا ملكة الجمال، بعد أن تتلى على روحك الصلوات الأخيرة، فترقدين تحت الأعشاب والأزهار، ويبلى جمالك بين الرمَّم. وحينئذ خبري يا حبيبتي الفاتنة، خبري الدود الذي سيلتهمك بقبلاته، إنني سأحتفظ بصورة غرامي الزائل وروحه المقدسة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مجلة الرسالة / العدد 612/ التاريخ 1945-03-26.



سعيد بوخليط :إصدار قطوف من الفكرين الغربي والعربي
أصدرت حديثا دار النشر نيوبروميثيوس،المشرفة على موقع الموجة الثقافية،أربعة أعداد أولى ضمن السلسلة،التي اختار لها سعيد بوخليط (http://saidboukhlet.com)عنوان:قطوف من الفكرين الغربي والعربي.ورشة يتوخى من خلالها الباحث، العمل على اقتفاء آثار مجموعة نصوص ومتون،أساسية عربية وغربية،في مجالات عدة، قصد قطفها على التوالي موسميا، ثم تركيز إشعاعها المعرفي وتقطير مضامينه، بين دفتي كراسات تجريبية، تقترب أكثر من القارئ.
تضمنت الأجزاء الحالية نصوصا لفلاسفة وشعراء وروائيين ومفكرين ونقاد ومؤرخين وعلماء اجتماع :غاستون باشلار،خورخي بورخيس،غارسيا ماركيز، تزفيتان تودوروف، جان ستاروبنسكي،ريجيس دوبري ،سلمان رشدي، ألكسندر سولجنتسين،هاروكي موراكامي، فيكتور هيغو، جورج أورويل،إدموند هوسرل، جيل دولوز، شارل بودلير،جاك ديريدا، باتريك موديانو، لوكليزيو،حنا أرنت، ألبير كامو، رولان بارت، موريس بلانشو، فاطمة المرنيسي، محمد أركون،إدغار موران….







الثلاثاء، 20 أغسطس 2019


الوجه البشري
مقال: آنتونان آرتو
ترجمة: محمد عيد إبراهيم

الوجهُ البشريّ قوةٌ فارغة، ميدانٌ للموت.
هو الحاجةُ الثوريةُ القديمةُ إلى شكلٍ لا يتطابقُ مطلقاً مع جسمه، الذي يخلُفه ليكونَ شيئاً غير الجسم.
ومن العبثِ أن نعتبَ على فنانٍ كونه أكاديمياً لا يزالُ يصرّ إلى الآن على إعادةِ إنتاجِ ملامحِ الوجهِ البشريّ كما هي؛ لأنها لا تزالُ تنكرُ وجودَ الشكلِ الذي يشيرون إليه ويوصّفونه؛ ويرسمونه بأكثرَ من تخطيط، من الصباحِ إلى الليل، وسط عشرةِ آلاف من الأحلام، ترسُخ كبوتقةٍ من خفقانٍ ملتهبٍ لا يكلّ أبداً. 
وهو ما يعني أن الوجهَ البشريّ لم يجد حتى الآن وجهَه.
وعلى الفنانِ أن يهبه واحداً. لكن هذا يعني أن الوجهَ البشريّ لا يزالُ يبحث عن عينَين، أنفٍ، فمٍ وفجوتَين سمعيتَين، للتوافقِ مع ثقوبِ المحجَرَين مثل الفتحاتِ الأربع بالقبو الدفينِ للموتِ المقترب.
للفنان جان أوغست دومينيك آنغر

يحملُ الوجهُ البشريّ في الحقيقةِ نوعاً من الموتِ الأبديّ على وجهه
وهو ما يجب على الفنان أن يحفظَه بدقّة
ليمنحنا ملامحَه العائدةَ إليه.
نرى على مدار آلافٍ وآلافٍ من الأعوام، في الحقيقة، الوجهَ البشريّ وهو يتحدّثُ ويتنفّسُ
ولا يزال نوعياً يملكُ انطباعَ أنه لم يشرُع بعد في أن يقولَ هذا هو وماذا يعرف.
ولا أعرف أيّ فنانٍ عبر تاريخِ الفن من هولباين[1] إلى آينجر[2]، قد نجحَ في جعلِ هذا الوجهِ الإنسانيّ يتحدثُ. إن بورتريهاتِ هولباين أو آينجر حوائطُ سميكةٌ لا تفسّرُ شيئاً غير العمرانِ الخالدِ العتيق الذي يدعمُ نفسَه تحتَ قوسَين من قبو الحاجبَين، أو يرسّخ نفسَه في النفقِ الأسطوانيّ بتجويفَي جَدارَي الأذنَين.
فان جوخ فقط هو مَن استطاعَ أن يرسمَ، بعيداً عن الرأسِ البشريّ، بورتريهاً كان قذيفةً منفجرةً لدقاتِ قلبٍ دفين.
وجهه هو.
رأسُ فان جوخ بملمسٍ ناعمٍ يستدعي عدَماً وفراغاً بكل محاولاتهِ في لوحاتٍ تجريدية يمكن تخليقها على نظيره، حتى نهايةِ الأبدية.
لكأنه وجهُ جزّارٍ نَهِم، مخطّطٌ كطلقةِ مدفعٍ على أقصى سطحٍ متطرفٍ للوحة،
وعلى حين غرّة يرى نفسَه وقفَت
بعينٍ خاوية
ثم عادَت إلى الباطن،
تستنفد كلياً أكثرَ الأسرار زيفاً في لوحةٍ تجريدية أو غير رمزية تبعثُ البهجةَ،
وذلك السببُ، في البورتريهاتِ التي رسَمتُ،
فوق هذا كله تجنبتُ نسيانَ الأنفِ، الفمِ، العينَين، الأذنَين أو الشَعر، لكني حاولتُ تخليقَ هذا الوجهِ الذي يتحدث معي مُفضياً
بسرِّ
فان جوخ

حكايةٍ بشريةٍ قديمة مرت ميتةً بين يدَي آينجر أو هولباين.
أحياناً، قربَ الأرؤسِ البشرية، رحتُ أخلقُ أشياءً، فظهرَت شجراً أو حيواناتٍ، لأني لستُ موقناً من الحدودِ التي يمكن أن يوقفَها جسمُ الذاتِ البشرية.
علاوة على أني قد حَطّمتُ بالتحديدِ الفنّ، الأسلوبَ، أو الموهبةَ، في كافةِ الرسوم التي قد تراها. أريدُ أن أقولَ إنها ستكون جحيماً لمن يدفع مقابلها معتبراً إياها أعمالاً فنية، أعمالاً ذات حَفزٍ جماليّ للحقيقة.
لا أحد يمكنه أن يتحدثَ بصدقٍ عن عملي.
فكلها تخطيطاتٌ، أقصدُ عملياتِ سَبر أو صَعقٍ تهبّ في كافةِ مناحي المصادفة، الاحتمال، الحظّ أو المصير.
لم أبحث لأنقّحَ أسطري أو ما توصّلتُ إليه،
لكن لأعبرَ عن أنماطٍ معينة من حقائقَ خطيةٍ واضحة لها قيمةٌ كبيرة بفضلِ الكلماتِ، العباراتِ المكتوبة، كأسلوبٍ تصويريّ وانطباعيّ للملامح.
للفنان هانس هولباين الابن

فهي رسومٌ عديدة تعدّ مزيجاً ما بين القصائدِ والبورتريهات، حول اعتراضاتٍ مكتوبة واستعاداتٍ فنية للعناصر، للمواد، لشخصياتِ البشر أو الحيوانات.
تلك هي الطريقة التي على المرءِ أن يتقبلَ بها هذه الرسومَ، من همجيةِ وفوضى أسلوبها الانطباعي "الذي لم يشغَله الفنّ من قبل"، لكن من إخلاصِ وعفويةِ خطوطها.

ترجمة: محمد عيد إبراهيم



[1]Holbein: (1497/ 1543) فنان ألماني، من عصر النهضة، أواخر المدرسة القوطية. (م)
[2]Ingres: (1780/ 1867) فنان فرنسي، عصر الكلاسيكية الجديدة وبدايات التعبيرية. (م)



ألبير كامو .. كتاباته الغرامية إلى ماريا كازارس:
 الرسائل : 19 /20/ 21
                                                              ترجمة : سعيد بوخليط 

الرسالة رقم (19)
الثلاثاء 15 يناير 1946(1)
صغيرتي ماريا،
حينما عدتُ من رحلة سفر أخبرني أوتلي(2) بالفاجعة (3)ولايمكنني وأنا بصدد تدبيج هذه الرسالة إليكِ السيطرة على حزني وكآبتي.أفترض عدم إمكانية إقراركِ بحقي في أن أتقاسم وإياكِ  لحظات سعادتكِ،في المقابل، يبدو أني قد احتفظت لنفسي،رغم تواجدي بعيدا عنكِ، مشاطرتكِ، لحظات آلامكِ وأحزانكِ. أعلم كفاية مدى جسامة حزنكِ في الوقت الراهن ثم كونه غير قابل للمواساة.
أضمرت لأمِّكِ تقديرا معينا واحتراما قلبيا يليق بأشخاص انتموا إلى عيِّنة خاصة :كائنات هيِّئت تحديدا لكي تدمن الحياة.بالتالي،يبدو لي ما وقع  جائرا جدا وبشعا للغاية !
  لِما ذلك!لاشيء بمقدوره تعويض الحب الذي ربط بينكما. إنّ جانبا من احترامي لشخصكِ ينبع مما عاينته عن ذلك الحب.أشعر بالأسف وأنا أتصور طبيعة الغضب وكذا التمزق الذي تكابدينه في الوقت نفسه. نعم، قلبي معكِ كليا منذ علمي بما وقع، واليوم أتوخى أكثر من أي وقت مضى تقديم أفضل ما لدي حتى أتمكن من معانقتكِ بكل حزني.
*هامش :
: (1) أنهت كازارس علاقتها مع ألبير كامو أواخر سنة 1944،حين عودة فرانسين(زوجة كامو)إلى باريس.
: (2) بول أوتلي، ممثل ومخرج (1890-1959) ،صديق ألبير كامو و(عم أو خال ) فرانسين كامو،أدى دور الخادم في مسرحية "سوء تفاهم" سنة 1944، وأخرج مسرحية كاليغولا التي عرضت في مسرح ''هيبرتو'' شهر شتنبر 1945 .  
(3: غلوريا،والدة ماريا كازارس،توفيت يوم 10يناير 1946 في مستشفى كوري بباريس،عن سن  يناهز الثالثة والخمسين .
                              
                              الرسالة رقم(20)
*الثلاثاء مساء 26 يوليو1948 (1)
وصلتُ البارحة مساء عائدا من سفر، منهكا لأن طي المسافة استغرق يومين ولم أغمض جفنا(2).لم أستطع البارحة النوم عميقا وأتوقع نفس الحالة خلال هذا المساء،نظرا لحرارة الجو المرتفعة جدا،ثم احتشاد الكثير من زيز الحصاد والنجوم مما يفقدني الرغبة في النوم. على الأقل،وأنا بصدد الكتابة إليكِ… تذكرت بأني أرسلت لكِ بعض الكلمات الجوفاء،وأنا في طريق العودة. عشتُ وقتئذ حالة غريبة، تلاحقني التعاسة مع كل دوران للعجلة، وفي نفس الوقت تضيء طريقي سعادة معينة كما لو وصل المستحيل فجأة.وقد حققت بفعله،هذا الصباح انتصارا على إحباطي،عانيته مدة شهر ونصف،حاصرتني خلالها مختلف أحزان العالم،وأنا بعيد عنكِ تفصلنا مسافة ثمانمائة كيلومتر.قلت مع نفسي :''لقد كتبت لها كثيرا".لكن منذ قليل،بينما أتجول وحيدا،ليلا،وفوق تل صغير مغطى بأشجار اللوز،اكتسحتني خلال لحظة جميلة جدا،وأنا في غاية الهدوء،منطلقا شيئا ما،رغبة أن أشارككِ هذا البلد الذي أعشقه،وقد بدت لي حقيقة استحالة الكتابة إليكِ،ومخاطبتكِ بمجمل قلبي وغرامي.مع ذلك،اقتضي الأمر المحاولة وبالفعل نجحت.حالَما أستريح قليلا وأشعر بأني مزاجي أفضل أتمنى أن تبادري(أود القول الكتابة إلي أو احتفظي برسائلكِ).آنيا، قلبي منقبض بحنان غير مألوف وأنا أستعيد اللحظات التي قضيناها معا،بحضوركِ الجليل،ثم وزنكِ وأنت فوق ذراعي نتسكع في القرية،صوتكِ،والعواصف.أساسا، اكتبي إلي،لا تتحولي بوجهكِ عن وجهتي.فأنا لاأعرف شيئا خارج مجالكِ،لاشيء سوى أنتِ ولا أكون صاحب قدرة إلا بوجودكِ.فليستمر ترابطنا مثلما عرفنا الأمر سابقا ولنتضرع إلهكِ كي يبقي عناقنا ولاينتهي قط.أو بالأحرى، لنفعل بهذا الصدد ما يلزمنا القيام به، فذلك أكثر يقينا.
إلى اللقاء، عزيزتي، صغيرتي ماريا.
إلى اللقاء،سأضمكِ ليلا، مثلما أريد.
راجعي كتيب مدينة قادس (3)،الصفحة 86 السطر العاشر(ثم احسبي السطور التي تضمنت اسم الشخصيات). 
هامش : 
1-استقر كامو في باريس مع زوجته فرانسين وطفليه التوأمين،وعرف خلال هذه الحقبة نجاحا أدبيا كبيرا بفضل روايته الطاعون(غاليمار،10 يونيو 1947)،ثم استأنف ثانية علاقته الغرامية  مع ماريا كازارس يوم 6 يونيو1948،نتيجة شرارة لقاء عابر في شارع سان جيرمان.انفصلت ماريا عن جون بليني،المنحدر من أسرة عرفت بزراعة كروم النبيذ في منطقة بوردو،وهو العاشق الذي ارتبطت به منذ بداية سنوات 1947،بعد تجربة سابقة عاشتها ماريا مع الممثل البلجيكي الصاخب جان سيرفي (1910- 1976).
2 –التحق كامو بأسرته في منطقة ''ليزل- سور- سورغ ''،لقضاء أيام الصيف،إلى جوار روني شار،والتركيز على تفاصيل مسرحية ''حالة طوارئ"،التي انبثقت من مشروع صحبة جان لوي بارو ثم انطلاقا من تأملاته الخاصة في رواية الطاعون.
- المكان الذي جرت فيه وقائع مسرحية حالة طوارئ.
 
                                          الرسالة رقم(21)

السبت31 يوليو 1948
لقد مرت ستة أيام على قدومي إلى هنا ولم أعتد بعد على غيابكِ. ينتابني شعور مفاده أننا عشنا معا طيلة أسابيع بانتشاء، ثم انتُزِعتُ دفعة واحدة وقُذِفت صوب الجهة الأخرى من فرنسا.هكذا بقيت شديد الحيرة بحيث لو امتلكت فقط الوضوح الضروري كي أتبيّن إلى أي حد يعتبر هذا الوضع حمقا. كل ما أعرفه، أن مكاني ليس هنا،بل جوار من أحب.ثم تظل جل التفاصيل الأخرى بلا جدوى أو نظريا.منذ قليل وأنا أتجول همست لنفسي بأنه من البلاهة ممارسة حياتي دون أن أتلقى إشارة منكِ.إذا أحبَّ أحدنا الثاني، فيلزمنا الحديث ،ويدعم أحدنا الآخر،ثم نتعلق ببعضنا معا.عندما يتداخل ذلك سنظل متوحدان حتى النهاية مهما جرى.اكتبي إلي إذن، باستمرار ولأجل طويل قدر ماتشائين.لا تتركيني وحيدا،عزيزتي.فلسنا دائما أقوياء،أو أكبر من آلامنا، مهما اعتقدتِ. فخلال الأوقات التي نشعر معها أننا أكثر بؤسا،حينذاك وحده الحب بوسعه التكفل بإنقاذ كل شيء.وأنا بعيد جدا عنكِ، وأشعر إلى أي حد تضخم قلبي بكِ، في المقابل أعجز عن تخيّل حقيقة قلبكِ.حدثيني، أخبريني ماذا تفعلين، وبما تشعرين.ماذا فعلت إذن خلال هذا الأسبوع المنقضي؟ إحدى المبررات التي تدفعني إلى  التردد في أن أطلب منكِ الكتابة إلي، تعود أيضا إلى  حرصي كي لا أزعجكِ، أو إرغامكِ على التفكير بأني أنتظر ويلزم أن تكتبي إلي.عموما لن تبادري إلى مراسلتي خلال الأيام التي تنعدم لديكِ رغبة من هذا القبيل.ثم لما لا أزعجكِ قليلا. هيا، راسليني بسرعة، بكلّ فؤادكِ.أنتظر اكتشاف وقائع يومياتك،ساعديني على تخيّلكِ.هل اكتسبت سحنتكِ سُمرة،أي جمال يبعثه الامتزاج؟ما شكل تسريحة شعركِ؟.
 منذ وصولي إلى هنا، وأنا أكابد كي أفصح عن هواجسي: لا أعثر على الكلمات المناسبة.أيضا أحس مدى رداءة مستوى رسائلي إليكِ.مادامت رغبتي الوحيدة انصبت على تطلعي إلى المكوث صامتا بالقرب منكِ، كما حدث في أوقات سابقة، أو أستيقظ، وأنت مستغرقة في نومكِ، ثم أشرع في تأملكِ طويلا،منتظرا لحظة استيقاظكِ.عشقتُ هذا المشهد،ويعتبر مكمن سعادتي ! أتشوق إليه دائما.في انتظار ذلك،تمر الأيام رتيبة.أستيقظ باكرا، أجلس قليلا  للاستمتاع بدفء أشعة الشمس،أكتب طيلة الصباح،أتناول وجبة الغذاء،ثم أقرأ،بعد الظهيرة أواصل الكتابة،وخلال المساء أخرج رفقة بات Pat،كلب طاعن في السن جعلته صديقا،للتجول معا وسط تلال جافة، يغمرها حلزون أبيض صغير جدا،تحت كنف ضوء رائع. في المساء، أواصل أيضا الكتابة قليلا، لكني أتحول باكرا إلى سريري وأنام، أخيرا،أنام.هكذا أتوارى عن وجهي الكدر.لكن حاليا، وقد اسمر لونه وتجدد شبابه، ربما نلتُ بعض الفرص،كي أحظى بإعجابكِ.المنزل فسيح، يقع وسط القرية( يبعد مركز القرية بكيلومترين).أشجار رائعة، من فصيلة الصنوبر،والزيتون،ريف في غاية الروعة بحيث سيشعر بالظلم، وأنا بصدد الحديث عن الجمال هنا،ثم لا أتوقف ضمنيا عن التفكير فيكِ.ألم أخبرك بأنها قرية بيتراركا وكذا لور(1)؟"سأحس بالشبع،عندما تظهر!" في انتظار ذلك،حان دوري للإحساس بالجوع والعطش.
منذ قليل،كانت سماء الليل زاخرة بنيازك.ولأني أصبحت برفقتكِ عارفا بلغة السحر، فقد بعثت لها ببعض الأماني المتناثرة خلفها. فلتسقط، هناك عندكِ، مطرا على وجهكِ الفاتن، فقط إن رفعتِ عينيكِ هذه الليلة نحو السماء.فتحدثكِ تلك النيازك عن النار،والبرد، الأعالي، والقطائف، أن تروي لكِ الحب،كي تظلي متماسكة،ثابتة،متصلبة غاية عودتي،جامدة تماما،ماعدا قلبكِ،ثم سأوقظكِ من جديد.
إلى اللقاء عزيزتي،أنتظر رسالتكِ،أنتظركِ.اهتمي بنفسكِ،اهتمي بنا معا.

* هامش :
 (1) بيترارك(1304- 1374)، ينتمي إلى أسرة تنحدر من  فلورنسا، تعرضت للنفي،فأقامت لسنوات عديدة في منطقة "فونتين- دو- فوكلوز"،على ضفاف نهر لاسورغ…،قبل ذلك بسنوات قليلة،التقى بملهمته  لورLaure، في منطقة أفينيون.                                                                   
 **مصدر الرسائل :
ألبير كامو/ماريا كازارس : مراسلات (1944- 1959)؛منشورات غاليمار 2017

http://saidboukhlet.com

الأحد، 18 أغسطس 2019



شارل بودلير.. وجوهر شخصيته:
 حوار مع كريستين ناتا*
                                                              ترجمة : سعيد بوخليط 


تقديم : ماري كريستين ناتا،مؤرخة ومتخصصة في التأنّق،أنجزت عملا بيوغرافيا حول بودلير(منشورات بيران،2017). تناقش في هذا الحوار كيف عمل بودلير على إخفاء تصدعه وراء أناقة مفتعلة.
س- انطلاقا من أي مصدر يمكننا اليوم كتابة سيرة عن بودلير ؟
ج- بالاستناد إلى شهادات حول حياته،وهي بالمناسبة عديدة،سير ذاتية كتبت مبكرا جدا بعد موته من طرف صديقه شارل أسيلينو وكذا الناشر أوجين كريبي،لكن خاصة باستحضار كتابات بودلير نفسه : إنتاجه، الذي تغذى من وقائع حياته؛الإشارات التي تضمنها عمله قلبي عاريا أو شهب نارية،حيث انقاد خلف مشاعره؛وبالتأكيد رسائله،الغنية بوجه خاص.لقد راسل بودلير أفرادا كثيرين،في طليعتهم أمه،رسائل موجعة في الغالب يستسلم لفحواها تماما،لكن أيضا تلك الموجهة إلى أصدقائه ثم الذين نسج معهم علاقات مهنية مثل مدراء الجرائد.
س- أي موقع تحديدا شغلته الحقيقة بين فقرات تلك النصوص؟بحيث كان بودلير مخادعا كبيرا
ج- صحيح،كان بودلير يكذب باستمرار.إحدى الحكايات الأكثر حضورا والتي ساهم في إشاعتها تلك المتعلقة بسفره إلى الهند،حيث ادعى باستمرار زيارته لذلك البلد.في هذا الإطار وحينما أراد أحد أصدقائه إدراجه ضمن فهرس معجم بيوغرافي،أكد له بودلير :"أسفاره العديدة إلى بحار الهند،حينما كان في ريعان شبابه".بعد مرور تسع سنوات على هذه اللحظة،أعاد تأكيده ثانية إلى ألفريد فيني،بأنه :"رأى الهند الكبيرة وأقام هناك إبان سن السابعة عشر ".لم يكن ذلك صحيحا،بل مجرد اختلاق.أيضا قدم فكرة لا تمت للحقيقة بأي صلة بخصوص طبيعة علاقته مع زوج أمه الجنرال أوبيك Aupick .من الثابت أنه خلال نهاية مراهقته،اصطدم معه بقوة،ثم انتهت علاقتهما.لكن أحبه عندما كان طفلا،وعبر له عن شعوره ذلك،ورسائله توثق هذا الأمر.مع ذلك،فالحياة المتناغمة التي عاشها الشاب شارل تحت كنف زوج أمه تخفي تصدعا عميقا :ففي عمر السادسة،توفي والده،ومضت بالكاد سنة ونصف على ذلك،حينما تزوجت أمه بالجنرال أوبيك.هذا الانفصام،لايتكلم عنه بودلير قط،أو بكيفية تلميحية أو استفزازية. 
س- لم يكن سعيدا؟
ج-ارتدى بودلير قناعا. والقناع سمة للمتأنِّق.والحال أنه ادعى ذلك. أسلوب حياة من هذا القبيل، مَثّلَ لديه القاعدة الوحيدة المقبولة. كما الشأن مع باربي دوريفيلي،الذي وضع نظرية لفلسفة كهاته، ترتكز على تأطير الشخصية ضمن مرتكزات صورة تجعلها تبدو كما لو تعلق الأمر بعمل فني، من خلال الحاجة إلى التميز وإثارة الانتباه.سنة 1863،أضفى بودلير في كتابه رسام الحياة المعاصرة، على شكل المظهر تبريرا فلسفيا. بالنسبة إليه، ليست الطبيعة : ''مصدر كل شيء جيد ".بل على العكس،تعتبر :"مرشدا سيئا فيما يتعلق بالمرجعية الأخلاقية ''،ولا تجعلنا نصغي سوى :"لصوت مصلحتنا".بهذا المعنى،الفضيلة مصطنعة.ويضيف بأنها :"فوق طبيعية، مادام يلزم،عبر مختلف الأزمنة وعند كل الأوطان،وجود آلهة وأنبياء يخرجون البشرية من حيوانيتها،مادام الإنسان وحده،يبقى عاجزا عن إدراك هذا الأفق.يتبلور الشر دون مجهود، بكيفية طبيعية؛ بينما يعتبر الخير نتاجا دائما للفن".هكذا سعى بودلير على امتداد حياته،إلى تفعيل مضمون هذه الرؤية للوجود.  
س- هل نجح في إخفاء طبيعته الحقة؟
ج-لقد وظف بودلير دوما أقنعة.قصد توضيب انتحال و أحيانا،استنساخ،أو العمل على توقيع مؤلفاته بأسماء مستعارة ،لاسيما اسم صديقه ألكسندر بريفا دونجليمون.بالتأكيد، راهن على مظهره الفيزيائي.يخبرنا صديقه غوستاف لوفافاسور،أن بودلير،يعكس لديه شخصية :"جورج برايان مكتسيا بروميل ". مديح جميل بالنسبة لمتأنِّق.
س- هذا يفسر إعجابه المفرط بالملابس؟
ج-كان بودلير متذوقا للجمال.من هنا ارتباطه الخاص جدا بالمال،الذي لم يكن سوى وسيلة للتعبير عن الجميل تبعا لجميع مستويات حياته المادية.هكذا أنفق مبالغ مفرطة لاقتناء آثاث باهضة،ولوحات أعظم الفنانين،ثم طبعا،شراء الثياب والقبعات.لحظة إفلاسه،يحتفظ مع ذلك بنقطة مجد تمثلت في اعتنائه الدائم بمظهره. دأب على لباس قميص أبيض،وحينما يصير رثّا،يلتجئ إلى ارتداء صدرية بأزرار غاية العنق سعيا منه لإخفاء حالة البؤس تلك.كذلك ما يتعلق بأحذيته، فقد كانت مهترئة،لكنه لايتردد في تلميعها،مثلما اعتنى دائما كثيرا بنضارة بشرة يديه.
س-تمتع بودلير بذوق عصري جدا
ج- نعم،وكل الوقائع أظهرت ذلك،بحيث جسدت شقته داخل فندق بيمودان ذوقا واضحا جدا،وخاصة أصيلا.تمتع بموهبة حقيقية فيما يتعلق بالديكور،وكان بوسعه حسب تصوري،أن يصبح مختصا جيدا في مجال هندسة الديكور.هكذا،اختار بالنسبة لكتبه أغلفة رصينة جدا من جلد الماعز، الأكثر تميزا.لكن حينما ينتقل إلى  داخل غرفته،بسريرها المصنوع من خشب الأكاجو كما الحال مع البيوت البورجوازية،فقد فضل سريرا حديديا بسيط جدا،شبيه بأسِرَّة المستشفيات….
س- لكن هل كان بودلير ''مدعيا" احتاج إلى إثارة الإعجاب،أو أنانيا هائما بذاته؟
ج-لايبدو بأن''عاداته في التأنُّق"وجهت إلى المتفرجين.بل قصد منها بالأحرى"إشباعا شخصيا''،يتجاوز مجرد المتعة النرجيسية.ولم يكن فضلا عن ذلك ''اجتماعيا''،بالرغم من حياته المجتمعية النشيطة. 
س- أليس إذن الخجل، بدل التأنُّق،ما يفسر نزوعه نحو الاختلاق وكذا إحداث الإثارة؟
ج- صحيح، كان خجولا.يروي صديقه شارل أسيلينو في السيرة الذاتية التي أنجزها حوله كيف يتجه اهتمام بودلير إلى البحث عن القطط عندما يجد نفسه في مكان ما. بحيث يركز اهتمامه على الحيوان أكثر من الأفراد الحاضرين.يشكل ذلك عَرْضا يحاول في إطاره أخذ متسع من الوقت قبل انضمامه إلى الجماعة.بودلير شخص كتوم، منغلق جدا على نفسه، يحجب ما يعيشه داخليا.لكن، خارجيا،يسهل عليه الظهور بمظهر جريء للغاية.فيا يتعلق بميله إلى الاستفزاز،فعلا،تأكد ذلك مع جل وقائع حياته.امتلك موهبة الإزعاج متسيدا على مختلف البراهين المخالفة ويسوق محاوره غاية منتهاه.أحيانا،يستفز بطريقة سيئة.انتقاداته الفنية،لاسيما تلك التي حاول بها إفحام هوراس فيرنيVernet،اتسمت بعنف كبير. 
س- فظاظة لو جاءت في سياق واقعنا المعاصر لأحدثت له سلسلة محاكمات تهم جرائم القذف !لكن أحقا كان بودلير شريرا؟
ج- بل يمكننا القول، بودلير بمثابة شخص لم يكن يقبل التنازل. وأحبَّ دائما في إطار نزوعه إلى الاستفزاز، القيام بذلك كثيرا،حتى يشعر بمزيد من الانتشاء.هي سمة أيضا للتأنّق.فضلا عن ذلك،إذا أحس أسيلينو بالحاجة كي يبادر سريعا جدا نحو كتابة سيرة بودلير بعد موت الأخير،فلأنه توخى مقاومة تلك الأسطورة السوداء الشيطانية،التي أحاطت ببودلير ونتاجه،لاسيما منذ محاكمة نصوصه الشعرية أزهار الشر سنة 1857 . لكن إنصافا للحقيقة،فهذه السمعة الشاذة،التي تكرست غاية لحظتنا الحالية،حول شخصية بودلير،يعتبر الأول من وضع أسسها.
س- الطريقة التي تكلم بها عن المدينة،والتصوير الفوتوغرافي،والشعب، ميزها التناقض دائما.حداثي،غير حداثي؟فمن هو بودلير حقا.
ج- بودلير حفنة من التناقضات.صحيح،أنه تفوه بكلمات قاسية جدا في حق الشعب،لكن في ذات الوقت،أظهر تعاطفا مع المقهورين والمهمشين،سواء تعلق الأمر بعامل القمامة أو امرأة كهلة.كان يكره باريس جورج أوجين هوسمان،في المقابل،حينما كتب عن الرسام كونسطنطان غيس- الذي رسم لوحة مذهلة عن العاصمة باريس من خلال موضوعاته وكذا أسلوبه الفني– سيبدو بودلير كأحد الأوائل الذين اهتموا حقا بالمدينة الحديثة.أكد امتعاضه من التصوير الفوتوغرافي مع ذلك قضى وقته في التقاط صور فوتوغرافية،لاسيما من طرف صديقه نادار.أيضا،ناشد الانضباط،في حين ظل فوضويا.أكد مناهضته للحداثة،لكنه في كل الأحوال أعطى لكلمة ''حداثة" مختلف تجليات معناها.إذن،حتما،بودلير ليس واضحا.لكن من خلال تناقضاته المؤلمة تلك،في اعتقادي،يكمن سر ثراء شخصيته وإبداعه،إبداع يتحدث بلسان كل واحد منا.
*مرجع الحوار :
Hors-série : Le point ;Grandes biographies ;2017.PP/8-9.